المثقف - قراءات نقدية

شخصيات نجم والي على محيط الدائرة

saleh alrazukفي تاريخ الرواية أدباء تركوا وراءهم رواية واحدة تختصر مجمل معاناتهم. من هؤلاء سعدي يوسف مؤلف (مثلث الدائرة). وموسى السيد مؤلف (أيام من أعوام الانتظار).

وهناك أدباء لهم صف من الروايات، على رفوف المكتبة، ولكن يرتبط اسمهم بالعمل اليتيم المشهور أو ببيضة الديك بالتعبير الشائع. من هؤلاء محمود الريماوي مؤلف (من يؤنس السيدة). وعبدالرحمن الشرقاوي مؤلف (الأرض).

لم يسمع أحد برواية الشرقاوي الثانية وهي (الفلاح) لأن لها بصمات تربوية وتعليمية تمالئ سلطة الثورة آنذاك.

و لدينا حالة ثالثة، وهي عن أدباء لهم نتاج بغاية الشهرة، ولكنه يبقى في إطار متشابه. بمعنى أن مجمل الروايات تبدو كأنها وليدة تجربة واحدة تدور وتتطور في نفس المناخ.

و إن كان ذكر الأمثلة ضرب من العبث، لأن لكل كاتب ظروفه وأسلوبه وشرطه الفني، لا يضير أن نذكر هنا سلسلة أعمال زكريا تامر المتخصص بالقصة القصيرة. إنه منذ أول كتاب له (ربيع في الرماد) وحتى آخر عمل مهم، وله وزن في تراثه الفني، وهو (النمور في اليوم العاشر)، هاجم الشكل الكلاسيكي للقصة العربية وعمل على تفتيته، ليستبدل الحكاية بجوهر المعنى وبوحدة الجو النفسي.

لقد فعل ذلك أيضا الكاتب المعروف كافكا. ونذر نفسه لعالمه الباطني وتكلم عن الكوابيس التي تنتاب إنسان الطبقة المتوسطة والموظف البسيط.

و روايته (القصر) ما هي إلا إعادة بحث عن الخبيئة النفسية الموجودة في روايته السابقة (المحاكمة). فجو الرعب وانسدال الليل والضياع وفقدان الإحساس بالمعنى والاتجاه موضوعات متكررة يعاني منها ، في كل أعماله، إنسان من خارج السياق المجتمعي. وينمو على الهامش ويتأصل في نفس- ذات نادرا ما تتعرف على شروطها المفقودة في هذه الحياة الغامضة. إنه إنسان يشارف على الفناء من جهة وعلى غروب البشرية أو موت الإنسان ( على وزن موت التاريخ والمولف) من جهة ثانية.

و أرى أن نجم والي يندرج في هذا الإطار. إنه كاتب غزير الإنتاج. ولكن يعيد النظر في تجربته ذاتها. فأبطاله وموضوعاته تسير على محيط نفس الدائرة. ولو قلبت في صفحات (بغداد مالبورو)، واحدة من أعماله المتوسطة (الوسطية هنا بالحجم وليس الطموح الفني)، ينتابك الإحساس أنك تعرف هذا الكاتب جيدا، وأن شخصيته معروفة لديك.

باختصار تستطيع أن تتصور عماذا سيتكلم، ولكن ربما لن تعلم كيف سيقارب موضوعاته.

إن التكرار سمة من سمات نجم والي. وأجزم أن أية رواية أو قصة له لا تخلو من متلازمات، هي من وجهة نظر الحالة السريرية تناذر لنفس العلل التي يعاني منها ويحملها في طوايا نفسه.. الغربة في المكان والاغتراب في الذات والخوف.

و كلها ناجمة عن عقدة أوديبية لمجتمع أبوي وأسرة لا تختلف كلاسيكيا عن بنية العائلة في أية مدينة في العالم. لها رأس واحد، هو قضيب الأب. بمعنى منابع سلطته.

إن شجرة العائلة في أعمال والي لا تساعد الإنسان على الترابط. فهي لا تعمل وفق مقاييس إنتاج إقطاعي. وتقترب أكثر فأكثر من رؤيتنا للمدينة مع أنه في كل أعماله يشير أن منبته في الأرياف.

و هذه مفارقة تستحق التأمل. أن تتكلم عن الريف بصيغة مدينة. وعوضا عن الاستغراق في وصف مشاهد الطبيعة الخلابة تستغرق في وصف علاقات عابرة مع الأرض.

حتى الحرب، وهي ثيمة أساسية في أعماله، تغض البصر عن الهدف الأساسي منها. الدفاع عن البلاد (حرفيا كل شبر من الأرض) وتتحول لوثيقة أخلاقية تدين القتل والتدمير والعنف.

لا تكتسب الأرض هنا معنى يعادل القيمة الرومنسية للشرف عند الفلاح. وتجد أن حروب نجم والي هي لتحرير النفوس من الرعب. أو في أحسن الأحوال للدفاع عن بيتك، الذي له قيمة رمزية تتساوى مع العرض (بكسر العين). كما هو الحال عند أبناء الأحياء الشعبية في المدن.

وعند العرب العرض يعني النفس. (انظر مختار الصحاح ص 426).

وعليه الحرب التي يشنها أبطاله لها أهداف خاصة ونرجسية. وتديرها غريزة الدفاع عن النفس. وليس مشاعر الواجب والتضحية في سبيل الأوطان وغير ذلك.

وهذا نفهمه في ضوء طبيعة هذه الحروب. فهي مفروضة من أعلى بتأثير من الطغيان السياسي الذي لا تجد أية وسيلة للانسجام معه أو لردعه. غير شبكة المصالح.

فهي مجزرة تخدم (الجلاد الحقيقي، جلاد البلاد) ... (الذي أرسل الجنود للمجزة البشرية) على حد تعبير الراوي ( بغداد مالبورو - ص 25-37).

و إذا لم تكن منتفعا من هذه الفوضى العسكرية، ورأيت أنك في تقاطع النيران، سينتابك الإحساس بالاغتراب. كالعامل الذي يشقى في معمل لا ينتفع منه.

فالحرب كالعمل، تحتاج أن ترتبط وظيفيا بموضوعها بالذات (كما يقول بيوتر فيدوسييف – غارودي والتحريفية المعاصرة – دار الطليعة.ص 28 ترجمة جورج طرابيشي). وإلا سيغمرك الخوف من الموت المجاني. وستحاول أن تستمر على قيد الحياة.

و لذلك كان سلمان في ( بغداد مالبورو) يفتش بدأب عن الضجيج، فهو ترياق ضد الفراغ والصمت الذي يذكره بصمت القبور (الموت – ص 46). لقد كام يفضل كل ما من شأنه أن يعني عكس الموت. كالزحام ( يوم النشور) والكلام بلا توقف (لأنه به نحمي أنفسنا كما لو كنا نعيش الأبدية – ص 46).

إن هدف العسكري العادي في هذه الحرب هو هدف عام. ويخلو من تصعيد الروح. ويكون في حدود الضرورة. ويعمل أو ينشط بمحرضات. أو بدوافع هي أقرب ما تكون لغرائز تجريدية.

و من هنا يأخذ فقدان الشعور وضياع الرشد أهميته. وضياع الرشد في هذه الروايات، إن لم يكن بواسطة الكحول، يكون بالهرب من الحاضر إلى الماضي. ونحن نعلم أن هذه وسيلة محبذة عند الإنسان العادي البسيط في لحظة المواجهة مع المصير.

و إذا كان هملت يجرد من نفسه طيفا لوالده ويناجيه ليخفف من عناء الأب الأوديبي. فالطيف عند هملت هو أناه. الأب الذي يحلم به. وليس الأب الواقعي. الرجل الذي استولى على أحضان والدته. فإن نجم والي يجرد من نفسه خيالا له ويناجيه ليشترك معه في التفكير بصوت مرتفع.

و هذه هي حالة معظم أدباء الحلقة الوسيطة الذين خلفوا رواد النهضة والتنوير.

كانت الرواية في بواكيرها تدين للآداب الأجنبية بكل ما تملك إلا رموز اللغة. أقصد المفردات. لقد كانت روايتنا في نهايات التاسع عشر ومطلع العشرين تعرّب ولا تؤلف أو تكتب.

و الروائي عبارة عن ماكينة لتمرير ونقل ثمرات الفكر الوافد في لحظات توسيعه لنطاق جدواه. وأوضح مثال معروف هو المنفلوطي الذي نقل (سيرانو دو برجراك) للعربية باسم (الشاعر). و(بول وفيرجيني) باسم (الفضيلة)، وهكذا.

لكن ابتداء من أواسط الأربعينات، ودخولنا في معركة فاصلة هي نكبة فلسطين، أصبح لزاما علينا أن نفكر بعوامل الهزيمة، وأن ننظر لمكون الذات.

و لذلك دخلت تقنية المرآة ( مرآة جان بياجيه) في أعمالنا الأدبية. وأصبحت أول مهمة للكاتب أن يبحث عن منابعه ومصادره المخصوصة. وأن ينظر لعوامل الفساد والانحراف التي تغمره.

و لو نظرت في أعمال رائد مبكر من رواد تحريرالذاكرة الفنية، وهو المرحوم عبدالسلام العجيلي، تجد أنه يداهم نفسه ليتعرف عليها. وفي (قناديل إشبيلية) أو في (الحب والنفس) ترى أنه منبهر بصوره في المرآة.

و لدى نجم والي متوازيات من هذا النوع. فهو في روايته (تل اللحم) يصنع من زوجته بديلا لأمه. ولكن يختار أن يبدأ من لحظة رضة الفطام حين ينفصل عن الثدي ويغادر أحضان المهد الدافئ.

فالرواية تبدأ من لحظة اختيار الطلاق كحل للمشكة. وأن تصبح زوجته أما للأب البديل، السلطة الفاسدة. وتتكرر مشكلة فك الارتباط عدة مرات من خلال الالتباس بالهوية. فالزوجة تتحول لحكاية ترويها جارته معالي. ومعالي تتحول بواسطة سلسلة من الإزاحات والأوهام والأحلام المخيفة إلى أخت الزوجة مرايا مسلط. وهذا هو الدليل. أن الراوي يبحث عن ذاته الموجودة في الخبيئة. وأنه دخل في متاهة من الدروب والحلول ليفتش عن مرآته. أين هي. وكيف تبدو صورته في صفحتها. وكيف هو ماضيه وحاضره. أو شكله وطواياه.

و إذا لم يذكر نجم والي في بغداد مالبورو المرآة بالحرف، ولم يعول عليها كثيرا، فقد اهتم بخيالات إسقاطه، الظل الذي يكون ألصق بالإنسان من نفسه. لقد استعمل الشخصيات التجريدية التي يتحاور معها فقط ليذكر نفسه بخبرات الماضي. ولتساعده على ترتيب أفكاره التي يتلوها أمامنا بصوت مرتفع.

و كأنه نسخة من هاملت الذي يشعر بخيانة الأسرة له. ولا يجد العزاء إلا في المناجاة.

و أرى أن سلمان ماضي البطل المشارك في الرواية يلعب نفس الدور. فهو طيف يشكله حسب ذكرياته. وكنيته وحدها تدل على علاقة مع مكونات ذهنية. لقد كان يساعده على اكتشاف مكامن الضعف ونقاط الهوان التي يخجل منها. ويريد أن يلقي تبعاتها بواسطة التحويل على شخص آخر. وكما ورد في مطلع الرواية كان سلمان (هو نوبات الحزن والشعور بالذنب التي لا يريد أن يراها ) ص 23. وكما ورد لاحقا بعد أقل من فقرة واحدة: أراد أن يكتفي بسلمان. فما حاجته ليزعج خلوته بشخص ثالث ص 23. وكأنه يريد أن يقول: إنه هو الرجل الموجود في الداخل. وهو شعوره المتجرد الذي أخذ ينفصل عنه.

هذا غير شخصية هارون والي الخيالية التي هي واحدة من بدائل الكاتب ( ص 49).

ولا أظن أن السبب هو الهروب من الرقابة، وإنما للتحلي بمزيد من الحرية في تفسير الذات كفراغ مفقود يبحث عن حقيقته.

و لا يتوقف الإبدال في حدود الشخصيات، ولكنه يتعدى ذلك (لا سيما في بغداد مالبورو) إلى نشاط النوع.. الكتابة. فالرواية ربعها سرد، وثلاثة أرباعها رسائل ومرويات (شحص يتكلم وآخر يستمع). بمعنى حكاية داخل حكاية، وهذا موجود بشكل أساسي في (تل اللحم).

و لا أجد تفسيرا لذلك غير إيمان الكاتب بضرورة تجريد مشاعره. وهو ما تحدث عنه في سلسلة من المقالات عن الديمقراطية في الأدب (انظر جريدة المدى - عمود نجم والي الأسبوعي). بحيث يكون العمل الواحد يتألف من صوت وصدى، من مروية ومونولوج، ومن مدونة وقارئ.

إنه يلح على مبدأ التدوين التفاعلي. ولكن إذا كان ذلك غير متاح في الفضاء العام، فهو ضرورة في الفضاء الخاص (في النشاط البيني – الرواية اللاحقة تعيد تدوين سابقتها وترد على التساؤلات التي كانت معلقة ولم تجد حلا). وباعتبار أن الغرائز الأساسية هي ثيمة روايات نجم والي، ستكون ألغازه معلقة دائما، فالبحث عن السعادة أو الأبدية والخلود أسئلة غامضة وتوازي بغموضها مشكلة القضاء والقدر.

و إذا كانت الحرب مع إيران وحرب الكويت وحروب الشمال مع الأكراد من الموضوعات الأثيرة على قلب نجم والي هناك لحظات غير حربية لا تخلو منها رواية. وفي المقدمة استخدام البغال في فتح ثغرة عند حقول الألغام على الجبهة الكردية. وظاهرة انتحار النخيل. هذه التفاصل برأيي أساسية في كل أعماله. وقارئ (تل اللحم) و(بغداد مالبورو) و(مكان اسمه كميت) و(ليلة ماري الأخيرة) يمر بنفس الموضوع وبنفس التفاصيل. ولكن تتبدل أسماء الأبطال وأسلوب المقاربة.

قد يلجأ الراوي للتذكر (فلاش باك) أو للمشاهدة بالعين المجردة (التوازي) أو لتداول المعلومة ( الراوي الوسيط). ومثل هذا التناص مع الذات الفنية يشمل كل أنواع التضمين المعروفة:

التناص المرسل. المتناص. والمناص (و الشكر يعود لسعيد يقطين الذي ترجم هذه المصطلحات ونقلها عن الفرنسية).

و لكن لا يضعف هذا من فنية تلك الأعمال ولا يحمّلها فوق ما تحتمل. بالعكس. كان نجم والي يعود لموضوعاته وكأنه يتعامل مع أحفورة. في كل مرة يزيل غبار النسيان والإهمال حتى نصل لأدق التفاصيل.

و إن أعماله تنضج وفق هذه الرؤية مع سلم التطور. فهو في (ليلة ماري الأخيرة) الصادرة عام 1993 يتحدث عن هذه الموضوعات بطريقة عامة تشير لندبة في القلب. وتدل على جرح بليغ ومؤرق. ولكنه في (بغداد مالبورو) الصادرة عام 2012 يتكلم عن نفس الموضوع بصفة مشارك. وكشخصية لعبت دورا في الأحداث.

لقد كان لمرور عشر أعوام فعل نرجسي بامتياز. لم ينس الروائي هذه المواقف التراجيدية التي لم توفر حتى الحيوان من مأساة الحرب الطاحنة والتي حولت البغل لشهيد حرب أو لجندي مجهول. ولكنه عاد إليها بتفاصيل أوفى.

لقد انتقل من أسلوب المذكرات لأسلوب التذكير. ورسم لنا صورة لتلك الحيوانات المسكينة وهي تحتج على بشاعة الحرب وتبعاتها. ولأول مرة أقرأ في الأدب العربي مثل هذه الاعتمادية على الحيوانات في دفع الأحداث وتمكينها بدرجة تنسى معها أسطورة إيتماتوف (وداعا يا غوليساري).

لقد شخصن إيتماتوف حصانه العجوز وصورمن خلاله شقاء الإنسان الكادح، ولكن والي رسم صور البغال لينقل معاناة الإنسان وهو بمواجهة ملاك الموت. وكيف أنه لا يستطيع أن يتفاهم مع شروط تحويل الغرائز المتعادية.

***

إن تكرار الثيمات والمواقف في أعمال نجم والي يهدف للتعرية وللتأكيد. لنفي ما يجب إثباته. وهذا يحمله لاتخاذ موقف اغترابي من زاويتين هما: الثقافة والمجتمع.

و من ذلك موقفه من اجتماعات الحزب الحاكم. فكل شخصياته تأنف من حضورها. يقول على لسان الراوي في ( بغداد مالبورو): حتى القيادة العسكرية تعلم في دخيلة نفسها أن البغال أهم من الحزب، ص 23.

وفي نفس العمل تنظر الشخصية التي تؤدي نصف الأحداث المروعة (شخصية سلمان) 24ص للمسألة وكأنها ذات علاقة بالكرامة . إنها مسألة مبدأ. شرف رجال. وتعكس نوعا من التذمر الفردي الصادر عن روح عدمية مقهورة.

لكن حتى ذلك لا يؤهل سلمان برأيي للتصعيد, مثلا أن يكون في فصيلة الصعاليك. من يحمل السيف ويغادر القبيلة ويلجأ للشعاب. علما أن جانبا منه يحمل كل خصال البيكاريسك - التشرد وأخلاق اللامنتمي بما لديه من استعداد للخروج على قانون الأسرة والقبيلة مع ميول ورغبات انتحارية.

و لو اتفقنا أن سلمان هو جزء متساقط من الذات الفنية للراوي يمكن أن نضعه في زمرة صعاليك روايات عكس نظام الإنتاج. بمعنى أنه من الصعاليك الذين ليسوا على مستوى مناسب من الوعي ولكنهم يؤدون دورا جانبيا في تعرية الموبقات وكشف الغطاء. ويعترف الراوي بذلك علنا بقوله: إنه صعلوك كسول، ص٢٣.

و بخصوص الموضوعات الأثيرة لا يمكن أن نمر مرور الكرام على الموسيقا التي تستمع لها الشخصيات. فهي أيضا تحيل لمرجعية ذوق اغترابي. فقد كان الراوي في ( بغداد مالبورو) يفضل اللبنانية فيروز على العراقي ناظم الغزالي.

يقول في هذه الرواية: نادرا ما نستمع لغير فيروز، ص ٢٤.

و في كتابه (زيارة إلى قلب العدو) يمحض شجرة الرحابنة وزنا مهما في تفسيره لقضايا الحرب والسلام.

و يبني الأحداث المفصلية لقصة الرقصة الأخيرة ( ليلة ماري الأخيرة، ص 36) على أغنية مفرق دارينا.

و في أولى رواياته (الحرب في حي الطرب) يقول الراوي نقلا عن عدنان: إنه أحس بالبرية والليل يغنيان مع فيروز ( ص 104). وكأنها تساوي معنى الحرية كشرط للوجود (كما قال سارتر).

و هذا غريب بكل المقاييس لو علمنا أنه يستمع لأنغام فيروز مع كأس عرق يدور له رأسه. ونعلم جميعا أن ألحان الرحابنة تساعد على اليقظة والانتباه ولا تخدم النسيان. ولا تعبر عن الضمير الشعبي والمحلي للعراق.

فما بالك لو علمت أن بقية الشخصيات الثانوية تفضل جون ترافولتا على الطرب العربي (بغداد مالبورو، ص31).

و أرى أن هذه ظاهرة توافق مشكلة الانزياح في المكان. أن تكون هناك بموقفك الوجودي خارج محيط الدائرة. ويمكن أن تقارن ذلك مع رواية بنات الرياض لرجاء الصانع. فقد كانت ألحان فيروز وقصائد نزار قباني تصدح في قصور بنات السعودية. وتساعد على خلق جدار عازل بين الأجيال.

إن حرب نجم والي في (بغداد مالبورو) مجرد شرط وجودي. فرض من فروض الحياة القهرية التي يعيشها أبطاله.

فهو طوال الوقت يعيش ليحترق بأوجاع هويته المركبة. إنه وجود لموجود. ولكنه بلا حضور أو نشاط. بمعنى أنه صورة من غير روح. ظرف بلا مسببات. حادث يعمل من فوق العلة المحسوسة. حتى الكتب (منبع نقطة نوره ومصدر إلهامه ووسيلة السلوان الوحيدة) هي عن حروب لا علاقة لنا بها. حروب تلعب بالشرط البشري وتتحدث عن عنفيته. إنها حروب همنغواي وريمارك. زائد محرقة النازيين كما كتب عنها قسطنطين جورجيو. ومن نافلة القول أنها علامات تربطنا بالمفهوم العبثي واللا أدري للصراع على مصير البشرية وليس من أجل التحرير بالمعنى الذي أمضى ماركيز حياته في متابعته (مثل معارك سيمون بوليفار في روايته نصف الوثائقية: الجنرال في متاهته)..

لقد كان الراوي في مجمل أعمال والي من هذا النوع اللامنتمي. والذي بالكاد يجد نقطة تمفصل أو ارتباط مع النموذج.

و يهمه أن يبدو بأيد نظيفة من شرور الحرب ويفضل أن يلعب دور مشاهد. وكأنه يطبق نصيحة بطل هنري باربوس في الجحيم. أن يشرط مسألة وجوده بحريته النفسية.

لقد كان المقاتل في كل أعمال والي غريبا عن نفسه. ينظر للأرض التي يقف عليها باعتبار أنها جثمانه. فهو ليس غير موجود. ولكنه لا يستطيع شخصنة عواطفه وأحاسيسه. وهناك حفرة عميقة بين مناظر الطبيعة المكفهرة التي يراها وبين مضمونه النفسي.

إن التكرار في أدبيات نجم والي هو خير تعبير عن أسلوبه الطبيعي (من الطبيعة – الواقعية المشروطة التي ازدهرت في فرنسا بعد مدام دو ستايل).

لقد حاول أن يكون أمينا مع الواقع السياسي لعالم محدود وتجربته عرضة للنفاذ. عالم مالتوسي ومفروض عليه أن يتعايش مع قانون الندرة. ليس في الموارد (السلع والحريات المقيدة وحسب) بل حتى في الأفكار المسموح بها. وكأنه نسخة عربية من بلزاك الذي قال عنه بوريس سوتشكوف : هو خير من أدرك التناقضات الحقيقية للاستبداد؟ (المصائر التاريخية للواقعية. ص 97 . دار الحقيقة. بيروت 1974) .

و قد ترك ذلك أثرا لا يمحى على فلسفة الأسلوب. مهما قيل عن علاقة والي بالحكائيات ومواعظ السرد وخلفياته، أرى أنه لا يعمل بالتفرع. والمتواصلة عنده ضعيفة. بمعنى أن ترتيب الأحداث لا ينضج بمناخ طبيعي. فالعلة أحيانا بلا معلول.

مع أنه يهتم بتاريخ الأحداث الجسيمة التي تعصف بنا منذ حرب الخليج الأولى، مع فلاش باك بسيط (إضاءة خفيفة ) للحظة تمفصل هامة هي التخلص من سطوة الاستعمار.

لقد رسم مشهدا مؤلما عن نتائج حروب الخليح ولم يربط الخراب والفوضى بالأسباب. واكتفى بالإشارة لمشكلة عويصة ليس لها حل: النظام وأحيانا الطغيان. وفي بعض الأوقات الحكم العسكري.

لقد كان في هذا السياق مثل فرويد، يقفز من اللاشعور إلى العصاب.

و لم يكن لا بنيويا ولا وجوديا على طريقة لاكان وسارتر الذي يفترض أنه يدين له (أقله فنيا) بالولاء.

فكل شخصياته يصلون لسارتر ويعبدون الوجودية. ولكنهم لا يفقهون شيئا عن فرويد.

و هذه مشكلة أوديبية معروفة. أن تنوي على شيء في اليقظة وتؤدي عكسه في حالة انعدام الشعور.

إنك تستسلم في فورة الاندفاع لسلطة لا تعقلها. وهي السبب الحقيقي للعصاب الذي كان من المفروض التفتيش عنه وتسميته.

و هنا كل لغز وكل موهبة الكتابة.. إنجاز الطقس بمنطقه الطقوسي الخاص.

 

تشرين الثاني 2014

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

اضاءات مهمة لأعمال كاتب مهم.
تحية لصديقي العزيز الناقد المبدع صالح الرزوق على ما القيت من ضوء على اعمال الروائي المبدع نجم والي.

عادل صالح الزبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا للمتابعة و ننتظر دراسة مفصلة عنه بقلمك.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

مقالة نقدية قيمة استهلت بروائيين عرب كبار ، ثم انتقلت بالنقد والتحليل لاعمال الروائي العراقي نجم والي ( موضوع المقالة) بلغة نقدية جديرة بالتقدير، والفائدة في آن واحد. مع الشكر الجزيل للدكتور صالح الرزوق.

صالح البياتي
This comment was minimized by the moderator on the site

كل الشكر للأستاذ القاص البياتي.

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2986 المصادف: 2014-11-08 12:54:38