المثقف - قراءات نقدية

حمائم وغربان أديب كمال الدين والحرف المشرد (1)

saleh altaeiحينما يشعر الإنسان أنه وصل أو كاد إلى آخر محطات العمر يحلو له تذكر كل ثانية مرت بعمره حلوها ومرها، سعيدها وحزينها .. ينظر إليها بعين هي غير تلك العين التي عاشتها وتأثرت بها .. ينظر إليها بعين حكيم عركته السنين وأنهكه المسير في أرض بليلة بالطين، وكثبان رمال وبساتين، وشياطين وحور عين، وعلقم وحسك، ورمان وتين، وأعداء مترصدين وأصدقاء باكين.

للسنين في فم الشاعر طعم ومذاق هو غير المذاقات التي ألفها الناس، مذاق يجمع بين الحلو والمر والمالح من دون أن تختلط الطعوم أو يطغى بعضها على الآخر. وإذا كان الشاعر في فورة شبابه وقمة رجولته قد أدمن تذوق الحلو، أو التظاهر بوجود الحلو في فمه حتى ولو كان الموجود علقما؛ فإنه بعد أن تعركه السنين وتطحن أيامه الطواحين؛ لا يقول الحقيقة فحسب، وإنما يفلسف المواقف ويعيد ترتيب حبكة الأحداث، يعيد كتابة السيناريو أكثر من مرة قبل أن يعلنه أمام الملأ.

 الشاعر الذي يتغنى بتجربته الحياتية والإبداعية في تلك المراحل يتحول عند الشيخوخة إلى حكيم يزجي الكلمات تجارة عسى أن تنفع الناس، ولذا ترى شاعرنا أديب كمال الدين يبدأ مجموعته بقصيدة (الغراب والحمامة) لا حبا بها بالتأكيد وإنما ليعلن من خلالها الفكرة العامة للمجموعة، ليعلن: إن الإنسان هو الإنسان منذ عصر الطوفان وحتى يومنا الحاضر، هو الغائب الحاضر، هو الفاعل والمفعول، هو الأيام والسنين والفصول، هو هو فقط يتطور عمرا وعمرانا، ولكن خيباته تتطور معه، وأفراحه وأحزانه تكبر معه:

حينَ طارَ الغرابُ ولم يرجعْ

صرخَ الناسُ وسط سفينة نوح مرعوبين.

وحدي – وقد كنتُ طفلاً صغيراً-

رأيتُ جناحَ الغراب،[2] 

وهي الصورة التي تكررت مرات ومرات، حيث نجدها في قصيدة أخرى تترجم واقعية هذا التوجه الفكري الامتدادي:

وسيذكرُ في لحظةِ صدقٍ أثيرة

أنّه قد رأى ذاتَ يومٍ سفينةَ نوح،

وأنّه كانَ هناك

حين أرادوا أنْ يحرقوا إبراهيم،

وأنّه شاهدَ معجزات موسى وعيسى،

وأنّه شاهدَ بدراً

ورأى فعْلَ سيفِ عليّ العجيب.

وسيذكرُ في لحظةٍ غامضة

أنّه قد بكى دمعاً غزيراً في كربلاء

حينما رُفِعَ رأسُ الحسين فوق الرماح.[3] 

وكأن أديب يريد أن يعيد كتابة قصة الخلود البابلية بأسلوب آخر، يعيد كتابة قصة (هو الذي رأى) أو ملحمة قلقميش الخالدة، قصة البحث عن سر الوجود، البحث عن الخلود، البحث عن القيم العليا التي تستحق أن يموت الإنسان من أجلها، القيم التي كان الإنسان المرهف الحس ولا يزال يمر بنفس تجاربها:

هكذا أنا على هذه الحال

منذ ألف ألف عام:

الغرابُ ينقرُ جمجمتي

فينبثقُ الدمُ عنيفاً كشلال.

والحمامةُ تضعُ فوقَ جمجمتي،

دون جدوى،

حفنةَ رماد![4] 

إن من أقسى تجارب الدنيا عيش الإنسان مرهف الشعور فيها، فالبليد يعيش يومه، بل ساعته، ولا يهتم للأمس الذي ولى والغد الذي سيتولى، أما المملوء هيمانا بالرياض والحسان واليواقيت والجمان فالحياة عنده محطة مفعمة بالوجوه والمشاعر والأحاسيس والرؤى، تهدر فيها نسائم عذبة وعواصف خانقة، حرائق مدمرة ولحظات صفاء مع المحبوب أي كان: فتاة، حديقة، ذكرى عطرة، والدة، وطن، ناس، وأشياء كثيرة أخرى كنا لا نلفت لها جيدا في أيام صغرنا وشبابنا ولكنها تمثل اليوم مدار حياتنا وشيئا نرغب فيه بشدة ولكنه أبعد ما يكون عن متناولنا، ويجتمع الهدير ليرسم صورة سريالية قد لا يفهما سوى الشعراء:

قالَ لي: انجُ بنفسك!

فلم تعدْ هناك

فوقَ مائي الذي يمتدُّ من أقصى الخرافة

إلى أقصى الغيمة،

ومن أقصى الشمس

إلى أقصى الحرف،

لم تعدْ هناك – صدّقني- أيُّ سفينة!

ولم يعدْ هناك – واأسفاه- أيُّ نوح![5]

هذا التعلق البوهيمي باللحظة الزمنية التي تشبه فقاعة إذا لم تنجح في تصويرها تنفجر ولا تترك أثرا يدعو أحيانا إلى التمرد حتى دون تقييم الخسائر والأرباح، يا ترى ماذا أراد الشاعر بقوله:

ويحقدُ على الزمانِ الذي لم يمنحْه

سوى وسام العربدة[6]

وماذا نفهم من وسام العربدة هذا؟ علام يدل؟ وهل أن ذلك يمثل إقرارا صريحا بالهزيمة، أم هو تأكيد على الرغبة والإصرار بالاستمرار حتى النهاية مهما كان لون النهاية ونوعها وطريقتها؟

في مواقف كثيرة لا تحصى التفت أديب كمال الدين إلى الخلف ليجد أن تلك التي خلفها وراءه .. كل تلك السنين الطويلة المريرة الموبوءة بالوجع والحسرة والفشل والنجاح والتنقل والسفر والهزيمة والانتصار؛ هي نفسها مجرد كذبة ضاعت منذ لحظاتها الأولى. في السابعة من العمر تبدأ أولى محطات المعرفة الحقيقية عند الإنسان، في السابعة ينتقل الإنسان من فتى المخاض الأول إلى فتى الدرس الأول، فتى السماع والانطباع والتخزين والتجميع، لكن شاعرنا يعلن في هذه اللحظة بالذات بداية المعرفة وبداية الضياع دون شفاعة من الأصالة:

في السابعةِ من عمري

أضعتُ دراهمي السبعة

وأنا أنظرُ إلى تمثاله الواقف

عند باب المتحفِ العراقيّ[7]

وتتجلى الرمزية، رمزية الضياع الأبدي الذي رافق الإنسان في مسيرته من خلال الصورة التي رسمها للطفل المسكون في داخله واقفا أمام تمثال في باب متحف تاريخ. وكانت قد تكررت في قصيدة (الغراب والحمامة) ثم فجأة نجد الصورة تتكرر بنفس الملامح القديمة بعد سبعين عاما:

وفي السبعين من عمري

أضعتُ سبعين عاماً من عمري

وأنا أنظرُ إلى تمثاله الواقف

عند باب المتحفِ العراقيّ

هنا يعلن الشاعر توقف الزمن، تحجره، تكراريته البغيضة وصورة أخرى مشحونة بالخوف تنبيك أنك لست وحدك عشت الوهم فالتمثال العظيم الذي استحق عن جدارة مكانا في بوابة المتحف، لا يختلف كثيرا عنك فهو الآخر... "وهو يرعى خيبته الكبرى"! قد عاش الوهم مثلك تماما. هذه التكرارية التي تبدو أحيانا في منتهى العبثية والاعتباط تفرض نفسها على المجموعة وتجد لها مكانا هنا أو هناك ليس على سبيل الحشو الفارغ بل على نمط موحد تام الإنسجام مع روح القصيدة حتى بدت وكأنها خرزة في مسبحة يمثل فقدانها خللا يمنع اكتمال التسبيحات:

لأسقطَ كلّ يوم

دونَ أنْ أكفّ عن هذا الدرس.

أعني أنْ أكفّ عن تذكّرِ هذا الدرس المخيف،

الدرس العصيّ على نفْسه

وعليَّ[8] 

هذه الحشرجة الفكرية لم تكن ترفا بقدر كونها صورة من صور المعاناة، معاناة الرحيل الدائم، ففي الغربة تثور الذكريات بعنفوان يؤرق المخيلة، يشظي الروح، ينهك الجسد، يؤلم الذات ... الذكريات تعني فيما تعنيه فقدان الانسجام بين الحلم والواقع ... بين الأمل والمتحصل ... بين الأماني والمتحقق، فيشعر الإنسان وكأن كل ذلك العمر الذي أنفقه، بكل صور معاناته وجهاده وربحه وخسارته كان مجرد هباء اشترى به ريحا تبخرت من بين يديه ولم يبق له منها سوى حلم ... حلم لا أكثر شوهت الذاكرة الضعيفة صورته فبدا بشكل يثير الفزع والرعب:

وطابعَ كهلٍ يهذي قصائده المتشظّية

وهو يقلّب كفّيه

على ما أنفقَ من عمرِه

في شقّتِه الضيّقة.[9]

يتكرر هيجان الذكريات في قصائد الديوان، وتعود الصور نفسها تتكرر بعنف، تحفر واقعها بأزميل القهر، صورة الطفل ابن السابعة في سفينة نوح، والشيخ ابن السبعين في  درس كلكامش، تتوسطها صورة الرجل الأربعيني في (بطاقة تهنئة) وتتكرر صورةُ تواصلية الضياع العبثي من خلال العلاقة بين الطفل والرجل مرة وبين الطفل والشيخ مرة أخرى:

قبلَ أربعين عاماً،

ربّما أكثر،

وصلتْكَ مثل هذه البطاقة.

وكتبتَ عنها

قُبْلةً، قُبْلَتين.

أعني قصيدةً، اثنتين،

كتاباً، كتابين،[10]

من هذه الجدلية الخالدة أجد الديوان بالرغم من تنوع أغراض قصائده، ديوان رحيل ووداع وغربة ودموع وذكريات عصية على النسيان، تدق أبواب الواقع بعنف لتثبت حضورا حكيما لرجل وقور خبر الدنيا وقلبها ظهرا على مجن، وإذا استعصى على تلك الذكريات فتح الباب؛ تلج من الشبابيك والكوات الصغيرة التي يفتحها تراخ تفرضه تهجدات الروح في حضرة الماضي.

إن قصائد أديب كمال الدين تحكي لنا قصصا اعتدنا سماع بعضها ممن عاشوا معاناة الغربة، ومررنا ببعضها الآخر وعشناه من دون سفر، ولم نسمع ببعضها الآخر إلا من خلال بوح شاعرنا، من خلال تلك القصائد التي بدت متوضئة بنور ذكريات تعني عمراز

أما المكان فهو عند الشاعر يمثل شكلا من أشكال الانهيال الوجداني، يمثل حيزا ملموسا بسبب التنوع الذي فرضه التنقل القسري بين البلدان بحثا عن وطن، ولذا تجده لينا طريا غير قابل للانكسار بما يمنحه مطاوعة التشكل تبعا للحلم الغافي في مآقيه. ومهما كانت صعوبة الحياة في الغربة فإن الرحيل الدائم الأبدي يبدو أحيانا مأزقا وورطة؛ لا يمكن الخروج من حيثياته إلا بالحلم بالقرار، أو بقرار من نوع خاص

أما سرديات الشاعر فلم تتحكم بها دواعي النظم؛ فالشعر كما هو معروف لا يقبل التخطيط المسبق والتفكير بالهيكل والنمطية لأنه يفرض نفسه ولونه وشكله تبعا للحالة النفسية التي يعيشها الشاعر، وربما لهذا السبب اعتقد أجدادنا أن لكل شاعر شيطان يلقنه.

الذي اعتقده أن هناك في حياة كل منا لحظات تستوقفنا وتفرض شروطها علينا وتطلب منا أن نصورها بالشكل الذي تريده؛ طمعا بالخلود، وهي اللحظات ذاتها التي تفرض نفسها على الرسام والشاعر والمصور والمصمم في لحظة صفاء ذهني يدفعه للبوح ويكون نتاج ذلك شكلا من أشكال السمو الإنساني المتألق متمثلا بقصيدة أو بلوحة أو بقطعة موسيقى ساحرة. وقد كثر هذا النمط في قصائد الديوان فبدا وكأنه تجربة من تجاربنا الشخصية أكثر منه تجربة تخص الشاعر نفسه.

ديوان الحرف والغراب للشاعر المتألق والمترجم الأنيق أديب كمال الدين، صدر عن منشورات الدار العربية للعلوم، ناشرون، بيروت - لبنان 2013  بلوحة غلاف جميلة  للفنّان التشكيلي نور الدين أمين، وتنفيذ الفنّان سامح خلف. أما قصائد الديوان وعددها أربعون قصيدة فقد كُتِبتْ في أستراليا بين عامي 2011 و2012.

يمثل الديوان إضافة رائعة للمكتبة الشعرية الأديبة العربية ويمتاز بنفس وجداني شيق يمنح للقارئ متعة أظن انه بحاجة إليها

 

 ...................

هوامش

[1] إشارة إلى قوله "لأجعل حرفي ملكاً سعيداً... وهو المشرّد المنفيّ... وأجعل نقطتي بهيجةً ... وهي الضائعة أبدا"ً! في قصيدته (درس الوهم)

[2]  قصيدة الغراب والحمامة

[3]   قصيدة درس الوهم

[4]  قصيدة الغراب والحمامة

[5]  قصيدة دروس

[6] قصيدة قنينة جان دمو

[7]  قصيدة درس كلكامش

[8]  قصيدة درس النسيان

[9]  قصيدة مبادلة

[10] قصيدة بطاقة تهنئة

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

متابعاتي في قصائد أديب كمال الدين تشير الى تكرر لازمة معينة من عدة مستويات- مفردات أو أسماء علم أو صور أو موضوعات في مقدمتها حكاية بعض الأنبياء و القادة الشجعان.
مثل هذا التكرار تؤازره بنية القصيدة باستثناء أعماله الأولى المبكرة.
و التأكيد على معنى الحرف و ألوانه و ايقاعاته لازمة تكاد تصل لمستوى أطروحة أو هم أو وسواس قهري لا فكاك منه.
شكرا.

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2407 المصادف: 2013-04-08 11:58:49