المثقف - قراءات نقدية

نبيل سليمان في "مجاز العشق" .. الرواية التي رأت كلّ شيء (5)

husan sarmak- مخاطر المثقف "الخفيف": إن فؤاد صالح هو أنموذج للخفّة، الخفّة النفسيّة والسلوكية المقيتة التي تناقض ما هو متوقّع من مثقف تمرّ الناس المحيطة به بهذا القدر من الأهوال والخراب ؛ خفّة تنطوي على قدر كثير من االإنتهازية والنفعية والعيش الطفيلي . لكن كل ذلك يُمرّر كما قلت حلف أستار من اللعب اللغوي والفكري . لقد بلغ به الإنحطاط الأخلاقي وقلّة الحساسية الإنسانية الشفيفة هو، وبعد أن وقعت صبا العارف في حبائله، هو أن يلجأ إلى عدوّ صبا اللدود الفاسد "شهاب الوزير" ليدبّر له مكانا يمارس الجنس فيه مع صبا . كل سلوكه معها لا يشير أبداً إلى معاني الحب الحقيقي الأمين والمخلص . هو يعرف أن على شهاب الوزير ملفّات فساد خطيرة معزّزة بالوثائق تمتلكها "صبا"، وأن شهاب بذل المستحيل من مساومات ورشا وتهديدات وضغوط للحصول على تلك الوثائق التي حصلت عليها صبا أيام كانت تعمل في الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش (طبعاً من حق القاريء أن يتساءل بأي حقٍّ تحتفظ بهذه الوثائق بعد أن تركت العمل في الهيئة؟!) . لقد أخبرته بوضوح أن شهاب "قد ما كبر بيضلّ زغير"، وأنه "إبن حرام ومثل اليهودي: وش نظيف ووش كنيف"، وأنه "كلب" . فهل توجد أكثر من هذه الأوصاف تعبيرا عن دونيّة شهاب وفساده؟ ماذا يريد فؤاد صالح أكثر من ذلك؟

يجوز أنه مثقف "موضوعي"، ويحتاج أدلّة موضوعية؟

حسناً، لقد قامت صبا بتسليمه ملف وثائق الفساد كاملا، وراجعه في شقته ليلة كاملة .

وبعد أن عرف سرّ العداء المُستعر بين صبا وشهاب الوزير، وفي الوقت الذي يجب أن يكون فيه حذرا كي لا يعرف شهاب أي شيء عن علاقة صبا به، ذكر اسمها أمام تاجر العقارات الذي دبّر له بيت "العرس" كمّا سمّاه، وقام السمسار بنقل المعلومة إلى شهاب. هذه من نتائج الخفّة . هؤلاء ممن هم أمثال فؤاد يمور في نفوسهم عدوان غريب على النماذج المتصالحة مع ذاتها؛ النقيّة من أصحاب النفوس البيض أمثال صبا العارف، ولا يقنعون إلّا بتلويثها . هذه الخفّة المشينة تسيطر على كل أوجه حياته، حتى أنه لا يهمه أن يصف صبا بـ "شرموطة رخيصة" لكي يتخلّص من محاصرة شهاب الوزير الذي يريد معرفة اسمها منه بمكر فقد عرف الإسم من سمسار العقارات . كان من الممكن أن يتخلص من إلحاح شهاب بالقول: "أتركنا من سيرتها واحكي لي عن موسكو" (ص 184) من دون هذا الوصف القبيح، لكن المخزون الحقيقي ينفلت محكوماً بالبنية . ففي وجدان الإبن يتربع الإله الأول وهو أنثى، أمّ تحديداً، وقد هانت عليه إلاهة كسيرة يفتك السرطان بثديها الذي أرضعه، وقارنه بسهولة ساخرة بصدر فاتن الذي يشبه "طاس من حجر" . الأنكى من ذلك أن كل وثائق ملف فساد شهاب الوزير التي قرأها لم تنفع في تخليصه من تذبذباته وميله المستتر نحو أنموذج شهاب، فعاد يصدّعنا بصراعات عن رجل التسعينات .. وحقوق الصداقة !!:

(ريثما حلّ موعده مع شهاب كان الملف قد أعلن رجلاً جديداً بالإسم نفسه: شهاب الوزير هو بحق رجل التسعينات في القرن العشرين: رجل بلا اسلوب محدّد: رجل جديد في كل لحظة: ذكرى غالية لكنها تغرب: حاضر كالمستقبل إذ يكمنان بالخطر: الصداقة؟) (ص 180).

حتى صبا العارق عرفت، بحسّها العالي، مكر فؤاد في مؤتمر عمّان للمياه الذي حضراه معاً، وما يخطط له في محاوراته "المقاومة" مع ملكا ونمرود الصهيونيين المجرمين . لقد عرفت أنّه من مثقفي التسعينات الذين يضعون عيناً على الرحمن وأخرى على الشيطان . قالت له صبا بحدّة ووضوح:

(قلتُ لك بلاها يا فؤاد: مبسوط على أساطير ملكا واهتمامها بكتاباتك؟ بكره تعملّي مثل نجيب محفوظ وأبا إيبان ولّا مثل سليم بركات وهذا الجنرال اللي كان رئيس المخابرات بحرب السبعة وستين: نسيت اسمه؟ بكرة بترجملك ملكا للعبري وبتصير كاتب عالمي: هذا نهر الأردن ياترى؟) (ص 229) .

 

- في سيكولوجية الأعراب:

يتهافت بعض المثقفين العرب – كبيرهم وصغيرهم - وبخفّة على محاولة تنزيه الذات أمام الآخر الصهيوني المُعادي . والسبب هو سيكولوجية البداوة التي يعزّزها الدين والثقافة الموروثة والتي تحدّث عنها العلّامة الراحل "علي الوردي" قبل خمسين عاما . هذه السيكولوجية تحترم القوي حتى لو كان عدواً، وتحتقر، بل تحطم الضعيف – وبضمنه المتواضع والعقلاني والمسالم – بل تدمّره، حتى لو كان أخاً وابن عم . وهذا واحد من التفسيرات السيكولوجية لسعي الأعراب المحموم لتدمير اي منارة عربية حضارية كمصر والعراق وسورية . يضرب فؤاد أمثلة لنمرود الصهيوني ليبرّيء ذاته . مثال غريغور المسيحي السوري الذي تزوج من ياردينيا اليهودية الإسرائيلية . ولا أدري ما هي فائدة هذه الأمثلة السخيفة؟! هل حالة الزواج هذه تعني أن الكيان الصهيوني ليس لقيطاً؟ وأن الجزّار بيغن يستحق نوبل للسلام؟ وأن الجولان غير محتلة من قيل الصهاينة؟.. هل تعني أن العرب هم أول من استخدم النابالم واليورانيوم المنضب ضدهم؟ هل تعني أن علينا أن نقول أن جمع شراذم يهودية من أوروبا وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه صحيح؟ هل نسامح الكلب المسعور شارون عليه لعنة الله لأن غورغيان تزوج ياردينيا؟ أي تفاهة هذه؟ وأي حرق أعصاب؟

.. ثم ما الذي يريده نبيل سليمان المثقف المقاوم من كل هذا؟

لقد أرسل صبا وفؤاد إلى عمّان ليحضرا مؤتمرا فيه صهاينة قتلة . ثم أعادهم، وصبا تتقيّأ مازجاً قهرها وغثيانها من الصهيونيين خصوصا عند منطقة "أم قيس"، ورؤية المستوطنات، ثم القدس وبحيرة طبريا السليبة وغيرها، مع غثيان انقطاع دورتها الشهرية بسبب بوادر حملها سفاحاً من فؤاد !!

إن الإحتمال الأكبر هو أن صبا قد تأكدت، وعلى الطبيعة، وبعد سلسلة طويلة من أفعال فؤاد الخيانية الخفيفة والسخيفة – تجاهها وتجاه قضية وطنها – أن هذا الحمل مرفوض تماماً، وأن هذه الثمرة ؛ ثمرة روايتهما المشتركة – بمعانيها الرمزية – يجب أن تُجهض وتُسقط وتُدفن، وقد أُجهضت بمئة دولار في اللاذقية وبرعاية من فاتن التي تصرّفت بخفّة عاهرة محترفة . لو كانت صبا تحب فؤاد فعلاً كان يمكنها أن تتزوج منه بأسرع وقت، وتبدأ معه حياة جديدة . لكنها سبق أن قالت له بصورة قاطعة:

(قلتُ لك لن أتزوج ثانية: لا في هذه البلاد ولا في غيرها: منذ يومنا الأول قلت لك: لن أكون أمّاً في هذه البلاد أو في غيرها: إذا كنتَ تريد أن تكون أباً أو زوجاً فابحث عن غيري:) (ص 244) .

إذن هو فوق ذلك موقف من الحياة في بلاد تقتل النقاء والحياة .

 

- نقاءٌ يشع في سماء الرواية:

لقد كانت نقاوة صبا العارف السلوكية تشع في أجواء الرواية المعتمة باللاإكتراث للقيم والممارسات، وسحقها على كل المستويات، خصوصا من قبل فؤاد وشهاب وفاتن . لقد رمّلها الكيان القاتل المجرم وهي في ذروة شبابها، وخسرت زوجاً كان من نماذج العفة ونظافة السلوك، لتقع بين أيدي مجموعة من ذئاب النماذج الذكورية:

هناك أولاً ذئاب ذكور هم نتاج وضع اجتماعي متهالك ومتعفّن ينخر فيه الفساد، ويشكّل حاضنة له، وهو في الواقع كائنات طفيلية تعتاش على فضلات آلات الفساد التي تفرم ثروات البلاد، وتسحق في طريقها العباد، والبشر الأصلاء الذين يقفون حماة لها ولبقايا اشياء اسمها الشرف والأمانة والملكية العامة وغيرها من القيم المحتضرة الموشكة على الموت، وفي مقدمتها كأنموذج في الرواية هي صبا العارف . هذا النوع الأول من الذئاب هو - بالدرجة الأولى - عائلة صبا ممثلة بأبيها، وأمّها، وأخويها: نزار وسالم، وسلسلة من الإرتباطات التي تفرضها شبكة العلاقات الإجتماعية . كان أذاهم – النفسي والجسدي - يشتد وتتصاعد وتائره كلّما تعنتت صبا وثبتت على موقفها ضد فساد "شهاب الوزير"، لأنهم صاروا – كما قلنا – كائنات طقيلية تعتاش على ما تلفظه آلة شهاب الفتيّة الساحقة التي تلتهم كل شيء من فَضلات وفَضَلات:

(كرّت السبحة في حرج صبا كما تنقلب صفحات الملف الضخم بين يدي فؤاد: المخافات من المجمّع العتيد إلى أسطول السيارات إلى المبيد والعصير والمركبات والتراخيص والضرائب والتأمينات والصحة والتموين إلى الترغيب والترهيب: خذي مئة ألف يا صبا واسكتي: خذي نصف مليون: خذي هذه اللطمة (؟؟) من البيجو 504 والعميد يوسف يتلقّى تقريراً جديداً يدمغ سلوكك المُشين وأبو حلمي يستعيد ابنته من شقيقك نزار ونزار يشجّ رأسكِ اليابس بمنفضة السجائر والوالد يهدر دمك وسالم ينكش الأدراج وحبّات السّبحة تضيع سوى هذه الأوراق التي يطويها فؤاد وهو يفكّر في الصداقة ويستشعر خطراً قائماً أو قادماً فيقدّم خطوة ويؤخّر خطوة إلى مطعم الشعّار:) (ص 183) .

وبسبب شيوع الفساد واستفحاله المريع، صارت الناس تستكثر أن يكون هناك فرد ينادي بالشرف، ويقف ضد الفساد، حتى صاروا يسمّون صبا بتهكم طبعاً: (المفتشة الشريفة) كما تقول زوجة أخيها سالم، وأصبحت الأم تستغرب اندفاعة ابنتها التي تريد أن تُصلح الدنيا ! (ص 181) .

والظاهرة الغريبة الأخرى التي تتكشّف في سياق التباسات علاقات الشخصيات، ويكشفها الكاتب بقصدية فنّية وفكرية عالية، والتي تفتك في جسد المجتمع العربي، وتمزّق نسيج الحياة العربية، وكانت من ضمن خراب العولمة الإقتصادية، ولم تكن موجودة سابقة إلا بأضيق الحدود، هي أن خارطة العلاقات الإجتماعية صارت تتأسّس على أساس خارطة علاقات الفساد الإقتصادي، وهو أمر في غاية الخطورة، لأنه ينعكس على كل مظاهر صحة المسيرة الاجتماعية ومستقبل الأجيال المقبلة في ظل مرحلة تاريخية كاملة . فالمصاهرة والصداقات والزيجات وعلاقات الحب صارت تُرسم ويُخطط لها بوعي المصالح الإقتصادية الفاسدة خصوصاً، وعلى اساس الفرص التي تتيحها لتحقيق التسلّق السريع، للسلالم الإقتصادية، والمراتب الإجتماعية، والمواقع السياسية . فإلى زمن قريب جدا كان الحضور الإجتماعي والروح القيادية السياسية والكفاءة العلمية مفتاح بناء المستقبل والحصول على الوظيفة والمنصب والوجاهة . أمّا الآن - وبنقلة كاسحة وسريعة - صارت الناس عندنا، وخصوصاً الشباب، يضمنون أفضل أنواع الحياة وينتزعون أكبر درجات الإحترام الإجتماعي – على الأقل ظاهراً – عن طريق الإثراء السريع، وعلى أساس القاعدة الفجّة (من لا يملك فلساً لا يساوي شيئا). أعداد كبيرة من أثريائنا - وأثرياء مجتمعاتنا يختلفون جذريّاً عن أثرياء مرحلة البرجوازية الأوربية بخلاف ما أسّسه كارل ماركس، فهم إقطاعيون - وبدو أصلا ببذل حديثة – يتسلّح وجودهم بعلاقات المصاهرة والتحالف و"الظهر" القوي .. لا يعرفون القراءة والكتابة أو يعرفونها بأضيق حدودها، ويكرهون العلم ولا يدركون عظمة تأثيره في نموّ مشروعاتهم، ويميلون للإكتناز أو الصرف المظهري السريع لا الإستثمار الطويل الأمد الصبور، ومستعدون للتحالف مع أشد الجهات عداوة للحرية والإنفتاح، بعكس تحالفات البرجوازية الأوروبية مع العلم، واستثماره، وعداوتها للدين والكنيسة . فنزار شقيق صبا تزوّج من ابنة شيخ تجّار الورق أبو نزار، وسالم من ابنة العميد يوسف لأن الأخير مؤثّر في تمرير الفساد وتغطية فرص الإثراء اللامشروع، و (الأب يستعيض بالشيخ والعميد ما ضاع مع صهره الشهيد) (ص 120) .

أما النوع الثاني من الذئاب، فإن خذلانهم لصبا أكبر وأشد، وأذاهم أكثر تمزيقاً للنفس، وهم عصبة المثقفين والسياسيين الذين من المفترض أن يكونوا معها جبهة واحدة، ويشدّوا عضدها في مقاومة الضغوط المهلكة والحصارات التي تفرضها جبهة الفساد، فصبا في حالة حرب حقيقية، وهي الحرب التي يبغيها هؤلاء المتشدّقون طويلا بالمباديء والنضال والمعارضة والثورة على الفساد واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان . نبيل سليمان يفضح خذلانهم المقيت لصبا بقوّة وبروح تعرضي لا يهاب . فأبو كريم المعارض العراقي الذي يريد إسقاط نظام صدام حسين بأي ثمن، ظهر عندما عصفت بوجود صبا الأزمة الأعنف التي تجمعت فيها أغلب خيوط التآمر عليها، وهي أزمة رحيل شريكتها في مكتب القدس فاتن طروف، وقرار شهاب الوزير المسموم بشراء حصّة فاتن ليشبع صبا قهرا، ويصل إلى الوثائق التي تثبت فساده، . في هذه الأزمة، ظهر أبو كريم أسوأ من أيّ قوّاد، بالرغم من أن هناك تاريخ علاقة حميمة ربطت صبا به أكثر من خمس سنوات كان "هواها فيها عراقي" كما تقول فاتن . نعم . لقد تبيّن أنه يخفي في طيات نفسه روح "القوّاد" التي على أهبة الإستعداد للمساومة وبيع أي شيء .

 

- في داخل كلّ سياسي مومس لائبة:

وهذا ما كنت ومازلت أكرره عن أن السياسي يضمر في داخله شخصية المومس كمحرّك لا يمكن أن يفلح في نشاطاته إن لم يكن على استعداد للتصالح مع هذه الشخصية والحنو عليها . وأفضل السياسيين هم الذين ينطوون على استعداد عارم للمضي في الشوط اللاأخلاقي، ليكونوا أسوأ من أيّة مومس .

ذهب أبو كريم الذي لم يكن قادراً أصلا على التفريق بين الحاكم والوطن في موقف هو قمّة التعهير والدعارة ؛ موقف يهون بعده اي سلوك تعهيري آخر، ذهب ليستغل محنة صبا أبشع استغلال، استغلال قد يترفّع عنه السماسرة الحقيقيون . حتى اللصوص لديهم عرف أخلاقي . ويذكّرني هذا الموقف بمشهد من رواية "حافة التيه" – الجزء الأول من ثلاثية شيكاغو – ينقل لنا فيه الروائي "محمود سعيد" على لسان بطله "عمر" هذا الدرس البليغ:

(تذكّر كيف انتفض أحد اللصوص الذين التقاهم في سجن الحلة، سنة 63 حينما ساقوا معظم المثقفين الشباب إلى السجون، انتفض عندما أشار أحدهم إلى لصّ آخر: زميلك

-زميلي! لا، هذا حقير، كلب

-لماذا؟ كلاكما محكوم بالتهمة نفسها

صرخ بكل قوته: لا، أنا "حرامي"، نعم، لا أنكر، لكنني شريف

-عفواً لم أقصد إهانتك، لكن لماذا تحتقره؟

-بدل أن يسرق حاول أن يعتدي على شرف ربّة الدار، أخذت تصرخ. قُبض عليه. هذه نذالة.

علم آنئذ أن لكل فئة، مهما انحطت، مثلها العليا الخاصّة بها، حتى اللصوص لهم قوانين شرف جعلوها رائدهم في مهنتهم ).

الآن، دعونا نستمع إلى صبا العارف، وهي تصف لفؤاد صالح سلوك أبو كريم معها:

(هذه المرّة سأقول لك ما جرى أولاً بأوّل: من بعد ما تركت أبو كريم لم يحضر إلى بيتنا إلا في عيد الفطر المبارك: هنّأ أهلي وهنّأني وقدمت له كعك العيد: هذا الصباح سبقك إلى المكتب وجلس مطرحك: أم عروة هي التي أرسلت أبو كريم ليطالبني بالدفعة الأولى من حساب فاتن: فاتن زعلانة مني: أبو كريم عرض بسخاء: أنا أنقذكِ من هذه الورطة يا صبا: مقابل ماذا يا أبو كريم؟ نتزوج يا صبا وبلالك فؤاد صالح: أنا أعرف كلّ شيء يا صبا: حتى الإجهاض سمعتُ به ولو متأخّراً: عيب يا أبو كريم: الآن أصدّق أن بعض المعارضة العراقية تعوّد على الصفقات: أتركي المعارضة العراقية بحالها وخلّينا بحالنا: يا حسافة عليك يا أبو كريم:) (ص 250) .

وقد يعتقد السيّد القاريء بأن انتقال صبا في ردّة فعلها، من تقييم حالة فردية مرتبطة بشخص محدد هو أبو كريم، إلى إطلاق حكم "قيمة" يشمل جماعة كاملة هي المعارضة العراقية، هو أمر فيه الكثير من الإجحاف والعسف . ولكن وجهة نظر صبا جاءت نتيجة سلسلة تراكمات من آراء وسلوكيات قام بها أبو كريم، بعضها تخبرنا به هي نفسها في مواضع مختلفة من مسار الرواية، والبعض الآخر يخبرنا به "شهود عيان" عاصروا تلك العلاقة "الحميمة" بين صبا وأبي كريم مثل فاتن طروف .

فقد ارتبطت صبا بأبي كريم لمدة خمس سنوات، وذاقت الأمرّين من هذه العلاقة بسبب نقمة أهلها من جانب (من ترمي نفسها هذه الرمية؟ بكرة بيرجع أبو كريم لبلده وبيترك لك عرّ ولاد .. الرجل بعمر أبوكِ ووراه ببغداد مره وأولاد كما يقول أبوها ناقماً ومؤنّباً) . وتثير حالة أبي كريم تساؤلات كثيرة جارحة تتعلق بأبعاد فرار القائد السياسي وتركه زوجته وأولاده تحت رحمة الطغاة: هل يعكس هذا مؤشّراً على سيكولوجية (التخلّي) و(النزوع الدفين إلى النبذ والهجران)؟ أي أن ترك الشخص لعائلته وعرضه، هل هو ملمح – ولو بسيط – على احتمالية ترك العائلة الأكبر؟ وبسبب تناقضات أبي كريم وصراعاته النفسية المعطّلة (عصابية البداوة ) التي انعكست على سلوكها العاطفي تجاهه من جانب آخر . تقول فاتن طروف:

(خمس سنين عاشت بصحبة هذا الرجل: هو يلحّ على الزواج وهي تماطل: هو يحلف براس الحسين أنها باردة وهي تخاف أن يكون صادقاً: هو يكره أن تلبس البنطلون وهي تقصّر التنورة: هو يغار من رفاقه وهي تتمادى في ممازحة نجمان ومراقصة موسى: من يراهما في السنة الأخيرة يا حبيبي يحلف أنّهما في حرب لا في حبّ:) (ص 165) .

كانت صبا تشفق على بداوة ابو كريم (ص 162)، البداوة المتسترة بشعارات التحرر والحرية البراقة، والمسلّحة بالأسى العراقي الشفيف الذي تسلل إلى قلب صبا وسحرها . لكن هذه البداوة سببت لها صراعا عميقاً "تبدّن" في جسمها عضوياً في هيئة داء الشقيقة المؤلم والمتعب .

أبو كريم هو أنموذج المعارضة التي تتربّى في (الخارج)، والتي لا تتحمّل (النبذ) الذي قابلها به وطنها بالرغم من أن هذا النبذ والخذلان تمّ على أيدي سلطة طاغية . كل إنسان ينبذه الحضن الأمومي – وهذا جوهر المركّب الأوديبي الذي يتأسس اصلا على خيالات النبذ الأمومي بفعل الإمتلاك الأبوي، فتنشأ في اللاشعور مشاعر الحيف وتخيّل حاجة الأم إلى الإنقاذ، وهو من عوامل النضال السياسي والتطوّر الإجتماعي والإبداعي .. الحديث في هذا المجال طويل لكن، المهم فيه هنا وبقدر تعلّق الأمر بمعارضة الخارج، هو هذا العدوان المكبوت اللائب الذي ينمو ويُنقل من السلطة إلى الوطن وإلى العائلة الأكبر، وإلى أناس (الداخل) بأكملهم . لهذا تربّي الولايات المتحدة معارضات الخارج لهذه الأيام السود، حيث تعود هذه المعارضة محمّلة بأقسى أنواع "الجوع القديم" و"روح الثأر" من النبذ المتطاول، فتنسرب الروح التدميرية لاشعوريا مع كل قرار للخلاص أو التطوير . هذا ما حصل مع العراق وما يحصل الآن مع سورية . وما يتجسّد في هذه الرواية في شخصيّة أبي كريم الذي يريد الخلاص من حاكم ديكتاتور بكل طريق، وقد ضلّلته النقمة الشعورية عن احتمالات احتلال بلاده وقتل شعبه الذي سوف تتضمنها حتما محاولة "التخليص" الأمريكية في الحرب، التي وصفها نبيل سليمان على لسان صبا بحق أنها (الحرب العالمية الثالثة أو حرب الخليج الثانية) (ص 164) ؛ حرب تحرير الكويت التي صُممت أصلاً لتصبح حرب تدمير العراق بالمشاركة الكاملة من الأعراب الذين حذّر منهم القرآن وابن خلدون في حقدهم على المركز الحضاري الأم المجاور الذي يشعرهم بالنقص الحضاري ممتزجاً بـ "عقدة الحجم"، وبرعونة الحكّام الذين يتنفجّون بالأمّة والثوريّة:

(عبد الكريم قاسم جرّب يبلع الكويت وما قدر: البارحة نزلت بريطانية في الكويت وبكرة أمريكا: البارحة نزلت قوّات الأمن العربيّة وبكرة بتنزل قوّات الأمن العربية والأوروبية: حقل الرميلة وحقل الرتقة عرق بترولي واحد يا روحي: الكويت تشفط العرق والعراق تحارب إيران والمجنون أشعل الحرب البارحة مع إيران واليوم مع العالم كلّه: ليش انخفض سعر البرميل من عشرين دولار لتلتعش؟ الكويت والإمارات يا ستّي كمان زادت خمسين بالميّة على حصتها في الكوتا: بلا أوبيك بلا ضحك على اللحي: أربعتعش قمر صناعي منوّعة غير الأقمار المخصّصة للتنصّت: الكويت هي المحافظة رقم 18 ودير الزور المحافظة رقم 19: درع الصحراء يا سيدي: عاصفة الصحراء يا مدام: ولك كل خمس دقائق عم توصل طائرة أمريكية: إن شالله يريحونا من صدّام حسين: ) (ص 163)

ووسط هذه الدوّامة المضنية المدوّخة، وأمام ضجيج المعارضين المغثي، يرتفع صوت الضمير الحيّ:

(هتفت صبا الآن كما هتفت آنئذ: والعراق يا أبو كريم؟

سكت أبو كريم وتلاشى الهتاف في الخواء المريع: سكتت صبا حتى الرابعة من فجر السابع عشر من كانون الثاني – يناير 1991:) (ص 164) .

 

- الحيادية السرديّة المحسوبة:

إنّ من السمات السردية الأساسية التي ميّزت أسلوبية نبيل سليمان في هذه الرواية، والتي تصلح أن تكون درساً في الفن الروائي العربي هي أولاً هذه "الحيادية " التي وسمت الفعل الملاحق اللاهث الذي تابع به شخصياته المركّبة المتصارعة المُحبطة . ومن نافلة القول أن أكرر أن التحليل النفسي يُنكر وجود حدّ فاصل بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، وأن العمل الإبداعي يستند إلى الذاتية أولاً وأخيراً، وكم هي ابتسامة المحلل عريضة ومُحزنة حين يسمع من يقول أن المؤلّف يموت . لكن الروائي المقتدر هو الذي يبذل المستحيل ليكون موضوعياً في التعاطي مع شخصياته ونقل أفكارها وانفعالاتها وسلوكياتها إلى القاريء، وعليه أن ينجح في ذلك . من يعرف نبيل سليمان حتى عبر المتابعة السريعة يجد أن في فؤاد صالح أشياء كثيرة منه كما أشار بعض النقّاد . ولكن هذا الكثير من نبيل كان في أقل الحدود العمليّة في دائرة سلوك فؤاد الحكائي أولا، وضمن إطار الشخصية الكلية لفؤاد صالح ثانياً . ومثل ذلك فعله نبيل مع باقي الشخصيّات، فقد ترك كل شخصية تتصرّف على هواها المتسّق مع دوافعها العميقة التي أسستها التجربة الشخصيّة المديدة، والتي حكمتها عوامل خاصّة بكل شخصية برع الروائي في تبصير القاريء بها بصورة تلقائية بعيدة عن الإقحام المتعمّد . لا يمكن أن تجد فاتن طروف - مثلاً – في حال تتصرّف فيه بعيداً عن "خفّتها" السلوكية، بعد أن أقنعنا أو ألقى نبيل في روعنا أننا لا نعيش في تسعينات الخفّة بل في "عصر الخفّة" العربي والعالمي . هذه الخفّة مطلوبة لأنها مفتاح تذبذب الهويّة واختلال ركائزها، الهويّة تتطلب الرسوخ والديمومة على محور الزمان – كما قلنا - وهذا ما لا تسمح به حركة العولمة . منذ بداية الرواية وحتى نهايتها، كانت فاتن هي فاتن بلحمها وعظمها في كل المواقف، وعلى الصعد الفكرية والاجتماعية والجنسية على حدّ سواء، في حديثها مع فؤاد وهي تشرب الجن وتمرح، أو حين تتحدّث إلى زوجها، مطلقها حول مستقبل ابنها، أو مع عشيقها غسان وهي تسخر من مناضلي الماضي الذين يبعون قواعدهم .. مثلما كان فؤاد – مبنى ومعنى – هو هو من بداية الرواية وحتى نهايتها .. في عزلته واكتئابه في غرفته .. في الممارسة الجنسية مع فاتن أو صبا .. في تعامله مع شهاب الوزير أو مع نمرود الصهيوني .. في لحظات وفائه ولحظات خياناته الشخصية والعامة .. بمعنى أنك تشعر أن فؤاد صالح هو الذي يتحدّث ويعلّق ويحب ويكره ويضاجع، ولن تجد في أية لحظة نبيل سليمان – كما يحصل حتى لدى بعض أساتذة الرواية عبر تاريخها – وقد نزل بنفسه إلى مسرح الحكاية، ووقف أمام فؤاد صالح لينطق بلسانه أو يقف خلفه ليمرّر آراءه وقناعاته الشخصية . لن تجد مثل هذا السلوك السردي . والفارق أن بعض الروائيين بصمّم روايته منذ البداية، وفي ذهنه مجموعة من الأفكار يريد طرحها على لسان شخصياته شئنا أم أبينا، وعلى امتداد الحكاية يتسلم القاريء حكماً وأقوال ماثورة .

طبعاً "تلقائية" الشخصيات هذه، لا تعني أننا أمام شخصيات "نزلت" على الروائي وفرضت نفسها، فكل الشخصيات تُنسج خيوط شخصياتها في مشغل لاشعور الكاتب .. "المؤلف هو الحي الذي لا يموت" .

 

د. حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2737 المصادف: 2014-03-04 00:06:32