المثقف - قضايا

السيّد أبو الحسن الأصفهاني وإجازات الاجتهاد

حاول الميرزا محمد تقي الشيرازي المتوفّى سنة (1338ق) أن يحسم موضوع المرجعيّة بعده من خلال إرجاع مقلّديه الإيرانيين إلى الشيخ عبد الكريم الحائري، ومقلّديه العراقيين إلى السيّد أبو الحسن الأصفهاني وربّما غيره أيضاً، لكن الأمر في العراق لم يُحسم كما أراد، فبعد وفاة الشيرازي وشيخ الشريعة الأصفهاني تشارك السيّد أبو الحسن الأصفهاني والميرزا النائيني في المرجعيّة حتّى عامّ (1355ق)، حيث توفّي النائيني في العراق والحائري في إيران، فتسلّم حينها أبو الحسن الأصفهاني المرجعيّة العامّة للطائفة الشيعية على عموم العباد والبلاد بلا منازع.

منح السيّد أبو الحسن الأصفهاني المتوفّى سنة (1365هـ ق، 1946م) إجازات اجتهاد كثيرة قبل تسنّمه للمرجعيّة العامّة، وقد نوّهنا في المقال السابق إلى التساهل الكبير الذي كان ينطلق سماحته منه في إعطائها؛ بغية الحفاظ على الحوزة العلميّة من السياسات الإقصائيّة لنظام رضا البهلوي، ولعل هذا هو السبب الذي سبّب توسّع وكلاء سماحته في عموم المعمورة بعد ذلك، حتّى نصّ بعض الباحثين على وصولهم زهاء الأربعة آلاف وكيل، وفي سياق التدليل على هذه الفكرة نضع بين يديّ القارئ إجازتين في الاجتهاد منحها أبو الحسن الأصفهاني؛ لنؤكّد على الحقيقة التي يميل إليها المختصّون في الدرس الحوزوي وهي: إن إجازات الاجتهاد في القرن العشرين لا تُمنح على أساس البُعد العلميّ في الشخص المُجاز عادةً، وإنّما تُمنح في الغالب لمن يطلبها من طلّاب الحوزة لأسباب أخرى أهمّها:

• قانون الزيّ الموحّد وخطورته في إقصاء الحوزة.

• إعطاء مقبوليّة وشرعيّة للشخص المُجاز في منطقته التي يريد العودة إليها، أو التي يريد إنجاز مهمّة تبليغيّة فيها كالحجّ مثلاً.

• تشجيع الطالب لمواصلة بحثه ودرسه.

• توفّر الحدّ الأدنى من الاجتهاد في هذا الشخص الذي لا يجيز له تقليد غيره.

لنأخذ نموذجاً من إجازات الأصفهاني ونقرأ في ضوئها هذه الحقيقة، فقد منح الأصفهاني إجازة اجتهاد للسيّد الخوئي في شوّال من سنة: (1353هـ ق)، حينما عزم السيّد الخوئي التشرّف إلى الديار المقدّسة لأداء فريضة الحجّ، وفيها عبارات: «فإن جناب العالم العلّام، ومصباح الظلام، المحقّق المدقّق... ولدنا الأعزّ السيّد أبو القاسم الخوئي... ممّن صرف عمره في تحصيل العلوم الشرعيّة، وتنقيح مبانينا النظريّة، وحضر على جملة من الأعلام، فاحصاً باحثاً، مجدّاً مجتهداً...وقد بلغ مرتبة سامية من الاجتهاد...». وفي نفس هذه الفترة تقريباً منح الأصفهاني إجازة اجتهاد إلى: الميرزا علي باقر زاده القمّي الأشعري، وفيها عبارات: «الفاضل الكامل، العامل بالمفاخر والمكارم، صاحب السليقة المستقيمة... قد بذل جهده وأتعب نفسه في تحصل العلوم الشرعيّة، وحضر عند بعض الأعلام برهة من الزمان [وهذا يكشف عن عدم حضوره عنده]، حتّى بلغ رتبة الاجتهاد، فليحمد الله على هذه النعمة الكبرى، والعطيّة العظمى، وله العمل بما يستنبطه من الأحكام الشرعيّة...».

والمضمون الذي حملته هذه الإجازة وإن كان يختلف عن مضمون الإجازة التي مُنحت للسيّد الخوئي، الفقيه الكبير، ولكن كيف يمكن لبسطاء الناس التمييز بينهما، ومعرفة: إن الأولى تكشف عن مرتبة علميّة عالية، والثانية: صدرت لأجل تسهيل لبس العمامة مثلاً؟! فلو فرضنا إن السيّد الخوئي والميرزا باقر زادة القمّي ذهبا إلى منطقة شيعيّة نائية، ودعا كلّ واحد منهما الناس إلى تقليده، وبعد أن سألهم الناس البسطاء: ما هو دليل اجتهادكم؟ فأظهر كلّ واحد منهم إجازة اجتهاده الخطيّة التي تسلّمها من السيّد أبو الحسن الأصفهاني... ترى هل ستفرّق الناس حينئذٍ بين مضمون هذين الإجازتين حينما تريد التقليد ودفع الحقوق الشرعيّة لهما؟!

كلّ هذا يكشف عن إن: إجازات الاجتهاد بمفردها لا تمتلك في الغالب قيمة (حوزويّة) تكشف عن ثبوت اجتهاد المُجاز في الواقع والحقيقة، وإنّما يمنحها مراجع الدين لأسباب أخرى هي مبرّرة وموضوعيّة في تقديراتهم، ووفقاً للموضوع الذي ينقّحه المحيطون بهم، وهم واثقون كلّ الوثوق: إن من يمنحونه إجازة اجتهاد لهذا الغرض لا يعير لها أيّ أهميّة (علميّة)، ولن يقتصر يوماً عليها فيبادر إلى طرح مرجعيّته ودعوة الناس إلى تقليده اعتماداً على هذه الورقة فقط، فثقافة طلّاب الحوزة في ذلك الزمان كانت تعرف هذه الحقيقة جيّداً، وتعرف إن من يريد الاجتهاد والأعلميّة فعليه أن يسلك الطريق العلميّ الحوزويّ المعروف، وهذا الأمر تنبّه لخطورته مراجع الدين المعاصرون، فأصبحوا لا يمنحون إجازة الاجتهاد حتّى لطّلابهم الذين تيقّنوا بتوفّرهم على المرتبة الأدنى من الاجتهاد؛ لأنّهم يعرفون جيّداً إن منح الشخص إجازة اجتهاد (خطّيّة) يعني السماح له بطرح مرجعيّته ورسالته العمليّة ودعوة الناس إلى تقليده؛ حيث إن هذا هو التلقّي السائد [والخاطئ] الذي يحصل عند عموم الشيعة في هذه الأزمان، مع إنّهم يرون عدم التلازم بين الاجتهاد وبين المرجعيّة والأعلميّة، من هنا تعرف أحد أهمّ أسباب تمنّع المراجع المعاصرين عن منح إجازات اجتهاد لطلّابهم.

 

ميثاق العسر

...........................

للاطّلاع على صور الوثائق لاحظ الرابط التالي:

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=878644565591202&id=100003369991996

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3452 المصادف: 2016-02-17 01:30:58