المثقف - قراءات نقدية

المواجهة الحضارية في شعر بشرى البستاني .. قصيدة (أندلسيات لجروح العراق) نموذجا (-31)

bushra albustaniتوطئة: يعد فعل الإبداع عنصرا اساسيا وأصيلا في مواجهة التحديات التي تواجه الذات، فالعمل الابداعي قوة سحرية تستطيع من خلاله الذات التخفيف من العزلة التي تنتابها، كما تستطيع من خلاله الذات الوقوف ازاء التحديات المحدقة بها ومواجهتها وصدها بما تمتلك من مقومات التأثير .

ان الشعر منذ ان ادرك الانسان او ادركه قد عمل وبفعالية سحرية وجبارة، على تفعيل مواجهة الانسان للحياة واستئناف حواره الندي معها، ودفع المعادلة المؤلِفة لإشكاليتهما باتجاه التعادل التقريبي دائما، انها موازنة كبرى من الموازنات التي اقترحتها الطبيعة لإرضاء الأطراف جميعا، وتسوية اكثر المشكلات تعقيدا وتداخلا، نحو تعميق اداء الفعل الخلاق للشعر، الذي يمنحه ذلك قدرا من الاطمئنان والسلام، ويقلل لديه حدة التوتر والقلق والإحساس بالعزلة، فمن وظائف الشعر الخطيرة منع الذات الإنسانية من التآكل والتلاشي والانسحاب الى ما دون الخط الفاصل بين المتن والهامش، أملاً في دفعها نحو استغلال المنجز الحضاري واستثماره ممولا من مصادر التمويل الابداعي المهمة التي ترفد التجربة الشـعريـة بكل ما هو اجـدّ واحدث . (1)

واذا كانت الذات الشاعرة قد انتبهت الى هذه الحقيقة منذ الأزمان البعيدة، فان الواقع الراهن يتطلب رؤية أعمق، ونظرة ابعد، فالذات في اللحظة الراهنة تواجه تحديات حضارية بآليات جديدة، ولهذا فان المواجهة القديمة القائمة على المباشرة والتقريرية لم تعد تنفع في هذه المرحلة، اذ يتوجب على فعل الابداع - في وسط التغيرات والتبدلات الاستراتيجية المعاصرة - أن يرتقي الى مستوى المواجهة، فالواقع الذي يعيشه المبدع واقع صدامات حادة تستهدف الأمم حدَّ تصفية مقوماتها وركائز هويتها، ولذلك فالأمر يتطلب منه مواجهة حضارية نوعية تكون بمستوى التحديات التي تواجهها الذات المعاصرة ؛ لأن الآخر (الغازي .. المستعمر) لم تعد تنفع معه المواجهة التقليدية التي غالبا ما تكون خطاباتها مباشرة وتقريرية، فالمبدع الذي يحرص على ان يصل الى المستوى الأمثل لا يصعب عليه قراءة الواقع بكل سياقاته وأنساقه الحضارية والثقافية، فضلا عن الأبعاد المستقبلية التي لابد من التنبؤ بها، او قراءة الواقع من خلالها بدقة، ليس قراءة السياسي، وانما قراءة المفكر المبدع الذي يكون واعيا (بوجوده الحضاري المتكون بضياء ماضيه، وسؤال مستقبله وحقيقة حاضره ايضا، واذا كانت المؤامرة الاستعمارية التي يقودها الغرب قد وصلت اليوم الى حد تقسيم الاوطان، وهدر الاستقلال، وتصفية الحقوق التاريخية المستقرة للعرب على ارضهم، فان فعل الإبداع لايتراجع منحسرا او منكفئا، لان لديه القدرة على تصعيد وتائر هذا الإبداع وتقوية تجلياته ومظاهره ليوازي قوة الهجمة وخطورة المؤامرة، وهذا لا يعني سحب المبدع الى مواجهة سطحية، يتبسط فيها الخطاب حتى تتسطح عناصره، وتتراجع اساليبه، وتتأخر دينامياته الفاعلة، وانما يتم فعل المواجهة الابداعي بالاشتغال على الجوهر الحي للكتابة العربية، وتقوية جسور الفعل بين المبدع ومتلقيه عبر استيعاب تفاصيل الحالة ودقائقها، والتعبير عنها فنيا بأساليب متقدمة، تستثمر فضاء الحرية، وتنتزع حقوق البوح، وجرأة التسمية، وتعثر على أكثر نقاط الأحداث دراماتيكية ومأساوية واستثارة، لتؤسس وعيا حادا بما يجري على هذه الأرض) . (2)

ان المبدع العربي لم يعد بعيدا عن هذا المشكل الحضاري، الذي مثّل مسارا حادا في خارطة الثقافة العربية، والذي توجب فيه على المبدعين (النظر في توجهاتهم الإبداعية، وفي انجاز رؤيات ومشروعات مجددة للحفاظ على بقاء المجتمع والأمة والإنسانية بقاء ناجعا وتقدميا، وهو يتطلب منهم ان يتخلوا عن الاستعجال والغرق في (الذاتوية) المفرطة، وتجديد الصلات بين وعيهم وابداعاتهم من جهة، وبين مستجدات حركة الحضارة الآن من جهة اخرى، على اسس رؤيوية وقيمية مناسبة تتخلق منها المشروعات الثقافية الكبرى المناسبة لتحدي البقاء المطروح علينا كأمة) . (3)

وكما يقول هيدجر أن تاريخ الكلمات هو نفسه تاريخ الوجود، فشعرنا إذن هو تاريخ وجودنا، هذا الوجود العصي الإشكالي المشتبك بالوجع والوجد والعنف والتحدي، فالأدب – والفنون عامة – هو نتاج مخاضات نعيشها ونكتوي بعذاباتها، ذلك ان الحضارة المعاصرة كذبت على الانسان كذبتها التاريخية يوم وعدته بالسعادة وفرح المصالحة مع الذات والآخر، ومع الزمن والعالم لكنها أعطته في الواقع ما لا يصدّق من العذاب والخوف والكوارث، وجعلته يعيش ألوانا من الإحباط والمكابدة فجاءت آدابه وفنونه نتيجة ذلك طافحة بالرفض والمرارة، وراحت نصوصه تستسلم أمام طوفان الهمجية القادم من ادعاءات التحرر والسعادة مرة، وتواصل المجابهة مرات وهي تحلم بحياة أكثر رأفة بالإنسان، فكأن على هذه النصوص التي ترفض الموت ان تتسم بالحيوية والحركة والتفاؤل بطاقة الإنسان المحاصرة، وهي في أكثر الأحيان تنطلق عبر ضمير المتكلم (انا) الذي يضمر في داخله كل عذاب المجموع وينبض بمكابداتهم لانه برحابة الشعر والرؤيا قادر على احتوائهم وعيش المهم والبوح بمعاناتهم في تجربة موحدة، فالمرض والجوع الانساني واحد، وجرح الانسان وذل تشرده واحد، والذعر من الصورايخ والموت واحد بكل ما ينجم عن تلك الكوارث من محن ولوعات، والمعادلة بين القاتل والمقتول مختلة، فكيف لتجربة الشاعر الداخلية ان تتشكل نصا بعيدا عن هذه النكبات ؟! . (4)

وفقا لذلك فان تجربة الشاعر بأشكالها ومراحلها المختلفة قد حظيت بأهمية كبيرة في توجيه النص وشحنه بامكانات معينة ليصبح اكثر كفاءة في خلق وضع جمالي وحضاري ضروري، يؤسس مشهده الخاص ويضخه بطاقة خصب خلاقة، تعينه على اداء وظائفه النوعية في الارتقاء بالروح وجعلها اكثر تحضرا وقابلية لادراك الآخر والتواصل معه، فالشاعر في اساس عمله الشعري انما يطمح لان يرتفع بلغته ذات الطاقة التعبيرية المكثفة الى مرحلة تحريض الآخر على الاستجابة الحضارية لفضاءاتها النصية، بما يؤمّن لها صفة العالمية (5)، وهذه الصفة العالمية (ميزة ابداعية رفيعة تنبع من المحلية، اي من ارتباط الكاتب بالمكان والثقافة التي ينبع منها، والعالمية بهذا المفهوم قيمة جوهرية يرتفع الادب بتحققها وينتشر في العالم اجمع)(6)، مما يحقق شكلا متقدما ومتطورا لتلاقح الحضارات واستراتيجية جديدة في التقائهما على أساس الإنسانية والقيم المشتركة .

ذلك ان الشاعر المعاصر إنما ينظر إلى شعره والى نفسه بوصفه صوتا من أصوات هذا الوجود، تلك الأصوات التي تتجاوب أصداؤها عبر التاريخ، في الماضي والحاضر والمستقبل، والتي تصنع بمجموعها سيمفونية الحياة، وهو من هذه الناحية يمثل حلقة من سلسلة التاريخ، لكن التاريخ الفكري والروحي للانسان لا يمكن تمثله في سلسلة من الحلقات، تسلم الواحدة منها إلى الأخرى، فالواقع ان كل حلقات الماضي تعيش وتؤثر في الحاضر، ثم ان الحاضر يؤثر في المستقبل بل يتأثر به كذلك، ان التاريخ الفكري والروحي للإنسان إنما يتمثل في شكل دوائر تتسع كل دائرة منها عن سابقتها حتى ليمكن تمثل الدوائر السابقة كلها في إطار الدائرة الأخيرة، فالشاعر المعاصر اذن ليس حلقة في سلسلة ممتدة، وانما هو يمثل الدائرة التي تضم في إطارها دوائر التراث الروحي والفكري للإنسان في الماضي . فالحياة ليست الا درامة ممتدة عبر التاريخ، طرفاها الإنسان والزمان، كما أدركوا – من خلال ذلك – انهم ورثة المأثور الإنساني كله، ورثة الحضارات بلا تفريق ولا تمييز، ما دامت هذه الحضارات هي ثمار التجربة الإنسانية الممتدة عبر التاريخ، ومن ثم عبر الشعر عن هذا المفهوم التاريخي للتجربة الإنسانية . (7)

وإذا كانت الكلمات – وفقا لما تقدم – تظل تحمل تاريخ وجودنا الى الغد ليرى الآتون ما حدث للإنسان في ظل حضارة الخطر، فان نظريات النقد الغربي التي حاولت عزل المبدع والإبداع عن معاناة الإنسان وإشكاليات حياته لم تمكث طويلا فقد داهمتها اكثر من نظرية دعت الى ضرورة قراءة النص في منظوره التاريخي والثقافي وضمن سياقات انتاجه، ذلك ان النصوص تولد عبر مخاض تحتدم فيه وقائع الحياة وأحداثها (8)، اذ يتطلب من الناقد عدم دراستها معزولة عن كل المؤثرات والسياقات التي مهدت لكتابة العمل الابداعي، فـ(الاديب عندما يعبر عن أفكاره ومشاعره، فانه لا يعبر عن تلك الأفكار والمشاعر في عزلة عن الواقع الاجتماعي المحيط به) (9)، فالنص الأدبي هو نص مرتبط ارتباطا وثيقا باللحظة وُلد فيها وفي المكان الذي اُنتج فيه .

والقصيدة التي نحن بصددها (أندلسيات لجروح العراق) للشاعرة بشرى البستاني (10)، تمثل أنموذجا للشعر الذي يرتبط باللحظة الراهنة التي تعيشها الذات وهي تواجه عدوانا همجيا على بلدها العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، فإن هذه اللحظة مشتبكة بالتاريح وأحداثه ووقائعه وصراعاته، إذ لا يمكن لأية لحظة حاضرة أن تنهض فارغة من مضامينها الزمنية، فهذا العدوان انتهى باحتلال العراق واستباحة ارضه وحرمته وكل ما يتصل به من ارث حضاري وثقافي ممتد لالاف السنين، ان هذه اللحظة المأساوية شكلت منعطفا خطيرا في مسار الإنسان العربي والعراقي على وجه الخصوص، ومهما ادعى الغازي من اهداف سامية ومبادئ نبيلة جاء لكي يحققها، فان العدوان يبقى في صفحة الاحتلال الغاشم الذي جاء ليُكملَ سلسلة نزع صرح الحرية من ابناء هذا البلد الذي قُدر له ان يبقى بعيدا عن الأمن وعن كل ما يشعره بالإنسانية والحرية وان يبقى أسير العبوديات التي اكتملت دائرتها بالغزو والاحتلال، واذا كانت الشعارات التي رفعها المحتل من ان الدكتاتورية والظلم الذي حلّ بهذا البلد هو ما دفعه لإعلان الحرب على العراق، فان الواقع على الأرض اظهر خلاف ذلك تماما .

واذا كان (استلهام الروح واستبطان الحوادث من خلال موقف او حدث معيش هو ما يصبو اليه الشاعر ويشغله) (11)، فان قصيدة الشاعرة بشرى البستاني جاءت فاضحة للمشروع الامريكي ومعرّية لكل الاهداف التي رفعها هذا المشروع، محاولة معالجة هذه القضايا عبر رؤية شعرية حضارية، ومن خلال استجلاء الإرث الحضاري الذي تمتلكه الذات وهي تواجه هذا العدوان الهمجي، ساعية الى إعلاء القيم والمبادئ الحضارية التي تشكل المرتكز الأعلى التي تتكئ عليه الذات في محنتها المعاصرة وهي تسعى لان تصنع قدرها الحضاري المعاصر .

تتكون القصيدة من ثلاثين مقطعا موزعا على ثلاثين صفحة من القطع الصغير، وبناء القصيدة المقطعي أعطى الشاعرة فرصة لتصوير التجربة التي تعيشها الذات لحظة الاحتلال الأمريكي للعراق أي في عام 2003م، فعملية التقطيع الشعري - المتمثلة في تقطيع الشاعر لقصيدته الى مجموعة من المقاطع والفقرات – إنما يأتي وفقا لدلالات يلجأ اليها الشاعر، بحيث يجعل كل مقطع صورة معبرة عن دلالة معينة توحيها لبنيات النص ووحداته، فالتقطيع وفقا لذلك لا يأتي اعتباطا وإنما يأتي بشكل تفرضه سياقات القصيدة لدلالات متعددة يجمعها موضوع القصيدة ذاتها .

وقد نشرت الشاعرة قصيدتها هذه مع مجموعة من القصائد التي كتبت في سنوات متفاوتة قبل الاحتلال وبعده، إلا أن المجموعة أخذت اسمها من اسم القصيدة التي نحن بصدد تحليلها (أندلسيات لجروح العراق)، جاءت دراستنا لهذه القصيدة على محاور عدة، أولها: محور العتبة النصية (عنوان القصيدة)، اما ثانيها وثالثها فقد كان دراسة للمتن الشعري من خلال جانبين، الأول - وهو ما مثل المحور الثاني-: الآخر في مواجهة الانا الحضارية، اما المحور الثالث فقد كان موضوعه حول: الانا الحضارية ومواجهة الآخر .

 

اولاَ / العتبة النصية (العنوان):

يشكل العنوان عنصرا بارزا من عناصر القصيدة المعاصرة كما يُعد مرتكزا دلاليا ينبئ المتلقيَ بما ستؤول اليه مجريات القصيدة، وبالقدر نفسه فان العنوان عتبة أولى لقراءة اي نص إبداعي، الا انه في العمل الشعري يأخذ بعدا أعمق ودلالة اوسع ونظرة ابعد مما يجعل الناقد ينظر الى العنوان على انه مجال تأويلي بدرجة عالية، يتيح لمن يحلل النص الشعري ان يغوص في دلالات بنية العنوان لكي يتمكن من الكشف عن مجريات القصيدة .

ان العنوان بفاعليته الدلالية ليس عملا معزولا عن نصه، انما هو دلالة منتزعة من صميمه (12) يستطيع (ان يوحي بتفكيك النص من اجل تركيبه عبر استكناه بنياته الدلالية والرمزية، وان يضيء لنا في بداية الأمر ما أشكل من النص وغمض، هو مفتاح تقني يجس به السيميولوجي نبض النص وتجاعيده وترسانته البنيوية وتضاريسه التركيبية على المستويين: الدلالي والرمزي) (13) .

يقول الدكتور جميل حمداوي (ان العنوان بنية رحمية تولد معظم دلالات النص، فإذا كان النص هو المولود، فان العنوان هو المولد الفعلي لتشابكات النص بأبعاده الفكرية والايدلوجية .)(14)ولهذا فقد عُدّ العنوان منطقة تأويلية يمثل موجها يقف بين الدخول الى عالم النص وبين المتلقي، ولا يمكن تصور نص شعري بمعزل عن العنوان، ولهذا رأى امبرتو ايكو ان احدا لن يستطيع الافلات من ايحاءات العنوان التي يولدها(15)، ذلك ان العنوان هو الذي يشرف على النص لا ليضيء ما يعتم منه فحسب، بل ليوجه القراءة كلها، فالعنوان في اعتلائه صهوة النص يسمح بنشر النور اللازم لتتبع الدلالات الحافة للنص (16)، فهو بانتاجيته الدلالية يؤسس سياقا دلاليا يهيئ المستقبِل لتلقي العمل(17)، إنه (شبكة دلالية يفتتح بها النص ويؤسس لنقطة الانطلاق الطبيعية فيه)(18)، ليكتسب النص الشعري بعد ذلك فاعليته بالعنوان، وليمارس ضغوطه على المتلقي، وبه ومن خلاله تتأسس فاعلية المتلقي . (19)

ولأهمية العنوان ودوره في توجيه النص فقد صار لزاما على الشاعر المعاصر ان يدرك هذه الاهمية، وان يعي هذا الدور الاستثنائي في لعبة العنونة وتجلياتها الضاغطة على جسد المتن ويدرك خطورة وضعها على رأس النص، فيتفكر ويتأمل ويجتهد ويجرّب وينصت مليا للإيقاع الخفي المنبعث من أعماق تجربة النص والغمر لفضاء التجربة كلها، حتى يصل الى مرحلة اكتشاف عنوانه بحيث يرتكن إليه نهائيا ويطمئن الى قوته وكفاءته وسلامته اللسانية والتعبيرية والدلالية، ليستحيل العنوان على هذا الأساس اختزالا نصيا مقننا ومبرمجا على وفق آلية معينة يلتئم على أعلى الهرم النصي وينهض بوظائف شكلية وجمالية ودلالية . (20)

اذن نحن ازاء العنوان نكون امام بنية لها اثرها الخطير والدقيق في تحليل القصيدة، لاسيما ونحن نقرأ قصيدة لشاعرة ناقدة تعرف آليات حبك النص واهمية عنونته، كما تعرف تقنيات العنونة واستراتيجياتها، فنجاح الشاعر (اي اكتمال بنائه الفني لقصيدته، اثر من آثار سيطرته على الخلق الشعري السليم، وهو اختفاء الشاعر وراء قصيدته بما فيها من عوامل فنية، هي التي تثيرنا وتبعث فينا الأحاسيس التي ينشدها)(21)، لذا فاننا ازاء نص اتقنت شاعرته بناءه بشكل واضح، والكشف والتحليل لهذا النص لابد له من قراءة دقيقة وتأملات واسعة للتعرف على تداخلاته النصية وستراتيجيات الغياب التي تخللت مجريات القصيدة والكشف عن انساقها الحضارية التي نحن بصدد دراستها والوقوف عليها .

قبل ان نلج في تحليل عنوان القصيدة (اندلسيات لجروح العراق)، علينا ان نعلم ان هذا العنوان هو نفسه عنوان لمجموعة الشاعرة التي تحوي قصائد عدة، وهذه طريقة من طرائق اختيار العنوان التي لا تجري اعتباطا، بل هي تتم عبر اشتراطات يتضمنها عنوان النص المختار ليكون ثُريا للمجموعة، ومن أولى هذه الاشتراطات علاقته بفضاء نصوص المجموعة الكلي، وهذه العلاقة تمتد ما بين التيارات الدلالية الموازية مؤتلفة أو مشاكسة أو مُغرية أو مغوية استفزازية وحتى تضليلية من أجل إثراء عملية القراءة وتعددها، واذا ما علمنا ان القصيدة في أساسها تدور في أطر الحديث عن مأساة العراق لحظة احتلاله من قبل الجيش الامريكي، اي في عام 2003م، فان ذلك لا يعني ان بقية القصائد قد كتبت في السنة نفسها، اذ ان بعض القصائد قد أُرخت قبل هذا التاريخ بسنة او سنتين، واذا ما حاولنا ان نتفحص عناوين قصائد المجموعة فاننا سنجد ان المضمون تقريبا كان يحوم حول جروح الشاعرة، جروح العراق، الوطن العربي وفي البؤرة فلسطين والقدس، وأحزان بلقيس الضارية في اليمن والممتد صداها نحو سواحل الابيض المتوسط، ولاسيما أن جروح العراق لم تبدأ بتاريخ الاحتلال بقدر ما كان الاحتلال هو لحظة الذروة في هذه الجروح التي بلغتها الشاعرة وهي تكتب قصائدها، اذ جاءت عناوين القصائد الاخرى على هذا النحو (بغداد، ما روته دجلة للبحر، صواريخ آخر الليل، مائدة الخمر تدور، احزان بلقيس، غرق لؤلؤة التاج، جروح الارض، النخيل، البيت، الزمن، الريح، الصحراء، رقصة، غناء، صمت، الحديقة، دوار، الليل، وتبقى تفر الظلال)، واذا كانت بعض القصائد تبدو رومانسية للوهلة الاولى الا انها كانت تحاكي آلام الشاعرة وجروحها التي تماهت مع جروح العراق، لتصنع الشاعرة من هذا التماهي معادلة شاعرية يكون المتكلم فيها الذات، والمضمون هو العراق، ولهذا جاءت قصيدة (اندلسيات لجروح العراق) في اعلى هرم القصائد، لتؤكد مقصودية الشاعرة ولتعطي الاولوية لهذه القصيدة لكونها القصيدة التي تتحدث عن لحظة الذروة التي بلغتها ذات الشاعرة وهي تواجه المحنة المعاصرة المتمثلة بالاحتلال لتؤكد بشكل او بآخر لحظة الانكسار التي تمر بها الذات، (ان عملية انتخاب عنوان احدى القصائد عنوانا للمجموعة يعكس تصورا لقيمة هذا العنوان وخصبه ومرونته التشكيلية والتعبيرية، وقدرته على تمثيل العنوانات الاخرى واستيعاب معطياتها السيميائية على نحو ما)(22)، ذلك (أن القصيدة داخل الديوان عبارة عن بنية دلالية مكتملة، لكن هذا الاكتمال لا يمنع أنها مهيأة للدخول في بنية دلالية اكبر تخص الديوان، هنا يمثل عنوان القصيدة علامة على اكتمالها دلاليا، اما عنوان الديوان فعلامة على تلك البنية الاكبر التي تنتظم فيها البنيات الدلالية للقصائد كافة، ومن ثم لابد ان يخترق عنوان الديوان القصائد كافة ليتمكن من رد اختلاف عناوينها إليه بتعبير آخر ان عنوان الديوان يتردد بهذا الشكل او ذاك، داخل جميع القصائد، الأمر الذي يخلق نواة أولية للبنية الدلالية الأكبر)(23)، فالشاعر حين يختار عنوان إحدى القصائد لتكون اسما لديوانه فان في ذلك دلالة على ان هذا العنوان قادر على احتواء تلك المهيمنات(24)، لاسيما اذا علمنا ان قصيدة شاعرتنا هي الأولى من حيث ترتيب المجموعة .

يتكون عنوان القصيدة تركيبيا من حرف وثلاث كلمات (اندلسيات . اللام . جروح . العراق)، واذا ما حاولنا تحليل العنوان على مستوى البنية التركيبية فاننا نلاحظ ان الشاعرة قد ابتدأت عنوان قصيدتها بخبر مبتدؤه محذوف تقديره (هذه) وحذف المبتدأ له دلالات لغوية تتسق مع الإيجاز اللغوي الذي تسعى اللغة اليه دائما، فـ(غالبا ما تنزع اللغة في استعمالاتها الى الاقتصاد، لتضيف قوة تدليلية الى العلامة المائزة بالحضور، وبذلك فحذف "المبتدأ" (هي او هذه) من تركيب العنوان يمنح المسند ... قوة ليس على صعيد الدلالة فحسب، وإنما أيضا على مستوى التلاعب بالبنى النحوية للغة، واستثمار ما يتيحه النظام النحوي من إمكانيات البنية، تضفي خصوصية على البناء الشعري)(25)، يضاف الى ذلك ان هذا الخبر (أندلسيات) قد جاء نكرة، والاسم النكرة يتيح لنا قراءته بأوجه متعددة بقدر ما يجعلنا أمام تخمينات متعددة وتأويلات كثيرة يتيحها انفتاح أفق النكرة على الشمول دون التحديد، وهذا بدوره يساعدنا في النظر الى القصيدة بانفتاح أكثر، أما مفردة جروح فقد جاءت مجرورة بحرف اللام، وهذا الحرف ينفتح على دلالات عدة منها التملك او شبه التملك بمعنى ان مجرورها يملك مجازا لا حقيقة، وتسمى اللام هنا لام الاستحقاق او لام الاختصاص كما يقرر النحويـون (26)، وكأن الشاعرة أرادت ان تقول ان هذه اندلسيات مختصة للعراق وهو في حالته مجروحا فحسب لاسيما وان مفردة جروح (النكرة) قد أضيفت إلى مفردة العراق (المعرفة) فاستحالت مفردتا العراق والجروح مضافا ومضافا إليه في حالة واحدة معا لا ينفصلان وكأنهما في كتلة واحدة، (فإذا أضفت اسما إلى اسم مثله مفرد او مضاف، صار الثاني من تمام الأول وصار جميعا اسما واحدا وانجر الآخر بإضافة الأول إليه) (27)، ومن ثم تكتسب مفردة (جروح) المعرفة من مفردة (العراق) وكأن العراق أصبح لا يعرف الا ومفردة الجروح ملتصقة به .

وهذا الشيء ينقلنا الى معالجة العنوان على المستوى الدلالي، اذ اننا ازاء مشهد منفتح زمانيا على المستوى الحضاري/ التاريخي الممتد لآلاف السنين(العراق)، او مئات السنين(الأندلس)، او مكانيا على المستوى الجغرافي (العراق/ الأندلس)، وتتوسط بينهما مفردة (جروح) المضافة الى العراق:

الاندلس _____ جروح ______ العراق

ومثلما مر سابقا فان القصيدة ابتدأت بنكرة وهذا يتيح لنا مجالا ارحب للتأويل، ولكن ما دلالة هذه المفردة اذ جاءت نكرة اولا، وما دلالتها اذ وردت بصيغة جمع المؤنث السالم ثانيا ؟

ان مفردة الأندلس وما حوت من حمولات حضارية مثقلة تجعلنا ننظر اليها على انها اندلسيات وليست أندلسا واحدة، فهنالك اندلس الطوائف التي استحالت الى دويلات متعددة وممزقة، وهنالك أندلس الانكسارات المؤلمة التي فُجعت الأمة الإسلامية آنذاك بكثرة المآسي التي نزلت عليها لحظة سقوطها، وهنالك اندلس الحضارة والثقافة التي أعادت للأمة العربية الإسلامية أمجاد الحضارات التي نشأت في البقاع العربية، ليس هذا فحسب بل هي الأندلس التي نقلت للغرب المظلم سبل التنور والتطور لتصبح الأندلس صانعة (حضارات)، وهنالك ايضا اندلس الفجيعة والحزن والبكاء والمرثيات التي ما فتئ العرب والمسلمون يرثون ماضيهم بالاندلس، واذا كانت مفردة الاندلس قد جاءت بصيغة الجمع وان العراق جاء بصيغة المفرد، وان العنوان ما هو الا معادلة متوازنة بين الاندلس والعراق، فان المعادلة تكتمل حين نعلم ان الاندلسيات ستتكثف جميعها في مفردة العراق ليستحيل العراق وجها آخر للاندلس بصورها المتعددة آنفة الذكر، اذن سنكون مع مفردة العراق ازاء أندلسيات كثيرة وليست اندلسا واحدة، وكأننا ازاء شاعرة تتنبأ بما ستؤول اليه مجريات الامور بعد الحرب، من قضية الطوائف (الطائفية) والدويلات الاندلسية(الاقاليم)، الى الانكسارات التي ستتعرض لها الدول العربية، ومن مراثي الاندلسيات الى مراثي العراق، واذا كانت الاندلس هي الجسر الثقافي الذي نقل للغرب الثقافة والحضارة العربية والإسلامية، فان العراق لم يكن ذلك الجسر فحسب بل كان صانع الحضارة ومهدها الذي علم العالم ماهية التحضر وعنفوان المعارف والابتكار، اذن نحن ازاء معادلة دقيقة تجريها الشاعرة بين اندلس الامس واندلس اليوم(العراق) . ولا يفوتنا أن نذكر هنا ما للموشحات الأندلسية التي تغنت بحضارة العرب في الأندلس زهوا وافتتانا، بمجالس الأنس والحب والفتنة، وما تخللها من شعر وغناء وموسيقى وفنون شتى تتحول اليوم إلى فقدان ومراثٍ وانكسارات، وكأن النص (يهدهد جروح العراق النازفة بتلك المشاهد الرائقة وهي تتخفى حلما وأطياف جمال وبهجة تعِدُ تلميحاً بعودِ المستحيل الممكن، إنها المفارقة التاريخية التي تحول الفرح لنقيضه وعنفوان الحضارة لجروح وانكسار، وليالي الأمن والأنس لظلام من الذعر والموت، وهو التناقض التاريخي المشتبك بين حاضر وماضٍ يجتمعان ويفترقان في تشكيل نصي واحد يطرح مشاهد الجروح القاتمة بالوجع والمكابدة ومعها ألغام دلالية عارمة بامكانية الخلاص وهو يتبدى من خلال إشارات الديمومة وومضات الأمل الخاطفة) . (28)

وهذا يجعلنا نقف عند بنية الزمان والمكان في عنوان المتن الشعري وكيف تمددت الى متن القصيدة فيما بعد، اذ يتميز نص الشاعرة البستاني فيان الزمان والمكان انما يردان في تماهٍ مزدوج في ثنايا قصيدتها، بمعنى ان الازمنة المتعددة ترد متماهية مع بعضها بعضا وترد ايضا متماهية مع المكان، فالزمن الماضي والحاضر والمستقبل نجده في القصيدة متماهياً بعضه مع بعض، يتكسر الزمن ويلتف على بعضه، بالاسترجاع والتناص مرة، والوقوف عند الحاضر مرات، وهذا ما يظهر لنا في بنية العنوان فالاندلس تتلاقى مع العراق وحضارات العراق بازمانها المتعددة متمثلة بـ(العراق)، هي في تلاقٍ مع الحضارة العربية والاسلامية متمثلة بـ(الاندلس)، وهذا ما يتضح جليا في متن القصيدة أيضا، فنبوخذنصّرُ الملك العراقي القديم جنبا إلى جنب مع خلفاء بني العباس، والمتنبي وابو تمام والسياب في سياق واحد، وهولاكو الذي احتل بغداد قديما وسعى الى تدمير القيم الحضارية ها هو يعود ثانية ليحتل بغداد على ظهر البارجة الامريكية (ثانية يقطع هولاكو شريان الحبر الاسود)(29)، فاللحظة الشعرية لا يحدها زمن معين لانها لحظة امتزجت بالذات الشاعرة التي تحاول أن تواجه الاجتياح العدواني بالهيمنة على الزمن فتلعب به، تقرب بعيده وتدمج ماضيه بحاضره، لتستحيل هذه الذات الى ملتقى لاوجه ازمنة متعددة تجمعها بؤرة الذات التي تحاول استدعاء سياقات هذه الازمنة من خلال لحظة واحدة هي اللحظة الشعرية التي تتوحد عبر قدرتها الازمنة، ذلك ان اللحظة الشعرية عند الشاعر هي (لحظة مركبة، تحرك، تدل، تدعو، تؤاسي – فهي مدهشة وأليفة … هي جوهريا، علاقة تناغمية بين متضادين، فهناك دائما شيء في العقل في لحظة الشاعر المبثوثة بالانفعال وهناك دائما شيء من الانفعال المشبوب في رفضه العقلاني) (30) ان الشاعرة وهي في استدعائها تمظهرات متعددة ومختلفة زمانا ومكانا إنما تعبر عن حالة من المعاناة التي تجتاح الذات لحظة الحدث الكبير الذي تمر فيه، وبالقدر نفسه هي تسعى الى ان تخفف من وطأة الفاجعة ولذا فهي تمد يداً الى اعماق حضارة هذا البلد من خلال الاسترجاع لتستقوي نفسيا وحضاريا بكل ما يمدها بالثقة والامل والتفاؤل خلاصا من بؤس اللحظة الحاضرة التي ترهقها، ولهذا فالرجوع الى الزمن عبر التذكر او الاستقواء او الاعتبار له من القوة ما يجعل الذات تتجاوز أزماتها النفسية، ولهذا فالشاعرة بشرى البستاني سعت الى إعطاء الزمن قوة حضارية مليئة بالثقة والعزة، ما يجعل زمنها يتجمع في بؤرة الذات معلنا توحده عبر تمظهرات الحضارة العراقية باوجهها المتعددة، متجاوزة هذه الذات الزمنَ الرياضي ومستعيضة عنه بزمن آخر نستطيع تسميته بالزمن الحضاري .

اما المكان فيرد متماهيا مع بعضه من الامكنة المتعددة والمتباعدة المسافات، وهذا يظهر منذ العنوان، اذ نرى الشاعرة قد جمعت العراق مع الاندلس، وهو ما نراه في متن القصيدة ايضا، فبغداد بجنب آشور، وسمرقند وغرناطة تجمعهما بغداد، وفلسطين مع الأندلس، وغرناطة في سياق واحد مع البصرة وذي قار وسومر وبابل، والقدس مع الموصل(31)، وصخر القدس يتدحرج فوق مآذن بغداد(32)، ونهران يدوران على جيد البستان يصلان بغداد بعكا(33)، فاهمية البنية المكانية تبدو واضحة في اغلب مقاطع القصيدة مشكلة انساقا بنائية للمتن الشعري ككل، ومشيرة لازدهارات وانتكاسات معا، واذا علمنا ان تجمع هذه الأمكنة المتعددة والمتباعدة ما هو الا رؤية داخلية خاصة للذات الشعرية، فان الذات في حقيقة الأمر تسعى الى ان تتجه من الخارج الى الداخل (فتصبح أعماق الذات، بكل ما تنطوي عليه من رؤى وأشواق وعذابات أيضا، فردوسا داخليا موازيا لجحيم الخارج، جحيم القهر والخوف ورعب الاقتلاع من الجذور)(34)، مع ملاحظة أن اتجاه هذه الذات الشاعرة هو ليس اتجاها سلبيا او اتجاها يوتيوبيا، وانما هو محاولة لتشكيل بُعد مكاني تجمعه لحظة حضارية واحدة، بمعنى ان الشاعرة وهي في قمة معاناتها ازاء لحظة انهيار الواقع المكاني الآني الخارجي، فاننا نراها مشدودة في الداخل لتشكيل بُعد (نفسي) حضاري متماسك وقادر على مجابهة القهر الغازي وليس بُعدا نفسيا مقهورا بما يجري الآن فحسب، وتلك وظيفة الفن القادر على تجاوز المحن بالاسترجاع والحلم معا، إذ يعمل على بناء ما هشمته الأزمة من خلال التحويل والاستبدال .

وهذا البعد الحضاري للبنية المكانية في المتن البستاني انما يقوم على استدعاء جدلي يستحيل المكان من خلاله الى (هوية تاريخية ووطنية، وان يحمل طموحات الأديب الثقافية ؛ بان يجعله أمام امتحان ثـقافي مع العصر، وان يتحول – لدى الأديب – الفعل في المكان فعلاً في البحث عن الشخصية المستقبلية والمتطلعة إلى الواقع)(35) ذلك ان المكان أكثر من سواه يثير إحساسا ما بالمواطنة(36)، لأنه الحيز الذي يضم الفعل الإنساني وما يؤازره من عناء ومكابدات وفرح، وهذا ما نراه في منحى الشاعرة بشرى البستاني وهي تجري عملية استرجاع للمكان الحضاري في امتداداته التاريخية ودمجه مع بعضه بعضا لتستخرج لنا لوحة حضارية تشتبك فيها الأمكنة المختلفة والأزمنة المتعددة في نقطة التقاء الذات، وهذا ما يجعلنا نقول ان البنية الزمكانية منذ العنوان قد انصهرت في الذات لتستحيل هذه الذات الى مصهر كبير تتوحد داخلها (عناصر المكان وأبعاد الزمان مشكلة وحدة الداخل والخارج)(37)، الداخل الذاتوي بكل ما حمل من آلام وعذابات، والخارج بكل ما يحدث من مآسٍ وجراحات .

نستطيع ان نقول – بعد ذلك – تتميما لتحليلنا بنية العنوان ان المتأمل للعنوان يقرأه في شكل اولي على ان الشاعرة تسعى الى تقديم بلسم من نوع خاص لتضميد جروح العراق، الا ان القراءة الدقيقة ترى ان هناك مفارقة في القصيدة جاءت بقصد او من دون قصد، حاولت الشاعرة من خلالها استحضار تجربة الاندلس بحمولاتها الثقيلة وجراحاتها العميقة ووضعها ازاء ما حدث في فاجعة العراق وهو يواجه غزوا حضاريا وعسكريا شرسا، وكأنما ارادت ان تستدعي كل ما اثقل الاندلس من حمولات لتضعها في معادلة حرجة مع العراق وهو يواجه جراحاته، بل وهو يواجه صفحة جديدة من صفحات الاندلس السوداء ... العنصرية .. الاقليمية .. الخلاف على السلطة والطمع في الحكم .. الغرق في الفساد .. زمن الدويلات الاندلسية، فالشاعرة تضعنا منذ عنوانها امام تحذير حضاري خطير ومحاولة في التنبؤ بما ستؤول اليه الامور والتأكيد على ان قابليات السقوط الحضاري والسياسي والعسكري ومقدمات كل ذلك مما عاشته الاندلس قد بدأت بوادره في العراق الذي يشكل العمق الحضاري والتاريخي للامة العربية والاسلامية، لاسيما اذا علمنا ان قراءة دقيقة للتاريخ الأندلسي تجعلنا على بصيرة من قراءة الحاضر وإدانته بما يحقق الوعي الحضاري المرتجى ونحن نواجه التحديات الراهنة والمواجهة الفعلية مع الآخر، وهذا ما أفصح عنه متن القصيدة الذي سنتناوله بالتحليل فيما يأتي .

 

الدكتور رائد فؤاد طالب الرديني

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3227 المصادف: 2015-07-07 11:05:51


Share on Myspace