المثقف - قراءات نقدية

ظلال الشاعرة في ديوان (حورية المنافي) لسناء الحافي

sanaa alhafiمقدمة: ينبلج الحرف الأنثوي من رماد قديم قدم إشعال النار في الحطب المأخوذ من شجرة جذورها منحوتة من أقدام امرأة قديمة، وأغصانها ضفائر أميرة أسطورة، وثمارها من مختلف الأحجام والألوان تزهر، على غير عادة كل الثمار، مرات في السنة. تنبلج كلمات الأنثى من تلك الرحم التي خرج منها عباقرة الفكر وجهابذة البلاغة وأساطين الفصاحة؛ تلك الرحم التي ظلت في أوج خصوبتها ولم يحدث أن أصيبت في زمن من الأزمنة بالعقم أو التخلف عن العطاء. إنها الرحم الولود التي تمنح الحياة لكل الكائنات؛ إذ يكفي أن تنفخ في صلبها زفيرا صامتا، فتعطيك كلمات مجلجلة يرتعد لسماعها الرعد ويخفت لجلال نورها وميض البرق.

ثم ينبلج النص الأنثوي، في الشعر كما في النثر، من جناحي فراشة صغيرة جميلة تحلق في الفضاء الرحب، وهي تفرّ من أيْدٍ صغيرة ناعمة لأطفال صغار يركضون خلفها، يلاحقونها لأجل الظفر بجناحيها الصغيرين. وينبلج الخطاب الأنثوي من كتابة قديمة ممحوة نقش النساخ القدامى حروفها على صدر الزمن المُرِّ الذي آمن، ذات كتابة، بسفر التحولات وقصيدة التحولات وزمن التحولات.

 

1)- الحاجة إلى الصوتين معا:

من هنا كانت الحاجة الماسّة إلى (كتابة نسائية) وصوت نسائي ووجود نسائي، إلى جانب كتابة رجالية وصوت رجالي ووجود رجالي. ذلك بأن في وجود الصوتين والكتابتين، تنمحي هذه الفروقات الجنسية التي اعتدنا الوقوف عندها كلما تحدثنا عن المرأة أو قضية من قضاياها. فالمرأة صِنْوُ الرجل، كلاهما يحتاج إلى الآخر، والمجتمع ككل في حاجة ماسة إلى سماع الصوتين: صوت الرجل وصوت المرأة، كما أنه في حاجة أمَسّ إلى قراءة الكتابتين معا؛ كتابة المرأة وكتابة الرجل.

لقد مرَّتْ عقود طويلة من الزمن لا يسمع فيها المجتمع سوى صوت واحد هو صوت الرجل الذي يتحدث عن نفسه، ويتحدث أيضا، إذا وجد إلى ذلك سببا، عن المرأة. غير أن هذا الحديث الذكوري عن المرأة لن يكون إلا من زاويته هو وقناعته وثقافته الذكورية المتوارثة. لم يحدُثْ مرة إذن أنْ سُمِحَ للمرأة بأن تتحدث عن نفسها بنفسها، وتُبْلِغَ الآخر موقفها من الحياة والناس، ويرتفع صوتُها، كما ترتفع أصوات كثير من المخلوقات في الكون، ليحكي للآخرين عما تريده هذه المرأة وهي النصف الثاني في المجتمع. كما لم يحدُثْ مرةً أن أخذت المرأة الكلمة لتتحدث وتكتب عن الآخر/ الرجل الذي كان بالأمس يتحدث ويكتب عنها.

من هنا إذن صارت الحاجة ماسة إلى سماع هذا الصوت والاستماع إليه، والجلوس ساعات طوال لقراءة مكنونات هذا الكائن الملائكي؛ تلك المكنونات المتوارية خلف صمت دام عقوداً وأجيالا وقروناً. الأمر إذن لا يتعلق ببذخ في الكتابة أو تعويض عن نقص؛ وإنما هي الحاجة الماسة إلى هذا الشكل من الكتابة؛ الكتابة النسائية التي وجب أن تحمل هذا النعت وتفتخر به أيَّما افتخار، مادام لا يشكل أي قدْحٍ في وجود صاحباته أو ثقافتهن، ولا يصنفهن أو يصنف أدبهن ضمن خانة بعينها. فالأدب أدب سواء كتبته المرأة أم جاء بقلم الرجل، غير أن خصوصيات هذه الكتابة ونبشها في كثير من قضايا الماضي و(طابوهات) المجتمع، هو الذي يُحَتِّمُ أن تُنْعَتَ هذه الكتابة بـ (النسائية)؛ حِفْظاً لحقها في نهضة المجتمع وتقدمه وانتقاله من صورة إلى صورة جديدة.

إن ما كتبته المرأة وما عرَّتْه من ممارسات هو الذي كان، إلى جانب أمور أخرى، سببا في جانب من (الحِراك) الاجتماعي الذي شهده العقد الأول من الألفية الثالثة بالمغرب، ومن هنا لا اختيار لأحد في أن لا تحوز هذه الكتابة حقَّها، وتُنْعَتَ بـ (النسائية)؛ لربطها بضميرها المُتَيَقِّظ على الدوام. إنها قيمة مضافة في الأدب الذي تنتمي إليه، ولولا هذه الكتابة ما كان للمجتمع المغربي أن يكون على الصورة التي يظهر عليها اليوم ويحاول كثير من الأشقاء استنساخ نموذجه، أو على الأقل الاستفادة مما قام عليه من أسباب وعلل.

لقد ظلت المرأة إلى زمن قريب موضوعا يكتب عنه الرجال؛ يقلبونه على أوجه كثيرة، ومنهم من كان يتباهى برسوخ قلمه وعلو كعبه ورباطة جأشه في مخاطبة النساء وسبر أغوار الأنثى. لم يكن لهذه الأخيرة الحق في أن تتحدث باسم أحاسيسها ومشاعرها، أو تعبر عن مكنونات هذه الذات التي ظلت تشكو التهميش والضياع والاستغلال حتى من أقرب الناس إليها رحِما ومودة. كل ما كان عليها أن تقوم بها هو الظهور بالمظهر الذي يرتضيه لها صانع ألعابها؛ ذلك الرجل الواقف خلف الستارة، الممسك بالخيوط المشدودة إلى دميتها الخشبية المتآكلة الأطراف، يميلها ذات اليمين وذات الشمال، وفي كل مرة هو الذي يتحدث باسمها ويبكي وينتحب بدلا عنها، ويضحك ويفرح بالنيابة عنها. كل شيء كان يقوم به الآخرون مكان هذا الكائن الجميل الجاثم غَيْظُهُ تحت الرماد.

وفي زمن التحولات، انبعثت الأنثى من قلب مكلوم يلملم جراحه، يصنع من دمائها مدادا يختزنه داخل محبرة سحرية عجيبة، يحرص على الاحتفاظ بها، ويبحث عن وريقات من أي طينة كانت؛ ليكتب عليها تاريخ عذاباته ومآسيه وانهزاماته التي دخلت بها الأنثى زمن التحولات؛ تلك التحولات التي ستحيل الغضب حِلْماً والانهزام انتصارا، والعذاب فرحة متواصلة الأعراس. لم يكن للأنثى أن تنتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار لولا سفر التحولات الذي قرأته وآمنت بما يحتويه من معتقدات ووصفات سحرية تحيل كل شيء إلى ضده. ولم يكن للأنثى أن تنال الذي نالته لولا إيمانها بأن الذي ينقل الكائن من صورة إلى أخرى إنما هو إيمان هذا الكائن بذاته الغارقة في الوجود الممتد من حياة حواء وآدم إلى آخر صورة يلتقطها زوجان سعيدان بعيد زواجهما الأول.

وحين آلت الأمور إلى الأنثى، وصارت تكتب عن نفسها بنفسها؛ لم تعد تترك المبادرة للآخرين الذين كانوا بالأمس يكتبون باسمها ويقولون كل شيء، حتى موتَها على صفحات أشعارهم، بالنيابة عنها. لقد صار من حقها الحديث عن جسدها كما ترغب وتحس هي، لا كما يرغب ويحس الرجل. وفي الوقت ذاته عملت المرأة على أنْ تَتَحَدَّثَ عن الرجل، الذي كان بالأمس يحتكر الكلمة لنفسه دون أن يَبْسُطَ لها في مجلسه، وتُصَوِّرَهُ كما كانت دوما تتمنى أن تراه؛ حتّى وهي قَبيعة قصائده الشعرية العمودية منها والسطرية ونصوصه السردية الطويلة منها والقصيرة.

غير أن هذا الحديث عن الرجل بلسان الأنثى لم يكن ليأخذ طابع الاستطالة واحتكار الكلمة؛ كما كان الشأن لدى الرجل المبدع الذي كان وقتَها يَخْضَعُ لناموس المجتمع وسلطة الأعراف والتقاليد، بلِ اتَّخَذَ سبيل النظر إلى الرجل على أساس أنه تلك الذات الجميلة التي تحتاج إليها الأنثى وتُكَمِّلُ وجودَها الفاعلَ بوجود الرجل في صورته المتناهية الكمال. ذلك بأن المرأة لا ترغب في الانتهاء إلى رجل سلبي لا خير فيه، وهو عكس ما كان الرجل يرمي إليه في كتاباته، إذ عمل دوما على إبراز الأنثى في صورة الكائن الضعيف الذي لا حول له ولا قوة إلا بوجود الرجل/ السَّيِّدِ.

هكذا تحدثت شهرزاد الجديدة عن شهريار في صورتيه الأسطورية القديمة والواقعية الحديثة. فهي لا تخشى على نفسها من جبروت شهريار الذي يتهدد الأنثى بالموت، وهي بالمثل لا تخشى على معين كلماتها من النضوب، إذ استطاعت، بسبب ما كابدته طوال سنوات الصمت الرهيب، أن تراكم بين جملة من التجارب التي خولت لها الاستواء على النهر الخالد في تاريخه الفرعوني العظيم عظمة الأهرام؛ الشيء الذي منحها سلطة امتلاك أصل الكلمات وينبوع الكتابة من شلالها الأول في أعلى الجبل إلى ينبوعها الصغير في أقصى السفح. إنها الكتابة بصيغة المؤنث تنبلج في ليل يأذن صُبْحُهُ بالتَّحوّلات العجيبة التي تحيل كلَّ شيءٍ إلى النقيض؛ بما في ذلك الأسماء والأشياء، والأمكنة والأزمنة، وأساليب العيش والتفكير.

لقد جاءت الأنثى لتؤسس لكتابة جديدة من شأنها أن تَخْرُجَ إلى السطح بعلاقات إنسانية جديدة وقواعد أخرى للفعل التواصلي قائمة على أساس معرفة الآخر والاقتراب منه إلى حدِّ الذوبان في شخصه؛ ذلك الذوبان التي تنمحي فيه كل الحدود بين الأجناس والأفعال وأشكال الوجود. وهذا ما جعل كتابة الأنثى تتخذ بُعْداً لا عهد لأحد به من قبل.

ومن هنا أيضا يَبْطُلُ كلُّ رأي يسلب هذه الكتابة خصوصياتها سواء على مستوى الأشكال أو المضامين أو القضايا أو ذلك الروح الخفي الذي يسري في أوصال الكلمات ويشُدُّ بعْضَها إلى بعض. إنها الكتابة بصيغة المؤنث في أبهى تجلياتها؛ تلك التجليات النابعة من بقايا رماد تركته المرأة نائما في حضنها، إبّان الهزيمة؛ وها هي اليوم تُخْرِجُهُ وتَنْفُخُ فيه شيئا من قَبَسِها المتوهج؛ فينتقل الرماد من لونه الداكن الدال على الموت والبرودة القاتلة إلى لون برتقالي يتوهج بالحُمْرَةِ الدافئة الحُبْلى بروح الحياة والمَسْكونة بالتغيير والتحولات. ولا أحد بعد هذا يمكنه أن يوقف هذا السَّيْلَ الجارف من الإحساسات والمشاعر والرؤى التي تؤسس لكتابة المرأة ورؤيتها الجديدة للحياة والناس من حولها. لقد جاءت كتابة الأنثى لتضع حدّاً لكل أشكال الزّيف التي كانت تمارسها الكتابة السابقة؛ تلك التي تحدَّثَتْ بلسان المرأة.

وعلى هذا الأساس خرجت الكتابة بصيغة المؤنث مواكِبَةً معايِشَةً للذي يَحْدُثُ؛ أي أنها كتابة تتفاعل مع نفسها أولا، ومع الذات ثانيا، ثم تتفاعل بعد ذلك مع الآخر في شخص المتلقي الذي شكَّلَ، قبل زمن الكتابة، أُفْقَ انتظارها. ولم يكن للرجل أن يطرح جملة من قضايا المرأة التي لن يُحْسِنَ الحديث عنها سوى المرأة التي بمقدورها معايشتها عن قرب؛ والقرب هنا يُفَسَّرُ بالجانب النفسي كما يُفَسَّرُ بالجانب المادي الكامن في العلاقات التي تربط المرأة بذلك الموضوع أو بتَجَلٍّ من تجلياته. ومن هنا، كان لابد للمرأة أن تكتب عن نفسها بنفسها، وأن تتحدث عن قضاياها بلغتها التي ستكون فاعلة في بلوغ فكر المتلقي المهتم بمصير الأنثى ومكانتها في المجتمع.

وتبقى قضية اكتشاف الذات وحديث المرأة عن جسدها بلغتها الخاصة من أهم القضايا التي بنتْ عليها الأنثى الساردة أغلب الموضوعات التي خاضت فيها. وقد توسلت في ذلك بجملة من الأدوات والإجراءات والرؤى التي مكنتها، إلى حَدٍّ بعيد، من بناء طرح حسن متآلف متجانس، لا يمكن أن يغادر القارئ إلا وقد أقنعَهُ بمشروعية الكتابة في هذه القضية أو تلك. وقد سبقت الإشارة إلى أن المرأة التي كتبت عن معايشة ومواكبة، انطلقت من رؤية قبلية هي تلك التي عانت منها في سنوات الصمت والقهر التي ظلت خلالها حبيسة صوتها المبحوح وأنفاسها المكتومة التي لا يمكن أن تتعدى حدود الشفاه اليابسة يبوس الأرض التي لم تلثمها قطرات السماء من زمن بعيد.

 

2)- عرض الديوان:

يقع ديوان (حورية المنافي) في أربع وعشرين ومائة صفحة، من القطع الصغير، ويحوي بين دفتيه اثنين وثلاثين نصا شعريا، ما بين نصوص تغرف من معين النمط التقليدي، ونصوص أخرى كُتِبَتْ كتابة الشعر التفعيلي. والديوان من طبع دار الوطن بالرباط، وصدر في طبعته الأولى عام 2012. وَتَصَدَّرَ الدّيوانَ إِهْداءٌ قَصِيرٌ، وَبَعْضُ الشهادات التي لا يمكن أن تَرْقى إلى مُسْتوى الدراسات التي تُنْجَزُ في حق الديوان أو صاحبته؛ فهي تقريظات، تنحو منحى عرض الديوان، ودعوةِ القارئ إلى اكتشاف نصوصه. أما صورة غلاف الديوان، فجاءت من تصميم الدار التي طبعته؛ بمعنى أنه لا سبيل إلى الحديث عن عتبة من عتبات القراءة في هذا الصدد. وكذلك الشأن بالنسبة إلى الصفحة الرابعة من الديوان، التي كَتَبَ نَصَّها مدير دار الوطن.

 

3)- مُعَيِّناتُ القراءة:

قيل: إن الباكورة الأولى في كتابة الرجل والمرأة غالبا ما تَنْكَشِفُ عن بَوْحٍ ذاتي، وارتباط وثيق باليومي أو المعيش في حياة المبدع أو المبدعة. وبالرغم من أن هذه المقولة لا تخلو من صدق أو كذب؛ كالأسلوب الخبري الذي يَصِحُّ في حَقِّهِ الوجْهانِ، إلا أنَّها في ظِلِّ كتابَةِ الأنثى، تبقى مُجَرَّدَ رؤيَةٍ عادية جدا؛ إذ من خصوصيات كتابة الأنثى؛ في الشعر كما في السرد أنها:

- كتابة شديدة الارتباط بالذات.

- كتابة معايشة مواكِبَةٌ.

وهذا مما يَفْرِقُ كتابةَ المرأة عن كتابة الرَّجُلِ؛ تِلْكَ التي يَصْدُرُ فيها المُذَكَّرُ عن تَخْييل وتجريب لمجموعة من الرؤى التي غالبا ما تنْأى عن الذات، وتَنْفَلِتُ مِنْ قَبْضَةِ الواقع. ليس معنى هذا أن كتابة المرأة لا تصْدُرُ هي الأخرى عن تخييل وتجريب، إلا أن صورة المعايشة والمواكبة هي السمة الغالبة. وعلى هذا الأساس، تكون كتابة سناء الحافي في (حورية المنافي) كتابةً متعلقة بأمور عِدَّةٍ وبِتَجارُبَ مختلفةٍ متباينةٍ؛ وقد تكونُ حتّى مُتَباعِدَةٍ على مستوى الافتراضِ والإنجازِ. ذلك بأنَّ الأمر، كما سَبَقَتِ الإشارةُ إلى ذلك، يتعلَّقُ بالباكورة/ الديوانِ الأول الذي أرادتِ الشاعرةُ أنْ تقولَ فيه كُلَّ شيْءٍ، وهي تَعْلَمُ عِلْمَ الْيَقينِ بأن كُلَّ دواوين الأرض لَنْ تَسَعَها لِكِتابَةِ وَقَوْلِ كُلِّ شَيْءٍ.

هكذا إذن تعَدَّدَتْ موضوعات الكتابة وقضاياها لدى الشاعرة سناء الحافي، حيث يَجِدُ قارئُ الديوانِ نَفْسَهُ مُتَنَقِّلاً بين تيماتٍ عِدَّة؛ كتيمة الذات، وتيمة الآخر/ الرَّجُلِ، وتيمةِ الصَّمْتِ والوطن والغربية والمنفى والحرية والانعتاق والغبن غير ذلك من الموضوعات التي دَأَبَتِ الأنثى على طرحها. غير أنَّ هذا التَّعَدَّدَ ى يعني التَّشَظّي بِقَدْرِ ما يعني الوَحْدَةَ التي تَلُفُّ هذه التيماتِ؛ هذه الوحدةُ الكامِنَةُ في ذاتِ الشاعرة؛ إذ أن كُلَّ شيءِ ينْطَلِقُ مِنْ ذاتِ سناء ويعودُ إليها. ومِمّا يسترعي انْتِباهَ قارئِ نصوصِ (حوريةِ المنافي)، إحساسٌ ما بأَنَّ مِنْ وراءِ كُلِّ نَصٍّ تَقْبَعُ حكايَةٌ ما، بَطَلَتُها الشاعرةُ، أو الأنثى التي تعيش بين ضُلوعِها.

وَتَتَنَوَّعُ مُعَيِّناتُ القراءة في (حورية المنافي) بين أقْطابٍ ثلاثةٍ، هي: ذاتُ الشاعرةِ، وذاتُ الآخر/ الرَّجُلِ، والفضاء (المكان والزمان) الذي يَلُفَّهُما. وهذا يعني أننا إزاء مُعَيِّنٍ واقعي هو ذاتُ الشاعرة، ومُعَيِّنٍ افْتِراضِيٍّ هو ذاتُ الآخر/ الرَّجُلِ، وبيْنَهُما أوْ حَوْلَهُما الفضاءُ الذي يُؤَثِّرُ وَيَتَأَثَّرُ بعلاقتِهِما. وانطلاقا من حديث هذا الثالوث المُتَّصِلِ بالْمُعَيِّناتِ، يَأْتي نَظَرُنا في ظِلالِ الشّاعِرَةِ..

 

4)- مِنَ مُعَيِّناتِ القراءة إلى ظِلالِ الشاعرة:

يُولَدُ النَّصُّ؛ كُلُّ نَصٍّ فني/ أدبي في منطقة وُسْطى بين نوعين من الظِّلالِ: النَّوْعُ الأول؛ ظلالٌ من الماضي، هي بمثابة نَسَبِ النَّصِّ وجُذورِهِ، وتتشَكَّلُ عادةً من مجموع النصوص التي يتحاوَرُ معها النص؛ يتواصل معها وهي بدورها تتواصل معه من خلال ما تُمِدُّهُ به من معارف وإشعاعات. والنَّوْعُ الثاني؛ ظِلالٌ من المستقبل، هي بمثابة امتداد النَّصِّ، وتتشكل من مجموع القراءات التي تناولت النص بالدرس؛ شريطة أن تكون تلك القراءات عالِمَةً؛ أي تلك التي بمقدورها الدَّفْعُ إلى إنتاج نصوص جديدة، وتحويل النَّصِّ المفرد/ نَصِّ المؤلف، إلى نَصٍّ مُتَعَدِّدٍ؛ هو نَصُّ القِراءاتِ التي تتوالى على النص.

وإذا كان كثير من الدارسين يحيطون بشيء أو أشياء من النوع الأول من الظلال، تلك التي تشكل كما قلنا نَسَبَ النَّصِّ تحت اصطلاحاتٍ مختلفةٍ من مِثْلِ التَّناصِّ والحوارية والسرقات كما اشتهرت بذلك في النقد العربي القديم، فإن كثيرين من هؤلاء الدارسين لا يكادون يعرفون شيئا عن النوع الثاني من هذه الظلال؛ تلك التي تُشَكِّلُ امتداداتِ النص.

ويكفي أن نقول بأن الأمَّةَ التي يُعَطَّلُ فيها عمل الناقد والنقد، أو يُمارَسُ فيها هذا الجنسُ الأدبي بطريقة فاسدةٍ عنوانُها الأمْثَلُ النِّفاقُ والمُحاباةُ والمجاملةُ والتقريظُ والإخوانياتُ وغيرها من النعوت التي يمكن أن نَعْثُرَ عليها؛ يكفي أن نقول بأنَّ مِثْلَ هذه الأُمَّةِ لا علاقةَ لها بالنوع الثاني من تلك الظلالِ، وهي التي سيكون فيها النص الإبداعي عقيما لا يمكن أن يَلِدَ مَنْ يَخْلُفُهُ ويواصِلُ مسيرَتَهُ. والدّاعي إلى هذا العُقْمِ غيابُ النقد أو عدم موازاته لما يَصْدُرُ من نصوص إبداعية.

والمُتَمَعِّنُ في نصوص الديوان، يَجِدُ أنَّ نوعين من الظِّلالِ تَكْتَنِفُها: ظِلالٌ من الماضي، وأخرى من الآتي. غير أنَّ الغالِبَ على كتابَةِ الشاعرة في هذا الديوان، ظِلالُ الْماضي المُرْتَبِطُ بِذاتِ الشاعرة؛ وهي أربعة:

- ظِلالُ الطفولة بِكُلٍّ ما تنطوي عليه من أحلام جميلة.

- ظلالُ الفضاء الذي يَلُفُّ الشاعرة؛ سواء ما تعلق منه بالمكان أم بالزمان.

- ظلالُ الآخَرِ/ الرَّجُلِ في صورتِهِ القاتِمَةِ المُعَبِّرَةِ عَنِ القَهْرِ والاسْتِبْدادِ

- ظِلالُ الثَّقافَةِ التي أَطَّرَتْ نصوصَ الديوانِ شَكْلاً وموضوعاتٍ.

ويبقى الظِلُّ الوحيدُ الذي يُحْسَبُ على الآتي؛ الظِلُّالمُرْتَبِطُ بذاتِ الشاعرةِ، وَيَنْشَطِرُ إلى قسمين:

- قِسْمٌ أوَّلٌ مرتبطٌ بالماضي؛ وهو كُلُّ ما كَتَبَتْهُ سناء الحافي مصبوغا بصباغة الحزن والأسى والألم..

- قِسْمٌ مرتبطٌ بالآتي؛ وهو كُلُّ ما كَتَبَتْهُ الشاعرةُ بألوان زاهيةٍ دافئةٍ، هي ألوان الفرحة والتفاؤل بالغد..

وقد سَبَقَتِ الإشارةُ إلى أنَّ ذاتَ سناء الحافي هي المحوَرُ الذي تدورُ حولهُ جميعُ قضايا الديوان، بما في ذلك موضوعَةُ الحبِّ التي تُسافِرُ من خلالِها الشاعرةُ مِنْ وَإِلى ذاتِ الآخَرِ/ الرَّجُلِ، حيث يَقْبَعُ نِصْفُها الثاني.

وهنا فائدةٌ لابد من الإشارةِ إليها تَكْمُنُ أساساً في أن نصوص أسماء الحافي تنطوي على موقف سلبيٍّ، يَتَجَسَّدُ في أمرين اثنين هما:

- موقفٌ سلبي من الآخر/ الرَّجُلِ الذي لم يَسْتَطِعْ بَعْدُ الارْتِقاءَ إلى مستوى الآخرِ (الرجُلِ) الافتراضي/ الحُلُمِ الذي تَرْسُمُ الشاعرةُ، بريشة كلماتِها، مَعالِمَ صُورتِهِ. لكنَّهُ، بالرغم من ذلك، يبقى دوما في عِدادِ الغابرِ الظاهر الذي لا وُجودَ لَهُ سوى في مُخَيِّلَةِ سناء الحافي.

- موقفٌ سلبِيٌّ ثانٍ، وهذه المَرَّة من الذات الشاعرة التي هي سناء الحافي. والمقصودُ هنا عَدَمُ رِضا الشاعرةِ على ذاتها التي ظَلَّتْ، منذ طفولتها الأولى، تَنْتَقِلُ مِنْ فَشَلٍ إلى آخر، ومِنِ انْكِسارٍ إلى انْكِسارٍ جديدٍ؛ وكأنَّها لَمْ تَسْتَفِدْ أبداً مِمّا كابَدَتْهُ وَمَرَّتْ به من تجارب.

ويبقى الموقفُ الإيجابِيُّ الوحيدُ في نصوص الديوان: موضوعةُ الوَطَنِ الذي يُمَثِّلُ لدى الشاعرة كُلَّ ما له ارتباطٌ وَثيقٌ بالذّاكِرَةِ والطُّهْرِ والنَّقاءِ والصِّدْقِ والوفاءِ، بالرغم من أن هذا الوَطَنَ هو الآخرُ لم يَكُنْ إلى جانب الشاعرة؛ حين عَبَّرَتْ، ذاتَ حاجَةٍ، عَنْ حاجَتِها إليْهِ؛ وكأني بها عنا تُرَدِّدُ مقوله بَلَدِيِّها: (بلادي وَإِنْ جارَتْ عَلَيَّ عزيزةٌ). تقول الشاعرة (الديوان، ص.35):

يُؤَرِّقُني الشَّوْقُ إِلَيْكَ

يا وَطَني...

وَكُلُّ الْمَراكِبِ تَمْضي،

وَأَنا هُنا...

قاتِمَةُ الْخَدِّ وَالنَّهْد،

جالِسَةٌ عَلى ضِفافِ عَيْنَيْكَ

في صَمْتٍ...

أَنْثُرُ كَالْعَوانِسِ حَظّي،

فَتُوجِعُني لُغَتي

وَتَسْكُنُ الْحَيْرَةُ أَوْرِدَتي،

لِأَثورَ...

إلى أن تقول (الديوان، ص. 36-37):

كَما تَرى يا وَطَني...

لا أَقْوى عَلى الْإِبْحارِ،

فَقَدْ ذَبُلَتْ بِالْخَوْفِ أَشْرِعَتي

وَصَنَعْتُ شِراعاً مِنْ كَفَني

لِأَبْدَأَ رِحْلَتي إِلَيْك...

وَأُسارِعُ بَيْنَ الْمَدِّ وَالْجَزْرِ

حَقَّ الشَّوْقِ وَاللَّحْدِ

فَتُسابِقُ الطُّيورُ الْمُرْهَقَةُ ظِلّي

....

الْآنَ قَوارِبي تَشْرَعُ في الْغَرَقِ

الْآنَ يا وَطَني

أَوْفَيْتُكَ الْوَعْدَ...

وَهذي السَّماءُ الْمُحْتَشِمَةُ

لَيْتَها تُصَدِّقُ وَعْدي!!!

كما وَجَبَتِ الإشارةُ إلى أمرٍ آخر لا يَقِلُّ أهمِّيَّةً عمّا سبق، وهو هذه القوة واليد من حَديدٍ التي كُتِبَتْ بها نصوص هذا الديوان. فما يَخالُهُ القارئ الساذَجُ قصائدَ حُبٍّ وعِشْقٍ، هي في حقيقةِ الأمر اعْتِرافاتٌ وَبَوْحٌ، يُرْجى منْ ورائِهِ التَّطَهُّرُ مِنْ أخطاءِ الماضي، وَعِشْقِ الماضي، وما كان من انْفِلاتاتِ الذاتِ. فالأمرُ لا يتعلَّقُ بِارْتِماءٍ أعمى في أحْضانِ الآخَرِ، بِقَدْرِ ما يَتَّصِلُ بِمُحاكَمَةِ الذّاتِ والآخَرِ عن علاقات غَيْرِ مُتكافِئَةٍ، لابُدَّ مِنْ إعادَةِ النَّظَرِ فيها داخِلَ سياقٍ زمني جديد آتٍ، تَتَساوى فيه ذاتُ الأنثى بنِصْفِها الثاني الذي سَيَبْرَحُ عَجْرَفَتَهُ، ولَنْ يَبْقى غَيْرَ عابِئٍ بما يَحْدُثُ مِنْ حوله؛ تقول سناء الحافي (الديوان، ص. 33):

آهٍ مِنَ الْحُبِّ آهٍ مِنْ عَمائِلِهِ

لَقَدْ تَمَكَّنَ مِنْ قَلْبي فَأَوْهاني

أَذَعْتُ حُبّا حَرِصْتُ الدَّهْرَ أَكْتُمُهُ

وَالْيَوْمَ أُفْشيهِ يا حُبّاً تَوَلّاني

لا سامَحَ الْحُبَّ، أَفْضى بي لِمَهْزَلَةٍ

فيا تُرى ما الَّذي بِالْحُبِّ أَعْماني

دَمْعي يَسِحُّ عَلى الْخَدَّيْنِ مُنْهَمِراً

فَالْعَيْنُ بَحْري وَساحُ الْخَدِّ شُطْآني

ضَريبَةُ الْمُبْتَلى بِالْعِشْقِ يَدْفَعُها

دَمْعاً وَقَدْ جَفَّ مِنْ عَيْنَيَّ هَتّاني

إلى أن تُوَلّي وجهَها نحو الآخر، فتقول (الديوان، ص. 34):

وَأَنْتَ عَيْناكَ تُخْفي ما يُكابِدُها

لا تُبْدِيانِ سِوى زورٍ وَبُهْتانِ

فَفيهِما يا مَنايا ما أُسَرُّ بِهِ

فَكَيْفَ أَصْبَحْتَ عِنْدِيَ الظّالِمَ الْجاني

حَسْبي عَلى زَمَنٍ يَمْضي بِلا سُبُلٍ

يَبْتاعُني بِعُرى عَيْني وَأَجْفاني

يا لَيْتَني ما رَضيتُ بِالْهَوى حَكَماً

فَإِنَّ حُكْمَ الْهَوى بِالْحُبِّ أَرْداني

لكِنَّهُ قَدَرٌ، اللّهُ قَدَّرَهُ

فَلا تَأَفُّفَ مِمّا اللّهُ أَعْطاني

فالشاعرةُ لا تَكْتُبُ قصائدَ حُبٍّ، بِقَدْرِ ما تسْتَعيدُ رَسْمَ لوحاتٍ مثيرَةٍ لعلاقَتِها بالآخَرِ وعلاقَةِ الآخَرِ بِها، وهي العلاقةُ التي تَقِفُ منها الشاعرةُ موقفاً سلبيّاً، تَتوقُ إلى هَدْمِهِ وإقْبارِهِ بِالْمَرَّةِ؛ لِإِعْلاءِ صَرْحِ علاقةٍ جديدةٍ وفق شروطٍ جديدةٍ، تكونُ فيها قصيدةُ الحُبِّ لَوْحَةً مُشْتَرَكَةً بين الطَّرَفَيْنِ، وَيَخْتارُ ألوانَها الآخَرُ/ الرَّجُلُ ونِصْفُهُ الثاني الذي لا يُمْكِنُ أن يكونَ سوى الشاعرة أو مَنْ تَحْيا بين ضُلوعِها؛ وهي الأنثى في طَبْعَتِهاالعربية الآتِيَةِ؛ تقول الشاعرة في قصيدة (أنتَ لم تَعْلَمْ بَعْدُ) (الديوان، ص. 26-27):

أَنْتَ لَمْ تَعْلَمْ بَعْدُ!!!

أَنَّ جُروحي مُبْتَلَّةٌ بِالْغَدْرِ

وَالْأَعْوامُ تَمْضي...

وَأَنا كَالْعَوانِسِ

أُفَتِّشُ عَنْ ضِلْعِيَ الْأَيْسَر

حَتّى أَحْتَمي بِبَقايا وَطَنٍ

لا شَطَّ فيه وَلا مَرْفَأْ

........

أَنْتَ لَمْ تَعْلَمْ بَعْدَ

أَنَّ الْعالَمَ يَتَهَيَّأُ لِلطّوفانِ

فَتَهَيَّأْ لي

وَامْسَحْ عَلى جَبينِكَ طُهْرَ الزَّمانِ

فَوَجْهُكَ الْمُلَثَّمُ بِالنَّوايا

ما عادَ يُفْزِعُ الطِّفْلَةَ

وَلا عادَ يَأْسَرُها الْمَكان

وَأَنَّ الطُّيورَ الْواقِفَةَ عَلى أَبْوابِ البرد

تُهاجِمُ غَفْوَتي

حَتّى تَحُطَّ بِحُزْنٍ عَلى ساعِدي

وَفي آخِرِ اللَّيْلِ

تُدْرِكُ سِرّي...

 

4-1)- ظلال من الماضي:

أما ظلال الشاعرة التي سبق الحديث عنها، فَنُطِلُّ عليها من خلال الظِلِّ الأول المرتبط بالطفولة التي لا تَنْفَكُّ الشاعرةُ تعودُ إليها، لِتَغْرِفَ رصيداً من قوَّةٍ هي في أمسِّ الحاجة إل. وقد سبقت الإشارة إلى أنَّ حديث الطفولة هو من ظلال الماضي التي تكادُ تُغَلِّفُ جميعَ نصوص الديوان؛ تقول الشاعرة:

أَغِثْني

يا زَمَنَ الصِّبا...

عُدْ بي لِلصَّمْتِ الْمَوْصولِ

بِطَيْشِ الصِّغارِ...

بِلا صُوَّرٍ...

بِلا رُؤى...

حَتّى يُصَلّي الْوَجَعُ في جَلالِ الْقَدْرِ الْمُغادِرِ

وَتُشَيِّعَني عَلى أَكُفِّ الْغَباءْ،

بَعْدَما شُدَّ قَلْبي قَسْراً إِلَيّ...

وَشاعَ اللَّحْنُ في الرّوحِ

حَتّى غابَ عَنْكَ الْمَساءْ...

لِتَرْثَيَني...

كَالْفَجْرِ الطَّرِيّ

وَتَسْلُبَ مِنْ جِسْمي الْمُذاب

ظُنونَكَ في النِّساءْ!!

فَتَسْقُطَ مِنْكَ أَقْنِعَةُ الْأَلْحان

بَيْنَ الْمَعابِرِ....

ومن هذا القبيل أيضا قولهامن قصيدة (ما عُدْتُ طِفْلَةً) (الديوان، ص.63 ):

ما عُدْتُ طِفْلَةً!!

لِتُشَيِّئَ أَحْلامي الْوَرْدِيَّةَ بَيَدَيْك

لُعْبَةً،

حَتّى تُسْكِتَ تَمَرُّدي

وَتَتْرُكَني عَلى التَّلِّ الْحَزينْ

أُمارِسُ طُقوسَ الْعِبادَةِ الْمَشْروعة

خِفْيَةً،

لا تَقُلْ...!!

بَرَزَتْ مَلامِحُكِ يا أُنْثى...

فَمَلامِحي الْمَدْفونَةُ بِأَرْضِكَ

تُغازِلُ صَمْتَكَ الْمَخْفِي

عَلَناً... وَحَسْرَةً

ثم يأتي ظل الفضاء (المكان والزمان) الذي يَلُفُّ كيانَ الشاعرة وما ينطوي عليه هذا الكيان من آمالٍ وآلام وحكايات هي من صُلْبِ الزمان والمكان اللذين عانت منهما الشاعرة طرفا. ويبقى حديث المكان هو الغالب على نصوص سناء الحافي، حيث يَحْضُرُ الوطَنُ بكل تَجَلياتِهِ وتقطيعاته، مُتَعَلِّقاً بتيمَتَيْنِ رئيسَتَيْنِ، هما: تيمةُ الغربة، وتيمة المنفى؛ تقول الشاعرة من قصيدة (أنتَ لم تَعْلَمْ بَعْدُ) (الديوان، ص. 29):

أَنْتَ لَمْ تَعْلَمْ بَعْدُ أَنَّ قَلْبِيَ الْمَهْجور

أَلْبَسَتْهُ الغُرْبَةُ رِداءَ الرَّحيلْ

وَكوفِيَّةً بِخُيوطِ الدَّمْعِ الْمُشْتَعِلْ

حَتّى تَشْتَمَّ حريقاً في وَرَقي

لِتَأْتي إِلَيَّ

بَعْدَما خانَتْني لَباقَتي!!!

وَتَدْعوني إلى عَشاء البرد

لِتوقِدَ حُزْني

وَتُدْفِئَ شَتاتَ الطَّيْرِ الْمُتَبَقّي

عَلى عَتَباتِ وَطَني...

وتقول في قصيدة (رعْشَةُ المَنْفى) (الديوان، ص. 90):

بِاسْمِ اغْتِرابي

أَوْقِدْ لي بِدِفْءِ الرّوحِ

نُوراً...

يُبَدِّدُ عَتَمَةَ الْقُلوب

يُشْعِلُ شَبابي الذّابِلَ بِالْغُموضِ

حَتّى لا أَرى الْحَياةَ أُضْحوكَةَ صَيْفٍ

تَرْنو أَحْلامي فيها

كَالطِّفْلَةِ

في خَجَلٍ مَغْلوبٍ

بِاسْمِ الاغْتِراب

أَوْقِدْ لي بِشَوْقِ الرّيحِ

مِشْعَلاً...

يُضيئُ لي الْحاضِرَ وَالْآتي

فَأَموتُ وَأَحْيا

مِنْ رَعْشَةِ الْمَنْفى

حينَ يَنْبُتُ الرّيشُ في الْجَسَدِ الْمُبْتَلِّ بِالذُّنوبِ...

ولا يمكن الحديث عن هاتين التيمتين في نصوص سناء الحافي، دون الوقوف عن موضوعَتَيْنِ أُخْرَتَيْنِ، هما: الرحيلُ والحُلُم؛ تقول الشاعرة (الديوان، ص. 84-85):

أَدْخُلُ في أنايَ،ِ لأَبْدَأَ رِحْلَتي إِلَيْك...

في جَوْفِ اللَّيْلِ الَّذي يَسْكُنُني...

بَعْدَ أَنْ نَحْتَسي كَأْسَ النِّسْيانِ

إلى أن تقول (الديوان، ص. 85):

أنا لا أُهاجِرُ مَرَّتَيْن...

وَسَأُواصِلُ ما يُشْبِهُ الْمَوْتَ... كَيْ أَراكَ!

مَرَّةً في خِضَمِّ السَّحابِ...

وَمَرَّةً أُخْرى وَقْتَ الضَّباب...

وتقول أيضا في قصيدة (مراسيم أنثى) (الديوان، ص. 76):

قَلْبي عَوْسَجٌ...

يَحْلُمُ بِالشَّمْسِ بَعْدَ الْمَغيب...

فَامْتَدّي يا أَسْبابَ الرَّحيل...

مِنَ الْحُبِّ إِلى الْحَرْبِ

فَقَدْ كَبُرْنا عَلى مَراسيمِ الْوداعِ بِالْخُطى الْمُحْتَرِقَةِ...

وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنَ الْبُكاء

... لِتَنْضُجَ سَذاجَتي بَيْنَ تَجاعيدِ كَفّي...

أما ظلال الآخَرِ/ الرجل، وهي النوع الثالث من ظلال الشاعرة، فكثيرة في نصوص سناء الحافي، ويكاد يكون الرجل في بعده الماضي والآتي الأساسَ الذي بَنَتْ عليه الشاعرةُ قصائِدَها؛ تقول من قصيدة (الملك النائم) (الديوان، ص. 26-27):

إِذا حاكى نَسيمُ هَواكَ دَرْبي

فَوَيْلٌ لِلَّذي مِنّي تَبَقّى

سِوى خَوْفي يُسائِلُني خَجولاً

وَذاكِرَتي بِبَحْرِكَ نَعْشُ غَرْقى

فَعُدْ مِنْ نَوْمِكَ الْعاجي قَلْبي

فَكَمْ تَحْلو حِكاياتي وَأَشْقى

......

أَيا رَجُلاً وَهَبَني الْحُبَّ نوراً

إِلَيْكَ غَدّي فَإِنْ وَلّى سَيَشْقى

وتقول في قصيدة (حورية المنافي) التي دُعِيَ الديوان باسْمِها (الديوان، ص. 43):

مِنْ أَتَيْتِ...

لِتُجادِلي الرُّجولَةَ بِداخِلي

بِاسْمِ التَّأْنيثِ فيكِ،

وَتُتْقِني فَنَّ الْعِشْقِ الْخَجول

حَتّى ضُلوعي تُثْريكِ..

وتقول من قصيدة (غوايَةُ امرأةٍ) (الديوان، ص. 60-61):

في الْبَدْءِ كانَ وَجْهُكَ

طُفولِيّاً

يَهْذي على أَرْصِفَةِ السُّؤالِ

بِلا حَقائِبَ

بِلا لِحافٍ،

يَتَمايَلُ كَالنَّخْلِ العَجوزِ بَيْنَ الظِّلالِ

حتّى أَشْتَهي فيهِ مَلامِحي

وَأَلْتَحِفُ بِهِ السِّنينَ الْعِجافِ

في الْبَدْءِ كانَ عِشْقُكَ

يُسْكِرُني...

فَأَرْتادُ أَقْبِيَةَ الْأَحْلامِ

أَلْبَسُ الْحَريرَ

أُزَيِّنُ خاطِري بِالْحَياءِ

وَأَنْتَ واقِفٌ عَلى كَفّي

تَكَسِّرُ التَّمَنّي

الَّذي ضاعَتْ عَناوينُهُ وماتْ...

حَتّى ذَبُلَتْ بَيْنَ شَفَتَيْكَ الْقُبَل

وَما عُدْتَ تَسْتَبْعِدُ فِيَّ

غَدْرَ النِّساء

وننتهي بعد هذا إلى النوع الرابع من الظلال، وهي ظلال الثقافة الشعرية؛ هذه الثقافة الشعرية التي لا تقطع مع النمط القديم في بناء القصيدة ورحها ومعجمها الشعري. ذلك بأن سناء الحافي شاعرة تغرف من النمطين معا القديم والحديث، وينحصر الشِّعْرُ في مُعْتَقَدِها في ما يُشْعِرُ بالألم أو الحزن؛ أي ما يَشْعُرُ به الإنسانُ؛ ولو كان خارِجَ الأوزان العروضية.

 

4-2) ظِلالٌ مِنَ الْآتي:

وهي النوع الثاني من الظلال التي وصفناها بالقلة والنُّدْرَةِ في كتابة سناء الحافي ونصوصها الشعرية التي يَطْفَحُ بها ديوان (حورية المنافي)؛ ويتعلق الأمر هنا بظلال الذات الشاعرة، التي سبق أنْ قُلْنا إنها تنْشَطِرُ إلى قسمين: قسم يَحِنُّ إلى الماضي، وقِسْمٌ يتوقُ إلى المستقبل ويَشْرَئِبُّ نَحْوَهُ؛ تقول سناء الحافي (الديوان، ص. 32):

مِنْ أَلْفِ أُغْنِيَّةٍ ناشَدْتُ ذِكْرَكُمُ

إِنْ عُدْتُ يَوْماً سَيَبْقى رَسْمُ عُنْواني

تَاللّه ما نِلْتُ بِالإيقاعِ أُغَنّي

وَلا بِأَنْغامِ أَوْتاري وَأَلْحاني

كَيْفَ الْعَزاءُ إِذا لَمْ يَصُنْ قَدَري

يا وَيْحَ نَفْسي إِذا كانَ الْهَوى فاني

دَعْ عَنْكَ نَفْسَكَ يا قَلْباً يُشَيِّعُني

صَوْتاً فَتاريخي مَنْقوشٌ بِوِجْداني

وَما عابَني الْفَقْرُ إِنَّ الْفَقْرَ عَذَّبَني

لكِنْ لِعِلْمِكَ صيتي الْيَوْمَ أَغْناني

وَما اغْتَرَرْتُ بِما تُبْديهِ مِنْ تَرَفٍ

نَفْسي الْعَزيزَةُ تُبْدي الْيَوْمَ بُرْهاني

وتقول أيضا من قصيدة (حلم الشباب) (الديوان، ص. 40):

يا شَبابي لَمْ يَعُدْ لي فيكَ ذِكْرى

فَلْتَعِشْ في حافَةِ الْحُلْمِ الْبَخيلِ

قَدْ أَثارَتْ ريحُ شَوْقي كُلَّ ثَأْرٍ

آنَ أَنْ أَصْحو بِلا ظِلٍّ عَليلِ..

ومن ذلك أيضا قولُها من قصيدة (ٌقِدّيسَةُ الطّينِ) (الديوان، ص. 66-67):

هَلْ لي بِعِشْقٍ أَرى فيهِ بِداياتي

يا مَنْ قَطَعْتَ وَريدَ الْوَصْلِ في ذاتي

يا كَمْ رَجَوْتُكَ بِالْعَهْدِ الَّذي نَطَقَتْ

فيهِ ثُغورُ الْجَوى غَيْثاً لِمَأْساتي

في غَفْلَةٍ مِنْ جُنونِ الطّينِ بَعْثَرَني

حَتّى سُقِيَتْ كُؤوسَ الوُدِّ دَمْعاتي

كَيْفَ الدَّواءُ وَأَصْلُ الدّاءِ مِنْ دَنَفي

يا مَنْ يَفيضُ أَسَىً قَدْ زِدْتَ عَبْراتي....

والنصوصُ من هذا الطِّرازِ كثيرةٌ في الديوانُ، كُلُّها تَتَغَني بِصَنيعِ الذاتِ، وَوُجودِها بين الماضي والآتي...

 

على سبيل الختم:

هكذا تبدو سناء الحافي من خلال ظلالها الماضية والآتية، شاعرةً دائمة الرحيل، وقد اسْتَحْسَنَتْ، بالرغم منها، حياة الغُرْبَةِ والمنفى، تلك الحياة التي خلقت منها ذاتا شاعرة، تكتُبُ بَوْحَها ومعاناتها مع المكان والآخر والذات وكُلِّ ما مِنْ شأنه أن يَرْبِطَها بوجود الأنثى في خارِطَةِ وطنِها الكبير؛ خارِطَةٍ تَرْسُمُ معالِمَها عَقْلِيَّةُ الرَّجُلِ الشرقي المُتَحَجِّرَةِ. إنها الباكورةُ الأولى لسناء الحافي التي، كما سبقت الإشارةُ إلى ذلك، أرادَتْ أن تقولَ فيها كُلَّ شيْءٍ؛ غَيْرَ أَنَّها ستكونُ، حتْماً، في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى دواوينَ أُخرى؛ لِمواصَلَةِ الْبَوْحِ والقَوْلِ الشعري الجميل الذي ينسابُ انْسِيابَ الْحَكْيِ على شِفاهِ شَهْرزادَ وهي تُعَلِّقُ نهاياتِ حكاياتِها بِغَدٍ لا تَعْرِفُ كيف ستكونُ ألوانُهُ وكيف سَتَمْتَطي مراكِبَهُ....

 

الأستاذ الدكتور مصطفى سلوي

وجدة؛ في: 22 يوليوز 2013

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2672 المصادف: 2013-12-29 09:19:07