المثقف - قراءات نقدية

الكاتبة زمان الصائغ بين الحلم وبين الصبر تبني مملكة الجمال

wejdan abdulazizوانا اتسربل بخيوط ظلام الليل التي تتقاطع مع خيوط ضوء ابيض منبعث من غرفتي الضيقة، تصلني كل مرة رسالة فاجيب عنها برسالة  في ساعة متأخرة من الليل

وبين خيط الظلام وخيط الضوء الابيض وفي هدوء عميق تعدني بتحقيق احلامي عبر قراءة مستمرة لما يكتبه زملائي، لاجد ان العاطفة شعور الإنسان وما يختلج في صدره تجاه أمرٍ أو شخصٍ أو فكرةٍ ما، والعاطفة إنما تعرف باسمها، كالحزن والفرح والخجل والغضب والأنس والود والحب، أو تميز بمظهر من مظاهرها، كالابتسام والضحك والبكاء والدمع واحمرار الوجه وما إلى ذلك، وكلها تصلح موضوعا للكتابة، لتظل الكتابة  تعبيرا جميلا عن خلجات الانسان،وتبقى تجسم صور الحب والعشق والهمس بصور جمالية تصب كلها في تعميق علاقة الانسان بالانسان الاخر وهذه العلاقة، كونها علاقة ازلية منذ بدء الخليقة، حيث خلق الله كل شيء في الكون من زوجين وجعل بينهما تجاذب من نوع خاص ... وهذه الصور التي تخلق حالة التوتر في الكون لهي مدعاة لاحتراق ذات الكاتب ودفعه للتعامل مع اللغة وتحميلها الصور المغايرة، التي يحاول أي كاتب التعبير من خلالها عن خلجاته الانسانية، وبطرق مختلفة من الملهاة والمأساة، فمنها صور السخرية، او صور المعقولية ضمن قوانين اللغة، كونها وسيلة هذه التعابير، فالكتابة تعبير عن خلجات النفس الانسانية وكلما تكثفت اللغة واصبحت ذات نغم جمالي، كلما ساغتها الذائقة المتلقية وانبهرت بها، وتعددت اساليب اللغة وتجنست باجناس حكائية درامية وسميت قصة او رواية، ومنها اخذت صور الكلام وعلقتها ذهنيا وجماليا واندهاشيا، فاصبحت ما يسمى بالشعر وبين هذا وذاك كانت كتابات تتوسط الجنسين، من هذا وجدت الكاتبة زمان الصائغ تتعدد في الكتابة .. والرؤية واحدة وهنا اجدها في رسائل ترقى لمقطوعات شعرية جميلة .. في رسالة اليه (صراخك يكسر ازهار القلب والوجع المر يتركني الوك الصبر ..!! هل يمكنك ان تسمع نبضات الشوق؟ هل تسمع!! ؟ لا تخضع ! كيف للاسد ان يخضع؟ انظر في المرآة وستعرف انني لا انتمي الى فصيلة السعداء .. فأنا اتنفس الصداع والارق .. اين الاشواك التي كانت تبعدني عنك؟ ...) وهنا اختلط صوتها وصراخها بوهمه وصوته الغير معقول في ظن الكاتبة الصائغ، في افتراض السعادة وفي افتراض التعاسة ضمن اسئلة تُظهر .. وتُخفي .. لتبقى الكاتبة في مساحة الكلمة وعناق الحرف تبحث عن حقيقة العلاقة التي تصبو لها ... بيد ان الكاتبة الصائغ تتحول خلجاتها الانسانية الى ثورة ضد الجوع والفقر، ونحن لانجد بد من ان الجوع قد تنوع في ذاتها الباحثة عن عدل ارضي مفقود .. تقول :

 

(أعطني منديلك

امسح بها فقري

وبعض قطرات من يأسي

اسقي بها عطشي

وأوراق لاكتب

للتاريخ بأنني الارض

التي لا ترى المطر

وانا جبال من أوراقِ

بلا شجر

خذ حريتي

و كل شئ

واعطني املا

لاعيش ليومِ آخر

بلا ماء

بلا دواء

أعطني خبزا

وخذ وسادتي

لان النوم لا يزور الفقراء)

 

هذا الجوع وهذا العطش صوت اخر للارض المعادل الموضوعي لذات الكاتبة، التي تتأثر بما يحيط بها من ظواهر مدانة، مما جعلها تعتبر الحرية هي الامل .. واعتبار الخبز رمزا للهدوء والاستقرار .. وهكذا تعزف زمان الصائغ لحن الوجود بالتضامن مع الجياع والفقراء ... تقول الصائغ :

 

(حين تزورني

ستجد إن قهوتي دافئة

وعطري مازال حائراً

يغرد في فساتيني

وقطراتٍ من عشقٍ احمرٍ

زرعتها على شبابيكِ يقيني

.................

مبتورة اطراف الكلمات

وأجنحة الحروف تكسرت

كلما طرقتُ أبواب القصيدة

من شرفة الاوهام

أطلب من الحلم ان ينتظر للحظة

ومن الصبر ان يحيا ليوم

كي ارمي ازهار الخوف

في بئر النسيان

وأشد عُقدة جدتي

على شبابيك النوم

حين كان المجنون سعيد

و الطريق قصير الى الحلم)

لتكون ضمن دائرة ذاتية موضوعية .. عين على الذات وخلجاتها .. وعين على المحيط وتأثر الكاتبة فيه .. وهي تبحث عن ذاتها في غياب الاخر .. وحضور الذات بقولها : (حين تزورني

ستجد إن قهوتي دافئة

وعطري مازال حائراً

يغرد في فساتيني

وقطراتٍ من عشقٍ احمرٍ

زرعتها على شبابيكِ يقيني)

وهذا الحضور المغمس بالجمال، عانق الغياب الحساس جدا لتوليد رؤية فنتازيا جسورها الحلم المنفتح في البحث عن الملاذ .. ولكن (مبتورة اطراف الكلمات) (كلما طرقتُ أبواب القصيدة)، وبالتالي هناك نزعة تبريرية للكتابة، ونزعة للكشف، لكن انّى لنا الوصول الى الحقيقة .. لان تبقى الكاتبة تتنفس الصداع والارق والقلق المستمر وهذا حال الكتابة دوما .. وهنا نستطيع ان نقول : ان العمل الادبي هو جهد انساني هادف وواعي ومنتج، أي انه منتج للذائقة الفردية والجمعية في تدريب هذه الذائقة على الفرز بين الغث والسمين، واتخاذ الموقف غير الحيادي برفض كل ما هو قبيح .. مما دعى الكاتبة زمان الصائغ تقول: (أطلب من الحلم ان ينتظر للحظة

ومن الصبر ان يحيا ليوم

كي ارمي ازهار الخوف

في بئر النسيان)

فهل يكون خلاصها وملاذها النسيان، اعتقد الحلم والصبر هما المنقذ لكاتبة رقيقة مثل زمان الصائغ ..

 

وجدان عبدالعزيز

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2345 السبت 02 / 01 / 2013)

....................

ملاحظات حول حقل التعليقات

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2342 المصادف: 2013-02-02 12:41:22