المثقف - قراءات نقدية

ثنائية الحياة والموت في قصيدة (مناديل من حرير الكلمات)

saleh alrazukلو قلبت صفحات مطولة يحيى السماوي (مناديل من حرير الكلمات)(1) لا شك سوف تلاحظ أنه لم يذكر العراق ولا السماوة صراحة، واكتفى بالإشارة لروما في موقعين. وكل مرة بسياق مختلف.

فهل هذا يعني أن لروما دلالة خاصة بعينها في عالمه الذي يتمازعه الموضوعان الأثيران لديه: الرثاء والنسيب.

لقد تناولت هذه الظاهرة عدة مرات، وذكرت أنها رؤية مركزية، أو أنها ذات هم محوري في شعرية السماوي.  فهي تدل على اهتماماته بموضوعة الحب والموت. وقد لاحظ الأستاذ ليسلي فيدلير أن النزاع التقليدي بين الحب والموت هو الذي تحكم بمنشأ الرواية الأمريكية. بالإنابة عن الصراع التقليدي بين نوازع الخير والشر.

و خلاصة رأيه أن هذا الجدل هو خير تعبير عن إعفاء الشخصية الدونجوانية من صورها الأسطورية المبالغ بقدرتها على الإغواء، مع إضفاء شيء من النظرة العلمانية لإلهة الحب المسيحي.

إنه ، بلغة أخرى, جدل بيزنطي بين روح البطولة الهوميرية و سلوك الانتقام المشين الذي ارتكز علىة أخلاقيات عصر النهضة، فهو الذي أشر للحد الفاصل بين العاطفة و كأنها دين أو ظاهرة إيمانية و بين العقل (2).

فالرواية، والأدب عموما، تصعيد عاطفي لشقاء الغرائز. وعليه هي أسلوب مباشر لمقاومة أسباب الألم والفراق. وبالاستطراد لمواجهة الأثر العنفي المدمر لفكرة الموت أو المجهول بحد ذاته. وتلك المعاناة هي الدينامو الذي يشحن كل عاطفة وعقل يحيى السماوي، منذ أول كلمة في (عيناك دنيا) وحتى اللحظة الراهنة .

وإذا كانت بداياته تنوب عن القلق الوجودي من جراء الغموض في الاتجاه والاختيار، وهذه ناحية لها علاقة بنشاطه السياسي كرمز من رموز المعارضة للنظام، فإن نهاياته ترتبط بجدلية الانتماء والتشرد من ناحية، ومن ناحية ثانية بمعنى انتظار الأجل المحتوم أو فراق الأعزة سواء الوطن الأصلي والوطن الحاضن البديل. أو حتى من يتماهى معهم من أصدقاء وأقارب كالأم والبنت والزوجة، إلخ...

ولا شك أن ارتهان السماوي لصورة روما يأتي في هذا الإطار، فهي مدينة طرفية، وفي نفس الوقت لها علاقة بالمركز.

ومثل هذه الجدلية لا تتحقق إلا في المدن التي تترك علامة لها في تاريخ الحضارة الذي يبلغ عمره مئات الألوف من السنوات.

إن نيويورك بما هي عليه من عمر قصير قد ألهمت أدونيس رائعته (قبر من أجل نيويورك)(3).

وهي قصيدة طويلة أيضا. ولكنها ملحمية. وتتكلم عن أزمتنا كشعوب مظلومة ومدحورة أمام جبروت النهضة، والتي تبدأ عادة بشكل مشروع تنموي، وينتهي بها المطاف لتصبح مشروعا استعماريا واستغلاليا.

إن نيويورك في قصيدة أدونيس نبوءة بموتها في الضمير العام وتحولها من أداة تنوير لأداة قمع. وبالتالي كان يرثي المدينة الفاضلة التي طالما انتظرناها.

وهذا هو شأن يحيى السماوي فيما يتعلق بروما.

لقد كان ينظر إليها بسياق متحول، سياق النهضة والتنوير. ولم يبق عليه إلا أن ينصب أمامها تمثال الحرية الذي تهتدي به الشعوب والذي يقف اليوم على أعتاب مدينة نيويورك ذاتها.

أليس هو القائل:

أنت لست روما فلماذا طرقي كلها تؤدي إليك؟ (ص 32).

وهذا يتقاطع مع المثل المعروف: كل الدروب تقود إلى روما.

ولنفهم معنى المثل، بمردوده المباشر، يمكن أن أذكره بصيغته الشعبية المعروفة: كل الدروب تقود إلى الطاحون.

وأعتقد أنه يجوز لنا إبدال روما بالطاحون.

فكلاهما معمل لا يتوقف عن النشاط والإنتاج. روما هي خلاصة الذهن المتوقد وحضارة التوسع التي لا تترك الفرصة لأحد كي يفلت من إسارها. والطاحون ضرورة حياتية وتهب مع الريح الرخاء ومع العاصفة أيضا.

وكانت هذه هي الفكرة التي أحب السماوي أن يوصلها.

إن معشوقته مصدر لطاقة الليبيدو. وحسب مبدأ إشباع اللذة والتطهر من أعراض الكف (= العصاب المفروض قسرا بقوة أداة قصدية) لا تستطيع أن تستكمل سعادتك إلا من خلالها.

وأستطيع أن أجد هنا فرصة لمداخلة إضافية.

ألا تتحلى معشوقته بصفات الذم والقدح بقدر ما تتحلى بصفات الثناء والتقريظ.

لقد احتلت قلبه (ص 42) وكأنها نوع متحول من الاستعمار الناعم أو ما يسمى بالاستعمار الجديد، ثم أصبح أسيرها (يقول أنا أسيرك ص 42). غير أن هذا لم يصرفه عن ملاحظة ميزاتها. فهو لا يرى في صدرها غير (زهور الياسمين – 48) وفي أناملها لا يتلمس غير (الزنبق المتفتح والناضج – ص 41).

ثم ألا تنطوي معشوقته على معاني الاستحواذ القهري والصد والجفاء والكبت، بقدر ما تنطوي على معاني البذل والكرم والعطاء.

فهي (حبل من الشوق – ص 61)، و(غبار الشوق لذي يعمي دقات القلب – ص 89). وهي كذل ك (صداح – ص 91) و(بستان – ص 44) و(سيول توشيها فساتين الخضرة – ص 45).

وإن مثل هذه الإحالات هي إسقاطات غير مباشرة للمعاني الوطنية والتي يمكن أن تتظاهر بعدة صيغ وتراكيب.

و يوجز يحيى السماوي كل ذلك في عبارة تبدو لي إنها بيت القصيد، فيقول :

ألملم الغبار العالق بقدميك

لأصنع منه وطنا

يسع خيمتي (ص 52).

وهذه إشارة مباشرة لأطروحة القصيدة.. الجدل المحتدم بين أسباب الكد والاغتراب وأسباب السكن والانتماء.

إن قصيدة (مناديل من حرير الكلمات) قصيدة مركبة. والمحبوبة ومن ثمة روما، هما استعارة مكنية، لمدينة أخرى خالدة، تعاني من العسف والعنت والجور، باعتبار أنها حضارة دكتاتوريات عسكرية.

وفي ذلك دليل يؤكد أن المعنى الحضاري والأحفوري لروما، وللمدينة المضممرة والمستترة ، والحاضرة دائما من وراء ستار، وهي حتما بغداد، لا يحدو ضمير الشاعر يحيى السماوي لينشد أرق وأعذب القصائد في محبوباته الكثيرات والمتنوعات. ولكنه دائما يعبر عن التجربة الواقعية والمعيشة.

فهو لم يتبع خط تطور المدينة، الماثلة في ذهنه وتصوراته، منذ نشوء الأكروبوليس وحتى سقوطه واستبداله بمشروع لديه استراتيجية مختلفة، ولكنه بدأ من لحظة المعاناة ومن العقدة التي نسميها بلاغيا باسم (أزمة)، وأحيانا بلغة ملطفة ودبلوماسية (منعطف).

إنه لم يهتم بالصورة البدائية لتلال روما ثم بغداد. ولكنه دخل مباشرة مع الوافدين لعاصمة مكتملة، بمعنى أنها مكتملة المعارف والصفات.

وقل نفس الشيء عما فعله برهان الخطيب في روايته اللطيفة (ذلك الصيف في إسكندرية). لقد فتح إحدى عينيه على الواقع السياسي المعاصر بنسخته المعربة، وأغمض عينه الثانية، ولم ينظر لماضيها الهليني وتشعباته كمركز تقترض منه الحضارات المعرفة والحكمة، مع أنه ينطوي على توجه هدام وعنفي (بعبارة أسد الأشقر)(4).

ولم يتوسع أحد بالمفهوم السابق، إبداعيا، غير أحمد يوسف داود، ولا سيما في مسرحيته (مالكو). ثم نذير العظمة في كل دراساته وقصائده عن الطائر الخرافي الفينيق، والذي رأى أنه مصدر من المصادر الكثيرة للمطية المجنحة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وأقصد (البراق).

وهذا يفتح عيوننا على مضاعفات معنى روما عند السماوي. فهو يقول في المرة الثانية والأخيرة من قصيدته عن هذه المدينة:

أنت لست نيرون..

وأنا لست روما. (ص 39).

وغني عن القول أنه كان يناشد حبيته.

ولا داعي لاستقراء ما تبقى من هذه العبارة. إن ربط المدينة مع اسم أحد أشهر الطغاة في التاريخ المكتوب سوف يتحول في الذهن تلقائيا لمفردات من بيئة الشاعر ومن خبراته الشخصية والوطنية. وأنا أشير إلى (بغداد). وتدعم هذا التفسير بقية القصائد في المجموعة، وعلى رأسها (هموم عراقية).

فبغداد هي نفسها المعادل الحقيقي لثنائية الحياة والموت، أو بلغته الشعرية: ثنائية التباعد والتداني.

ولنا في عناوينه خير برهان على ذلك. ومنها:

تعالي لأبحث فيك عني.

قريبا منك بعيدا عني.

سأفر مني لأضيع فيك.

وبقية القائمة تطول.

 

..........................

هوامش :

1- مناديل من حرير الكلمات. دار التكوين. دمشق 2012.

2- Love And Death In The American Novel by Leslie Fiedler. Penguin.1982

3- الأثار الكاملة لأدونيس. المجلد الثاني. دار العودة. ص 645 .

4- الخطوط الكبرى في تاريخ سورية و نشوء العالم العربي. ج1 ، قسم 1. منشورات مجلة فكر. بيروت. 1981.

كانون الأول   2013

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

مبتدأ الحياة ومنتهاها تكاد تختصره كل القصائد في قوله:
عيناك دنيا !
نعم .. ستطول القائمة ليكون الفناء في الآخر أصدق من التشبث بمكان قصي .. قصي ..
سلم يراعك دكتور صالح
ولوالدي ألف تحية وصلاة
بلقيس السماوي

بلقيس الملحم
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي وصديقي الأديب القدير د . صالح الرزوقي : محبتي التي تأخذ شكل فرض الوجوب ..

كم كان مصيبا " بلانشو " في قوله إن النقد متصل بالبحث عن إمكانية التجربة ـ وليس كما يرى البعض بأنه عملية الكشف عن جوانب النضج الفني فقط ..

تحليلك النقدي أكد لي قناعتي في أن النقد هو إضافة جديدة للنص وإضاءة غير المرئي منه .. فالنص ـ باعتباره شجرة ـ مرئيّ للجميع ، لكن الناقد وحده الذي يرى جذور الشجرة والنسغ الصاعد الذي لولاه ماكنا سنرى خضرة الشجرة وقطوفها .

شكرا وامتنانا لإضاءتك غير المرئي من جذور شجرة النص سيدي ، مع رجائي بالسماح لي في نشر دراستك في متصفحي .

يحيى السماوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لكما.
الخدمة في الإنترنت متقطعة و سأختصر.
يمكن لشيخنا تلأستاذ اليماوي ان يتصرف بالمقالة إذا كانت ترضيه.
و لا يزال في الجعلة المزيد من الأفكار البريئة.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

متأسف للأخطاء فالظلام و عدم ثبات الخدمة تسببا في ذلك.
اتقدم بكل آيات الشكر للأب و الابنة. راجيا من الله أن أكون قارئا منصفا و متفهما. فتجربة متنوعة عمرها عشرات السنوات تحتاج لوقفة متأنية. و كما قلت التجديد غير التحديث. و التواصل غير القطيعة. و ربما أوضح ذلك في وقت لاحق.
بانتظار قصائد جديدة من الإستاذ السماوي فكما أرى رحلته ذات منعطفات و روافد.
شكرا

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2672 المصادف: 2013-12-29 03:36:02