المثقف - قراءات نقدية

النص المسرحي من المبدع إلى المبدع

يقول رولان بارت: "إن الأثر الأدبي الذي نفهم طبيعته الرمزية المطلقة وندركها ونتلقاها، نص"1. والنص بالنسبة إلى رولان بارت ليس تواجدا لمعاني وإنما هو مجاز وانتقال، لذلك لا بد أن يخضع لتفجير وتشتيت للكشف عن دلالاته المتعددة. فالنص عمل وإنتاج وممارسة. ولا يخرج النص المسرحي على ما سبق ذكره، رغم ما له من خاصيات يتفرد بها وتجعل بعض الباحثين يعتبرونه جنسا مستقلا بذاته.

ولن أتناول النص المسرحي من حيث بنائه وكيفيّات إنشائه أو ثوابته التي يقوم عليها، وإنما سأنظر في منزلة هذا النص في العمل المسرحي المتكامل.

كان النص المسرحي ومازال علامة حضارية يختزل رؤية فترة زمنية معينة وشريحة اجتماعية معينة. وبين كل فترة وأخرى وبين كل نمط اجتماعي وآخر من الوشائج والتواصل والتشابه والاختلاف والانفصال، ما بينها، ذلك أن كل اتجاه في الكتابة المسرحية له خصائص ليست إلا تطويرا وتعديلا وإضافة لما سبقها. فقد عاد مسرح عصر النهضة إلى المسرح اليوناني ليأخذ منه عناصره الأساسية وخاصة مفهوم الوحدات الثلاث ويطوعها لمتطلبات العصر. وعاد مسرح شكسبير في أنقلترا إلى المسرح اليوناني ليأخذ منه مفهوم البطل التراجيدي. وعدلت المدرسة الواقعية في القرن التاسع عشر ما توصلت إليه المدرستان السابقتان. وبما أن النص المسرحي يعتبر الموجه الرئيس للعملية المسرحية بمختلف جوانبها، فقد كان عليه أن يتحمل كل المسؤولية في وصف المناظر والشخصيات والأجواء إلخ .. ولذلك فمسرحة النص تعني تجسيده بأمانة.

وخلال هذا التطور الذي شهده المسرح ظل النص المسرحي مدار الحركة وبؤرة التجديد. إذ لا يخفى على أحد دور النص في العملية الإبداعية المسرحية المتكاملة.

يخضع النص المسرحي لعدة اعتبارات وقيود يفرضها عليه المجتمع بكل أبعاده وتفرضها عليه اللغة. لذلك يستغل كاتب النص كل ما توفره له اللغة لإيصال فكرته ولإنجاح عملية التواصل. فمؤلف النص مسكون بثلاثة هواجس: الهاجس الفكري والهاجس الجمالي والهاجس اللغوي، ومن خلالها جميعا يستطيع صياغة نص مسرحي قابل للتناغم مع سنفونية العرض المسرحي بل ويمثل اللحن الناظم لهذه السنفونية، قصد الحصول على أفضل حالات الاستجابة من المتلقي.

ويتأثر كاتب النص بإيقاعات الحياة من حوله وينعكس هذا الإيقاع على نصه فيضج النص بصخب الحياة اليومية ويهدأ بهدوئها. وينتقل هذا الإيقاع إلى عمق المكتوب ويصبح إيقاع النص ذاته. وبما أن العرض متصل بالفكرة وبالأحداث فإنه يأخذ إيقاعه من إيقاع النص. وقد اهتم بعض الباحثين العرب بالإيقاع في المسرح ومنهم "أبو الحسن سلام" 2.

ويتميز النص المسرحي بإيقاعه التصاعدي وبحرارته في طرح القضايا، وتضفي عليه الحوارية حيوية ونشاطا خاصة وأن هدفه الغوص في هموم الإنسان واستكشاف تطلعاته وطموحاته. إن النص المسرحي جنس متفرد لا لأنه سيمثل على خشبة المسرح فقط وإنما لأنه صالح للقراءة أيضا. هذا النص هو فن قائم بذاته، يسكن كاتبه أولا فيستنهض ملكاته ويستفز مدركاته العقلية والحسية ويخرج من بين أنامله لغة محملة بالدلالات مشحونة بالرموز والإيحاءات، ثم يسيطر على من يتقمصونه فتنفجر به ألسنتهم وحركاتهم وأحاسيسهم، فيطبعهم وينطبع بقدراتهم على التبليغ. وفي رأينا فالنص المسرحي كالقطعة الموسيقية التي تشحن بأحاسيس مؤلفها وتتأثر بمتصوراته الجمالية وقدراته الذهنية، ولكنها تخضع كذلك لروح مؤديها.

إن لغة النص المسرحي قريبة من لغة الحياة اليومية ولكنها تحتوي أحيانا على مواصفات لا نجدها في الخطاب اليومي لأن الكاتب يضع في اعتباره دائما الناحية الجمالية التي لا نفكر فيها كثيرا في الخطاب العادي. والنص المسرحي هو إبداع من نوع خاص لذلك لا بد من احترام قواعد هذا الإبداع ولا يكون ذلك بالتزام قواعد الكتابة الأدبية وإنما بالبحث في سبل الاقتراب من التلقائية والعفوية وحيوية الخطاب. فالحوار المبالغ في صناعته لا يستسيغه المتلقي ولا تقبله ذائقة الجمهور، ويرزح العرض تحت وطأة ثقل الخطاب وتتسع مسافة التبليغ عوض أن تتقلص. ويتطلب ذلك من الكاتب السيطرة على الشخصيات جميعا والتي تتحول بدورها إلى أبواق لأفكار مؤلفها، أو تتحول هي نفسها إلى أفكار تتحرك. يجب على الكاتب أن يراعي خاصية كل شخصية والظروف المحيطة بها. فتكون الجملة المنطوقة، جملة الشخصية وليست جملة الكاتب. وهذه المسافة بين الذات الكاتبة والشخصية يحاول كل مؤلف نص أن يحترمها. ولكن لا يستطيع كاتب النص أن ينفي ذاته عن نصه تماما. لذلك يتدخل بعض المخرجين بالحذف أو بالزيادة عند تطبيق النص على خشبة المسرح. إلا أن ذلك لا يروق أحيانا الكاتب الذي يرى أنه حمّل النص صورا بيانية تعب في تنسيقها، أو جعل الحوار بسيطا ليتماشى مع الوضعية المقترحة. وقد فعل ذلك بوعي منه وتفكير.

ولكن لا يجب في كل الأحوال أن يغيب على منشئ النص أنه يكتب نصا للعرض قبل أن يكون للقراءة. فالمخرج موكول إليه العمل على نص (أنتجه مؤلفه) فيدرسه ويخرج بتفسيرات له تتعلق بالجانب النظري وبالجانب التطبيقي أيضا، لأنه المنفذ لهذا النص وعليه أن يحوله من نص مكتوب على الورق إلى نص متحرك مفعم بالحياة، ويكتسب الحوار حيوية تنطلق بالكلمة إلى عالم جديد، هو عالم العرض الذي يستند إلى خبرة المخرج وموهبة الممثل وحسن تدريبه. خاصة إذا كان صاحب النص غير موجود أو كان النص من الموروث الإنساني. فصاحب النص يمكن أن يساعد المخرج على إنارة جوانب مما كتبه وذلك في جلسات تعقد لدراسة النص دراسة ثنائية تجمع رؤية مؤلفه ورؤية منفذه. وبذلك يكشف المخرج عن بواطن الشخصيات من خلال علاقته المباشرة مع المؤلف. ومن خلال تأثر أحدهما بالآخر يُنفّذ النص بعد أن أضيفت إليه نقاطا لم تكن موجودة أصلا.

وكانت البداية مع مدرسة ستانسلافسكي التي اعتمدت على تحليل الجوانب النفسية لكل شخصية. وقد تواصل هذا التحليل مع مخرجي المدارس الحديثة، لما له من انعكاس إيجابي على العمل المسرحي، لان المخرج سينقل ما توصل إليه من تحاليل وما فككه من رموز إلى الممثل الذي يبدأ اكتشافه للشخصية منذ أول ملامسة للنص. وكأن المخرج قد عثر على مفتاح الشخصية وهو يسلمه إلى الممثل الذي سيفتح عالم الشخصية ويسبر أغوارها.

على أن الإفراط في صناعة النص جعل النص " مرهقا بمضمونه " ومثال ذلك التجربة المسرحية التونسية في النصف الأول من القرن الماضي فقد أصبح النص المسرحي في ذلك الوقت مثقلا بالشعارات الإيديولوجية يرزح تحت وطأة البلاغة ويرجع الدكتور محمد عبازة ذلك إلى تأثير المسرح حيث قدس الغربيون النص في القرن التاسع عشر وجعلوه أساس كل عرض مسرحي3 . وفي النصف الثاني من نفس القرن أعرض الجمهور عن هذا النوع من المسرح ومل الخطابة والإيجيولوجيا. وتفطن بعض المسرحيين التونسيين إلى هذا الخلل وكان رائدهم علي بن عياد الذي عرف أن النص المسرحي هو ركيزة مهمة من ركائز الفعل المسرحي وليس عنصرا ثانويا من العناصر التي تكمل العرض. فالنص بالنسبة إليه هو خالق الإشكالية وباعث الشخصيات التي تدور حولها كل العملية المسرحية. لذلك حاول علي بن عياد إيجاد كاتب مسرحي يمكنه من نصوص تستجيب لتطلعاته ويحقق من خلالها رؤيته للمسرح. وكان لقاؤه بالكاتب الحبيب بولعراس الذي كتب له نصا بعنوان " مراد الثالث ". وقد رأى الدارسون في هذا النص ثورة في الكتابة المسرحية في ذلك الوقت. واستطاع بولعراس أن ينحت في هذا النص شخصيات قوية تتجاذبها التناقضات. في قوة بعضها ضعف وفي ضعف بعضها الآخر قوة (مثل شخصية مراد الثالث وشخصية قريبته وحبيبته فاطمة). لقد اتسم نص الحبيب بولعراس بشعرية فائقة. كما ان استلهامه للنص القرآني واضح وجلي في كثير من المواقع. وانطلق علي بن عياد من هذا النص ليصنع الحدث في المسرح في ذلك الوقت. وهنا نستنتج أن دور المؤلف يبقى أساسيا في العملية المسرحية، ولا يجب أن يقودنا ذلك إلى تقديس النص والنظر إليه بوصفه المؤثر الوحيد والمحدد للعملية المسرحية.

ومع تطور المسرح وتنوع مدارسه وتقدم تقنيات الصوت والإنارة والديكور والموسيقى والرقص والفضاء المسرحي بصفة عامة، أصبح النص المسرحي يترك بعض مسؤولياته ويتراجع لفائدة هذه العناصر الجديدة. وتخفف النص المسرحي من الثقل الذي يعاني منه، وأصبح عنصرا من عناصر العملية المسرحية له أهميته الأكيدة ولكنه ليس العنصر المهيمن كما كان سابقا.

لم يعد المخرج يطرح رؤية الكاتب بل يطرح رؤيته الخاصة ويقدم نصه الجديد الذي يتعارض أحيانا مع النص الأصلي. وبذلك نشاهد مثلا "هاملت" مختلفة عن " هاملت" شكسبير. ويستطيع المخرج المتميز بمساعدة الممثلين بلوغ النجاح بمسرحية نصها رديء، ولكن ذلك استثناء لأن النص الجيد يفتح أمام المخرج والممثلين آفاقا كبيرة للإبداع.

وهناك اتجاه على الطرف النقيض تماما يدعو إلى رفض النص المكتوب ويرى أن أفضل شكل للتواصل في المسرح هو السكوت والصمت4. وأصبحت الكلمة بالنسبة إليه صورة. وكذلك فعل بعض القائمين على المسرح في أواخر القرن العشرين أعلنوا أنهم ليسوا في حاجة إلى نص لإقامة عروضهم وذلك باستعمال تقنيات حديثة للإضاءة والديكور والموسيقى والمؤثرات الصوتية والحركات الجسمانية، التي يُمكن من خلالها الإحساس بتنامي الفعل المسرحي ويمكنها كذلك أن تحدث الأثر المرغوب في المتلقي.

هذا المتلقي يمثل آخر المبدعين في العملية المسرحية ولكنه هدف العملية الإبداعية بكاملها، رغم أن التواصل بينه وبين العمل المسرحي لا يقتصر على النص فقط. ولكن النص يحتل مساحة كبيرة من اهتمام المتلقي، ويمثل رابطا بين مبدعه ومتلقيه إذا كان النص مكتوبا وكان المتلقي قارئا، أو إذا كان النص منطوقا ومتلقيه سامعا/مشاهدا. وفي كلتا الحالتين فإن الغاية هي التواصل. ولا يتوقف هذا التواصل على ما للغة من قواعد صرفية وتركيبية وصوتية ودلالية ولا على إضافة الناطق به للإشارات وملامح الوجه وكيفيات القول، بل إن هذا التواصل هو رهين كذلك بالمتلقي فالمؤلف يصوغ خطابا يرغب في إيصاله إلى الجمهور ويمر هذا الخطاب بالمخرج ثم بالممثلين والمتلقي يعلم انه المقصود بذلك الخطاب. فيعمل على تأويله وفهم دلالاته لتحويل العلامات اللغوية إلى علامات سمعية بصرية، يتلقاها الجمهور ويتفاعل معها ويحاول فك شيفرة العرض الذي يشاهده في جميع أبعاده.

أمام الجمهور يصبح النص مشهدا متكاملا، هو ثمرة عمل فريق كامل ابتداء من الكاتب إلى المخرج إلى الممثل. وتعتبر نظرية التلقي « recepting theory »   -التي طورها " هاتز روبرت جوس "- الجمهورَ مفسرا ثانيا للنص، ويلعب دورا كبيرا في إنجاح العرض المسرحي من خلال مواقفه وردود أفعاله إزاء ما يشاهده وما يسمعه. وتعتبر ملاحظاته من بين مقاييس الحكم على العملية المسرحية بكاملها. إذ يمكن أن يقابل الجمهور مسرحية بالتصفيق وعبارات التشجيع والإعجاب أو يقابلها بالرفض والخروج من القاعة قبل انتهاء العرض.

إن مدى نجاح الكاتب المسرحي في استدراج المتلقي للانفعال بما يحمله نصه من دلالات مرتبط بمدى قدرة هذا النص على سهولة الولوج إلى عالم المبدع الثاني (المتلقي) الذي تتهيأ طبيعته وتتحفز انتظاراته لتقبل الكلمة في إطار عرض متكامل. ويحاول الكاتب تقليص المسافة التي تفصله عن المتلقي. ولكن هذه المسافة تظل نسبيا قائمة لأنها من طبيعة العمل المسرحي.

في النهاية يمكننا القول إن العمل المسرحي لا يمكنه أن يستغني عن النص حتى في حالات التمثيل الصامت فإنه يرتكز أساسا على مقول اطلع عليه الممثل وهو يحاول أن يبلغه إلى الجمهور بالإشارات أو بوسائل أخرى وذلك بمساعدة المخرج. وهذا ما يجعلنا نؤمن بأهمية هذا النص ودوره الفاعل في إيصال فكرة العمل المسرحي وسط هذا الكم الهائل من التقنيات والمؤثرات المسرحية. ولا نتصور عرضا إلا وهو قائم على فكرة ولا يمكن إيصال هذه الفكرة من مبدعها إلى الممثل أولا ثم إلى الجمهور ثانيا إلا من خلال النص.

 

د. منية عبيدي

تونس

..................

هوامش

1- رولان بارط، درس السيميولوجيا، ص 62، ترجمة عبد السلام بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب

2- أبو الحسن سلام، الحوار المتمدن، العدد 2568

3- محمد عبازة، تطور الفعل المسرحي بتونس من النشأة إلى التأسيس، ص 217

4- جوزيف شايكن مدير المسرح المفتوح بأمريكا، مجلة الأقلام، مارس 1987، بغداد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2961 المصادف: 2014-10-14 23:43:05