المثقف - قراءات نقدية

أداء الممثل في مسرحية تراتيل ضمن المهرجان المسرحي العراقي

sarmad sarmadiيشدد هيجل على اهمية اتقان الممثل لدوره حينما يقول بأنه يتمنى ان تكون خشبة المسرح كحبل السيرك حتى لا يتجرأ من لا يتقن التمثيل على صعودها.، يدرس التمثيل بوصفه علم ثم يبدع دارسيه والمشتغلين فيه بتحويله إلى فن التمثيل، الموهبة اساس كل مهنة، وليست هي الضمان مع نقص في النظرية والتطبيق، المعرفة والخبرة، يقول سانفورد ميسنر آخر المنظرين تأثيرا في فن التمثيل المعاصر، ان احتراف الممثل يبدأ بعد ممارسته المهنة لأربعين عاما.، وقد سبقه ستانسلافسكي بالتأكيد على أهمية دراسة التمثيل كعلم مستقل، ومنذ ذاك الحين والممثل يمر بتجارب نظرية وعملية شتى، محاولا اكتشاف الطريق إلى تجسيد الشخصية الدرامية في المسرح والسينما.

يمكن القول فرضيا إن أداء الممثل في مسرحية تراتيل التي عرضت في المهرجان المسرحي العراقي الأول ضد الإرهاب بتاريخ 12-06-2015م، امتاز بالتنقل بشكل عام ما بين عدد من محاولات اتخاذ أسلوب معين للتمثيل على صعيد الأداء بما يتوافق وتباين إمكانيات الممثلين وتقنيات أدواتهم على مستوى الصوت والجسد، إلا إن هنالك ما هو ابعد أثرا على سياق العرض من مجرد الافتراض المتخذ صفة الجدلية فيما يخص العمق الذي انطلق منه هذا الاستخدام دون غيره لتلك الأداة دون غيرها من قبل الممثل، ووفق موقف معين وخط متعين مسبقا، لأن ملاحظة التباين يمكن إن تفضي إلى واقع مغاير ينح العرض باتجاه ترسيخه على مستوى التلقي، ومن ناحية أخرى يجتهد في إلغاءه.

قد لئيمكن إزاحة أداء الممثل في هذا العرض إلى مبدأ المبدع خارج إبداعه، أي من خلال مقاربة تجعل من انتهاء دور المؤدي بعد عملية تلقي الأداء انطلاقة فكرية يجلس معها الممثل مسترخيا في مقعد المتلقي مع عدم وجود حاجة لتبرير ما أفضى إليه الأداء فنيا، وذلك لأن أداء الممثل في هذا العرض كان اقرب إلى التقديم منه إلى محاولة التقمص، مما استلزم وعيا فنيا آنيا داخل العرض وخارج البروفة، ومن هنا يمكن البحث بهذا الافتراض الذي أصبح أكثر تحديدا، و لكي نتلمس طريق الصواب في سطورنا المتواضعة هذه، سيكون أسلوبنا للاستدلال بأداء الممثلين على الفرضية أعلاه، بحسب توقيت ظهورهم في هذا العرض.

من اللحظة الأولى التي يخرج فيها ممثل لشخصية ترتدي عددا من الأقنعة على جسدها، تميل يمينا ويسارا في جغرافية المكان موحية برقصة معينة لم تكن أكثر من محاولة للرقص، وتلك موجة غريبة عصفت بالعروض المسرحية العراقية منذ التسعينات..الرقص والصورة.. دونما مبرر فني، رغم التمحك بكون الجسد اتخذ من الخشبة عرشا على حساب الكلمة في المسرح العالمي، وهذا الرأي قلما يجد له دلالة في الوقت الذي تعرض فيه مسرحيات شكسبير على مسارح دول العالم سنويا، وبهذا لم تكن بداية أداء الممثل في هذه المسرحية ببعيدة عنها، أي عن تلك الموجه العاصفة، إلا إن هذه الشخصية المبهمة لحد الآن في زمن العرض الفعلي، تدور حول عدد من كتل الديكور المنتظمة هندسيا، وتقف في حركة موضعية وسط المسرح، وهو ما سيكرره اغلب الممثلين لاحقا، محاولة بذلك إن توحي برقصة ما، والحركة كانت فتح للذراعين على شكل الصلب والذهاب بعد ذلك بخطوات بطيئة إلى المكان الذي خرجت منه، وسط المسرح بالتأكيد، وكل هذه الحركة النصف دائرية مع شبه رقصة، جرت بمعزل تام عن التعامل مع الموسيقى الأوبرالية التي رافقتها، بل وعن التقنيات كافة، فبقعة الإضاءة الحمراء لم تكن محددة على ما يبدوا بشكل كاف ليستوعب ارتجالا حركيا من ممثل الشخصية للدرجة يصعب تفويت ملاحظة إظلامه بالخروج عن مساحة اللون الأحمر في الدقيقة 1:10، مع إن توقع الارتجال على مستوى الصوت والجسد لا يجعل منه ارتجالا، في الوقت الذي اتخذ ممثل الشخصية من انحناء رأسه إلى الأسفل طريقته للسير وسط منحنيات الديكور والتي بدورها لم تكن صعبة الحفظ لعين المتلقي فكيف يحاول الممثل إن يسير بينها بالصعوبة التي أدت إلى انحناء رأسه لكي يستطيع إن يرى وسط ما في طريقه على الخشبة وبوساطة بقعة إضاءة حمراء تشمل مساحة الديكور ذاته، أدت انحناءة الرأس هذه إلى تداعيات على مستوى باقي الجسد منها انحناء الظهر مع التلويح باليدين بحثا عن مطبات محتملة من الديكور، كمن يسير في الظلام، وكأن الممثل لهذه الشخصية لم يكن يرى من خلف القناع الذي ارتداه، ومع إن هذه الشخصية لم تلقي حوارا، إلا أنها كانت بداية غير موفقة على مستوى الأداء التمثيلي، فقد أوضحت كيف إن التحضير لهذا الدور لم يكن بمستوى الإعداد الفني الجاد، فهذه الدقيقتان التي قضتهما الشخصية على خشبة المسرح أعلنت بداية لتمرين الحركة رقم واحد لهذه المسرحية، وليس لعرض رئيسي نهائي لهذه المسرحية.

في الدقيقة 2:00 من هذا العرض المسرحي، وفي وسط ظلمة غير محكمة من على الخشبة، نسمع ضحكات لأثنين من الممثلين، ترتفع وتنخفض في محاولة لضبط انسجام آلي، يبشر قبل ظهورهما باللا انسجام، فهنالك ما هو واضح من إشارة على إن إحدى هذه الشخصيتان تقود الأخرى في إطلاقها لإشارة الضحك، فيكون واضحا مع ظهورهم الفعلي على الخشبة ممسكين كل منهم بفانوس يضيء منطقة الوجه في جسده فقط، يكون الأكبر عمرا الأضخم جسدا، هو الممثل صاحب الشخصية التي تقود الممثل الأقصر والأقل عمرا صاحب الشخصية الأخرى، ولهذا الفرق الواضح أثره في إثارة استغراب مبدأي مفاده ماهية لا جدوى المحاولات على صعيد الإكسسوار والأزياء وأخرها توقيت إيقاع الضحك في خلق انسجام يفضي إلى الإقرار بتماثل هاتين الشخصيتين من خلال أداء يريد منه الممثلين إن يوصلوا هذه الرسالة إلى المتلقي، لكن قد يكون الأمر أصعب مع وجود قيادة من قبل احدهم للآخر ليس على مستوى سرد الحكاية، بل على مستوى الأداء، فهنا يقود الممثل الأكبر الأصغر في توقيت الضحك قبل الظهور، وبعد إن يتم الظهور ويتخذ كل منهما جانبا المسرح يمينا ويسارا كأقصى زاوية للوقوف أسفل اليسار وأسفل اليمين ليبدأ الأداء بالحوار، يلتفت الممثل الأصغر بوجهه إلى ناحية الممثل الأكبر بحثا عن إشارة بدء الحوار أيضا، هذه اللحظة التي حلت في زمن العرض بالتوقيت 2:35، لم تكن هي محاولة تصحيح المسار الأدائي المتوقعة من بعد أداء الممثل في بداية المسرحية، بل كانت دليلا أخر على استعداد غير مكتمل النضوج، فضلا عن ذلك وفي غير موقع الممثل في بداية المسرحية على صعيد ارتداء القناع، الذي ربما لم يرى من خلاله طريقه على الخشبة، لم يختلف الأمر مع الممثلين الحاضرين من بعده، حيث انحناءة الرأس ومحاولة الرؤية لطريق سيرهم من على الخشبة واضحة جدا خاصة في الدقيقة 2:51، حيث يلتقيا وجها لوجه مما يسببه رفع الفوانيس بأيديهم كل منهم مقابل الأخر ضمن مسافة لا يتعدى 20سنتمر، من انهيار تام للرؤية بعد مواجهة ضوء الفانوس عن هذا القرب، يستمر اقتياد الممثل لزميله في مجمل الوقت الأدائي لهاتين الشخصيتين، ويكفي إن يلاحظ الممثل الأكبر عمرا ليكون من السهل توقع مستوى استجابة الممثل الأصغر عمرا، صوتا وجسدا، على الرغم من إن الممثل الأكبر عمرا لم يقدم الكثير مما يختلف عن اداء الممثل الصامت في بداية المسرحية، على الرغم ن امتلاكه لأداة الحوار، وامكانية التغلب على مصاعب الحركة في الظلام بالتغطية ولو قلي بجودة القاء هنا وهناك، الا إن هذا لم يكن ليعينه في الوقت الذي يخشى إن يقع ارضا جراء اصدامه بكتلة من الديكور، او لنسيانه لمسار حركي قد تم الأتفاق عليه مسبقا، فكان قلقا جدا مرتبكا مما احال اداء الممثل الأصغر عمرا ليكون اكثر قلقا وارتباكا، بل وانتظارا لاشارة بدء اداء تلو اخرى.

تخرج شخصية ممثل من عمق المسرح من حيث خرجت الشخصية الصامتة في بداية العرض من خلف ركام يراد به إن يجسد حفرة، في اعلى وسط الخشبة، هذه الشخصية الأن في الدقيقة 4:25، ترتدي الزي الأبيض بما يميزها عن باقي الشخصيات التي ظهرت، فالثلاثة كانوا قد ارتدوا الوانا غامقة، وتخرج شخصية الممثل بالأبيض من بين الشخصيتين الأخيرتين، متجها اول ظهوره إلى اسفل وسط الخشبة كمن يريد ان يلقي تحية، حاله حال باقي الشخصيات اول الظهور، مواجها بذلك الجمهور لأول مرة بجسد برأس مسند على ظهر منتصب، كآخر مرة يمكن ان يراه الجمهور فيها على هذه الحال، وبالفعل ما ان يستدير بجسده إلى الشخصيتان من خلفه، يكون هذا الممثل قد اتخذ اسلوب الأنحناء والنظر إلى الأسفل بين الحين والآخر للأستدلال على طريقه ما بين الديكور على الخشبة، وبعد ان بدأت الأضاءة بالأشراق على مجمل المساحة الأدائية بعدما تم استبدال اللون الأحمر بالأصفر، توقعنا ان يكون لوضوح الرؤية الآن اثر ايجابي على الأداء، مثلا تختفي علامات الخوف من التخبط ما بين الديكور، ويبدأ الظهر بالاستقامة. وتقل نظرات الأعين إلى الأسفل، الا ان الممثل الأخير لم يبارح مكانه في وسط وأسفل وسط الخشبة قرابة طول وقت أداءه، في الدقيقة 15، انتهى مشهد الممثلين الثلاثة في خلاصة حوار كان يمكن للممثل ان يجسده مونودراميا في الاوقت الذي لم يتضح صراع او تباين فكري فيما بينهم، ولا حتى فني.

عند ظهور ممثلين بدور جنديي حرب يرتديان الزي العسكري يمكن القول ان هذا المستوى من الأداء المتخبط قد انتهى، فها هنا نجد بكل وضوح ان التباين ما بين استخدام اداة الصوت واضح المعالم لدرجة ان الأستدلال به يعد مضيعة للوقت، فكل منهم يحاول جاهدا اثبات تمايزه عن الأخر الذي ارتدى ذات الزي ووقف في ذات دائرة الحدث، بشكل يوحي باتقان ناتج عن تمرين مجهد، فكلا منهما يتميز بمواصفات فيزيائية تقترب من الآخر من حيث البعد الفيسيولوجي، كل من هم شاب يجسد عمر الجند في الحروب، الا انهما تماهيا على مستوى التعبير الصوتي بشكل يوحي بدرجة من الحس الفني قد تكون انقذت هذا العرض على مستوى الأداء، فقد اتجه الممثلان في تجسيد موقفهما الدرامي إلى تصدير نمط سلوكي اعتاده المتلقي من خلال متابعة تغطية وسائل الأعلام لساحة الحرب ضد الارهاب موضوع المسرحية والمهرجان، ويمكن القول بوجود لحظات تقمص اتخذ فيها التعبير بالحوار اللاشعري صفة الشاعرية، يمكن الاستدلال على اكثر من لحظة اداء تبين كيف ان استرجاع الممثل للصور المبرمج وعيه عليها من خلال المعايشة للواقع المعروض قد جاءت منعكسة في الدور الممثل، الا ان كثرة مواجهة المهور لم توحي بهذا التواصل المتوقع ما بين الممثلين، وقد تكون هذه السمة العامة لمنحى الحركة من على الخشبة في هذا العرض، فكل ممثل يريد ان يصل صوته اكثر من فعله، في تقديس غير مبرر اطلاقا لحوار لا يمكن اعتبار الأهتمام بتصديره على حساب فن التمثيل بهذا الشكل الا محاولة للتعكز في خطابية مرت بلحظات مريرة على الممثل والمتلقي على حد سواء.

لم يختلف مع ظهور الممثلة الوحيدة في هذا العرض في الدقيقة 25 ذاك المنحى الخطابي الذي اقر بدلالة اخيرة على كون هذا العرض ينتمي إلى الأداء التقديمي على مستوى التمثيل، وان يكن قد يحسب لها تلك البلاغة التعبيرية على مستوى الصوت، الا ان الانتقال الحركي يمكن توقعه وفق وضوح خطوط سير الأداء، بالتالي لم تجد الممثلة بد الا من مراجعة خطواتها قبل الشروع، ومعها المتلقي، فعين المتلقي توقعت بشكل شبه حاسم ان تنتقل الممثلة من قطعة ديكور لأخرى في عملية انعدام تام لأفق التوقع قل نظيرها في مسارح العالم وضاق بها متلقي المسرح في العراق، ويمكن القول ان الدقيقة 28:32، فقد اصر جميع الممثلين على ان يكون وسط وسط الخشبة هو مكان انطلاق الفعل الأدائي كما وان ليست اول خطوة يخطوها الممثل هي بداية الفعل ما بعد الكواليس، لهذا كان من السهل جدا، والمرهق ايضا، ان يكون واضحا إلى اين سيتجه الممثل، بل واحيانا الأقتراب من توقع ما يمكن ان يقوله لا كشخصية ضمن هذا العرض، بل كممثل امتاز بصفات ادائية يمكن الدلالة عليها عند جميع الممثلين الأخرين في هذا العرض.

يدرس التمثيل بوصفه علم ثم يبدع دارسيه والمشتغلين فيه بتحويله إلى فن التمثيل، وابعد القول ما يمكن عن محاولة محاكاة وصف للمجاملة، قد يكون هذا العرض هو الأكثر قربا من اسلوب التمثيل المعاصر على مستوى اداء الممثل المسرحي العراقي من ضمن عروض المهرجان المذكور اعلاه، وقد يجتهد آخرون بالبحث عن بدائل في امثلة اخرى من ذات المستوى، الا ان الواقع المسرحي في العراق يفترض ومن خلال الجدل القائم حول اولويات الخطاب على فنية التمكن من نقله، كان ولم يزل مدخلا غير شرعي لسلطة النص على كل من المخرج والممثل، حتى ان التطرف البالغ السوء في اثاره الواضحة على مستوى الفن المسرحي، ينبع من ذات الرغبة الغير محمودة في تلقف تصفيق الجمهور لحوار يلقى هنا وكلمة تلقى هناك، وكأن هذا هو الهم الشاغل، ان يكون لقول المؤلف عبر الممثل المسرحي تلك المكانة الوعظية، هم ابتلي به فن الممثل طويلا في المسرح العراقي، المتوغل في تطرفه اقصى القول حينا واقصى الفعل احايين.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3210 المصادف: 2015-06-20 21:32:29