المثقف - قضايا

إصلاح الذاكرة...

hasanhatam almathekorمن نقطة الغرق، علينا ان نصلح مركب الذاكرة المثقوب فينا لنزيل عنه ما تدفق داخلنا من مبازل زيف المنقول الذي ضاعف من التخمر والعطب، في الأمر ثمة اجحاف وعتمة في الطريق الخطأ وتسونامي ضغوط القوة وانحطاط اعلامي دولي اقليمي ومساومة التحلل الداخلي، مجتمعة جرفت المتبقي من الوعي وهشمت الأرادة وجعلت الأنقاذ امراً عسيراً.

مقالة كاتمة تفرغ رصاصاتها في رأس الذاكرة واخرى تشدنا الى ذيل من قتل التراث وسار شامتاً خلف الجنازة، بحث اوتحليل مستعجل يأخذ بنا الى جرف  السراب لنعود معه عطشى الى الحقيقة، المواطن العراقي من داخل كهوف التعصب القومي والتطرف الطائفي وقفص النص، لم يعد يتذكر شكل تاريخة، الغموض وفوضى فقدان الوضوح جعل الرؤيا غير ممكنة وثقل الواقع المرير قد سحق الروح ولم يستبقي من ارصدة الذات سوى النفس الأخير المسلفن في المقدس.

هناك انسجام مشاريع في صميم الصراعات الدولية الأقليمية في الساحة العراقية، هي ان يبقى العراق ضعيفاً منهكاً عاجزاً عن ادراك حقيقته والعراقيون سلبيون ازاء مأساة واقعهم، لكنهم وهذا ما يتفق حوله الجميع، شعب غريب الأطوار كصمت البراكين، عندما ينفجر يقلب معه الواقع الأقليمي ويغير قوانين اللعبة الدولية ويتسع، ما يحتاجه فقط ان يستعيد ذاكرته، من هو واين كان وكيف وما يجب عليه ان يكون..؟؟، وجع المخاض يدفعه بأتجاه تراث اجداده منطلقاً لأصلاح ذاته التي اعطبها الفرقاء وشوهوا مضامينها التاريخية لأبقاء العراق  مصاباً بفقدانها.

نحن جيل معطوب الذاكرة فاقد تراثه الذي على صفحاته فقط يمكن ان نقرأ الهوية ونعيد اصلاح القطع بين تاريخنا المعرفي وحاضر الغزو الجاهلي، حيث الخراب المفجع لثقافتنا الوطنية بمعناها النهضوي ونزيل عن ذاكرتنا  تراكمات ثرثرة الأستثقاف المعطل لدور التراث الوطني في انعاش الذاكرة واحياء الهوية.

نكبة الثلاثة عشر عاماً الأخيرة لنظام الأسلام السياسي، اجبر العراقيين على البحث في اثاث ذاكرتهم عن تراث وطني كان لهم، وبدلاً من ان يبادر المثقف والسياسي وكل من يحترم انتمائه الى مساعدة المواطن على استرجاع واصلاح ذاكرته ثم البحث فيها عن تراثه، انشغلوا في لغو التسقيط لبعضهم، وبأنتقائية تفتقر الى المنهجية العلمية، دفعوا القاري الى العزوف عن متابعة ما يثير الضبابية ويعمق الغموض، البعض فقدوا حتى الأمساك بخيط ذاكرتهم الشخصية.

الذاكرة الشخصية تلتقي مع مثيلتها والذي يتذكر يلتقي مع الآخر فتاخذ الذاكره شكلها الجمعي ليسهل علينا الذهاب والأياب في رحاب التراث المجتمعي، الذاكرة هنا خزين تجارب وتراكم معرفي يؤهلنا للبحث عن تراث الأمة ونسييج الهوية من داخل الذات العراقية وعلينا ان نعترف، بأن الذي نحن عليه الآن ليس نحن، انه الفقدان وان الكيانات المتخلفة التي تعبث في ذاكرتنا لا تفقه ما يعنيه التراث الوطني في اعادة الروح الى حاضر ومستقبل الأمة.

لا يمكن لخطاب اسلاموي ان يتعايش مع الحريات المجتمعية والنص سينكسر في مواجه الحياة، قوى التخلف التي انهارت ركائز سقوفها ستواصل افراغ آخر رصاصات كواتم خطابها في رأس المثقف الوطني والسياسي المدني لكنها تدرك حتمية هزيمتها.

الواقع العراقي المضغوط من خارجه والمفكك من داخله يخضع الآن لحالة وعي تنهض من صميم الذاكرة مسلحة بجاهزية التراث للتوحد من داخل الهوية، قد يلجأ دين المتأسلمين الى شراسة النفس الأخير لكن تيار الحريات المجتمعية ستضغط عليه من نقاط ضعفه، انها الحقيقة العراقية التي آن اوان تفجير كلس الأنحراف التاريخي الذي يؤطرها. 

هناك من يريد اكمال تدمير الذات العراقية عبر الغاء الذاكرة والتراث معها، كيانات استهلكها التخلف، ليس لديها ما تتذكره وتراثها صفر، وهمية الجذور في المجتمع العراقي، تستمد نفوذها وتمددها السلبي من مستنقعات زيف المنقول ومختلق الشعوذات في بيئة الفساد والتخلف، لهذا تحرص تلك الطفيليات على ان يبقى المجتمع مصاباً بالمزمن من عاهات الفقر والجهل والأوبئة، انها الوحوش الصغيرة التي تتخذ من المجتمعات المتفسخة فريستها فاصبحت لامكان لها في المجتمعات الحية والمجتمع العراقي واحد منها.

هناك في ذاكرة الجنوب والوسط جمرة تراث، وهناك من يخشى زيت الوعي حتى لا تحترق غابات زيف التاريخ ومزابل الشعوذات، حتى لا يتعلم بنات وابناء الجنوب والوسط قراءة ثم اعادة كتابة تاريخهم ويعيدوا ما ليس لهم الى صحراء جاهليته، المهمة الملحة للمثقف الوطني والسياسي المخلص تتلخص في استرجاع ما سرقه وهربه سفلة رؤساء الكتل الشيعية والسنية من تراث الوطن ثم قطع شريان السائل الأصفر لتاريخ التطرف لكلا الطائفتين، كما يجب وبالضرورة الملحة اخراج الحربة الكردية من خاصرة العراق واعادتها الى حيث غمدها الحقيقي في التاريخ، فلا دولة للعراق ولا وطن له سيادة ولا امن لشعبه ان تواصل النزيف الكردي من خاصرته.

ما نريد التأكيد عليه، وجوب العودة الى التاريخ الذي كان لنا حيث ابعد نقطة نستطيع الوصول اليها ونتجنب المرور في التاريخ الذي فرض علينا مع مراجعة نقدية لكافة محطات الذاكرة، نجمع اجزاء التراث قطعة قطعة ونعيد تركيبها هوية وطنية مشتركة ونحذف من قاموسها نهج التلقي ونستعين بالمتراكم المعرفي لتضميد الذات، بدون ذلك لا يستطيع العراق ان ينهض ولا العراقيون يتمكنون من اعادة بناء دولتهم المدنية وحماية وطنهم.

 

حسن حاتم المذكور

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3544 المصادف: 2016-05-19 07:14:30