المثقف - قضايا

مستقبل التغيير في الوطن العربي.. تأملات فكرية في الربيع العربي

abdulhusan shaabanمقدمة: يبدأ الدكتور أحمد يوسف أحمد، وهو من أكثر الباحثين العرب المعروفين بالاستقامة والمواظبة، بحثه الموسوم " مدخل إلى قراءة إجمالية في المشهد العربي" بمقدمة فيها الكثير من المرارة وربّما الخيبة، لما وصلت إليه حركة التغيير في العالم العربي، فيشير إلى أن البحث في الأوضاع العربية الراهنة سيكون "مصدراً للاكتئاب" الذي " يخنق الأنفاس" و"يدمي القلوب" و"يصدم العقول"، وذلك في إطار مقاربة تتحسّس مدى انكسار الأمل وتحوّله إلى "وضع مخيف"، خصوصاً في ظل الإرهاب والتفكّك والطائفية والهجرة والاختراق الخارجي، وهي عناوين كلّها يمكن أن تعقد حولها ندوات متخصّصة ومتنوّعة في مواضيعها ومعالجاتها وزوايا النظر إليها.

خمسة نقاط أساسية يستدرجنا إليها الباحث، لكي نتمعّن النظر فيها ونتوقّف عندها لما يحيط بنا من مخاطر وما ويواجهنا من تحدّيات في سردية منهجية متّسقة أراد منها الوصول إلى الحاضر واستشراف المستقبل:

أولها - الدرس التاريخي، وثانيها - الصراع والخطر الخارجي ويبحث في ثالثها- بُنية النظام العربي وخريطة الصراعات الداخلية والإقليمية، سواء كانت دينية أم طائفية. وينتقل بعد ذلك في رابعها إلى تهديد الهوّية العربية، ويتوقّف الباحث في خامسها عند جامعة الدول العربية ، فيبحث في أزمتها وميثاقها ومحاولات تطويرها في السابق والحاضر.

مثلما يبدأ الدكتور أحمد يوسف أحمد في المقدمة ينتهي في الخاتمة بالكآبة ذاتها المحمّلة بنذر خطيرة، منها مشهد التفتّت المخيف لأسباب داخلية وخارجية، ويرجع ذلك إلى غياب قوة أو قوى مؤتلفة عربية لكي تقوم بالاضطلاع بمهمة التغيير، ويعتبر من الترف بمكان محاولة استشراف الوضع، وترجيح بعض المشاهد، في حين يبدو السقوط في القاع والإنحدار، إلى الهاوية داهماً، ويضع الأوليات كالتالي: منع السقوط ووقف الانحدار، وهو ما أجد نفسي أتفق معه تماماً.

أمّا طرح الحلول أو تقديم التوصيات أو المناشدات للأنظمة، فهو غير مجدي حسب رأيه، لأن هذه الأنظمة أمّا عاجزة أو متواطئة، وبغضّ النظر عن طبيعة هذه الأنظمة ورأينا السلبي بها، لكنني أعتقد إن واجب النخبة الفكرية والثقافية يقتضي عدم تركها تتخبّط بما هي عليه وتدور في أزماتها المتلاحقة، ويتطلّب الأمر ممارسة ضغوط عليها، وسواءً أخذت بمقترحات أو آراء تلك النخب أو لم تأخذ، فإن واجب تجسير الفجوة لا يقع على السلطات الحاكمة لوحدها، وإنْ كانت تتحمل المسؤولية الأساسية في ذلك، بل يستوجب من النخب الفكرية والثقافية، التقدّم بمبادرات ومشاريع قوانين ولوائح ومقترحات، سواء تمت الاستجابة لها أو لم تتم، وذلك بدلاً من الاكتفاء بالاحتجاج، إذْ إن تحوّلها إلى قوة اقتراح أيضاً، سيسهم في رفع الوعي من جهة والتأثير على الرأي العام وقواه الحيّة من جهة أخرى، خصوصاً عبر تراكم قد يكون طويل الأمد، ولكنه لا غنى عنه.

ثم يعود الباحث ليتحدّث عن إرادة الشعوب القادرة على فرض التغيير، لكنه في الوقت نفسه يبدي أسفه للتضحيات التي ذهبت سدىً في الربيع العربي، الذي انتهى وفقاً لوجهة نظره إلى كارثة بسبب غياب نخبة قادرة على قيادة الجماهير وتوجيهها إلى المسار الصحيح. وأجد نفسي في اختلاف مع الباحث، لأن الثورات غالباً ما تتعرّض إلى محاولات حرف أو ثلم أو انكسار أو احتواء، وقد تتمكّن منها الثورة المضادة أحياناً، لكن المسار الذي حفرته سيتعمق مع مرور الأيام، خصوصاً إذا ما لامست هموم الناس وعبّرت عن تطلعاتها.

لهذه الأسباب يجب أن نأخذها كعملية بعيدة المدى Process، وليس حدثاً عابراً أو ظرفاً طارئاً أو رد فعل، وحسبي هنا أن أستحضر مثال الثورة الفرنسية ومآلاتها، التي جاءت نتائجها بعد قرن ونيّف من الزمان، وعبر معاناة شاملة وأعمال عنف وإعدامات ومجازر وحروب، لكن مُثلَ الحرية والإخاء والمساواة، ظلّت تُلهم الشعوب والأمم وتجذب الملايين من البشر، ولم تذهب تضحيات الناس سدىً، بل بالتراكم والتطور التاريخي، تحوّلت المفاهيم إلى قوانين وهذه أصبحت نافذة في إطار مؤسسات ورقابة ومساءلة وقضاء.

ويحدّد الباحث الدكتور أحمد يوسف أحمد مسؤولية النخب "القومية العروبية" بصفة خاصة، وحسب رأيه: فليس من حقها الاكتفاء بتوجيه اللوم والإدانة وتقديم النصح والإرشاد، وإنما عليها أن تتذكّر دائماً أنها فقدت وحدتها، حتى في داخل الفصيل الواحد، وإنها قصّرت في أداء مهمتها التاريخية تجاه أمتها العربية، وإن الاعتذار الوحيد هو استعادة وحدتها توطئة للاضطلاع بمسؤولياتها. وهو الأمر الذي ينسحب على النخب اليسارية بشكل عام والماركسية بشكل خاص، إضافة إلى نخب إسلامية معتدلة ظلّت على هامش التغيير، في حين إن الجماعات المتشدّدة والمتطرّفة كانت تتقدّم المشهد مستغلة اسم الإسلام ومتاجرة به ومُفسِّرة تعاليمه بصورة مسيئة لجوهره، خصوصاً التوظيف السياسي والانتقائي للشريعة الإسلامية وأحكامها دون إخضاع ذلك للسياق التاريخي ولمقاصد الشريعة ذاتها التي تستهدف خدمة الإنسان، وكل دين لا يخدم الإنسان، ليس من الدين الحقيقي بشيء.

وبالعودة إلى المقدمة فإن الباحث المهموم يعتبر " قراءة المشهد العربي الراهن، في هذه الظروف تصبح معضلة نفسية قبل أن تكون تحليلية"وهو تعبير يدلّ على الضيق والتبرّم لمشاهد التراجع والنكوص التي شهدت بعض تجارب الربيع العربي، وهو ما يمكن تحليله من خلال اصطفافات القوى واندلاع العنف وتفشّي الإرهاب واستشراء الفساد وضعف مرجعية الدولة ، بل وتشظّيها في بعض البلدان.

أعتقد أن ما ذهب إليه الباحث لا يقتصر عليه وحده، بل إنه يمثّل الاتجاه السائد لدى التيارات الفكرية والسياسية القومية العروبية واليسارية الماركسية والشيوعية والإسلامية بشكل عام، ففي الغالب الأعم وبسبب العجز والعزلة والأزمة المستفحلة للتيارات التقليدية، إضافة إلى مفاجأة التغيير للكثير منها، لاسيّما تداعيات وانهيارات الأنظمة السابقة وتدحرج شرعياتها، وانتشار حالات الفوضى وعدم قيام شرعية جديدة بعد الشرعية الثورية الانتقالية، كلّها عوامل تُسهم في حالات الخذلان والخيبة.

لقد كانت الكثير من القوى السياسية التقليدية وعلى مختلف توجهاتها، تأمل أن تكون حركة الثورة أو الانتفاضة تنسجم مع ما هو في ذهنها أو في تصوّرها للتغيير أو في إطار مسطرتها الفكرية والسياسية، في حين إن ذلك مخالف للواقع وتعقيداته في ظروف العولمة والتطوّر الهائل في ميدان العلوم والتكنولوجيا، ولاسيّما في تكنولوجيا الإعلام والاتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية "الديجيتل".

وبما إن أية ثورة ليست مقنّنة أو مرسومة وفق ضوابط محدّدة أو مصنوعة في معمل ومغلّفة بالسيلفون، بل هي نتاج تفاعل اجتماعي واقتصادي وثقافي في لحظة معينة تتحدّ فيها العوامل الذاتية مع العوامل الموضوعية، لتندلع الشرارة التي تشعل اللهب في السهل كلّه على حدّ تعبير ماوتسي تونغ، فإن الأمر قابل لمواجهة الكثير من المنعرجات في طريقها وتعرضها للعديد من الانثلامات والانكسارات والتراجعات،وهو ما أصاب بعض الثوريين بالتشاؤم والقنوط، لدرجة أقرب إلى اليأس، وهو ما حاول الباحث رصده باستنتاجاته إزاء مستقبل التغيير.

يمكنني القول إن الثورة ليست طريقاً مستقيماً، بلا نتوءات أو منحدرات أو منعطفات، وعلى العكس من ذلك فهي مليئة بكل ذلك. إنها درب وعرة، وفيها الكثير من المفاجآت والمفارقات المُبهجة والمُحزنة، السعيدة والمؤلمة، وأعقد ما فيها أن سرعة التغييرات تشمل حتى من كان وراء تفجيرها وقيادتها، لذلك قيل إن "الثورات تأكل أبنائها". وهو قول مُستمدٌ من التجربة التاريخية الكونية.

وعلى الرغم من أن التشاؤم حالة تكاد تكون سائدة في منطقتنا منذ أربعة عقود من الزمان تقريباً، خصوصاً في ظل صعود الموجة الدينية وتأثيراتها التقسيمية، إضافة إلى ذيولها الطائفية والمذهبية وارتفاع منسوب التطرّف والتعصّب والإقصاء والتهميش للآخر والعنف والعدوان بما فيه استمرار هدر حقوق الشعب العربي الفلسطيني عبر ممارسات "إسرائيل" العنصرية،إضافة إلى احتلال العراق وتداعياته في العام 2003، لكن منهج التحليل والاستقراء والمراجعة التاريخية، السسيولوجية، الحقوقية لأحداث كبرى حرّكت دولاً وشعوباً بكاملها، يحتاج إلى مقاربة من نوع مختلف، خصوصاً إذا ما درسنا ذلك بالارتباط مع حركة التغيير العالمية، التي شهدتها أوروبا الغربية والشرقية وعدد من البلدان في العالم، وكجزء من قانون عام ومسار كوني.

فبعد أن كان التغيير استعصاءً في اليونان والبرتغال وإسبانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فإذا بنا نشهد في أواسط السبعينيات تغييرات جوهرية في هذه البلدان نحو الديمقراطية والتعدّدية والتنوّع وسن دستور يقرّ بمبادئ المساواة والمواطنة الكاملة والشراكة، وأقيمت على أساسه انتخابات دورية لاختيار الشعب لممثليه، وهكذا تم وضع حدٍّ للدكتاتوريات وإنهاء فترة حكمها والانتقال إلى حكم سيادة القانون واستقلال القضاء.

ثم حدث التغيير في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات، حين تمت الإطاحة بالأنظمة الشمولية، وكان سقوط جدار برلين إيذاناً بمرحلة جديدة للصراع العالمي اتّسمت بهيمنة الولايات المتحدة كلاعب أساس في العلاقات الدولية وتوزّعت الأنظمة الاشتراكية السابقة بخصوص ما سمّي بالعدالة الانتقالية بين فقه المواصلة وتحقيق مصالحات ضرورية للانتقال الديمقراطي، وبين فقه القطيعة مع الماضي وتجريمه، حيث اختارت بولونيا وهنغاريا فقه المواصلة، في حين كانت ألمانيا الديمقراطية قد سارت شوطاً بعيداً في فقه القطيعة، خصوصاً بانضمامها إلى ألمانيا الاتحادية، أما تجربة تشيكوسلوفاكيا فقد كانت منزلة بين المنزلتين، حيث ابتدأت بفقه القطيعة وانتهت بفقه المواصلة وافترقت بانفصال مخملي لتصبح جمهوريتين هما جمهورية تشيكيا وجمهورية سلوفاكيا، في حين عرفت رومانيا تجربة دموية، وشهدت يوغسلافيا تقسيماً وحروباً انتهى بها إلى ست دول، وكذلك الاتحاد السوفييتي انقسم إلى 15 كياناً دولياً.

العالم العربي لم يكن جزيرة معزولة، وكان من المؤمل أن تصل رياح التغيير إليه في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، لكنها انكسرت عند شواطئ البحر المتوسط لأسباب تتعلّق بعدم الاستعداد الكافي من جانب النخب السياسية والمجتمعية، أي عدم توفّر العامل الذاتي، إضافة إلى عدم نضج العامل الموضوعي، ولاسيّما الدولي، حيث كانت القوى الكبرى لا تريد تحريك ساكن في منطقة النفط الحيوية، التي لديها مصالح كبرى فيها، كما أنها لم تكن هي الأخرى مستعدة لفتح معركة في جبهتين في آن واحد، وكان يكفيها جبهة أوروبا الشرقية آنذاك، إضافة إلى ذلك إن البيئة الإقليمية طاردة للتغيير وغير صالحة للتحوّل الديمقراطي، وتشكّل "إسرائيل" إحدى الكوابح بوجه عملية التغيير الديمقراطية والتنمية في المنطقة العربية.

الأمر لم يتوقف عند العالم العربي، بل يمتد إلى العديد من بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية المهيأة للتغيير، على الرغم من بعض العوائق والتحدّيات مثل دور العامل الديني السلبي بقراءاته الانتقائية السلفية ومشاكل التنوّع الثقافي التي يطلق عليها تجاوزاً " الأقليات"، وكذلك العادات والتقاليد البالية والتخلّف والأمية وغير ذلك، وتلك سمات بارزة ومشتركة للعالم الثالث، مع إن لكل بلد خصوصيته ومشاكله.

أقدّر وجدانياً حالات الخيبة والخذلان والإحباط والنكوص والتشاؤم، وهي جميعها حالات إنسانية لا بدّ من أخذها بنظر الاعتبار، وأريد أن أميّزَ بينها وبين اليأس، وقد حاول الباحث التوقف عند أبوابه من خلال تشخيص الواقع. وأجد نفسي في مقاربتي لموضوع التغيير ومستقبله أقف على ذات الأرضية التي يقف عليها الدكتور أحمد يوسف أحمد، ولكنني أتوصّل إلى استنتاجات مغايرة، من خلال تأملات فكرية مختلفة، وسأحاول إضاءة ذلك عبر عشرة نقاط أساسية، أطرحها على شكل أسئلة إشكالية.

لا أستهدف من هذه المقدمة الطويلة تقديم مخطط تفصيلي للثورات العربية الناجزة وغير الناجزة، وليس في نيتي تقديم وقائع يومية للأحداث، فتلك قد تكون مهمة المؤرخ التي تتلخّص في جمع وقراءة الأحداث وربطها ببعضها، بما قبلها وما بعدها وبما يناظرها في هذا البلد أو ذاك، بما فيها الروايات المتباينة، فالتاريخ مراوغ وماكر في الكثير من الأحيان حسب هيغل، كما أنني لا أستهدف تدوين تاريخ اللحظة، أو لحظة "التاريخ" فتلك مهمة الإعلامي حسب البير كامو باعتباره مؤرخ اللحظة، وستكون مهمة السسيولوجي غير مكتملة لأنه لا يتنبأ، بل يعطي أحكامه وتقديراته بعد وقوع الحدث ووفقاً لمعطياته، فيستخدم أدوات التحليل، ومثل هذا الأمر لا يزال في تفاعلاته الأولى، بما فيها من انتهاكات وتجاوزات بانتهاء " شرعية" كانت سائدة أو تآكلها، مع بدايات لشرعية جديدة لم يتم التوافق عليها أو لا زالت تتقاذفها تيارات شتى ولم تستقر بعد.

أما مهمة المنشغل بقضايا الفكر فتتلخّص بالوصول إلى الحقائق وتحديد السمات العامة والخلاصات والدروس الضرورية التي يمكن الوصول إليها، والهدف هو تحديد المعاني والدلالات، ليس لما وقع من الأحداث، حسب بل لاستشراف أبعادها ومضامينها وآفاقها المستقبلية.

وقد استُهدفت من عملية البحث والتقصي والاستنتاج، استكشاف العملية الثورية الجارية، بالتوقّف عند مقدماتها والبحث في مساراتها والسعي للتعرّف على حقيقتها وخصائصها، ومن جهة ثانية دراسة التحدّيات والخيارات الصعبة التي أثارتها إزاء المستقبل، لاسيّما التباسات بعض جوانبها وتداخلاتها مع بعض العوامل الخارجية، خصوصاً المسلحة وارتباط ذلك بحصار وعقوبات، قد تطول، دون إحداث التغيير المنشود، ولعلّ "النموذج الليبي" على الرغم من التضحيات والخسائر التي قدّمها الشعب الاّ أن عملية الحسم لم تحدث الاّ بعد التدخل الخارجي لحلف الناتو، الأمر الذي عقّد المسألة إلى حدود غير قليلة، ليس لأوضاع الحاضر فحسب، بل فيما يتعلق بالتطور المستقبلي أيضاً.

ولا تزال "المأساة السورية" ماثلة للعيان، لاسيّما تأثيراتها الخطيرة على السكان المدنيين وارتهاناتها للعامل الدولي والإقليمي، حيث يدفع الشعب الثمن باهظاً منذ ما يزيد على خمسة أعوام من الاحتراب والاقتتال وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا وتدمير البنية التحتية وتخريب المرافق الحيوية والمعالم الثقافية والحضارية والآثارية.

 

الثورة والديمقراطية

يمكن القول: لا تولد الثورة مع الديمقراطية في يوم واحد، والثورة لكي تولد وتترعرع ويشتّد عودها وتنضج تحتاج إلى مسار طويل وتراكم يحتمل التجربة بما فيها الخطأ والصواب، وهي بذلك تحفر في الأساسات المفضية إلى الديمقراطية وإنْ كان الطريق إليها وعراً وغير سالك أحياناً، ولا بدّ أن يتسم بالآليات الديمقراطية حيث يتم حفره وتعبيده إرتباطاً باحترام حقوق الإنسان والسعي لإعلاء قيمه وحرياته الأساسية الفردية والجماعية، وعكس ذلك ستكون "الثورة" تغييراً فوقياً سرعان ما يتبخّر، لأنه نقرٌ في السطح، وليس حفراً في العمق على حد تعبير المفكر ياسين الحافظ.

وبين الثورة والديمقراطية طريق طويل وشائك ومعقّد، وحتى وإنْ تعاشقا فإنهما لا ينامان في سرير واحد، وتصادف علاقاتهما، منعرجات وتضاريس وتباعدات أحياناً، ويعتمد نجاح الأولى على درجة سيرها بخط متوازي مع الثانية، أما التطابق فهو أقرب إلى الأمنيات الكبرى، وحسب فريدريك إنجلز إذا استطاع التطبيق (البراكسيس) السير بخط مواز للنظرية، فذلك يعني أنه في الطريق الصحيحة، أما التطابق فيكاد يكون مستحيلاً . ويختلف مسار الثورة الديمقراطية، قرباً أو بُعداً بدرجة تطور كل بلد اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً وقانونياً، الأمر الذي يمكن أن يصل فيه بلد إلى الديمقراطية بطريق أقصر، في حين يحتاج بلد آخر للوصول إليها إلى فترات مضاعفة وبخسائر أكبر وتضحيات أعظم.

سأكون معنياً في هذا البحث بالمعنى والدلالة بالدرجة الأساسية، لأنهما يراكمان المعرفة ويمنحان الفرصة لقراءة التاريخ بوقائعه وأحداثه، بتضاريسه ومنعرجاته، وإذا ما توقفت عند التفاصيل فقد كان هدفي هو استنطاقها للوصول إلى المعنى والدلالة، والإحاطة بجوانب المسألة المعرفية من كل جوانبها، ومع انفتاح العالم، لاسيّما في ظل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمواصلات الحديثة، فإن إعادة صياغة المتوفّر منها تتم بالتراكم المعرفي، ولعلّ التمرّد التلقائي العفوي على الواقع البائس الذي عايشه الشباب مع وجود عوالم أخرى يمكنه الإبحار فيها أو التحليق إليها عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة، جعلت خياله يتشكّل معرفياً، الأمر الذي ساهم في إشعال نار الثورة وانتقالها، وهنا تكمن وظيفة الباحث والمعني بقضايا الفكر والمعرفة، وأقصد بذلك استخلاص المعنى من كل ما حصل خارج حدود الجغرافيا والتاريخ والسياسة، بتجاوز الواقع إلى المستقبل، من خلال خطوط عريضة، فمن السابق لأوانه تقديم أحكام واستنتاجات متكاملة، وحتى هذه الخطوط العريضة، يمكن إعادة النظر فيها بعد حين، إذا لم تؤيدها الوقائع اللاحقة.

وهكذا فإن المتأمِّل لما حدث في العالم العربي من تغييرات جذرية عميقة ومن ثورات شعبية ووعي جماهيري هائل، يدرك أن ما حصل لم يكن أحداثاً طارئة أو تمردّات عابرة وانتفاضات تقليدية، بل إنه مخاض قد يكون طويلاً وعسيراً لولادة جديدة لعالم عربي لم يعد بالإمكان الإبقاء عليه خارج الزمن والتاريخ، ويعيش في جزر معزولة بعيداً عن التأثير، ولعلّ تلك واحدة من الاستحقاقات المؤجلة منذ نحو ربع قرن وترافقاً مع موجة أوروبا الشرقية للتغيير. ومهما حدث أو سيحدث فالأمر يتعلّق بالتطور المستقبلي على الوجهة التي سيتخذها وعلى اصطفافات القوى الاجتماعية والسياسية، ودرجة الاستقطاب والصراع الذي سيحصل بين قوى إسلامية متنفّذة وسيكون لها القدح المعلاّ، وبين قوى شبه علمانية (يسارية وعروبية)، شبه ليبرالية، شبه ديمقراطية تريد تلمّس طريقها في ظل تجاذبات حادة.

إذا كان الربيع العربي قد أطاح بنظم استبدادية، سلطوية وهيّأ المستلزمات الأولية لإحداث تغييرات في العالم العربي إنْ عاجلاً أم آجلاً، فإنه في الوقت نفسه أسقط بعض المقولات والأفكار التي سادت في العقدين الأخيرين أو برهن على بطلانها وهزالها حتى وإنْ ظلّ البعض يتشبث بها، ولعبت تلك الأفكار والمزاعم دوراً كبيراً في إطالة عمر بعض الأنظمة، بل ساهمت أيضاً في التأثير سلبياً على وعي بعض النخب الفكرية والسياسية وحتى تخديرها، على الرغم من معاناة السكان وتوقهم إلى التغيير والتحوّل الديمقراطيين، ناهيكم عن حالات اليأس أو القنوط التي سببتها سواءً بوضع كوابح داخلية أو خارجية، لاسيما في جانبها النظري أو العملي.

وسنحاول أن نرصد بعض هذه الأطروحات، التي كادت أن تصبح مسلّمات لدى بعض القوى والفاعليات السياسية، والتي لم تكن بعيدة عن ترويج الأنظمة الحاكمة لها، فضلاً عن سدنتها من الآيديولوجيين والمثقفين، بمن فيهم الذين يتحدثون عن التغيير، بل يدعون إليه ولكن على نحو " تجريدي" أحياناً أو فيما يخص الغير، دون أن يصل إلى أولي الأمر أو الحكام الذين يبررون استمرارهم ووجودهم بحجة غياب البديل أو عدم نضج عملية التغيير أو يراهنون على بعض الاصلاحات.

ومثل هذه الأطروحات لم تكن حصراً على القوى الداخلية، بل أن بعضها تبنّته القوى الخارجية، لاسيّما القوى الدولية المتنفّذة، والتي شكّلت عائقاً فكرياً وعملياً إزاء التغيير الديمقراطي المنشود، حتى بدت الديمقراطية أو التحول الديمقراطي وكأنها استعصاء أو "وعد" غير قابل للتحقّق، في العالم العربي.

 

أسئلة وأطروحات: منزلة بين المنزلتين!

الأطروحة الأولى- هل أن الصراع هو بين الإسلاميين وبين العلمانيين؟ وعلى الأخيرين حتى وإنْ اختلفوا مع الأنظمة الحاكمة، لكنها بكل الأحوال هي أقرب لهم من الإسلاميين، الذين يشكّلون خطراً على الديمقراطية المنشودة.

يمكنني القول أن عملية التغيير بما حملته من ديناميكية أدّت إلى انتعاش الإفكار الديمقراطية، لاسيّما المطالبة بالحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، وهو ما سيضع خريطة طريق جديدة لكل بلد وفي بلدان المنطقة بشكل عام من خلال لوحة الصراع السياسي التي ستأخذ وقتاً ليس بالقصير، خصوصاً عندما يكون الإسلام السياسي في الواجهة خلال العقد أو العقدين القادمين، وربما ذلك واحداً من الاستحقاقات لما بعد التغيير.

وبالعودة إلى هذه الأطروحة التي تفترض أن الصراع الأساسي هو بين الإسلاميين والعلمانيين، فإن ثمت اجتهادات وتوجّهات مغايرة، ولعلّها الأكثر واقعية والأكثر راهنية، خصوصاً تلك التي تقول أن الصراع ضد الاستبداد الداخلي هو في جوهره صراع ضد الطغيان الخارجي، وفي الوقت ذاته صراع ضد التطرّف والتعصّب وإقصاء الآخر لدرجة لا يمكن فصله عن بعضه، لا سيّما وأن هناك ترابطاً أحياناً بين الطغاة والغزاة والغلاة، الأمر الذي نحن بحاجة إلى إعادة قراءة المعادلة على نحو صحيح، خصوصاً وأن العالم العربي يعاني من احتلال وعدوان منذ نحو ستة عقود ونصف من الزمان من جانب "اسرائيل"، ناهيكم عن محاولات فرض الهيمنة والاستتباع، وهذا يتطلب تعاون الكتل والتيارات السياسية اليسارية، الماركسية والقومية، والإسلامية لانجاز مرحلة التحرر من جهة، ومن جهة ثانية السير في طريق الديمقراطية والتنمية.

الأطروحة الثانية- هل صحيح إن وجود أنظمة تسلطية تحمي الأمن والاستقرار هو أفضل من الفوضى التي قد تسود بعد التغيير؟ أم إن علينا قبول التغيير حتى وإن أدى إلى نوع من الانفلات أو الفوضى لكنها ستكون مؤقتة؟

من الطبيعي أن يخلف أية ثورة أو انتفاضة نوع من الفوضى أو عدم الاستقرار، لاسيّما وأن الأنظمة السابقة هي التي قوّضت حكم القانون وتغوّلت على القضاء وداست على كرامة المواطن، ولهذا فإن مجرد الشعور العام بتقويض هذه الأنظمة سيدفع إلى الواجهة بعض أعمال التمرّد والفوضى بعد التدمير المنهجي المنظم لعقود من الزمان لمبادئ الدولة القانونية، لكن ذلك لا ينبغي أن يحول دون عملية التغيير التي أصبحت حاجة ماسة لا يمكن الاستغناء عنها أو حتى تأجيلها، كما أن بعض الحوادث الفردية والانفلات الأمني المحدود الذي أعقب عمليات التغيير، ينبغي أن يُقرأ ضمن هذا المنظور، وأن يتم التعامل معه تاريخياً وستراتيجياً بما له علاقة بقضايا التقدّم وصيرورة العملية التاريخية.

الأطروحة الثالثة- هل إن الثورات والانتفاضات التي اندلعت العام 2011 ما كان لها أن تنجح أو تستمر لولا الدعم الخارجي؟ بل إن البعض يتّهمها صراحة أو ضمناً بالعلاقة مع الغرب، أو أن أصابعه ليست بعيدة عنها، وهكذا يجري التهويل من خطر "التدخل الخارجي" وزعم "المؤامرة" التي تحيكها الدوائر الغربية، وهو الأمر الذي تتعارض فيه الرؤى حدّ التخوين أحياناً بخصوص سوريا. وإذا كان الغرب ليس بعيداً عن المؤامرات والمشاريع التي تضمن مصالحه، فإن ضغط العامل الموضوعي أجبره هو أيضاً على الحديث عن إصلاح وتغيير ديمقراطي وتحول سياسي- اجتماعي لأنظمة مغلقة أو محافظة أو استبدادية أو ثوروية متسلطة، حتى وإن كان بعضها صديقاً له.

وإذا كان الغرب لاعباً مهماً في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات، لكن الوضع الداخلي وتطورات الأحداث، ناهيكم عن البيئة التي خلقتها حركة غورباتشوف التي سميت "بالبريسترويكا والغلاسنوست " (إعادة البناء والشفافية) كانت قد هيأت التربة الدولية المناسبة لعملية التغيير، والتي إلتقت موضوعياً مع التوجهات الغربية في إطار الصراع الآيديولوجي وسيل الدعاية الذي كان سائداً بين الشرق والغرب في ظل الحرب الباردة، لكن الأمر مختلف في العالم العربي، بوجود "إسرائيل" من جهة والنفط من جهة أخرى، فضلاً عن تيار إسلامي أو إسلاموي مناقض كلياً للغرب وتوجهاته حتى وإن جرت محاولات لمدّ الجسور معه، فليس من السهولة حساب عملية التغيير بطريقة تقليدية على الغرب وتوجهاته ومؤامراته.

وقد برهنت ثورات العام 2011 أن عملية التغيير هي داخلية بالأساس وأن دور الخارج فيها محدود جداً، وأن هذا الخارج يستثمر تعنّت الأنظمة ورفضها إجراء التغيير المنشود واللجوء إلى القمع والعنف وارتكاب أعمال منافية لحقوق الانسان، وعندها يكون من واجب العالم بما فيه الأمم المتحدة – "التدخل الإنساني" لوقف المجازر بحق السكان المدنيين في إطار قواعد القانون الدولي الانساني، ولا ينسى الغرب في هذه الحالة استثمار ذلك لمصالحه الخاصة، سواءً في عمليات التدمير أو إعادة البناء لاحقاً، وبالدرجة الأساسية للنفوذ السياسي والعسكري.

الاطروحة الرابعة- هل أن العرب لا يحتاجون إلى الديمقراطية بقدر حاجتهم إلى التنمية؟ وهل ثمت تعارض بين التنمية والديمقراطية؟ وإذا أردنا إعادة تركيب هذه الأطروحة فقد تصل إلى تبرير عنصري ينطوي على استصغار حاجة العرب إلى تأمين الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، وهي حاجات إنسانية لبني البشر جميعاً. صحيح أن العرب بحاجة إلى الغذاء والدواء والعمل والصحة والتعليم والسكن كأولويات لا غنى عنها، ولكن من قال أن الإنسان   يحيا بالخبز وحده؟ ومن قال أن بالامكان تأمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية دون تأمين الحقوق المدنية والسياسية والمساواة أمام القانون وبين الرجال والنساء والمواطنة والحق في انتخابات دورية وتغيير الحاكم عبر صندوق اقتراع والحق في المساءلة في إطار سيادة القانون وفصل السلطات واستقلال القضاء، وغير ذلك من عناصر الديمقراطية التداولية السلمية للإدارة والمسؤولية؟

الأطروحة الخامسة - هل إن الدين الإسلامي يحضّ على العنف والارهاب؟ أم إنه دين متسامح، فمن أين إذاً خرج هؤلاء الإرهابيون؟ وكيف فرّخت المنظمات الإرهابية بهذه السرعة لدرجة إنها لم تعد تقوم بعمليات إرهابية أو تفجيرات، بل احتلال مناطق كاملة وإدارتها تحت عنوان " الدولة الإسلامية" وهذه الدولة ومختصرها " داعش" تسيطر على ثلث أراضي سوريا وثلث أراضي العراق، وقامت بهدم حدود اتفاقية سايكس بيكو الاستعمارية لعام 1916.

تلك أسئلة بحاجة إلى دراسة معمقة لما بعد التغيير وأعراضه الجانبية، فضلاً عن الحاجة لإعادة قراءة تاريخنا بعين نقدية بما فيه من إيجابيات وهي كثيرة، وبما فيه من سلبيات وهي غير قليلة، كما إننا بحاجة إلى إعادة النظر بالفكر الديني وخطابه الإعلامي والدعائي.

الأطروحة السادسة- هل صحيح أن الثورات العربية لم تطرح" القضية المركزية"   قضية فلسطين وتضعها في المكان الذي تستحقه (الصدارة) مثلما كانت حركة التحرر العربي تفعل ذلك لعقود من الزمان ؟ وهل صحيح إن أولوياتها ليبرالية؟ في حين أن الصراع مع العدو الصهيوني ينبغي أن يشكّل محور عملية التغيير، ويذهب أصحاب هذه الفرضية إلى أنه لم يتم التحرّش باتفاقية كامب ديفيد بعد الثورة المصرية، وأن غياب أنظمة ممانعة كما هي سوريا، مثلاً سيؤدي إلى اختلال موازين القوى لصالح الدولة المغتصبة.

وإذا كان ثمت صحّة في نصف الاستنتاج الأول، فإن النصف الثاني يجيب ويكمّل الاستنتاج الأول، وقد واجهت الثورات مسائل ملحّة كيانياً تتعلق بالحرية والكرامة ومحاربة الفساد واحترام حقوق الانسان، ولعلّه لا يمكن الحديث عن مجابهة مع العدو، دون توفر الحدّ الأدنى من الحريات التي غابت عن عالمنا العربي بفضل أنظمة الاستبداد والدكتاتورية، والحرّية هي المدخل لأي مجابهة وأي تغيير، وحتى حق الحياة لا يمكن الدفاع عنه دون توفّر الحد الأدنى من حرية التعبير، ناهيكم عن حق الاعتقاد وحق التنظيم وحق المشاركة وهي أركان أساسية وهياكل ارتكازية للحريات والحقوق الأخرى.

الأطروحة السابعة - هل إن اندلاع الثورات العربية، سيؤدي إلى تصدّع الهوّية الجامعة والمانعة للشعوب العربية؟ أم سيؤدي إلى الاعتراف بالهوّيات الفرعية التي كانت مهمّشة؟ وعلى المنتظم الاجتماعي والسياسي والقانوني أخذها بنظر الاعتبار، خصوصاً الموقف من التنوّع الثقافي الديني والقومي والإثني واللغوي وغير ذلك.

وإذا كان الأمر صحيحاً، أي إننا شهدنا انتعاش الهوّيات الفرعية بعد التغيير، لدرجة الفوضى أحياناً، لكن ثمت أسباب موضوعية وذاتية لذلك، وكان لا بدّ لها أن تظهر مشكلة التنوّع والتعددية الثقافية على نحو عاجل أو آجل، فالنار كانت تستعر تحت الرماد كما يقال، حيث غذّت غالبية الأنظمة العربية، الانقسام المجتمعي، تارة لأسباب دينية وأخرى طائفية أو مذهبية أو عشائرية أو جهوية أو إثنية أو غيرها، بهدف الإبقاء على سلطة الحكام بأي ثمن، خصوصاً وهي التي تحكم تارة باسم الأغلبية القومية والأخرى الدينية وثالثة الطائفية، وحتى لو كانت " أقلية"، فإنها تتصرّف باعتبارها ممثلة لكل المجتمع، حيث تحاول التسيّد على الهوّيات الفرعية وغمط حقوقها.

الأطروحة الثامنة - هل يمكن إنجاز التغيير الديمقراطي بدون ثقافة؟ وهل علينا أن ننتظر حتى تعمّ الثقافية البلاد العربية، لكي نشرع عندها بالتغيير الديمقراطي؟ أليس ثمة مثالية في الأمر وفي جوهر السؤال؟ خصوصاً وأن الديمقراطية والثقافة هما ركنان أساسيان في عملية التنمية المستدامة بجميع جوانبها.

فالشعوب العربية لا تزال من أقصاها إلى أقصاها تفتقر لها، وحتى تتأهل هذه الشعوب فهي تحتاج إلى زمن ليس بالقصير، الأمر الذي يتطلب الإهتمام بالتربية والتعليم، لاسيّما وأن هناك أكثر من 70 مليون أمي عربي، غالبيتهم الساحقة من النساء، وأنهن لا زلن بعيدات عن سوق العمل والتأثير، كما هناك بشكل عام مشكلة البطالة، وبشكل خاص لدى جيل الشباب المتخرّج من الجامعات، فضلاً عن معاناة الأرياف العربية بشكل عام من حالات الفقر الشديد، حيث أن متوسط دخل الفرد في الأرياف العربية لا يتعدى الـ 300 دولار في السنة.

ويعاني العالم العربي من نسبة عالية من هجرة الكفاءات وتركّز الثروات والمداخيل بشكل كبير لدى فئة قليلة من رجال الأعمال وبعض المسؤولين الحكوميين وغياب أي إبداع في الانتاج السلعي والخدماتي، الأمر الذي يبرز مساوئ الطابع الريعي للاقتصادات العربية الذي يشلّ قدرات مجتمعاتها الكبيرة ويحول دون دخولها النهضة العلمية والتكنولوجية والاقتصادية المطلوبة .

وعلى النشطاء والمعنيين التوجّه إلى الغالبية الساحقة من الناس الذين هم بعيدون عن فهم أوليات الديمقراطية، ناهيكم عن ثقافتها، بحكم الموروث والعادات والتقاليد، وأحياناً بسبب التربية الدينية الخاطئة التي تجعل من الديمقراطية استيراداً غريباً أو اختراعاً مشبوهاً، وقد يكون ذلك دور النخب الفكرية والسياسية التي ينتقدها الباحث، فما بالك إذا كانت هي مأزومة ومعزولة ومحدودة التفكير؟

يضاف إلى ذلك استغلال الحكومات بعض الأطروحات ذات الطابع الطفولي لدمغ بعض دعاة ونشطاء حقوق الإنسان والمطالبين بالديمقراطية باعتبارها صناعة خارجية، لاسيّما بعض الاستفزازات للوجدان العام أو العقل الجمعي، خصوصاً وقد دخل التمويل على بعض منظمات المجتمع المدني،التي لم تكن بعيدة عن أصابع بعض الأجندات الغربية وضعف حصانتها.

وعلى الرغم من محاولات التشويه والإساءة وبعض التصرّفات الخاطئة من بعض العاملين في إطار المجتمع المدني، الاّ أن هذه المنظمات لعبت دوراً مشهوداً على امتداد الوطن العربي كلّه، فبعد أن كان العاملون بضع عشرات أو مئات، فقد أصبحوا اليوم عشرات الآلاف، من المنخرطين في إطارات المجتمع المدني مع استمرار ظاهرة المنع أو عدم الترخيص القانوني أو وضع الكوابح والعقبات في طريقها أو ملاحقة النشطاء وزجّهم في السجون أو اضطرارهم الذهاب إلى المنافي.

الأطروحة التاسعة- هل صحيح إن عدم وجود حامل اجتماعي يعرقل عملية لعملية التحوّل الديمقراطي؟ فالقوى الديمقراطية واليسارية الماركسية والقومية والليبرالية الأقرب إلى المشروع " التحرّري" لا تزال ضعيفة ومشتّتة وتعاني من مشكلات مزمنة وإخفاقات مستمرة لدرجة الإحباط واليأس أحياناً، فضلاً عن ضعف ثقتها بنفسها بسبب ما تعرّضت له من قمع وملاحقة. أما الإسلاميون فهم يريدون دولة إسلامية ، وربما غير معنيين كثيراً بالتحوّل الديمقراطي، وأن ما يطرحونه عن الديمقراطية، هو مجرد زيادة بعض الهوامش في ظل الدولة الاستبدادية القائمة، تتيح لهم فرصة التحرك والكسب وتخفف عنهم الملاحقة والتضييق.

الأطروحة العاشرة - هل حقاً إن الشباب الذي فجّر الثورات وقادها، غير مؤهل لإدارة الدولة؟ لأنه لا يمتلك الخبرات الكافية، الأمر الذي يتطلّب الوقوف على هذه الخبرة من مصادرها وليس ذلك سوى القوى السياسية التقليدية، التي تتمتع بالنضج والحكمة وبُعد النظر، ناهيكم عن التأني والتبصّر وعدم الاندفاع. ولعل في ذلك محاولة لمصادرة حق الشباب في قيادة التحوّل الديمقراطي.

وإذا كان جزء من الأطروحة صحيحاً وهو ما يحتاج الشباب للاستعانة به، لاسيّما للعقول والأدمغة المفكرة، فضلاً عن التجارب والخِبَر المتراكمة في الإدارة والاقتصاد والاجتماع والقانون والسياسة. لكنه لا ينبغي النظر إلى الشباب باستصغار، أو من فوق، ففي ذلك نظرة " أبوية- بطرياركية" لجيل الشباب الذي قاد الربيع العربي على نحو شجاع وحاسم.

هذه بعض التأملات الفكرية التي حاولت أن اشتبك فيها ودياً مع الباحث الرصين الدكتور أحمد يوسف أحمد.

 

الدكتور عبد الحسين شعبان

أكاديمي ومفكر عراقي، له مؤلفات عديدة .

استاذ فلسفة اللاّعنف وحقوق الإنسان في جامعة أونور (بيروت).

............................

• تعقيب على بحث الدكتور أحمد يوسف أحمد الموسوم" مدخل إلى قراءة إجمالية في المشهد العربي، نشر في كتاب صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية والمعهد السويدي في الاسكندرية ، بيروت ، كانون الثاني /يناير 2016.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3452 المصادف: 2016-02-17 01:36:56