المثقف - قراءات نقدية

الشاعرة العراقية المغتربة د. هناء القاضي .. نصف هذا العام شعر تكللت حروفه بالدمع والجراح

ahmad fadelقراءة للأقصوصة الشعرية "كارت أخضر .. اللي مضيع وطن .. وين يلكاه؟"

الجزء الأول

لم نسمع الشجر يصرخ تحت فئوس الحطابين، بل سمعنا الحطابين يئّنون وهم يقطعون الشجر (وديع سعادة شاعر من لبنان مقيم في استراليا)

هنالك من يعتقد أن الخوض في سيرة أي من الشعراء يضمن إدراك أعمق لشعرهم، أنا لست واحدا منهم، فالشعر والشاعر عندي محض معادلة لإنتاج فكرة ما قد تنتمي لماضيه أو حاضره وقد لاتنتمي، هذا القول ذكرني بقول الشاعر الألماني مورغنسترن " لايمكن أن يكون هنالك ما لا يجب أن يكون "، لكن هناك حالات استثنائية يمكن تتبعها في حياة الشاعر من خلال النزعات والحوادث التي مر ويمر بها يوميا تعطينا في النهاية وفرة من الطاقة الإبداعية تتجاوز بتراكيبها حدود حياته أحيانا .

قبل أكثر من ثلاث سنوات كنت قد كتبت عن الشاعرة العراقية المغتربة هناء القاضي مارا على ديوانها " سيدي البعيد " الذي احتضن أيقونة قصائدها، وعندما مرت هذه السنوات الثلاث لم تنقطع الشاعرة عن الكتابة رغم أن عملها كطبيبة لايدع لها مجالا كي تجلس لتكتب، لكن اصرارها وحبها للشعر جعلها تهرب إليه كلما سنحت سانحة الوقت فراحت تنقش فيه أبياتا من الدموع تارة وتارة أخرى أزاهير جميلة .

في النصف الأول من هذه السنة حاولت أن أقترب من قصائدها لأتعرف جديدها فوقفت طويلا أمام قطعة شعرية امتزج فيها النثر الشعري مع الأقصوصة القصيرة للتعبير عن حالة نفسية متهافتة أنهكها الملل، تقول في " كارت أخضر .. اللي مضيع وطن ... وين يلكاه ؟ " وهذا هو عنوانها :

ظل على مدى ثماني سنوات يراجع دائرة الهجرة على أمل أن يسافر

هو وبناته لدولة أوربية .

يهرب إليها من جحيم غربته بعد ما غادر الوطن، غير أن الحظ لم

يكن حليفه أبدا .

تمضي شاعرتنا في هذه التقنية الشعرية - القصية القصيرة :

كان يستيقظ أحيانا قبل الفجر .. ويذهب عند دائرة الهجرة التي صار

يعرف ويعرفه كل الطاقم فيها، ينتظر وينتظر .. يتشاجر

أحيانا ويتوسل أحيانا .. لكن دون جدوى .

كان راضيا حتى لو سافر للموزمبيق .. أن همه الوحيد هو البحث عن وطن بديل .

لم تحاول القاضي في هذه القطعة الشعرقصية أن تطرق باب الرمز كعادتها في بعض قصائدها لأن القصة لاتحتاج لها، لكنها سمحت لبعض الإشارات أن تطفو على سطحها يمكن لنا أن نكتشفها بسهولة كما في مقاطعها التالية :

فاته الوقت .. وكبرن بناته وهن لم يرتدن المدارس بعد، فقرر ذات يوم

أن يطرد فكرة الرحيل للأبد .

شارك صديق وفي .. وفتح مطعم صغير يأتيه بارزق الجميل ..

أدخل بناته المدارس ومضين في الدراسة

في يوم شتائي جاءته مكالمة هاتفية من دائرة الهجرة تطلب منه

القدوم .

اللافت في هذا السرد القصي - النثري ذي المقاطع القصيرة والموجزة أنه يشي بالكثير من أسلوب الشاعرة الذي يدعم جميع الأنماط الشعرية مع الإبتعاد الواضح عن الجمل التقريرية وهو ما سارت عليه د . القاضي منذ قصائدها الأولى، فلا نجد في هذه القطعة تناقضا أو تضاد بين الحكاية كأقصوصة قصيرة جدا وبين الشعر، هذه الثنائية دائما ما كان يشير إليها االناقد الإنكليزي المعروف موريس بورا كحالة طبيعية، الشاعرة هنا تجنبت فيها السقوط في الذاتية المنغلقة والغنائية المطلقة كما يعبر أحد النقاد عن مثل هكذا حالات ما أكسبها بعدا موضوعيا أتاح لها التعبير عن حدث قد يكون عاشته أو سمعت به لتقف امام أدواتها الشعرية التي سبق وإن استخدمتها في عديد قصائدها الوجدانية والعاطفية محققة عبر عملية الخلق الفني الذي امتازت به شكلا شعريا يلائم تجربتها ويزيد عليها .

نعود إلى " كارت أخضر " نقرأ في نهايتها :

أخذ زوجته وبناته والحنق يملأ قلبه

جلسوا أمام الموظفة .. قالت له

مبروك .. حصلت على تذكرة الهجرة أنت وعائلتك

حدق في وجهها وانفجر ضاحكا

تصورت الموظفة أنه سعيد بالخبر

لكنه أردف قائلا ..

انتظرت طيلة الثمان سنوات، والآن وبعد أن رتبت حياتي تطلبون

مني أن أبدأ من جديد !!

احتضن زوجته وبناته .. مشى باتجاه الباب لمغادرة الحجرة

قال

شكرا .. أنا أرفض السفر

تفاجأت .. سألته .. لماذا ؟؟

قال

تعبت .. تكفيني غربة واحدة

لاتعليق بعد كل الذي قرأناه من ألم ..

 

أحمد فاضل

26 / حزيران 2013

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

القدير أحمد فاضل
هذه هي المرة الثانية التي تغدق عليّ فيها من كرمك وتعطي نصوصي من وقتك ، وهو حقيقة ليس بغريب عن كاتب وباحث نهم مثلك كل دقيقة عنده يقضيها في القراءة والتطلع على كل مايتعلق في الأدب والثقافة العامة ويمكن لأي متتبع أن يرى تنوع المواضيع التي تكتبُ عنها وهذا شيء يحسب لك.
منذ بداياتي أتخذت لي نمطا في الكتابة أجد فيه سلوتي وأحقق فيه ذاتي ..هذا النمط يشبهني ولايتجزأ عني .
كارت أخضر .. هو حكاية الكثير من العراقيين الذين هاجروا وخبروا الغربة والشتات بعضهم غامر بالرحيل لمدى أبعد وبعضهم صار راضيا بما يعيشه اليوم ويخاف التغيير خوفا من القادم الأسوأ لأننا صرنا لانرى غير السواد في كل شيء ونسينا أن هناك جوانب مشرقة في هذه الحياة .
واللي مضيع وطن .. لن يلقاه أبدا.
تقبل شكري وامتناني ثانية أخي الفاضل لأعطاء نصوصي من وقتك الثمين . مع التقدير والاحترام

د هناء القاضي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2485 المصادف: 2013-06-25 12:55:41