المثقف - قراءات نقدية

مكون الشخصية في رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس .. مدخل

alhasan alkyriفي الواقع، لا أحد ينكر ما لمادة المؤلفات من أهمية كبرى على المستوى الديداكتيكي والبيداغوجي في التعليم الثانوي (المغربي)، لأنها تعود التلميذ على القراءة المسترسلة وتتركه يحتك مباشرة بكتب المبدعين والنقاد وتدفعه إلى القراءة المتأنية الواعية، ويسافر مع أخيلة الكتب وفضاءاتها الإبداعية ودروبها الفنية. لتنتهي قراءة المتعلم بخلاصة تركيبة يعيد فيها إنتاج ما قرأه وتذوقه في شكل استنتاج شخصي وقراءة تقيمية للعمل الإبداعي أو النقدي في كل أبعاده المضمونية والجمالية والمرجعية. وما أحوج المتعلم اليوم إلى دراسة المؤلفات الأدبية مع انتشار ظاهرة عزوف الناس عن القراءة وركود الفعل الثقافي وكساد الكتاب العربي في رفوف الخزانات والمكتبات الخاصة والعامة حتى أصبحنا أمة أمية لا تقرأ على الرغم من أن أول سورة نزلت على الرسول (ص)، وهي سورة "العلق" تدعو إلى القراءة والتعلم.

وبالعودة إلى وثيقة البرامج والتوجيهات التربوية (1) نلاحظ أنها تنبني على المستوى المعرفي والعلمي على مقترحات (شميت وفيالا) في كتابهما: "القراءة والإقراء". أما على المستوى الديداكتيكي والبيداغوجي فتنبني هذه المقترحات على القراءات الثلاث: التوجيهية والتحليلية والتركيبية. وتتوخى المرحلة التوجيهية قراءة المؤلف من الناحية الخارجية ووضع فرضيات للقراءة، بينما تستدعي المرحلة التحليلية فهمه وإدراك العلاقات بين عناصره بنيويا وما ينظمها. أما المرحلة التركيبية فتهدف إلى إكساب المتعلم القدرة على الربط والاستدلال والبرهنة والحكم. وإذا كانت المرحلة الأولى تعتمد على القراءة الماضية، فإن المرحلة الثانية عبارة عن قراءة بنيوية ترتكز على القصة والخطاب، بينما تهدف الثالثة إلى تقويم العمل من خلال جوانب الفهم والتفسير. أي إقامة التقابل بين قراءات نقدية عدة في تباعدها أو تقاربها أو تنافسها أو من خلال تلاؤمها أو تعارضها انسجاما واختلافا.

وتعتمد وزارة التربية الوطنية المغربية في توجيهاتها، كما أسلفنا الذكر، على المنظورات الستة لشميت وفيالا بطريقة استنساخية على الشكل التالي:

1- الحدث: ويتم هنا استقراء دلالات النص وتحديد أحداثة الأساسية والثانوية وربطها بالمنطلقات الفنية والبنيوية والاجتماعية.

2-  القوى الفاعلة: يتم استخلاص جميع القوى العاملة الحية والمجردة والجامدة وتدرج في سياقاتها البنيوية والسميائية عن طريق تحديد الوظائف ووجهات النظر بعد جرد كل القوى وتصنيفها.

3-  البعد النفسي: ويتم عن طريق استقراء التيمات السيكولوجية ومعالجة الحقل العاطفي من خلال العلاقات الموجودة بين الشخصيات والكاتب والقارئ وتحديد رؤية الواقع من خلال اللاشعور الفردي أو الجماعي.

4-  البعد الاجتماعي والتاريخي: ويتم الاشتغال هنا على المقاربة السوسيولوجية بمختلف تياراتها، والمقاربة التاريخية في إطار علاقة الذات بالتاريخ أي تفاعل الإبداع مع الزمن والواقع.

5-  البنية: ويتم الاعتماد هنا على طبوغرافيا النص، وتعيين المقاطع والمتواليات من خلال سيميولوجية الوظائف والبرامج السردية وتيماتها.

6- الأسلوب: ويتم التركيز هنا على البنية اللغوية واللسانية والفنية والبلاغية ورصد علاقات التلقي مع الانكباب على العرض السردي وطرائق أسلبته سواء أكانت مباشرة أم غير مباشرة، ودراسة الصور البلاغة والروائية والتعرف على الرؤية إلى العالم أو المواقف من الوجود.

كما يلاحظ أن مرسل هذه التوجهات الرسمية هو وزارة التربية الوطنية باعتبارها مؤسسة رسمية بعد أن استجمعت قرارات وتوصيات المؤلفين التربويين الذين يتمثلون في المفتشين المركزيين والجهويين ومفتشي النيابات والمقاطعات التربوية وبعض الأساتذة الباحثين في المراكز التربوية والمعاهد الجامعية علاوة على بعض الأساتذة الممارسين في التعليم الثانوي. وتتخذ هذه التوجيهات الموجهة إلى الأساتذة والمفتشين والمراقبين التربويين صبغة رسمية أو شكل قرارات قانونية إلزامية.

وتهدف هذه التوجيهات من تدريس مادة المؤلفات تنمية الكفايات التواصلية والمنهجية والثقافية والاستراتيجية(2) وغرس القيم الإنسانية النبيلة والعمل على خلق مواطن مندمج وتنمية المواقف الوجدانية وترقيتها إيجابيا. وتستند معايير اختيار هذه المؤلفات حسب التوجيهات الرسمية إلى أسباب فنية وتربوية ديداكتية وعوامل سوسيوثقافية للمتعلم. وهكذا قررت الوزارة مجموعة من المؤلفات الإبداعية النقدية منذ الموسم الدراسي 2005/2006 مع اعتماد سياسة التنويع والاختيار وحرية الانتقاء والبرمجة، وتقدم هذه المؤلفات وفق الشاكلة التالية:

— بالنسبة للجذوع المشتركة نجد مجموعتين أجناسيتين: (جذع الآداب والعلوم الإنسانية وجذع التعليم الأصيل).

1- المجموعة الروائية ("الحي اللاتيني"(3) لسهيل إدريس؛ "المباءة" لمحمد عز الدين التازي؛ "عين الفرس" للميلودي شغموم).

2- المجموعة المسرحية ("ابن الرومي في مدن الصفيح" لعبد الكريم برشيد، و"أبو حيان التوحيدي" للطيب الصديقي، ومسرحية "سهرة مع أبي خليل القباني" لسعد الله ونوس).

 

— بالنسبة للسنة الثانية آداب:

1- المؤلف النقدي: "ظاهرة الشعر الحديث" لأحمد المعداوي المجاطي.

2-  المؤلف الروائي: "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ.

 ويمكن أن نلاحظ في هذا السياق غلبة السرد الروائي على مادة المؤلفات بالمقارنة مع الأجناس الأدبية الأخرى، مثل غياب جنس القصة القصية والديوان الشعري والزجل، الخ.

هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإنه بات واضحا أن رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس والتي نتناول في بحثنا المتواضع هذا مكونا من مكوناتها البنائية، تدخل ضمن المجموعة الروائية المقررة للجذور المشتركة (أي جذع الآداب والعلوم الإنسانية والتعليم الأصيل). وهي رواية من الأهمية بمكان ولا زالت تغري رغم مرور أزيد من نصف قرن على نشرها. وهي أيضا تدخل ضمن أعمال روائية أخرى، حاولت بعد الأربعينات أن تسائل الوقائع المتسارعة وتفهم إواليات التحول والصراع المعتملين في الساحة العربية آنئذ؛ بحيث اتسمت هذه المرحلة التاريخية بمواجهة المعمر، وتخلخل القيم جراء المثاقفة والتعلق بنموذجية الغرب وبداية الاستقلالات والثورات بعد غصب فلسطين وبروز وعي قومي جديد.ومن مميزات الرواية في هذه الفترة، نبذ الطابع الرومانسي والتعبير عن القضايا الاجتماعية والإيديولوجية وتقديم متخيل متنوع ذي تجسيدات متعددة ومتشابكة على امتداد الوطن العربي. وبشيء من الاختصار يمكن القول إن رواية "الحي اللاتيني"، رواية حضارية أي أنها تصور العلاقة الجدلية بين الشرق والغرب أو بين الشمال والجنوب. أي أن الرواية الحضارية هي التي تصور العلاقة الجدلية بين الشرق والغرب أو بين الشمال والجنوب. أي، بكلام آخر، هي التي تصور العلاقة بين الأنا والآخر أو اللقاء الحضاري بين الشرق بعاداته ودياناته ومعطياته الروحية وبين الغرب بمعطياته المادية والعلمية والتكنولوجية. وقد تكون هذه العلاقة بين الأنا والآخر علاقة إيجابية قائمة على التواصل والتعايش والحوار والتكامل والأخوة والاحترام، وقد تكون مبنية على الصراع الجدلي والعدوان والكراهية والصراع." والحي اللاتيني" إذن رواية من هذه الروايات الحضارية التي تعقد مقارنة حضارية بين الشرق والغرب، كما يمكن اعتبارها كذلك سيرة ذاتية للمؤلف سهيل إدريس نظرا للتماس الحاصل بين أحداث الرواية وسيرته من الناحية العلمية والاجتماعية والهوية الثقافية والأدبية. كما يمكن اعتبارها أيضا سيرة ذهنية على غرار "سيرة عبد الله العروي"؛ "أوراق" و "الأيام" لطه حسين...، ما دامت ترتكز على المعطى العلمي والثقافي وما حصله البطل من شواهد علمية وما قرأه من كتب وما قام به من علاقات غرامية وثقافية وإنسانية. وليست هذه الرواية هي الرواية الحضارية الوحيدة بل هناك روايات أخرى ظهرت منذ القرن التاسع عشر مع صدمة الاستعمار وطرح المفكرين والمبدعين لذلك السؤال الحضاري والجوهري الكبير: لماذا تقدم الغرب وتأخر الشرق؟.

 وقد اقتصرنا في هذا البحث على مقاربة مكون الشخصية لعدة أسباب من بين أبرزها أن الشخصية يمكن أن تعتبر في أي متن حكائي مصدرا لترابطه وتماسكه انطلاقا مما تحققه من علاقات ومما تساهم به في تطور الحدث. بالإضافة إلى كون الرواية نفسها التي نشتغل عليها رغم عنوانها الفضائي أو المكاني تدخل ضمن "رواية الشخصية" لاسيما الشخصية النموذجية (بطل الحي اللاتيني) التي تعيش مصيرا وجوديا من خلال ثنائية الحرية والمسؤولية. وقد ارتأينا تقسيم هذا البحث إلى فصليين رئيسيين: فصل نظري وفيه حاولنا أن نقدم نظرة عامة وشاملة ومختصرة حول كيفية تعامل النقاد والمنظرين مع الشخصية الروائية في فترات تاريخية مختلفة. وفصل تطبيقي، قمنا فيه بدراسة الشخصيات المؤثثة لفضاء هذه الرواية، وحاولنا أن نجيب من خلاله على السؤال التالي: إلى أي حد توفق سهيل إدريس في عقد مقارنة بين الشرق والغرب على مستوى الشخصيات التي وظفها في هذه الرواية؟. ونتمنى أن نكون قد وفقنا في ذلك. والله من وراء القصد.

 

*كاتب و باحث في الترجمة و التواصل – الدار البيضاء – المغرب.

 

 .....................

 [1] انظر في هذا الصدد إلى: البرامج والتوجيهات التربوية الخاصة بتدريس مادة اللغة العربية بالجذوع المشتركة للتعليم الثانوي التأهيلي، الصادرة عن مديرية المناهج، مارس 2005، ص – ص 41 – 42.

[2] وزارة التربية الوطنية، الكتاب الأبيض، ج5 المناهج التربوية لقطب الآداب والعلوم الإنسانية، 2002، ص 12.

[3] إدريس، سهيل: "الحي اللاتيني" الطبعة 13، بيروت، لبنان 2006.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2622 المصادف: 2013-11-09 22:40:38