المثقف - قراءات نقدية

سبهري .. أبجدية الماء

قليلة هي القصائد التي تبقى قادرة على التواصل مع التلقي حين تزاح بالترجمة من فضائها المعرفي إلى فضاء لغة أخرى، حتى قيل (الترجمة خيانة النص) و(الشعر هو ما لا يترجم)، وما الى ذلك من مقولات تبدو صائبة في بعض الاحايين، لكن ليس دائما .

قصائد سهراب سبهري من النوع العابر للغة، لامتلاكها مقوما تواصليا بينا على الرغم من حفاوتها بالرموز، فرمزية العلامة اللغوية عند سهراب تقوم على اشتغالها في منطقة الوعي الجمعي للعلامة والنماذج العليا للخيال المادي، أي في منطقة المشترك، او الرمز الكوني، مما يرسخ جسورا عبر لغوية متعددة للتواصل مع حركة الرمز أو العلامة داخل النص، وهذا ما يجعل شعره قادرا على تخطي الجدار اللغوي المنيع ليتواصل مع مساحة أكبر من التلقي غير المحلي .

ثمة خصائص أسلوبية تنجلي للمتلقي عند إيغاله في عوالم سهراب، لعل من أبرزها:

 

1 ـ الصوفية:

صوفية سهراب على الرغم من طابعها الكوني فإنها إسلامية أيضا، سهراب من الشعراء القلائل الذين تمكنوا من الافادة من الآيدلوجيا الدينية في تخليق حداثة نصه، مع النجاة من الصبغة المدرسية او الوعظية للخطاب، التي تقع بطبيعتها خارج منطقة الشعر، أي في منطقة المنطق، نجا سهراب من الوعظية فبلغ ضفة الشعر الصافي بزورق الآيدلوجيا، الذي قليلا ما بلغ تلك الضفاف:

وربٌّ في الجوار / بين ورود القرنفل عند الصنوبر الباسق ـ 21

مسلمٌ أنا / الجوري الأحمر قبلتي / عين الماء موضع صلاتي / أسجد على النور / السهل سجادتي / أتوضأ بنبضات قلب النوافذ ـ 25

ذهبت إلى ضيافة الدنيا / إلى سهل الحزن / إلى حديقة العرفان / ذهبت إلى شرفة المعرفة المضيئة ـ 34

وكثيرا ما نجد العلامات المائية محملة برمزية ترتد الدلالة فيها على نفسها، لتخليق (الشطحة) بوصفها ذروة معرفية في سيرورة الخطاب الصوفي وملمحا اسلوبيا لصيقا به :

أسمى من قانون الماء ـ 21

عين الماء موضع صلاتي ـ 23

أعرف جيدا أن بركة ألواني تخلو من الأسماك ـ 31

الماء وما يعكسه ـ 49

نتسلق أقدام المطر الرطبة نحو قمة المحبة ـ 71

سأمضي في إبحاري، نحو ماوراء البحار / حيث النوافذ تشرف على التجلي ـ 87

تندرج الشطحات ضمن صوفية الخطاب، وتبدو إحدى سماته الاسلوبية، في عبارة الشطح، تتعالق العلامات تعالقا غرائبيا، حيث يقوض الشاعر سكونها المعجمي والتداولي ويلحقها بفضاء جديد وتعالق غير سكوني، يضع المتلقي عند بوابات التأويل المشرعة :

أحيانا أبني من الألوان قفصا وأبيعها لك لتحيي بها غربة قلبك ـ 29

لوحتي تبدو باهتة / أعرف جيدا أن بركة ألواني تخلو من الأسماك 31

امرأة تطحن النور بمهراس ـ 41

أينما أذهب .. السماء لي / وكذا النافذة والفكر والهواء والحب والارض 55

وما الرحلة التي يسردها الشاعر لقارئه في قصيدته الاخرى (ما وراء البحار) سوى رحلة المعرفة والكشف عن الحجب، انها رحلة صوفية بامتياز، رحلة الروح الظمأى لرشفات التجارب والمطالعات والاسئلة:

سأصنع قاربا وألقيه في الماء / سأبحر تاركا خلفي غربة هذه الارض 77

انها رحلة التجرد اللانهائي من الشهوات والنوازع الدنيوية، رحلة الاستغناء والاكتفاء بالبحث والابحار لبلوغ الحقيقة :

قاربي يخلو من الشباك / وقلبي من شغف اللؤلؤ / سأمضي في إبحاري / لن يتعلق قلبي بالازرقين / ولا بحوريات البحر المتبرجات / حيث يحاولن إغراء الصياد الوحيد 79ـ81

وقد هدته عبارة الشطح الى ضرب من مساءلة الأعراف، والساكن الدلالي في الوعي الجمعي، ليس الشك الذي يضرمه سهراب في السواكن والتواطؤات إلا أحد وسائله لبلوغ اليقين، أو بتعبير أصح للتعبير عن يقينه المتخطي للأشياء إلى ماورائها، وللظواهر إلى مكنوناتها :

أستغرب ! .. لماذا يقولون الحصان حيوان نبيل ؟ واليمامة جميلة، ولماذا لا يحتفظون بالنسر في أقفاصهم ؟؟ / ماذا ينقص البرسيم أمام التوليب الأحمر ؟؟ / فلنغسل أعيننا ونغير نظرتنا / يجب أن نغسل المفردات 58، 59

صعدت من سلم المذهب / ذهبت حتى نهاية زقاق الشك / إلى نسيم الاستغناء / ذهبت حتى ليل المحبة الندي / إلى لقاء شخص في الضفة الأخرى من الحب 35 ـ 37

 

2 ـ السيرية وبساطة التعبير:

فسهراب يكتب سيرة غير ذاتية لروحه على الرغم من ذاتيتها المخاتلة، إنها تصطحب المتلقي وتأخذ بيده إلى ذاته بوصفها تجليا آخر من تجليات الشاعر، تقترن السيرية غالبا بلغة تجمح نحو البساطة والوضوح، على الرغم من كثافتها الاستعارية والكنائية والتشبيهية والمجازية عموما :

أنا ابن كاشان / أموري لا بأس بها / لدي كسرة خبز وشئ من الذكاء / وقدر من الذوق / لدي أم من أوراق الشجر ـ 19

رأيت على مائدتهم خبزا وخضارا / الندى كان صحنهم والمحبة قدحهم الدافئ 41ـ 43

ابن كاشان أنا / لكن .. كاشان ليست مدينتي ! / ضاعت مدينتي ! / أنا بنيت منزلا في الطرف الاخر من الليل / بتعب وعناء / انا سعيد بتفاحة / وبعبق زهرة البابونج / قنوع أنا بمرآة / وعلاقة خالصة49ـ 53

 

3 ـ حضور الطبيعة:

ليست الطبيعة في النص السهرابي تأثيثا لمشهد المكان الشعري، وإنما هي حلول متبادل بين الذاتين : الطبيعة والشاعر .

لذلك، تؤدي علامات الطبيعة مهمة تواصلية عبر المغزى الرمزي للعلامة الناجم عن وعي الشاعر للمحمول السيميائي لعلامات خطابه، ويطالعنا الماء بوصفه العنصر السيميائي الأكثر هيمنة على هذا الحقل الدلالي، ابتداء من العنوان (وقع أقدام الماء)، (ما وراء البحار) (ماء)، مرورا بالإهداء المائي اللافت عند عتبة المجموعة: (إلى قطرة الماء الندية على زهرة شقائق النعمان) .

لا يخفى ما للماء من نصيب كبير من مساحة رمزيتها وتشكلها الصوري والمجازي .

وحينا تكتظ العلامة المائية بمحمولها التطهيري الذي يستدعي بدوره محمولها التخصيبي، بوصف الماء العلامة المهيمنة على فضاءات التطهير الروحي والجسدي، والتخصيب المضاد للجدب والظمأ :

يجب أن نغسل المفردات ... ونخرج تحت المطر ... نغوص في أعماق الحب ... يجب أن نلهو تحت المطر .. فالحياة تبلل متوال

الحياة هي الاستحمام في بركة اللحظة .. ـ 59 ـ 65

 

لندع الماء نقيا، ربما في السهل يمامة تروي عطشها

... في القرية ربما يملأ إنسان جرته، لندع الماء نقيا

... تدنو حسناء من الماء، فلندعه نقيا

يا لعذوبة الماء، يا لنقاوة النهر 97 ـ 103

 

إن شعر سهراب يقدم للمتلقي مائدة معرفية غنية بالالوان والنكهات، يحتفي سهراب بالطبيعة على نحو معرفي، مغاير، لا يقع في التهويمات والتهويل الرومانطيقي، بل يحتفي بالطبيعة بوصفها تجليات متواصلة تطل منها الحقيقة على الشاعر المتطلع اليها بشغف وإصرار ويقين، وفي منطقة المهمل يُعمِل بصيرته النافذة للكشف عن المزيد من جماليات المعرفة .

ليس في رؤيا سهراب كائن أو عنصر غير مهم، كل الاشياء لها أهميتها وجماليتها حتى أبسط الاشياء وأكثر الكائنات عادية وأقلها حظا في لفت النظر، النظر المتعالي الذي يدينه سهراب:

كم هي صافية قلوب أهل القرى / بوركت ينابيعهم وحليب ابقارهم / لم ازر قريتهم / لكن دون شك آثار الله حول أكواخهم جلية / والكلمات مستنيرة بضوء القمر / دون شك : لا يملكون أسوارا عالية / ولا يغفلون عن شقائق النعمان / دون شك .. هناك الازرق أزرق / والناس يعلمون متى تزهر الورود 103 ـ 107 .

 

د. محمد الاسدي ـ جامعة البصرة

.......................

• وقع أقدام الماء ـ سهراب سبهري، تعريب وتقديم زهراء حسين الموسوي، منشورات ذات السلاسل ـ الكويت ـ 2013 .

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2743 المصادف: 2014-03-10 00:13:54