المثقف - قراءات نقدية

قراءة في نص "إيقاع التّجلّي" للشاعرة مادونا عسكر

إيقاع الشّعر.. إيقاع الحبّ .. إيقاع الكون

اعتدنا أن نعرف الإيقاع باعتباره الخصيصة المتعلقة بظاهرة دورية منتظمة تكون مدركة كبنية ترديديّة، تتجلى في الظواهر الطبيعية وفي الإبداعات البشرية.. ومن هذه الإبداعات البشرية الشعر من حيث هو إيقاع يأتي على ضروب مختلفة متباينة ا لمعايير والمقاييس والموازين.. بعيد منفصل عن الكون حين يكون شكلا محضا وإن كان تجريدا لإيقاع في الطبيعة وفي الحياة وفي الذات.. قريب متصل بالكون من حيث هو وجود، حين يكون بحثا عن الانسجام والتناسب بين إيقاع الكلمات وإيقاع النفس والقلب والفكر والكون والأشياء، نورا وظلاما وليلا ونهارا وموجا خلف موج..

وبعيدا عن أي تصور شكليّ لمفهوم الإيقاع أو التزام ميكانيكي به، تضع الشاعرة هذا النص "الإيقاعي" فلا تستعير نظاما إيقاعيا، بل تنشئ نظام نصها الإيقاعي مجتهدة في سبيل غاية قصوى هي محاكاة إيقاع لإيقاع، وخروج إيقاع على إيقاع، واكتشاف إيقاع يقع خلف إيقاع هو السطح والمدرك والظاهر و" المعتاد" :

.."ويخرج الكون عن مساره المعتاد.."...

أرادته إيقاعا للتّجلّي، وهو من معانيها الأثيرة، ومما يعدّ من لوازم شعرها وعلامات نهجها، حتى أننا يجوزأن نعتبرها " شاعرة التّجلّي" تطلبه فتجده، وتحياه فتنبهر وتبتهج روحها به وتخشع، تحياه لحظات هي الأبد، ثم تقوله، ولا تقول منه إلا بعضه، لأنّها تحسّه وتعلم أنّ منزلته فوق القول، ولكنّها تتّكئ على القول القاصر..

والتّجلّي في أصل الوضع هو جماع معان منها الظهور والاتضاح والانكشاف والبيان والتّفتّح والتّزيّن والتّبرّج..وهو في مستوى آخر مطلب وسرّ لا يدرك إلا بعد طلب وكدّ..عاشه موسى فرأى ولم ير:

"وَلَمَّ اجَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْك قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَل جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَال سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ"(الأعراف/143)

وبروحها الموسويّة المفتتنة بالغيوب، تطلب الشاعرة في التّجلّي أعظمه وأقدسه وأقصاه، وما هو منه إلهيّ، لأنّه عندها "ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب.." (ابن عربي) وهذا الانكشاف هو إنصاتها وإدراكها لإيقاع التّجلّي تفاعلا بين إيقاع قلبها وإيقاع الكون، وجوها لحضور الحبيب..

هكذا يكون الإيقاع حركة وموسيقى ونبرا وحالا وفكرة ورؤية للعالم وللكون، وموقفا وحوارا بين كونين ينصهران ليكونا كونا واحدا متوحّد الإيقاع..فحكت الشاعرة هذا الانصهارالإيقاعيّ اللحظويّ الأبديّ في حركات أربع: ومضة فرعشة فدمعة فخطوة..كل منها تنشأ واحدة ثم تزداد، وتكثر فتحكي اللغة هذا الازدياد والتكاثر في إيقاع نشأته " ومضة" ومستقرّه " وميض" أي حال نورانيّة مطلقة غير منقطعة:

" سماء تومض بلا كللْ.."..وهذه الحال هي كمال الإيقاع القلبيّ وقد بلغ الحبيبان كمال العشق والاتصال..وكان لا بدّ أن تحكي اللغة بعض هذا التّشكّل الإيقاعي في نشأته وتناميه حتى بلوغ ذروته ومستقرّه:

 

2) إيقاع النور:

ومضة... ومضتين... ثلاث...

هو إيقاع الخلق والنّشأة وبثّ النور الأوّل ليكون الكون وتكون الحياة ويكون الوجود من العدم .. (وقال الله: ليكن نور، فكان نور/التكوين 3)..هكذا كان البدء، وهكذا يكون في العالم تجديدا للخلق الأوّل وتماهيا معه واستعادة له.. وهي استعادة شاقّة لأنّها انتظار لانبثاق النور المحرّر والمعلن للولادة الجديدة والانبعاث داخل عالم هو الموت من حيث هو زمانيّة وانحجاب لوجه الحقيقة والحبيب..ويتّخذ هذا الانبثاق النورانيّ صورة إعجازيّة عجيبة:

" ينشقّ حجاب الزّمان ويخرج الكون عن مساره المعتادْ.."

هذا النور النّازل الغامر شيئا فشيئا للقلب والكيان هو بداية الخلاص وتمزيق الحجب التي تلفّ الوجود الفرديّ والجماعيّ..وأبرز تلك الحجب الزمان والعادة، وكلاهما منظومة إيقاعيّة تكرّريّة تعاقبيّة، مندرجة ضمن ما يسمّى " نظام الكون" في صرامته وحكمته كما أبان عنهما العقل..ولكنه نظام كونيّ عقلانيّ لا يرضي الرّوح العاشقة لما وراء الحجب، غير الراضية بإيقاع الكون الموضوع " للعامّة" أو " العقلاء"..فكان لا بدّ من هتك هذا الإيقاع الكونيّ المعطى و"الخروج" في إيقاع آخر لا يكون كما تعبّر عنه صورة المحطة والقطار والمسافرين الحائرين بين الوصول والانتظار:

" يحلّ بمحطّة لا يمرّ بها قطارْ

ولا تشهد ركّاباً حائرين بين الوصول والانتظارْ..."

هكذا يكون الخروج من إيقاع اللاّمعنى إلى إيقاع المعنى في اللازمانيّة والاستقرار..وهذا من أطرف ما يكون، لأنّ الإيقاع حركة وزمن..إلاّ أنّ الشّاعرة تقدّم لنا أنموذجا إيقاعيّا لا زمانيّا ولا حركيّا أي لا حيويّا، مفارقا لمقولات الواقع، قائما على " الصورة" والحال من حيث هما مظهران لما نسمّيه " إيقاع الأبديّة" :

"يستقرّ فيها الحبيب،حاملاً بين يديه قلبا،ً

فيغمره الشّوق يسغبُ

ومن شدّة الحب ّيلهبُ...

وهو إيقاع " مستقر" مختلف عن إيقاع الكون " المعتاد"، لأنّه " إيقاع الشّوق" أو " إيقاع شدّة الحبّ" فيحلّ الحبيب بين يديه قلب محلّ إله الخمر ببن يديه آنية الشراب والنشوة، ويصبح الزّمان الفيزيائيّ مضمحلاّ، ويبرز زمان قلبيّ داخليّ، هو إيقاع الكون الحقيقيّ في امتداده وإطلاقيته: " حاملا...يسغب..يلهب.."

 

3) إيقاع القلب:

من الومضة إلى الرّعشة..وكلّما تعدّدت الومضات تعدّدت الرّعشات..وحين ينجلي وجه الحبيب يحلّ فجر محلّ فجر، وينسخ نور نورا، وتخرج الشّاعرة القدّيسة من نظام تعاقب الليل والنّهار وانتظار الأسحار والأفجار المنقضية إلى فجر هو الأبد :

" يرتشف الفجر آخر قطرات النّدى ويغيبْ،

فالحبيب فجر يتجلّى حين يبكي البزوغ اندثار الضّياءْ..."

ويقابل الغياب الظهور، فتنطفئ أنوار العالم وتضمحلّ أمام الأنوار السماويّة السّاطعة ليتجلّى الحبيب فجرا لا يندثر.. ويتّخذ هذا التّجلّي شكلا حلوليّا ليكون له القلب مستقرّا:

" يرتاح في قلبي، يترقّب الأفق البعيد.."

وتكون الرّعشة الأولى رعشة الحياة..الحياة الحبّ أو حياة الحبّ وقد سكن القلب، فنبض هذا القلب بعد سكوت وسكون وموات..فإذا هو ينبعث وقد استعاد نبضه الأزليّ وجبلّته الأولى وإيقاعه الأوّل:

.." ثمّ ينحني، يلملم نبضات القلب ويجبلني من جديد..."

فيكون التحوّل المعجز العظيم والتّحرّر من ربقة الزّمان والمكان وملامسة السماء، ليكون الكون كله فضاء للعشق الإلهيّ المطلق..وليست السماء في هذا السياق العشقيّ الخارق سوى القلب كونا وإلها حلّ فيه، وتماهى ومن نبضه منه وله، واختار أن يحيا الأبد عشقا والعشق أبدا :

"فأغدو طائرا يحلّق عالياً، حتّى إذا ما لامس أطراف السّماء

تعشّق قلبه الحبيب واختلى في ملكها الرّحيبْ..."

 

4) إيقاع التبتّل:

أمّا وقد بلغ التّجلّي هذا المبلغ العميق الموغل في جوهر الكيان، المتّصل بحقيقة الكون باعتباره التّجلّي البصريّ للحبيب، وبحقيقة القلب وهو يجد نبضه الحقّ وإيقاعه الاصل، ويكون الفضاء الأرحب للتّجلّي الكامل، يتّخذ العشق طابعا عباديّا تبتّليّا، وتكون الدموع " الصّامتة" لغة الصّبابة والخشوع والرّهبة والدّهشة والذّهول والارتباك أمام جلال الحبّ والحبيب:

.."تهوي بصمت، كما يهوي الياسمين عند نداء الغروبْ

كما تغفو الأوراق على أكتافا لغصونْ...

أصلّي وأندهشْ...

أخشع وأرتبكْ..."

وإذا الحبّ صلاة وتأمّل وتملّ، لبلوغ أقصى تجلّي السّرّ الذي يحتاج حيوات لبلوغه..

 

4) إيقاع النّعيم:

وعلى مذهب أهل العشق تجد الشاعرة القدّيسة الجّنة في قلبها، ولا تطلبها من الغيب جزاء، فتتنعّم في لهيب العشق، وتجد في وجه الحبيب المتجلّي أبدا في قلبها بدلا عن جنّة المؤمنين غير العاشقين والفاصلين الجنّة عن مانحها لمن أحسن عملا.. ويكفيها تميّزا هنا أنّها ماهت بين الجنّة والمعبد، وجعلت القلب وقد فاض نورا ونبض حبّا واحتوى الحبيب، خير معبد وأرقى جنّة:

.."نحو حقول زاخرة بشقائق النّعمانْ،

نحو مذبح مكلّل بزهور البيلسان

تفيض منه أنهار ماء زلالْ..."

ولعلّ سيرورة التّجلّي تجد منتهاها واكتمالها حين يكون الانصهار النّهائيّ، وتكون اللحظة الخاطفة أبدا :

" نحو قلب حبيبٍ لا ينعس لا ينامْ.."

هو ذا الحبيب المتجلّي الذي هامت به روحها، وعلى مذهب "السهروردي" حلا فيه غرامها، واتّخذت عشقه دينا، فانجلى عنها ظلام العالم، ووجد السلام إلى قلبها سبيلا :

" يا مَليحاً قَد تَجلّى فيهِ أَهلُ الحَيّ هاموا..."

 

 

إيقاع التّجلّي / مادونا عسكر

 

ومضة... ومضتان... ثلاث...

ينشقّ حجاب الزّمان ويخرج الكون عن مساره المعتادْ

يحلّ في محطّة لا يمرّ بها قطارْ

ولا تشهد ركّاباً حائرين بين الوصول والانتظارْ...

يستقرّ فيها الحبيب، حاملاً بين يديه قلبا،ً

في غمرة الشّوق يسغبُ

ومن شدّة الحبّ يلهبُ...

رعشة... رعشتان... ثلاث...

يرتشف الفجر آخر قطرات النّدى ويغيبْ،

فالحبيب فجر يتجلّى حين يبكي البزوغ اندثار الضّياءْ...

يرتاح في قلبي، يترقّب الأفق البعيدْ

ثمّ ينحني، يلملم نبضات القلب ويجبلني من جديدْ

فأغدو طائراً يحلّق عالياً، حتّى إذا ما لامس أطراف السّماءْ

تعشّق قلبه الحبيب واختلى في ملكه الرّحيبْ...

دمعة... دمعتان... ثلاث...

تهوي بصمت، كما يهوي الياسمين عند نداء الغروبْ

كما تغفو الأوراق على أكتاف الغصونْ...

أصلّي وأندهشْ...

أخشع وأرتبكْ...

تمتدّ يده، وتنساب دافئةً

ترفع انحناء الوجه المتبتّل وتتملّى من ورع مهيبْ...

خطوة... خطوتان... ثلاث...

نحو حقول زاخرة بشقائق النّعمانْ،

نحو مذبح مكلّل بزهور البيلسانْ،

تفيض منه أنهار ماء زلالْ...

نحو قلب حبيبٍ لا ينعس لا ينامْ

يسهر على روحي، في ظلّه أرتاحْ...

يكفكف دموعي، يعانق ارتعاشي

يأسر نفسي في سماء تومض بلا كللْ.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2937 المصادف: 2014-09-20 00:48:16