المثقف - قضايا

صباح شاكر العكام: العقل في تراث الامام علي

sabahshakir alagamتعريف العقل غير محدد حيث يوجد عدد كبير من التعريفات وضعت من قبل فلاسفة الكلام، وقد جاء في لسان العرب(العقل: الحِجر والنهي ضد الحمق)، وقد يراد به يكون نور فطري يسلط على الواقع والاشياء والحوادث، وهو ملكة التمييز بين الصالح والطالح، وهو يدل على الخزين المعرفي للإنسان .

يمكن تقسيم العقل الى نوعين،عقل غريزي وعقل تجريبي، فالعقل الغريزي هو عقل فطري وهو المشترك بين العقلاء ولا يقبل الزيادة والنقصان، اما العقل التجريبي فهو عقل مكتسب عن معرفة اخلاقية وسلوكية في اكثر الاحيان وهو ناتج من كثرة التجارب والوقائع .

في الاسلام هنالك قضية التعارض بين العقل والنقل، فالبعض يرى ان أي تعارض بين العقل والنقل ينبغي ان يحسم لصالح النقل، أي تكيف العقل الى مقررات النقل (النص الديني)، والحجة في ذلك أن العقل مهما سما ومها بلغت طاقته لا يمكنه التوغل في كل اسرار النص الديني . والبعض الاخر يرى أن العقل هو ركيزة الايمان، وهو الطريق الى الايمان، وهو دعامة الايمان، واذا ما كان هنالك تعارض بين العقل والنقل فالأولى أن يؤول النقل عقلياً، أي يكيف النقل للعقل وليس العكس .

لقد ورد في اقوال الامام علي (ع) الكثير من المقولات والمواعظ والتي تؤكد اهمية العقل في تقدم الشعوب والامم للوصول الى بناء حضارة متطورة ومزدهرة، والحث على  طلب العلم لأنه ينمي العقل ويصقله، ومن الاقوال المأثورة للإمام (ع) :

*   " من شاور الناسَ شاركهم عقولهم "

يدعوا الامام (ع) في هذه المقولة الى المشاورة لا الى الاستشارة، لان المشاورة أخذ وعطاء ونقاش مع الآخرين في ضوء ما يحملونه من افكار وتصورات ونظريات، أي يدعوا الى سيرورة فكرية علمية.

*  " اذا تم العقل نقص الكلام"

يوصي الإمام (ع) أهل العقل بالإيجاز المفيد والخلاصة الوافية فيما الموقف يتطلب ذلك، أي ان قلة الكلام هو تعبير رمزي عن التركيز والتكثيف والايجاز والتلخيص، أي اعطاء زبدة الكلام واتحاف المستمع بخلاصة وافية، فهو قانون تربوي تعليمي له ظروفه ومجاله وليس على الاطلاق .

*  " العقل غريزة تربيها التجارب"

يقول الامام (ع) أن العقل غريزة أي ليس عضواً من اعضاء الجسم، وأن التجارب سواء كانت ناجحة او فاشلة فإنها تساهم في تربية هذه الغريزة أي تربية العقل على طرق ومناهج واساليب لمعاينة ومقايسة ومقارنة الافكار والتصورات والنظريات، فالإمام (ع) يقول هنا أن  التجارب تربي العقل ولم يقل تزود أو تمون العقل، لان التربية أعمق واوسع من التزود والتموين .

*  " العقلُ الإصابة بالظن ومعرفة ما لم يكن بما كان"

الظن هو التمكن من كيفية استخدام العقل في حل المشاكل او تحليل الظواهر أو اكتشاف الاسباب أو أي عملية عقلية اخرى، وعندما يكون الظن مصيباً للواقع فانه يحتل مكانةً كبيرة ومعتبرة لدى الاخرين، وهو امتياز بالمهارة الفكرية والقدرة على حل معضلة او تحليل مشكلة او تفكيك نظرية، أنه العقل الذي يصيب ظنه الواقع، وان (معرفة ما لم يكن بما كان) هو معرفة المجهول بالمعلوم، ومعرفة المستقبل بالماضي، ومعرفة المخفي بالظاهر .

*  " اذا خُلي عِنان العقل ولم يحبس على هوى نفسٍ أو عادة دينٍ أو عصبية لسلف، ورد بصاحبه على النجاة "

أن الاساس في الحرية المطلقة للعقل هو ان يطلق عنانه بدون اسوار ولا محرمات ولا ممنوعات، أي التحرر من الهوى و من العصبية الدينية و الاثنية والعادات والتقاليد العشائرية وهي شروط ثانوية، ولكن الشرط الجوهري هو الحرية العقلية المطلقة التي تؤدي بصاحبها الى النجاة والوصول الى الحقائق العلمية والفكرية والمنطقية .

*  " العقلُ ولادة، والعلم إفادة، ومجالسةُ العلماء زيادة "

يقصد الامام (ع) أن العقل يولد الافكار، يخلقها، يستنبطها، ولا ولادة بدون افكار جديدة، فالعقل يولد الافكار  التي تتحول الى علم، والعلم إفادة، والافادة استثمار للولادة، أي ولادة الافكار والمفاهيم والنظريات والتصورات حيث يعمل العقل عمله الجبار، وكون مجالسة العلماء زيادة يعطي للولادة الواردة في وصف العقل صفة حركية وجدلية تسبب نشاطاً واستنباطاً واستقراءً .

*  " عقل الكاتب في قلمه "

العقل هو خزين النفس الانسانية من تجاربها الحلوة او المرة، من احلام الطفولة الى عذابات المجتمع وتطلعات الجسد، الى ذكريات الليل والنهار، اما القلم فيقصد به الامام (ع) الكتابة من حروف وكلمات وجمل وما بينهما من علاقات وروابط بصياغات شتى وصور متعددة، فتكون الحكمة (عقل الكاتب في ما يكتب) .

*  " جالس العقلاء أعداء كانوا أم اصدقاء، فإن العقل يقع على العقل"

يذهب الامام (ع) في حكمته الى أن العقلاء هم اهل الرشاد في السلوك وهم اصحاب الخلق الرفيع ممن التزم بآداب العرف والمجتمع وهم أهل الفكر والعلم وحملة الثقافة والادب، وأن مقولة (العقل يقع على العقل) يعني ان العقل يجادل العقل ويناظره، وهذا لا يحصل اذا اجتمع الجهال مع بعضهم فيكون كلامهم سطحياً ومكرراً .

* " كل شيء يستدل عليه بالعقل، والعقل هو الحجة"

فيقصد الامام (ع) بالحجة هو الدليل والبرهان، لأنه يرى ان العاطفة اقوى من العقل لأنها مركبة بالطبع، في حين ان العقل مكتسب، لذا لا بد من عقيدة راسخة حتى يبقى العقل في موقع الصدارة .

* " مَن استرشد بغير العقل أخطأ منهاج الرأي "

الاسترشاد بغير العقل يعني عدم الرجوع الى العقل في الحكم على الاشياء والمواقف والافكار والنظريات ونتائج الدراسات والابحاث وهي نشاطات عقلية من حيث الهوية والحقيقة،  وأن للرأي منهاجاً أي هو خلاصة او نتيجة لمنهاج كما في الاستنتاج او الاستنباط .

* " ليست الرؤية كالمعاينة مع الإبصار، فقد تكذبُ العيون اهلها،ولا يغش العقل من استنصحه "

يقصد الامام (ع) بالرؤية هنا بمعنى العلم وهو على نوعين : النوع الاول هو العلم المحسوس الذي اداته الحس، أي ما نسمعه ونبصره ونشمه ونلمسه ونتذوقه بوساطة الحواس الخمسة للإنسان، وان اهم حاسة هي الابصار بالعين وبالرغم من اهمية وخطورة الابصار فإنها تكون في اغلب الاحيان غير دقيقة في الحكم النهائي على الامور لأنها رؤية سطحية فقد تكذب العيون اهلها، فيرى الكبير البعيد صغيراً والنوع الثاني هو العلم المستند على العقل فتكون الرؤية الحقيقية هي المستندة على العقل وان العقل لا يغش من طلب نصيحته، أي ان الرؤية الصحيحة ليست رؤية البصر، وانما البصر هو بصر العقل الذي لا يكذب ناصحه .

*  " قوتُ الاجسام الغذاء، وقوت العقول الحكمة، فمتى فقد واحدٌ منهما قوته بارَ واضمحل"

من البديهيات لولا الغذاء لما حصلت حركة للجسم البشري ولا تنفس ولا دوران للدم و لانعدمت جميع الفعاليات الحيوية للكائنات الحية وادى الى كسل وخمول ثم الاضمحلال والموت، كذلك فان المعرفة الصحيحة هي قوت العقل والتي تؤدي الى انتعاش العقل و زيادة نشاطه، اما اذا لم يتزود العقل بالمعرفة الصحيحة فانه  سيضمحل ولا ينتج أي يصبح معطلاً، وهذا هو القصد من حكمة الامام (ع).

*  " العلمُ وراثة كريمة، والآداب حُللٌ مُجددة، والفكر مرآة صافية"

كما هو معلوم ان العلم لا يورث بايولوجيا كما تورث الصفات الخلقية للإنسان، فالإمام (ع) يقصد هنا بوراثة العلم هو بتحصيله وتكسبه، أي القراءة والبحث والتنقيب والمتابعة، اما الفكر فهو الفكر الصحيح المطابق للواقع بقرينة كون وراثة العلم كريمة وقرينة كون الآداب مجددة اذا ما اقترن بهما الفكر حيث الصفاء يعود اساساً للعلم عبر المرآة، فالفكر الصحيح هو مرآة صاحبه .

أن تنمية العقل وتطوير مهاراته وفنونه وطرق تفكيره هو الطريق الاسلم لتقدم المسلمين ولحاقهم بالتطور العلمي والحضاري للمجتمعات المتطورة،ولكن للأسف الشديد نجد ان اغلب المسلمين قد اغلقوا عقولهم واتبعوا ما يملى عليهم وفضلوا النقل على العقل فساد التطرف والغلو وشيوع ظاهرة الدجل والشعوذة واتباع التقليد الاعمى للأخرين فبقوا متخلفين عن ركب الحضارة الانسانية .

 

....................

مصادر البحث

1- نهج البلاغة  - تفسير الشيخ محمد عبدة .

2- غالب حسن الشابندر - قوانين العقل في تراث الامام علي(ع).

3- غالب حسن الشابندر – العقل عبر المدارس الفكرية المتنوعة – الجزء الثاني – دار العارف – بيروت - 2015.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3656 المصادف: 2016-09-08 00:52:38