المثقف - قضايا

سمير خلف الله: قراءة في التوظيف الغائي للإسلام في الجزائر (1)

إن المتتبع للشأن الاجتماعي في الجزائر في السنوات الأخيرة ومن دون أي مجهود يلاحظ الظهور اللافت للسلفية المؤدلجة والمعانقة للإسلام السياسي، وهذا بعيدا كل البعد عن الإسلام الطبيعي والفطري والعفوي، والذي كان ولا يزال معانقا من قبل غالبية الجزائريين ومنتشرا بينهم . كرابطة بين الجزائري وربه وكعهد وميثاق مقدس بينهما . وهذا بعيدا عن حسابات السياسة والتحزب والجماعات التي شوهت صورة الإسلام ونزعت عنه قدسيته وجعلته مثل أية وسيلة دنيوية تستغل لأجل تحقيق المكاسب والمنافع الاجتماعية والاقتصادية . وفي هذا المقال نحن لا نتحدث بلسان حالنا وإنما فقط نرصد ونتتبع آراء الشارع وردود الأفعال ونحاول إعادة صياغتها وتقديمها من جديد والحكم النهائي يبقي للقارئ الكريم .

إن جعل الإسلام وسيلة لتحقيق أغراض دنيوية هو السياق الذي توظف فيه الجماعات السلفية وغيرها من جماعات الإسلام السياسي للدين الحنيف كما يقول المتتبعون . فالإسلام السياسي في الجزائر ومن بعد دحر ظاهرة الإرهاب وإلحاق الهزيمة به . فإن بعض قادته قد غيروا من خططهم وتكتيكاتهم، ولم يغيروا مطلقا من أهدافهم المعلنة والخفية . وللإشارة هنا فلا أحد منا ضد أن يترأس أي جزائري للجمهورية الجزائرية ولكن المعضلة الكبرى هي في أن تصبح الدولة مختطفة وعلى منوال منطق هتلر أي أن تصبح الدولة هي هذه الجماعة أو تلك، كأن تصبح الدولة هي السلفية مثلا والسلفية هي الدولة الجزائرية، أو كما قال لويس الرابع عشر : " أنا الدولة، والدولة أنا " . ولسان حالهم هم يقول الدولة هي نحن ونحن هم الدولة، أما غيرهم فما هم وحسبهم إلا جماعات ضالة ومارقة أو كافرة أو ملوثة يجب إبعادها والحجر عليها في مراكز خاصة تشبه مراكز الاعتقال النازية وهذا ريثما يتم مداواتهم من عاهاتهم ولكي لا ينقلوا كذلك العدوى إلى باقي أفراد القطيع وهذا حسبهم هم طبعا . وليس شرطا أن تكون هذه المعتقلات مادية وإنما معتقلات معنوية تترجم في صورة اقصاء اجتماعي واقتصادي وسياسي وثقافي . وتشرف على عمليات الاقصاء هذه محاكم التفتيش الخاصة بهم والتي تعرف بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . هذه الهيئات البغيضة والهادمة لكرامة وإنسانية وآدمية الإنسان والبشر كما تفعل جماعة بوكو حرام وأخواتها في الدم والرضاعة والأيديولوجيا .

نعم إنه ومن بعد هزيمة الإرهاب في الجزائر فإن أهداف من يوظفون الدين لأغراض دنيوية قد بقيت هي نفسها، ولكن وسيلة تحقيق أهدافهم هي من تغيرت فقط . فهم وخلال فترة الإرهاب كانوا يريدون اختطاف الدولة وبالقوة وبأسرع وقت ممكن وبشكل عمودي، أي السيطرة على الحكم وتطبيق مشروعهم من الأعلى إلى الأسفل وهذا على نموذج الانقلابات العسكرية أو على نموذج بناء الكيان الإسرائيلي .

ولكنهم اليوم يعملون وبصورة معاكسة وهذا ما نراه في كل مدينة وفي كل قرية وفي كل حي وفي كل شبر من الجزائر وبنفس منهج الجماعات السرية، بحيث أنهم يعملون على تنفيذ مشروعهم وبصورة أفقية وبنفس طويل يتجاوز عشرات السنين . ولم يعودوا هذه المرة متسرعين لأجل الوصول إلى غاياتهم . ولم يعودوا متلهفين لأجل اختطاف السلطة في الدولة . وإنما هم اليوم يعملون وبصورة ممنهجة لأجل اختطاف المجتمع بأكمله لصالح مشروعهم وعندما يتم لهم هذا الأمر فسوف يحققون أهدافهم والمتمثلة في صبع الجزائر بألوانهم الخاصة بهم . وهم هنا لم يأتوا بشيء جديد فهذا ديدن كل الجماعات الأصولية والمتعصبة والمتطرفة والإقصائية والسرية والتي تعمل على تنفيذ أجندة خفية ومهما كان دينها أو عقيدتها وهذا بشهادة التاريخ .

وهم في عملهم الدؤوب هذا ولأجل اختطاف الجماهير لصالح مشروعهم يريدون تكوين أرضية صلبة يعتمدون ويرتكزون عليها في أية جولة مقبلة ومحتملة مع الشعب والدولة على حد سواء . وهم بهذا يريدون تكوين سدا يحميهم من أعداء مشروعهم المفترضين ويحميهم إذا ما تعرضوا لأي مجابهة في المستقبل . أي أنهم يريدون بناء نسيج اجتماعي يذود عنهم ويكون بمثابة الدرع الواقي لهم أو بمثابة الماء الذي يعيشون فيه كما هي الأسماك في المياه بتعبير ماو تسي تونغ Mao Zedong، وهنا يصبح من المحال اجتثاثهم أو التغلب عليهم وهذا لتغلغلهم الأفقي والعمودي وبين مختلف طبقات الشعب ومفاصل الدولة . وهذا بعيدا عن عقيدة الولاء الشعبوي والذي تفطنوا لهشاشته واستحالة الاعتماد عليه أو الوثوق فيه . والذي هو ولاء مراهقة وولاء غير ناضج يتبدل ويتغير في أي لحظة وبزاوية 180 درجة وهذا لتغير الظروف الاقتصادية المحيطة به والتي تحث عليه بقدر أكبر من العوامل الأخرى . وهذا لكونهم يعلمون علم اليقين بأن الناس تحركهم المصالح لا الأخلاق وهذا كما هو معلوم لنا جميعا . ولهذا فنحن نراهم يعملون وبكل قواهم على نشر أسلوب حياتهم بين الجزائريين ونشر مفهومهم هم لدّين وللنص الديني، والقول بأن هذا هو الدين الصحيح وهذه مغالطة كبرى لا يجب ترك البعض يتاجر بها مستغلا طيبة بعض الجزائريين وحبهم لدينهم ولربهم ورغبتهم الشديدة في إرضائه ونيل ثوابه وتجنب عقابه .  

نعود ونقول بأنه ولأجل تجسيد مشروعهم على أرض الواقع فإنهم اليوم يستهدفون فئة اليافعين والشباب، ويعملون جاهدين لأجل تعميدهم في محراب مشروعهم والذي هو كارثة على الجزائر إن وجد طريقه إلى التطبيق . يذكرنا بما نراه من نتائج مأساوية توطنت في الدول الفاشلة والتي أقيمت على مشاريع مفلسة، كما هو حال أفغانستان طالبان أو رومانيا تشاوسسكو Nicolae Ceauşescu أو سودان جعفر النميري .

أخشى ما نخشاه هو أن تتحول هذه المنظمات إلى جمعيات سرية وكلنا يعرف أن هدف الجمعيات السرية الرئيسي، هو قلب نظام الحكم واستبداله بنظمها ومعه هدم المجتمع وإعادة تشكيله من جديد وليس، بالضرورة أن تنتج عن عملية الاستبدال والهدم هذه نتائج إيجابية وقفزة إلى الأمام، فكم من ثورة هي في الحقيقة ثورة مغدورة وحملا مزيفا وردة إلى الخلف وإلى الوراء . وهي أي تلك الجماعات ولأجل تنفيذ أجندتها فإنها وحينما تشعر بأن موسم حصادها قد حان فإنها لن تتورع عن استخدام القوة لهدم ما هو قائم . هذا من جهة ومن جهة أخرى فهي ترى بأن أفضل وسيلة لتطبيق مشروعها هو فرضه بالقوة على المجتمع وهذا هو الخطر الأكبر الذي يتهدد الدولة والمجتمع ككل، فإن لم ينهي وجودهما فإنه سوف ينهكهما وبهذا تتبدد وتتبعثر قواهما في ردود أفعال عبثية يهدر فيها وقتا ثمينا كان يمكن استغلاله في انجاع عملية الإقلاع الحضاري واللحاق بركب المجتمعات المحترمة . ومن منا لا يعلم الدور الهدام الذي لعبته الجمعيات السرية في هدم وإضعاف الدولة العباسية قديما أو في هدم الدولة العثمانية في وقت ليس بالعيد عنا . ولا يمكن أن تغرنا أبدا تلك الابتسامات التي يوزعونها مجانا، ولا تلك المظاهر الملائكية التي يبدونها، فللحية أيضا ملمس ناعم، ولزهرة الدفلة مرة المذاق شكل جميل أيضا، والمجرم مختطف وقاتل الأطفال يقدم لهم الهدايا ويوزع عليهم الابتسامات قبل الانقضاض والإجهاز عليهم .

إننا لا نريد ان تتكون في الجزائر جمعيات سرية تخطف وتجند البعض من أفراد المجتمع لصالح مشروعها . تماما كما كانت تفعل الحركات السرية الشيعية كالحشاشين مثلا، وكلنا يعرف الطريقة التي تغلغل بها عبيد الله الشيعي في منطقة الشمال الافريقي . واستطاع عبر دعوته السرية هدم كل دول المنطقة وإقامة كيان شيعي بقي في المنطقة ردحا من الزمن إلى أن رحل عنها إلى مصر . وصراحة لا يريد أي أحد منا أن تتكرر هذه التجربة معنا أبدا، سواء كان هذا مع مجموعات حشاشية أو سنية أو شيعية أو علمانية .

إنه لمن السذاجة الاعتقاد بأن أتباع الإسلام السياسي وعلى رأسهم التيار السلفي لم تعد تهمهم الأمور السياسية فالخطاب هنا فيه تقية ظاهرة ومراوغة لا يمكن أن يطالها الإخفاء أبدا، وهذا مهما كانت براعة صاحبها، ذلك أنهم يعلمون بأن هذه المرحلة ليست مرحلتهم ولذلك فهم يعتبرون وضعيتهم هذه هي مجرد استراحة محارب كما يقال . ولا بد من جولة أخرى وهذا حينما يشعرون بأن زمام المبادرة قد أصبح بأيديهم . ولأنه كذلك من السذاجة أن نؤمن بأنهم قد انسحبوا من الساحة وبصورة نهائية، ذلك أن عقيدتهم مبنية على أن الدين عندهم هو دين ودنيا ومن المحال تغييب أحد الوجهين، وهذه عقيدة وليس مجرد رأى يمكن تجاوزه باجتهاد لاحق له . ولذلك فهم يحضرون أنفسهم لمرحلة الحسم القادمة والتي يعدون لها وبإحكام مطلق وهذا من خلال عملهم الدؤوب على أسلمة المجتمع الجزائري وبمختلف الوسائل كالنشريات والمواعظ والدروس والخطب والملبس والمأكل والمشرب وفي مختلف ضروريات وكماليات الحياة اليومية وفي مختلف الطقوس الاجتماعية سواء كانت خاصة بالأفراح أو بالأتراح، وتقديم أنفسهم على أنهم الفضيلة تمشي بين الناس وأنهم نموذج الإنسان الكامل، وكل هذا مخطط له وبإحكام، وهذا تمهيدا لما يشبه مرحلة الخروج عند الخوارج أي أنهم اليوم يعيشون في مرحلة الدعوة والتي تسبق الدولة .

ولهذا فعلى المجتمع التفطن إلى هذا المخطط الماكر والذي يسير على قدم وساق، فالقضية ليست سهلة ولا يمكن الاستهانة بها أبدا . وما يحير هو أن المجتمع قد انطلت عليه هذه الخدعة منهم وتقبل طروحاتهم وهذا لأنه يرى واجهة الصورة فقط ولا يرى الخلفية مطلقا . وهذا لكونهم قد قدموا أنفسهم على أنهم حمائم ودعاة للسلام ولبسوا عباءة الشيخ الحكيم والخادم الوفي والناصح للمجتمع، وهم في الحقيقة يشرفون على حرب عقائدية طاحنة لا تراها العين المجردة ولا العقول التي شلوها بأطروحاتهم . وأنستهم فيها ضغوطات الحياة اليومية والتي تشبه صخرة سيزيف لا تهدأ ولا تستقر على حال . وواهم من يعتبرهم قد تطوروا وتخلوا عن عقائدهم السابقة فلئن تخلت الكنيسة على معتقدها بأن ثلاثة هم واحد وواحد هو ثلاثة، ففي هذه الحالة فقط يمكن أن نشك بأنهم قد تغيروا وتنازلوا عن فكرة امتلاك الحقيقة وفكرة أنهم التأويل الأوحد والصحيح للنص المقدس وان خلاص البشرية والعالم لا يكون إلا على أيديهم . وهم لن يتغيروا وهذا كنتيجة مباشرة لتعطيل عقولهم أمام مشايخهم وهم يريدون من الآخرين أن يعطلوا هم الآخرون عقولهم ويصبحوا صدا لمقالاتهم ومن يرفض السير في هذا الطريق فكم من وصمة يمكن لهم أن يلصقونها به وهذا بهدف تحييده وإزاحته من الساحة وبصورة نهائية .

 

 

سمير خلف الله ابن مهيدي / الطارف / الجزائر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3611 المصادف: 2016-07-25 04:57:36