المثقف - قراءات نقدية

التجربة الرومنسية للذهن الكلاسيكي في قصائد علي مولود الطالبي

saleh alrazukعن دار أكاد صدرت مؤخرا للشاعر العراقي علي مولود الطالبي مجموعة شعرية جديدة بعنوان (شمس على ثلج الحروف). وهي كما قال الناشر عنها: زمرة من القصائد العمودية المرتبة أبجديا حسب العنوان (1).

و لئن كان هذا الكلام نوعا من الخطاب الماضوي الذي يتعامل مع الشعر وكأنه يقف على عتبات فترة منصرمة من تاريخه الطويل، يصبح السؤال الذي لا مفر منه: ماذا أضافت المجموعة لفن الشعر، وهل استطاعت أن تقدم لنا قصيدة تربح الرهان ضد شروط الزمن والتراكم؟...

في الواقع أرى أن الإجابة صعبة، ولا سيما أن الكلاسيكية الجديدة انتهت مع وفاة الجواهري والبردوني، وبدأت تدخل في منعطف لمرحلة متحولة مع يحيى السماوي وزملائه (2).

و لكن دائما لأية قاعدة استثناء!!..

لقد استطاعت نازك الملائكة، بعد تجربة غنية مع الحداثة، أن تضع العقل الكلاسيكي لحساسية الشعر أمام تحدياته ورهاناته.

و لا يمكن أن يفوتني هنا مصير تجربة الشاعر المرحوم محمد عمران في شوطها الأخير. لقد استطاع، من خلال أسلوب التفعيلة والشعر الحر، أن يدخل في طور من المجاز الفني، حيث تتحول القصيدة إلى نوع من التباهي بالطبيعة وإلى إنشاد قريب من روح لا شروط لها، وبحساسية ذهانية أو معصوبة لا ترى الفرق بين العواطف والصور. ولكنه سرعان ما عاد بطريقة الفلاش باك لاكتشاف القوانين الضائعة وليفرض الذهن العربي الكلاسيكي على المعنى المعاصر كلما دعت الحاجة، أو كلما تغنى بأمجاد دمشق وبالصفحات الناصعة من ماضيها الذهبي.

و في هذا الإطار أرى أن تجربة الأستاذ علي الطالبي لها ما يبررها. فهي لم تتعمد إعادة إنتاج نفس الشكل لنفس المضمون، إن صحت العبارة. فقد وظف القصيدة العمودية للتعبير عن موقف رومنسي من:

1- الذات وهي أنا الشاعر.

2- ومن الموضوع وهو أغراض القصيدة ورؤيتها لما يدور حولنا من أحداث.

لم تكن هذه المجموعة مجرد قصائد عمودية مفتوحة على ذهن كلاسيكي جامد. ولكنها اقتربت كثيرا من روح ونبض هذه المرحلة. ونظرت للتجربة الشخصية وللطبيعة والوطن بمنظار العواطف الرومنسية التي تغلب فيها أحاسيسه على رؤيته. وهذا أصلا هو تعريف هيغل للفن الرومنسي.

 أليس هو الشكل الفني الذي يتحدد بالمفهوم الداخلي للمضمون المطلوب تمثيله؟.

أليس هو كل تعبير فني يضفي على المدلولات الطبيعية أشكالا خارجية من جهة، ويسبغ على الجوهر - الصورة غير المحددة للتجربة الذاتية - نشاطا تجريديا (3).

كما أرى إن مجموعة الشاعر علي الطالبي تحمل مبرراتها من خلال هذه الرؤية لأسلوب التعبير الفني، وليس من شكلها المطلق، ولا من تماهيها مع أصول فن الشعر، ولا حتى من مضامينها وموضوعاتها.

فقد كانت تعيد إنتاج الطبيعة، وتتغنى بها كما أحس بها الشاعر بقلبه، وليس حسب ما تراه عيناه. وفي قصيدته (صلاة الجداول) نلاحظ كيف ربط المحسوس بالمحسوس، والدليل على ذلك قوله:

و حتى الشموع ظلال الغيوم   

نعتقها فهي كالخمر صرف (4)

و بخصوص التجربة العشقية لم تتناولها المجموعة بطريقة الوصف المادي للمحاسن التي تلفت الانتباه، ولا عن طريق التغزل العفيف، ولكن من موقع المشاركة مع وجدانيات الفكرة، وأقصد بذلك فكرة الشكل الذي ينطوي على صور تحرض الجوانب الخاصة من التجربة. ومن ذلك قوله في قصيدة (أنثى الماء) :

يا وجد مشيتها الميساء كل ضحى 

حتى المساء وخطو المنهل العذب

مباحة القمر المسدول خصلتها     

و يلعب النبق فوق الثغر في أدب! (5)

و بعبارة أوضح إن العشق في هذه الحالة أقرب لصياغة ذهنية للعواطف المكبوتة والتي لا يوجد ما يحاكيها، أو ينسج على منوالها. فالابتسامة مشروطة بالأدب، والمشي مشروط بالوجد، وهكذا....

و أخيرا، كان الوطن يعبر عن التآزر بين الحالة العشقية للمضمون والبحث عن ذاته المجهولة والضائعة.

و المثال على ذلك قوله في قصيدة ( وجه الحنين):

ماذا أقول لجنة كمدينتي؟

و البعد سار على مفاصل غيمتي (6)

و إن مثل هذه التصورات الساحرة عن مسقط الرأس ليست غريبة على الحركة الرومنسية . ألم يصور سعيد عقل موطنه لبنان بشكل ( أجراس وردة البنفسج)، ويعتبر عبدالباسط الصوفي حمص في سوريا: مدينة طيبة حرة؟؟؟!....

 

صالح الرزوق

..................

هوامش:

1- من كلمة الناشر على الغلاف الأخير للمجموعة.

2- يبدو لي يحيى السماوي صاحب مشروع شعري. والفكرة عنده غالبا ما تأخذ حقها في الصور والتراكيب. ولذلك يتميز من بين أبناء جيله أنه شاعر أفكار تبحث لنفسها عن أسلوب. ويمكن أن نرى في ذلك سلوكا قريبا من عقلية الحداثة لو وضعنا باعتبارنا فكرة مسرحية بيرانديللو شخصيات تبحث عن مؤلف. فالحداثة تحتاج لتبرير ولا سيما في الشعر، لأنها تأتي من خارج المؤسسة الكلاسيكية الجاهزة وقوانينها. وكذلك الأمر في القصة لأنها في معظم الحالات لا تعترف بقانون التسلسل (مقدمة وعقدة ونهاية)، وهو شرط في أي حكاية.

3- انظر الفن الرومنسي لهيغل. ترجمة جورج طرابيشي. ص 5.

4- ص48 من المجموعة.

5- ص28 من المجموعة.

6- ص 29 من المجموعة.

 

صالح الرزوق/ نيسان 2013

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية الشعر ورونق الربيع للأستاذ الناقد د. صالح الرزوق
تحليلكم لتجربة الشاعر علي الطالبي صائب تماماً
وقد التفتُّ إلى قصائده العمودية منذ عدة سنوات وتابعتها باهتمام فهو يكتب منطلقاً من موهبة أولاً وعشق حقيقي لشعر وخاصة الكلاسيكي منه مع رغبة واضحة وطموحة بتجديد الرؤية لهذا اللون من شعر التراث هذا وقد كان

ديوانه الأول ( ضوء الماء ) قد صدر عام 2011 وكتبتُ كلمة غلافه الأخير مبيناً هذا الفكرة تقريباً ... دام ألقك ودمت بعافية

سامي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

كل الشكر للأستاذ الشاعر سامي العامري. و الذي قرأت له بعض النماذج . فعلا الشعر العمودي يشكل نوعا من التحدي للذهن العربي. تصور أنني قرأت مقالة لمستشرق عن الشعر الجاهلي و لأنه لم يعرف سر اللغة العربية حق المعرفة ترجم أحد الأبيات بشكل مغلوط .
الخلاصة نحن بحاجة دائما لمرشد لنا من الضلالة في قراءة الشعر المكتوب بأسلوب فصيح و أصيل. و تجربة علي الطالبي تدخل في هذا المجال.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور الفاضل صالح ، سلام ومودة وامتنان من سموك الراقي
لا اعرف كيف اشكر شخصكم الكريم على قراءتكم لديواني الجديد ،
ففضل النقاد على الشعر كفضل الشمس على الاشجار ،
ونحن نعرف مواطن بوحنا وما له وعليه من خلال رؤيتكم لما نكتبه من بسيط الحروف ،
فرحت جدا بما تناوله جنابكم الكريم ،
فالشكر موصول لكم على اتساع البوح
وكلي عرفان بجميلكم
محبتي

علي مولود الطالبي
This comment was minimized by the moderator on the site

هذا واجب القارئ على الشاعر. الشكر لك .

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2401 المصادف: 2013-04-02 07:02:46