المثقف - قراءات نقدية

مكون الشخصية في رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس (3):

alhasan alkyriعلاقة الشخصية الروائية بالواقع والمشكلات السردية الأخرى

 أ – علاقة الشخصية الروائية بالواقع

تفرض متابعة مكانة الشخصيات ضمن العالم الروائي ظاهرة أخرى على جانب كبير من الخصوصية والأهمية، وتتمثل أساسا في إمكانية الحديث عن العلاقة القائمة بين الشخصية الروائية والواقع وخاصة، الاجتماعي منه، سواء أكانت نسبية أم مطلقة، وذلك في إطار محاولة الروائي المزج بين ما هو تخييلي شاعري وما هو واقعي صرف. إن الشخصية بمعنى من المعاني، وجه من وجوه الشخصية في المجتمع. إنها بعبارة أخرى جزء لا يتجزأ منه. تنتسب إليه بكل مواصفاتها ودقائقها حتى وإن بلغت مقدرة التخييل عند الروائي أعلى درجة من الدقة والحيطة، لأن ما يختزنه الخيال ما هو إلا صور مستمدة من نبض الحياة. ولأن الكاتب يخلق شخصياته مستوحيا في خلقها الواقع، مستعينا بالتجارب التي عاناها أو عاينها، وهو يعرف كل شيء عنها، لكنه لا يفضي بكل شيء، فلا يصح أن يذكر تفصيلات الحياة اليومية إذا كانت لا تمت بصلة إلى فكرة القصة ولا تدل على الحياة النفسية لشخصياته أو على العادات والتقاليد ذات السلطان في المجتمع. غير أن الشخصية الروائية ضمن شعرية المحكي قد تتجاوز ما هو واقعي إلى ما هو متخيل وما هو إيحائي. وتختلف الشخصية الروائية من رواية إلى أخرى ومن مبدع إلى آخر بناء على انتمائه السوسيوثقافي أو اتجاهه الفكري. ومهما يكن من أمر فإن الشخصية الروائية داخل أي عمل إبداعي يمكن أن نعتبرها مرآة للشخصية في الواقع أو معادلا لها مع تمايز من حيث الناحية الفنية.

إن كاتب الرواية لا يمنح الحرية المطلقة لشخصياته لتخرج عن إطار الواقع ككل كما أنه لا يقيد مصيرها بمصيره. ولكن يمكن أن نستنتج، مهما حاول إخفاء ذاته، بعض الجوانب من ذاته وفكره من خلال شخصياته الروائية التي قد تكون من إبداع خياله، ولكن هذا لا ينفي أن يستمد أغلب مواصفاتها من الأشخاص الذين يقابلهم في حياته.

ومهما بلغت واقعية الروائي في عمله الفني فإن الواقع الفني ضمن المحكي يبقى غير الواقع الحقيقي، وإلا أصبح الروائي مصورا ينقل لنا صورا فوطوغرافية حرفية لشخصيات واقعية معايشة للحياة اليومية. وهكذا فإن قدرة المؤلف العظيم على خلق شخصيات ومواقف نموذجية تتخطى وتتجاوز حدود الملاحظة اليومية للواقع العادي، لأن المعرفة العميقة بالحياة لا يمكن أن تقف عند هذا الحد، وإنما تتمثل في خلق شخصيات ومواقف ربما كان من المستحيل وجودها بهذا القدر من التكيف في الحياة.

 

ب - علاقة الشخصية الروائية بالمشكلات السردية الأخرى

    لم يحتدم النقاش حول أي مشكل من مشكلات السرد، بمقدار ما احتدم حول الشخصية التي عدها التقليديون كل شيء في العمل السردي بعامة والعمل الروائي بخاصة. ولكن لما جاء الكتاب الحداثيون، ومنهم أصحاب مدرسة الرواية الجديدة، حاولوا أن يحبطوها ويسفهوها تسفيها ساخرا؛ بحيث قلبوا الموازين وذهبوا في التطرف إلى أبعد الحدود، فرفضوا هذه الشخصية جملة وتفصيلا. وقد مهد لتكريس هذه الفكرة قبل كل هؤلاء طائفة من النقاد والروائيين منهم جيمس جويس وأندري جيد، إلخ؛ وزعموا أنها لم تكن إلا كائنا ورقيا، وأنها يجب أن تكون نسيا منسيا، ولم تعد قط كونها مجرد عنصر لساني لا يساوي أكثر مما تساوي العناصر السردية الأخرى مثل اللغة والفضاء والزمان والحدث. إنها بالنسبة إليهم لا تعدو أن تكون كائنا مصنوعا من الخيال المحض. وعلى الرغم من وجاهة ما ذهب إليه هؤلاء فإن الشخصية رغم ورقيتها في العمل السردي تمثل أهمية قصوى في هذا الجنس الأدبي. ذلك أن اللغة مشتركة بين الأجناس الأدبية، وهي على أساسيتها توجد في جميع أجناس الأدب. غير أن الشخصية هي الشيء الذي تتميز به الأعمال السردية عن أجناس الأدب الأخرى أساسا. فالمقالة تتناول فكرة مصغرة وتصطنع شيئا كثيرا من الخيال في سوق الأفكار وربط الأشياء بعضها ببعض ولكن لا أحد من العقلاء يذهب أثناء التصنيف الأدبي إلى قصصية المقالة أو إلى مقالية القصة. لأن أهم ما يميز هذين الجنسين بعضهما عن بعض ليس اللغة ولا الزمان والمكان والحدث ولكن انعدام الشخصية أو وجودها. فبناء على عدميتها أو كينونتها يتحدد الجنس الأدبي. وعليه نقول إن الشخصية هي التي تكون واسطة العقد بين جميع المشكلات الأخرى. حيث إنها هي التي تصطنع اللغة، وهي التي تبث أو تستقبل الحوار وهي التي تصطنع المناجاة وهي التي تصف معظم المناظر التي تستهويها، وهي التي تنجز الحدث، وهي التي تنهض بدور تضريم الصراع أو تنشيطه من خلال سلوكها وأهوائها وعواطفها وهي التي تقع عليها المصائب وهي التي تتحمل كل العقد والشرور وأنواع الحقد واللؤم فتنوء بها. وهي التي تعمر المكان وتملأ الوجود صياحا وضجيجا وحركة وعجيجا. وهي التي تتفاعل مع الزمن فتمنحه معنى جديدا، وهي التي تتكيف مع التعامل مع هذا الزمن في أهم أطرافه الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل.

نستنتج مما سبق أنه لا أحد من المكونات السردية الأخرى يقتدر على ما تقتدر عليه الشخصية؛ فاللغة وحدها تستحيل إلى سمات خرساء فجة لا تكاد تحمل شيئا من الحياة والجمال. والحدث وحده، وفي غياب الشخصية، يستحيل أن يوجد في معزل عنها، لأن هذه الشخصية هي التي توجده وتنهض به نهوضا عجيبا. والمكان يخمد ويخرس إذا لم تسكنه هذه الكائنات الورقية العجيبة: الشخصيات.

 

ذ. لحسن الكيري

*كاتب وباحث في الترجمة والتواصل / المغرب.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2633 المصادف: 2013-11-20 00:17:34