المثقف - قراءات نقدية

الشاعرة السعودية "أشجان هندي": الشاعر رائياً: في فلسفة السرّ وسيكولوجيته

husan sarmak(- لماذا أنت شاعر؟

-لأنني لا أعرف أن أتكلم إلّا مع مجهول ٍ، لا يتكلم)

أدونيس من كتاب (المحيط الأسود)

 

( قلتُ:

أجمع أغصانك يا سرُّ

أتسلّقها

كي أطلَّ على مارد البوح ِ

أُبقيه ِ تحت جناحيّ

في غابة الريح ِ

بين الخضوع

وبين الرجاء

..................

قلت ُ

قلت ُ

فعدت َ بهيّا

قلت ُ

قلت ُ

وقلت ُ

وما إن هززتك َ

حتى تساقطت َ طفلا جنيّا

وضرّجت َ نافذتي بالغناء )

 

                     (أشجان هندي)

                   من قصيدة (خيوط)

 

تمهيد: قد يبدو هذا العنوان غريبا بعض الشيء على قسم كبير من القرّاء إذ يجعل مدخله إلى تحليل نص شعري محاولة لفهم بعض الجوانب الفلسفية من موضوعة السرّ. فقد اعتدنا على أن نقترب من النص الشعري من مقتربات لغوية وجمالية واجتماعية ونفسية وغيرها وفق معطيات المناهج النقدية. لكن من المهم الإشارة إلى حقيقة أن المبدعين كانوا سباقين في طرح الكثير من الأفكار الفلسفية والفرضيات النفسية خصوصا في إرهاصاتها الأولية قبل أن توضع في صورة مقولات ونظريات ناضجة ومدعمة منطقيا وعلميا. وقد قال معلم فيينا ما يوضح ذلك وبصورة مبكرة في كتابه (الهذيان والأحلام في الفن):

(إن الشعراء والروائيين حلفاء موثوقون وينبغي أن تثمن شهاداتهم عاليا، لأنهم يعرفون أشياء كثيرة ما بين السماء والأرض ليس بمقدور حكمتنا المدرسية بعد أن تحلم بها. إنهم أساتذتنا في معرفة النفس، نحن الناس العاديين، لأنهم ينهلون من ينابيع لم نجعلها في متناول العلم بعد (....) فالشاعر يركز انتباهه على لاوعي نفسه هو ويصيخ السمع إلى كل كموناته، ثم يمنحها التعبير الفني بدلا من أن يكبتها بالنقد الواعي . إنه يتعرف بواسطة داخله هو نفسه إلى ما نتعرف إليه نحن بواسطة الآخرين: ما القوانين التي تنظم حياة اللاوعي . بيد أنه لم يك بحاجة البتة للتعبير عنها ولا حتى إدراكها بوضوح، فقد اندمجت هذه القوانين في إبداعاته، وبفضل من تقبّل عقله ) (1).                                  

 

تطبيقات:

يأتي المقطع الإستهلالي متفائلا بخلاف أغلب قصائد المجموعة (للحلم رائحة المطر) (2) الثماني عشرة التي استولت عليها روح منقبضة ومقبضة وعلتها مسحة اكتائبية محبطة صارخة:

(عندما تنحني قامتي للمساء

المصابيح فضّية الوجه

تقطر شهدا نديّا

والستائر تجمع أزهارها

زهرة

زهرة

تهيؤها باقةً للقاء – ص 302)

إنها حالة استعداد لاستقبال "حدث" أو "شيء" مسرّ في حيّز شخصي حوّلته الشاعرة إلى خميلة صغيرة "أنسنت" فيها مكونات المكان المحدد فجعلت للمصابيح وجوها فضّية تقطر شهدا، والستائر كائنا مؤنثا يعد باقات الزهور (والزهور وخصوصا البنفسج من الرموز الأثيرة على نفس الشاعرة كما سنرى) للقاء المنتظر. ولو عدنا إلى البيت الافتتاحي وربطنا مدلوله العميق بمضمون حركتي المصابيح والستائر فسنجد ما يوحي بدرجة ولو محدودة من " التضاد – ambivalence " بين المناخ التفاؤلي العام والمسحة الاكتئابية التي يشي بها انحناء قامة الشاعرة للمساء وكأن حضوره المؤنسن يربك المتلقي في التحديد الدقيق لهوية الزائر الموعود. وفي عمق هذه "الأنسنة" تكمن عملية "إنابة" من المتكلمة (وأنا المتكلم هو من الضمائر الغالبة في نصوص أشجان هندي) التي تنيط دورها المباشر إلى مكونات لابشرية، تحل محلها لتؤثث المكان، الذي تجري على ساحته الصغيرة استعدادات مفارقة، في سعتها، وفي انفعال مكونات غير عاقلة، تضفي طابعا كونيا يبدو غريبا، ونحن نقف على عتبة النص تقريبا، الأمر الذي يثبت من جديد أن الاستهلال – والعنوان أيضا كما سنرى – لا يصلح أن يكون "ثريا" للنص . فذات الشاعرة اللاشعورية الفسيحة تتهيّا مترافقة مع وجه الزمان في حركة تهز قناعاتنا المعتادة عن طبيعة الزائر الذي ستحتويه غرفة بمصابيح فضية وستائر مزهرة. هذه الحركة تحلق بتوقعاتنا عاليا وبعيدا في احتمالات تحملها أجنحة أسراب العصافير الغضة نحو آفاق السماء القصيّة:

(وجه مائي

ووجه الزمان تهيّا

والعصافيرُ أسرابها

تبذرُ السرّ في بطن نافذتي

ثم تغوي الغيوم

وتمضي تبلل ريشاتها

بدموع السماء - ص 302 و303).

ولو تأملنا الصورة التي رسمتها الشاعرة لحركة العصافير "المؤنسنة" المحلّقة، فسنعود إلى معضلة "التضاد" التي أشرنا إليها . فحركة الذات "المائية" موحية بالاسترخاء والتلقائية وحتى المسرة الولادية .. في حين أن حركة أسراب العصافير – وهذا التحشيد يضخّم الوقع النفسي للحركة- حزينة حزنا شاسعا فهي تبلل ريشاتها بدموع السماء. من انحناءة قامة الشاعرة للمساء، إلى أسى دموع السماء، ينفتح المكان انفتاحا هائلا لكنه يبقى ذا وشائج "أرضية" عبر مدخل "النافذة" .. نافذة الغرفة التي شهدت حركة الإستعداد الأولي وهي ممثلة لنافذة الأنوثة. وفي "بطن" نافذة الذات تودِع العصافير بذرة "السر" .. تبذرها كنواة لفعل إخصابي . وهذه التفاتة حاسمة، فأوالية السرّ تتضمن في جوهرها فعلا ممثلا لإيداع البذرة في الرحم الامومي. إن السرّ الأول والأعظم والأكثر إلغازا وبهاءً هو ذاك الذي يستودع في تربة الرحم الأمومي المغلق. وهو أصل كل فلسفات الكون والحياة وتساؤلات الإنسان الحارقة عن مغزى وجوده و"سرّه" . ولا يعلم الذكور المتنفجون الذين يتندرون حول ظاهرة عدم وجود نساء فيلسوفات في تاريخ البشرية أو ندرتهن الشديدة جدا أن الأنثى ليست بحاجة إلى تعقيدات وفذلكات فلسفات مضنية تبحث عن سر الوجود وعلاقات الإنسان بالكون والخالق وعُقَد عملية الخلق الشائكة لأنها – أي الأنثى- استمكنت "السرّ" واستكمنته و"عرفته". وأسراب العصافير المتحالفة معها ن هي التي بذرت "السر" في بطن نافذتها، ورحلت بعيدا لتكمل أول مراحل المشهد السرّاني، الذي يتكلل بسمة "التضاد" حيث تتركب الروح "المازوخية" التي لا يمكن أن تكتمل عملية استيداع "السرّ" وكمونه ونمائه وتحمّل ضغوطه الوجودية / الفلسفية والنفسية من دونها. وعلى أسس سرّ الأنوثة الباهر الذي تنطوي "بذرته" على النوى الأولية لأغلب أسرار الكون والحياة والوجود تتأسس أغلب اسرار الأنوثة الثانوية، ومن بينها أسرار الشاعرة، ومن مركزها تنتسج "خيوط" أغلب انهماماتها المؤرقة اللذيذة ( ولاحظ من جديد معضلة التضاد الذي يجمع الأرق باللذة):

(خلتُ يا سرُّ

أنْ سوف تبقى خفيّا

أنّ ساقك لن يحمل الزهرَ

أنّ أوراقكَ السمرَ

لن تلثمَ السقفَ

خلتُ أنّ ثماركَ

لن تتبرجَ فوق سريري

خلتُ ثغركَ من فضّةٍ

تستحمُ عناقيدها في الخفاءْ - ص 303 ).

والآن .. تنقلنا الشاعرة إلى المركز الملتهب لمعضلة "التضاد" الكبرى.. هذه المعضلة تلوب في أحشاء "السرّ" نفسه. ولهذا تتحول الشاعرة إلى استخدام ضمير المخاطب (وهو الضمير الاثير الثاني بعد ضمير المتكلمة في المنجز الشعري لأشجان بأكمله) . إنها تحدّث السرّ / سرّها العزيز بمحنته التي هي محنتها أصلا . وهي تضع - في الوقت نفسه- إصبعها على لب سيكولوجية السرّ التي تقوم على تناقض عجيب مدهش وهو:

(أن السرّ لكي يكون سرّا يجب أن يُفشى) و(لا يمكن أن يكون شيئا ما سرّا إلا إذا كان قابلا للإفشاء).

أقول: إن السرّ لكي يكون سرّا يجب أن يُفشى .. فهل قالها أحد قبلي؟ وإن لا خاصية سرّانية إلا للأشياء القابلة للإفشاء. ولهذا فإن الموقف المعاتب الرقيق الذي تقفه الشاعرة من سرّها يشكل مفاجأة "إنكار – denial " تحاول فيها اللعب على قناعاتها العميقة المزدوجة. إنها تدرك لاشعوريا أن سرّها لن يكون سرّا إلا إذا كانت لديه القدرة على أن "ينكشف" . ولهذا "سوف لن يبقى خفيّا"، وسوف ينمو، وتتحول بذرته التي أودعتها أسراب عصافير النرجسية الجريحة نافذة الذات الأنثوية ورحلت آسية منتعشة إلى البعيد البعيد. وفي عملية النمو هذه تصوغ لنا الشاعرة حقيقة جديدة باهرة مفادها ان سرّ الأنثى ينمو على شاكلتها . فهو وليدها الشرعي .. جنينها المحبب .. "غصنها" الذي يكبر الآن في دفء جوارها؛ محملا بالزهور، وقد كبرت أوراقه، وصارت تلثم سقف رحم النفس .. وأينعت ثماره وصارت تتبرج أمامها فوق السرير . إن سرّ الأنثى له مثال هو جسد الأنثى نفسه، ونرجسيته من نرجسيتها. إن سرّ الأنثى هنا هو الأنثى ذاتها وقد صارت شاعرة، مستلقية برخاء فوق سرير الشعر تزهر وتورق وتينع وتتبرج أمام "مرآة" سرّها وفيها. ومن باب التأرجح المنكِر أن تعتقد الشاعرة أن ثغر السرّ الذي جُبل من فضة الكلام سوف يحاور ذاته/ ذاتها في هدوء العناقيد الراعش المستحمة في الخفاء. هذا الثغر يترفع عن ذهب السكوت بل ويزدريه لأن فيه موته وفناءه وإلغاء هويّته وتحوّله من سرّ عزيز منعّم ومنذر ومقلق إلى "معلومة" حقيقةٍ مبتذلة. فسمة "الإقلاق" وإثارة التوتر هي روح كرامة السر من الناحية الفلسفية والنفسية. إن من يحمل "السرّ" لا يكون مالكا لامتياز الإطلاع والمعرفة . حامل السرّ تعِبٌ ومهدّد .. حامل السرّ هو الضحية التي يضنيها "حمله" – ولاحظ كثرة أفعال وصفات الفعل الأنوثية المرتبطة بفعل السرّ-:

(كيفَ ليَ الآنَ

أن أُسلمَ العينَ للنوم ِ؟

أن أبقيَ الليلَ حيّا ؟

والثمارُ الحبالى

تكسّرُ أضلاع نافذتي

وتطلّ على الوقتِ من لغة ٍ

غارقٌ نعشُها

في عيون الضياء - ص 303 و304) .

والشاعرة حاملة السرّ أرقة هجر أجفانها الكرى ليس لأنها "تحمل" سرّاً ولكن لأن لهذا السرّ "ضغطا" ؛ التهديد هنا يأتي من الداخل لا من الخارج بالرغم من أن هذا الضغط يُسقط على الخارج في صورة طرق دائب وقاس لثمار السر (ولاحظ هنا "تضاد" الضغط القاسي للثمار الرقيقة) على أضلاع نافذة الذات إلى درجة تكسيرها .

وهنا تحيلنا الشاعرة إلى بعد فائق الحساسية من أبعاد فلسفة الشعر وسيكولوجيته ويتمثل في تماثليته مع أواليات الإبداع الشعري خصوصا، وسيرها في مسالك موازية للمسالك التي تنضج فيها عملية الخلق. فالسر في كل تمظهراته اللغوية – الشفاهية والمكتوبة، واللالغوية أي الجسدية التي يتلبسها عبر ضغط مؤرق ومستديم يشبه التمظهرات التي تنسرب متسترة بها "أسرار" المبدع الداخلية لتتمثل - بازغة من عمق سديم اللاشعور محمولة على أكف مفردات "لغة غارق نعشها في عيون الضياء" – في هيئة نصوص وصور وتراكيب مجازية باهرة. ودائما تكون هذه التمظهرات في لباسها اللغوي مضللة لا تستطيع مهما أوتيت من دقة تعبيرية أن تعبر عن معاناة الفرد حامل السر في "كبت" هذا السرّ ومقاومة ضغوطه . وهذه المواحهة المعاتبة الحيية بين وجه الذات المتعبة معبرا عنه بوجه الملاءة المضخم بحشد كل خيوطها، والصباح الراصد المراقب .. هذا [= الصباح] يسرف في اللوم والتقريع، وذاك [= وجه الذات] يسرف في التكفير والتخفف من أوجاع المراودة الباطنية، لا تعكس أبدا أهوال العذابات الداخلية العظيمة:

(وجه كلّ خيوط الملاءاتِ

يبقى حييّاً

يُسرفُ الصبح في لومه ِ

وهو يُسرف ُ

في غسل أوجاعه ِ

ويجفّف ُ أطرافه بالنقاء - ص 304) .

والمشكلة المضافة التي امسكت بخيوطها الشاعرة الحكيمة، والتي قد لا تُدرك بجلاء هو أن السرّ يتحوّل إلى وجه داخلي للذات .. يصبح بطانة الوجود الفردي التي لا يمكن إلا أن تنعكس على وجه مرآة الذات التي تحاول إحكام قبضتها عليها . وهذا الصراع المعذّب لا يمكن إلا أن يورِث الفرد شعورا ممضا بالذنب . وهنا رؤية سيكولوجية هائلة. فلا معنى لسرّ لا يثير الإحساس بالإثم. لن يكون الشيء سرّا إلا إذا كان مهددا للضمير. لا قيمة لسرّ "بارد"، وكمال السرّ و"حرارته" وحكمته تكمن في قدرته على أن يثير صراع الخوف من "الإقتراف" .. السرّ ابن الخطيئة .. هل قالها أحد قبلي؟ .. وهذا الشعور بالإثم يصيبنا بالكدر الذي يجعل الطبيعة تتكدر من أجلنا في استجابة شعرية / نفسية لاشعورية:

(النهارُ الحزينُ

يلاحق ُ أنفاسه ُ

يتفتّق ُ شيئا فشيئا

والشموس ُ تلملمُ أهدابها

من عيون ِ البكاء – ص 304 و305) .

ومن هذا الصراع يأتي القلق المنعش – إنظر إلى سمة "التضاد" مرة أخرى - .. تأتي لذة التوتر ومجاهدة إثم الإقتراف هذا. هنا يكون للمازوخية فعل عذب يستمرئه الفرد .. يتنفسها بلا توقف فقد صارت جزءا من كينونته وحيوية ذاته:

(وأنا ..

أتنفسُّ سرّاً سخيّا

وأشدّ على موج جسمي

بياضَ الغطاء – ص 305) .

إن سخاء السرّ وكرمه يكمن في إثارته هذا الصراع الداخلي المحبّب، بين محاولة الذات المستميتة لقمعه وقدرته الجينية المتأصّلة على أن يفشي "سرّه" . وفي الحكايات الخرافية – وخصوصا في سيدة الحكايات "ألف ليلة وليلة" – والأساطير يتكرر كثيرا الموقف الذي يُحذّر فيه فرد – أنثى في الغالب – من أن يفتح باب غرفة معينة . من حقه أن يفتح مئات الغرف وتوضع بين يديه مفاتيحها، لكنه يُنهى وبحزم مخيف عن فتح باب غرفة واحدة تكون معزولة عادة هي الغرفة المحرّمة (غرفة الخطيئة). والمشكلة أن الشخص المحذر (بكس الذال) الناهي يُسلم مفتاح هذه الغرفة للشخص المحذّر (بفتح الذال) المنهي!! ومع أول لحظات هذا الإنذار الذي يدرك الفرد أن في داخله يكمن الخطر ونذر الخراب يشتعل "صراع الإقدام والإحجام". وهذا الصراع المنهك المفعم بالتوتر، ينطوي على تموّجات مسرّة من ألم المجاهدة ضد قوّة السرّ الضاغطة على نافذة الذات تبغي فتحها على مصراعيها . والذات تريد التسيّد على مفاتيحه وتتحكم بنافذته. لكنه يغويها لتراوده عن نفسه .. فتسقط في فخ "الإقتراف" شاعرة بعبثية محاولتها في ترويض "مارد البوح" أو إحكام الإمساك بأغصان "شجرة" السرّ في غابة الريح:

(قلت ُ:

أجمعُ أغصانك َ يا سرُّ

أتسلّقها

كي أطلّ على مارد ِ البوح ِ

أبقيه ِ

تحت جناحي ّ

في غابة الريح ِ

بين الخضوع ِ

وبين الرّجاء – ص 305 و306).      

إنه صراع عنيف في الواقع .. ومجاهدة مستميتة .. وهذه من خصال الصراعات المرتبطة بالخطيئة .. وليس شاذا أن يكون صراعا مميتا .. بل هذه هي قاعدته . وليس أدل على ذلك من صراع "الخطيئة الأولى" الذي لم يستطع فيه "آدم" الحفاظ على "السرّ" الأول . ومع لعنة الشقاء التي حلّت عليه وعلينا من بعده كان الظفر باللذة الكبرى، لذة تمتد بين قطبي "الرضوخ والرجاء". وأنموذج سرّ الخطيئة هو السر المرتبط بلعبة الحياة والموت، فمنه تشتق خيوط الأسرار كلّها. إن السرّ الأكبر في هذا الكون هو السر المرتبط بفنائنا الشخصي. السرّ المرعب هو من أين نأتي وإلى أين نمضي. وهذا هو السرّ الذي من المستحيل إخفاؤه .. هو الحي الذي لا يموت .. والذي راحت كل جهود الشاعرة في ترويضه سدى .. جهود تمتد من المحو بالمياه إلى الطيّ والإخفاء فالنحر والموت:

(قلت ُ:

أمحوكَ محوَ المياه ِ

لوجه ِ النقوش التي

خطّها الأمس ُ

في معصم الرمل ِ

أطويك َ

طيّ الصحائف ِ

أُخفيك َ

بين الستائر ِ

تحت الجدار ِ

أُهيلُ عليك رموش المرايا

وكحل الغبار ِ

أروّيك َ بالموت ِ

أُقصيك َ من رئة الوقت ِ

أنحر ُ صوتك َ

أيقيه ِ ملتحفا ً بالدماء – ص 306 و307) .

وفي كل هذه المحاولات "الإغتيالية" للسرّ الشخصي، يبدو عدم صدق نوايا الشاعرة من خلال أن أدوات الفعل، وطريقة التنفيذ تُجهض الغاية، ولا توصل إليها، أو هي تعبّر عن "المتعة" في مطاولة المجاهدة وديمومة الصراع برغم آلامه . إنها أشكال من "القتل الرقيق" إذا جاز الوصف. فرقيق هو إفناء النقوش التي خطّها الأمس على معصم الرمل بالمياه. كما أن طيّ الصحائف والإخفاء بين الستائر وتحت الجدار .. كلها يكون الفرد فيها عارفا بـ "مكمن" السرّ الأمر الذي يتيح له العودة والعثور عليه. والأكثر رقة وشفافية هو أن تدفن شيئا خطيرا برموش المرايا أو كحل الغبار. وفي أقصى الحالات؛ في ختام هذا المقطع، وأقساها يصبح التهديد بالموت مصدرا للإرتواء. وحتى حين تنحر الشاعرة "صوت" سرّها فإنها "تبقيه" "ملتحفا" ومغطى بلباس من الدماء. وكلّها حالات تعكس التصارع العميق والتضاد المتجذّر والمستعر بين الشحنات السلبية والإيجابية؛ بين منطق الشعور الذي يدرك المخاطر الجسيمة التي ستترتب على "خطيئة" الإفشاء وإثم الإنتهاك .. وبين حفزات اللاشعور التي لا تعرف حدودا ولا تقرّ تعطيلا لنزوع "الكشف" حتى لو كان المآل النهائي العذاب والخراب. إن الطرق السابقة كلّها تحوّل السرّ إلى سرّ مضاعف. وهذا يعبر عن سمة السرّ المستحيلة وهو أنه عصيّ على الموت. وكأن السرّ – بهذه الخصلة "الخلودية" – يرسم أمامنا الأنموذج الأمثل للعصيان على الفناء. هذا العصيان الذي تتوق له انفسنا الجريحة. إن في روح السرّ فعل عنقاء تحترق/ تُفشى وتفنى لتتجدد. وسرّ الأنثى هو السرّ الأنموذج .. سرّ الحصانة النرجسية العتيدة التي لا يعرفها أحد ؛ السرّ الذي يسّاقط عليها "طفلا جنيّا" كلّما هزّت شجرته الباسقة المعرّشة على نافذة ذاتها الملتمة المكتفية فتضرّجها بدماء الغناء !:

(قلت ُ

قلت ُ

فعدت َ بهيّا

قلت ُ

قلت ُ

وقلت ُ

وما إن هززتك َ

حتى تساقطت َ طفلاً جنيّا

وضرّجت َ نافذتي بالغناء – ص 307) .

وهنا - وكما افتتحنا مقالتنا هذه – تصل معضلة التضاد الوجداني التي لا تحكم موضوعة السرّ ولا جوهر حياتنا النفسية ولا مواقفنا الفلسفية حسب، بل حتى لغتنا، ذروتها . فضرّج الذي هو مبالغة ضرَجَ يعني التزويق والحُسن بعد أن كان جذره يعني شقّ الشيء وفتح عين النار وتلطيخ الثوب بالحمرة وسيعني مطاوعه (تضرّج) احمرار الخد وتبرّج المرأة وتزيّنها وتفتّح الزّهر وتلطّخ الثوب بالدم. أمّا معاني مفردة السرّ لغة فهي تنطبق على جوهر الموقف النفسي المتضاد الذي يثيره في النفس البشرية. فمن معاني الجذر (سرّ) هو الكتمان والمناجاة (الإفشاء) في الوقت نفسه وأسرّه كتمه، وأسرّ إليه حديثا أوصله وأعلمه . وسارّه مسارّة وسِرارا ناجاه وأعلمه بسرّه . وقد قلت في مقالات ودراسات سابقة إن الشاعر في لحظة الإبداع يشتغل بلاشعوره في القسم الأكبر من عمله. وحين يختار مفردة مركزية فإنها تأتي معبرة عن حزمة الدلالات التي تنتشر على مساحة النص. ولو عدنا إلى المقطع الثالث من القصيدة الذي تناجي فيه الشاعرة "غصن" سرّها، وتصف أوراقه، وسمو ساقه، ونضج ثماره، وكيف يتبرّج فوق سريرها، وكأنه صورتها الأنثوية الطفلية المصغّرة.. وبرغم أن النص الأنثوي (وليس النسوي لأن بإمكان الرجل المبدع كتابة نص أنثوي عندما يكون "الظل الأنثوي – anima " قويّا في البنية اللاشعورية لشخصيته، مثلما بإمكان المرأة المبدعة أن تكتب نصّا ذكوريا عندما يكون "الظل الذكوري – animus" قويا في البنية اللاشعورية لشخصيتها) يحفل عادة بمرجعيات الطبيعة وصور فعالياتها النمائية والخصبية، فإن الاختيار اللغوي المركزي يحمل أيضا هذه الدلالة: فسرّ فلانا سرّاً: حيّاه بالمسرّة، وهي أطراف الرياحين، والسّرَّة هي الطاقة من الريحان، والسرير هو المضطجع .. ودفعا للإطالة فإن "السرّ" يحمل أيضا الوجه المناقض للحياة وهو الموت: فسرّ فلانا: طعنه في سُرّته .. والسرير هو النعش قبل أن يُحمل عليه الميّت !!          

              

........................

هوامش:

(1) الهذيان والأحلام في الفن - سجموند فرويد – ترجمة جورج طرابيشي – دار الطليعة – بيروت – الطبعة الثالثة - 1986 .

(2) ريق الغيمات – أشجان هندي – شعر – منشورات النادي الأدبي بالرياض – المركز الثقافي العربي – بيروت – الدار البيضاء – الطبعة الأولى - 2010 .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2747 المصادف: 2014-03-14 21:44:47