المثقف - قراءات نقدية

المواجهة الحضارية في شعر بشرى البستاني .. قصيدة (أندلسيات لجروح العراق) نموذجا (2-3)

bushra albustaniثانياً: الآخر في مواجهة الأنا الحضارية: يشكل الآخر مرتكزا دلاليا في قصيدة الشاعرة بشرى البستاني، اذ ان المواجهة ايا كان نوع المواجهة لابد لها من وجود قطبين احدهما (الآخر) يكون في مواجهة مع (الانا)، فالأنا مرتبطة ارتباطا ثنائيا مع الآخر، فـ(الشرط الرئيس الذي لابد منه لكي يوجد آخر حتى ولو لم يكن الشرط الوحيد هو وجود انا)(38)، فالآخر في ابسط صوره هو مثيل او نقيض (الذات) او (الانا)(39)، ولهذا فان (الآخر) جاءت أهميته في الفلسفات الغربية من جوهريته الأساسية في تكوين الذات وتحديد الهوية، وكذلك من اسهامه في تأسيس وتوجيه المنطلق الذاتي الشخصي والقومي والثقافي، فالآخر بالنسبة الى سارتر – مثلا – عامل فاعل في تكوين الذات، اذ يرى سارتر ان وعي الذات الوجودي يتأسس تحت تحديق الآخر، لكن الآخر ليس آخرا خيرا، بل ينطوي على عداء يدمر إنسانيتنا، لأنه يعلق الكينونة او الوجود بطريقة جبرية وغير مستقلة بين لحظتي (ما كان) و (ما سيأتي)، ولهذا نظر فوكو إلى الآخر على انه جوهري لكينونة الخطاب، فنحن لا نعرف الحاضر دون الماضي، ولا نعرف الذات دون الآخر . (40)

وقد سعت الشاعرة بشرى البستاني الى قراءة هذا الآخر من خلال مواجهته مع الذات (الانا)، اذ حاولت تعرية الآخر ماديا وقراءته حضاريا عبر رؤية الأنا الحضارية التي تشكل ندا لهذا الآخر .

تفتتح الشاعرة قصيدتها بالحديث عن الآخر (دبابات الغزو تدور) هذه الجملة التي تتكرر لتأخذ شكل لازمة قبلية، وكما ترى الشاعرة نفسها فان تكرار هذه اللازمة هنا انما (يعني استمرارية الآخر بفعله الهمجي، ودوره الحاسم في تدوير العدوان وإدامته ليكون السبب في تجريح الذات / العراق، وكون اللازمة قبلية تأشير لسبق الآخر وإصراره على فعل الاعتداء الشرس والمسلح)(41)، وهذه البداية إنما هي تسجيل لبعد اشكالي للعلاقة مع الآخر، مثلما هي تعبير عن موقف جدلي متمخض عنه صراع حضاري بين حضارتين، الاولى معتدية والاخرى مسالمة، وقبل ان ندخل في تحليل هذه القضية في المتن الشعري لا بد لنا من الوقوف عند ابرز آلية اعتمدتها الشاعرة في رسم صورة الآخر الغربي الا وهي (اللازمة الشعرية) .

يتكون متن القصيدة من ثلاثين مقطعا ابتدأ كل مقطع منها بتلك اللازمة التي امتدت الى نهاية القصيدة، بمعنى آخر ان القصيدة حوت على ثلاثين لازمة تكونت من ثلاث كلمات (دبابات/ او ما اشبهها)، (الغزو/ او ما اشبهها)، (تدور)، فقد ثبت كما هو ملاحظ في اللازمة المبتدأ (دبابات، والفعل المضارع (تدور) الذي شكل خبر المبتدأ، بينما تغير المضاف اليه وقبل الوقوف عند دلالات هذه الكلمات واشباهها، لابد من السؤال عن سر الرقم (30) او (3) ؟ .

من المعروف ان التآمر على بلد عربي مثل العراق او احتلاله من قبل دول غربية كامريكا او حلفائها ليس أمرا جديدا وبخاصة بعد ان تحررت الدول العربية من الاستعمار الغربي وأعلنت استقلالها، ولهذا فان الرقم (3)، والرقم (30) في تاريخ المواجهات العسكرية بعد الاستقلال يذكرنا بمواجهتين الأولى سميت بـ(العدوان الثلاثي) الذي حدث على مصر ايام عبد الناصر، أما المواجهة الثانية فيذكرنا بما سمي بـ(العدوان الثلاثيني) الذي حدث على العراق أيام النظام السابق، ذلك العدوان الذي لم يكن موجها ضد شخص معين بقدر ما كان موجها ضد الشعب العراقي وحضارته العريقة وطاقة أبنائه، وهذا التخريج لعدد مقاطع القصيدة يجعلنا ننظر الى ان الشاعرة ارادت ان تعلن في قصيدتها (اندلسيات لجروح العراق) ان غزو العراق في 2003 واحتلاله لم يكن الا تتميما لمسلسل العدوان على الامة العربية وتراثها، الامر الذي يجعلنا ننظر الى ان هذه المواجهات التي سبقت المواجهة الاخيرة ما هي الا مواجهات حضارية بالدرجة الاولى ولم يكن غايتها الا تدمير القيم الحضارية للامة وقطع امتدادها التاريخي العريق، والدليل على ذلك هو ما ستؤول اليه مجريات القصيدة التي نحن بصدد تحليلها .

وكما سبق فان القصيدة تتكون من ثلاثين لازمة تكرارية توزعت على ثلاثين مقطعا تتكون كل لازمة من ثلاث كلمات، وتكرار اللازمة في القصيدة له دلالات مرتبطة بمضمون القصيدة وسياقها النصي، إذ (ان إعادة ألفاظ معينة في بناء القصيدة يوحي بأهمية ما تكتسبه تلك الألفاظ من دلالات، مما يجعل ذلك التكرار مفتاحاً في بعض الأحيان لفهم القصيدة)(42)، فالتكرار بذلك (أحد الأضواء اللاشعورية التي يسلطها الشعر على أعماق الشاعر فيضيئها بحيث نطلع عليها ……… انه جزء من الهندسة العاطفية للعبارة يحاول الشاعر فيه ان ينظم كلماته بحيث يقيم أساسا عاطفيا من نوع ما) . (43)

وتكرار اللازمة التي تلح عليها الشاعرة (تعد ظاهرة موسيقية ومعنوية في آن واحد)(44)، مما يجعلنا ننظر اليها على ان من خلالها تتشكل بؤرة القصيدة وجعل الدلالة صادرة عنها، (فالعبارة المكررة تؤدي الى رفع مستوى الشعور في القصيدة الى درجة غير عادية وباستناد الشاعر الى هذا التكرار يستغني عن عناء الافصاح المباشر وإخبار القارئ بالالفاظ عن مدى كثافة الذرورة العاطفية)(45)، وهذا ما سنسعى الى تجليته والكشف عن دلالاته لنصل من ثم الى مضمون النص الشعري .

فاللازمة الشعرية التي اعتمدتها الشاعرة تتكون من ثلاث مفردات – كما سبق - تكررت هي او مثيلاتها على ثلاثين مقطعا، وهذه المفردات هي: (دبابات/ عربات، الغزو/ القتل/ السلب/ الحقد/ الموت، تدور)، ونرى من الضروري الكشف عن دلالات استخدام هذه المفردات وتكرارها بوصفها لازمة شعرية.

فمفردة (الدَّبَّابَةُ)، وردت في المعاجم العربية على انها آلة تُتَّخذ للحرب وهَدْم الحُصون، وفي حديث عمر، عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: كيف تصنعون بالحُصون ؟ قال: نتَّخِذ دبّاباتٍ يدخُل فيها الرجال، وتطلق في الحرب الحديثة: على سيارة غليظة مصفْحة، تهجم على صفوف العدُوّ، وتُرمى منها القذائفُ(46)، وورد في معجم آخر: الدبابة الة تتخذ في الحصار يدخل المقاتلون في جوفها ويتقدمون من الحصن مجتمعين بها فينقبونه أو يهدمونه، او هي آلةٌ كانت تُتَّخذ قديمًا للحَرْب وهَدْم الحُصُون، يختبئ الجنودُ في جوفها ثمَّ تُدفَعُ بشدَّة تجاه الحِصْن فتنقُبه وتهدِمُه . (47)

إذ نرى ومن خلال ما ورد في المعجم العربي ان من اوصاف الدبابة هي (آلة - او سيارة غليظة - تُتخذ للحرب وحصار الخصم، تُرمى منها القذائف، يختبىء الجنود في جوفها، وظيفتها هدم الحصون المنيعة والتقدم بشدة نحو الخصم مجتمعين بها فينقبونه أو يهدمونه)(48)، فضلا عن المعنى الحرفي لكلمة (الدبابة) الذي يعني المشي الهين والخفي من الدبيب، ورد في لسان العرب: أَدِبُّ دِبَّةً خَفِيَّةً ... وإِنه لخَفِيُّ الدِّبَّة أَي الضَّرْبِ الذي هو عليه من الدَّبِيبِ ودَبَّ القومُ إِلى العَدُوِّ دَبيباً إِذا مَشَوْا على هيِنَتِهِم لم يُسْرِعُوا.(49)

تبعا لما تقدم من معنى (الدبابة) نرى ان الشاعرة استطاعت ان تعطي معنى دقيقا لهجوم الآخر واجتياحه من خلال هذه الآلة الحربية ؛ فاذا اردنا ان ننظر الى الدبابة من خلال رؤية اخرى لقلنا ان الآخر اتخذ آلة عسكرية (غليظة) لمواجهته الحضارية معنا بالعنف والظلم بعيدا عن أي حوار حضاري، مدركا قوة هذه المواجهة، ولذلك سعى الى الاختفاء والاختباء في جوف ترسانته العسكرية محاولا التوغل الى الحصن (العمق الحضاري للامة) عن بعد من خلال الحصار الذي طال على العراق والذي لم يشهد تاريخ البشرية مثيلا لبشاعته تارة، وتارة اخرى من خلال التقدم بشدة نحو الحصن ومحاولة هدمه ورميه بالقذائف، لاسيما وان الشاعرة استخدمت لفظ (دبابات) بصيغة الجمع إمعانا في الشدة والقوة .

ان توظيف الشاعرة لمفردة (الدبابة) جاء معبرا عن صورة الاجتياح البشعة التي شهدتها المواجهة مع الآخر، ليس من خلال تصوير القوة التي يمتلكها الآخر مع مواجهته معنا فحسب، بل من خلال القوة التي يتميز بها الحصن الحضاري الذي نمتلكه نحن، ففضلا عن استخدام دبابات بصيغة الجمع – كما مر – فانه من المعروف ان (الدبابة) لا تستخدم في الحروب الا اذا كانت المعركة متكافئة بين خصمين او اذا كان الخصم منيعا بحيث لا يستطيع المهاجم الانتصار عليه او مواجهته الا من خلال مواجهة مباشرة يكون سلاح الدبابة هو المتقدم ويكون الجنود مختبئين فيه او من ورائه، هذا اذا اردنا المعنى الحديث والمعاصر لمفردة الدبابة، اما المعنى القديم فهو لا يبتعد كثيرا عن المعنى السابق، فالعربة القديمة كانت وظيفتها هدم الحصون المنيعة، وكان الاقدمون لا يستخدمون هذه الآلة الا اذا كان الخصم متحصنا بحصن قوي ومنيع بحيث يصعب مواجهته او هزيمته، فضلا عن ذلك كله فان المعنى الحرفي لكلمة(الدبابة) وهو المشي البطيء قد اكد ان المواجهة تسير ببطئ وان آلة المواجهة الحضارية تسعى للوصول الى هدفها في خفية وحذر لادراك الخصم الذي يتحصن هنا بعمق تاريخي يجعله رمزا لقوة معنوية تمتلك اشتراطات التواصل مع الغد، وهي اشتراطات يدرك العدو أبعادها، فهو في مواجهة غير يسيرة لأنه امام حصن منيع ليس من السهل مواجهته واقتحامه، وبذلك يتحقق المعنى الوظيفي لاستخدام مفردة (الدبابة) في سياق القصيدة وجعله المرتكز الذي تعتمد عليه دلالة القصيدة، لاسيما وان اللازمة الشعرية (دبابات الغزو/ ...... تدور) قد اتكأت على هذه المفردة(الدبابة)، فاذا كانت اللازمة قد تكررت (30) مرة، فان مفردة (الدبابة) جاءت متصدرة لهذه اللازمة (29) مرة مقابل مفردة (العربة) التي هي الأخرى لم تخرج عن الدلالة المقصودة لمعنى (الدبابة) في دلالتها القديمة الا ان المفردة الاولى كانت اكثر ايحاء ودلالة في السياق العام للقصيدة، لا سيما ونحن امام مواجهة حضارية معاصرة .

واذا كانت مفردة(الدبابة) قد اتكأت على حمولات دلالية – كما رأينا – وانها استطاعت ان تعطينا صورة جزئية عن المواجهة التي حدثت، فان الشاعرة سعت الى رسم صورة متكاملة للمواجهة الحضارية، محاولة الدخول في عمق هذا الصراع، وذلك من خلال فضح المشروع الحضاري الاستعماري للآخر عبر شبكة من الصفات التي تكشف عن وجهه الحقيقي، وتظهر في الوقت نفسه هدفاً مقصودا وتوجها واضحا من قبل الآخر على تهميش الانا وقمعها، وهذا ما نجده في الثلاثين لازمة التي تكررت في متن القصيدة، فحضارة الآخر قائمة على (الغزو/ القتل/ السلب/ الحقد/ الموت)، وهو ما تحمله دبابات الآخر من معانٍ تعكس صورة الحضارة المتسلطة المتمركزة حول ذاتها، والساعية الى الهيمنة على العالم عبر فرض انموذجها القائم على إلغاء الآخر وتهميشه في ابشع صورة:

الآخر

السلب       القتل     الغزو       الحقد       الموت

ان هذه الشبكة من النعوت السلبية التي عبرت عنها الشاعرة وهي تسعى لرسم مشهد حضاري بشع، انما تحاول جاهدة أن تكشف عن درجة الاكراهات والضغوط التاريخية والحضارية والنفسية والاجتماعية التي يتحرك من خلالها الآخر الحضاري، فهو لم يأتِ فاتحا – كما ادعى – ولا محررا ولا – ايضا – ناقلا لحضارة، بقدر ما جاء محركا ومسيّرا بارث تاريخي حاقد ونية مسبقة في الجرم والقتل والسلب، ليس السلب المادي فحسب، وإنما السلب الثقافي والحضاري أيضا .

إن الشاعرة آثرت استخدام مفردة الغزو(20) مرة، في اللازمة الشعرية مقابل القتل(1) مرة واحدة، والسلب(3) مرات، والحقد(4) مرات، والموت(2) مرتين، إذ أن من المعروف ان الغزو في حقيقته يحمل الموت والقتل والسلب والحقد والدمار، إلا أنها وإمعانا في فضح الآخر وإبراز حقيقته أصرت على استخدام المفردات الاخرى التي حاولت من خلالها تصوير آلة (القتل/ السلب/ الموت/ الحقد)، التي يتحرك الآخر في ظلال معطياتها المدمرة، وقد سعت الشاعرة الى رسم لوحات تشكيلية لابراز تلك المشاهد التي عكست تصويرها للآخر المضاد لأي فعل حضاري .

فمن هذه المشاهد صورة الحضارة التي لم ترحم حتى الطفل انها حضارة القتل: (كتب الاطفال

/ دفاترهم ../

تتلفت حيرى

الجندي الأمريكي

يطلق نارا فوق جبين صبي

منتفخ الصدر

سقط الطفل ببركة دم)(50)،

بل يصل جرم الآخر إلى أن يجعل من براءة الطفولة وقودا:

(يا ويلي ...

قمر الحلم

صار وسادة ...

/ وعظام الأطفال وقود .)(51)،

وحضارة السلب التي سرقت كل شيء، فهي مغتصبة أموال الشعوب، وكانت كنوز الأرض العربية التي رمزت لها بالصحراء مرمى نهبهم، وهم لا يكتفون بسلب ما هو ظاهر، بل يسعون لانتزاع ما هو مخبوء في الجيوب كذلك، وذلك تعبير دقيق عن انحطاط القيم الغربية التي مثلتها الحضارة المادية بهيمنة أمريكا ومن حالفها:

(دبابات السلب تدور

تفتش كفُّ الامريكي جيوب الصحراء

تجثو فوق عرين الزيت الاسود)(52)

، وقد وصل انحطاطها الى اغتيال إنسانية الإنسان فهي لم تترك شيئا:

(دبابات السلب تدور ...

في حجرات المشفى

يقتنص الأمريكي غطاء الموتى

يعدو في الردهات وعبر النار المرضى

تنهض في مفترق الطرق الليلية

أشباح القتلى ..

نهبت في غبش الفجر مقابرهم ...)(53)،

فغطاء الموتى رمز لاحترام كرامة الجسد حامل سر الروح، وفوق ذلك كله فهي فضلا عن سرقة حياة الانسان وثروات وطنه وإهانة جسده بعد اغتصابه وقتله تمتد لماضيه سارقةً حضارته وعنفوان ماضيه الذي يرعبها:

(الواح متاحف بغدادَ بكف الريح ْ...

والثور الآشوري الباسم مرتعب

غادر مرتبكا وبكى .....

في اركان المتحف والمنعطفات

كانت قيثاراتْ

سومرَ تعزف لحن الحزن ..)(54)،

إن النص هنا (يعتمد تكثيفا بالغ الترميز وهو يشير لانكسار بعدين حضاريين يختصران بؤر التراث المشع ماديا ومعنويا، الثور المجنح بموحيات القوة والعظمة والهيمنة الأسطورية، ثور برأس بشري متوج وأجنحة نسر علامة للشموخ والأنفة معاً، وقيثارات سومر تعزف لحن الحزن باغتصاب أرضها بعد أن عزفت لحن الفن والمعارف طويلا)(55)، إن حضارة السلب لم تنهب فحسب وانما زرعت ثقافة السلب والنهب:

(دبابات السلب تدور

/ بغداد تنام على عطب الورد

/ واسلاب الياقوت

/ مرجان مآذنها في ايدي السلابة) . (56)

ان حضارة تدعي الحرية هذا شأنها سيكون – بلا شك – غايتها نشر الموت والخراب والحزن في كل شيء:

(هدير الدبابات

يزرع في قلب الأرض

دموعا أخرى)(57)،

إن دموعا أخرى تخفي مسكوتا عنه بالغ الخطورة:

(شواطئ دجلة غبراء

انفض السمارْ

عنها ..

السمك الميّتُ يعلو ضفتها

الطحلب كدَّر صفو الماء ...

تبكي دجلة في قلب الليلِ

زفير الثعبان يريق النارَ

على أعمدةِ الكونْ)(58)،

(يتكئ الزيتون على ورد الشيحِ

ويبكي ..)(59)،

(ومعابر بغدادْ ..

تبكي الأنهار

الأسماك

الشرفاتْ

تبكي)(60)،

(ورذاذ الموتْ ...

ينثالُ على قمم الصخرِ

/ وفي الوديانْ ..

شمعٌ يذبل خلف ستائر بغدادْ

نسمات الحزن على أشجار الليمون)(61)،

(وتدلى من ثقب الشمس حصانٌ ميّتْ)(62)

،(تبكي الأرض من الحمى).(63)

إننا ازاء صور فنية انتقتها الشاعرة وألقت فيها روحا شعرية اضفت عليها طابعا من الخيال، اذ انها سعت الى انسنة الجمادات والاشياء واستخدام التشخيص والتجسيم، وهذا الامر من شأنه ان يعلي من قيمة النص الشعري مثلما يعطي للقضية التي تسعى الشاعرة الى اثباتها اهمية وتأكيدا، فالشاعرة بشرى البستاني سعت الى اغناء تجربتها الشعرية عبر اضفاء طابع رؤيوي خاص يعكس تجربتها التي تعيشها، ويعبر عن احساسها الداخلي الذي يمور في تموج طافح بالحيوية الممزوجة بالألم والأمل، بالماضي المثقل بحمولاته الحضارية، والحاضر المنكسر الكئيب، والمستقبل القادم .

ان الشاعرة بشرى البستاني - وهي تسعى لفضح المشروع الاستعماري الأمريكي – حاولت ان تتكئ في قصيدتها (اندلسيات لجروح العراق) - من ضمن ما اتكأت عليه – على مرتكز دلالي ثري أعطى القصيدة قيمتها الشعرية مثلما أعطى لقيمتها المضمونية رصيدا ثرا من الإبداع والحيوية والحركة، إذ انها حاولت ان تبني لغتها الشعرية على مساحة واسعة من الخروقات اللغوية والانحرافات الدلالية مما اعطاها تميزا متفردا في التعبير عن اللحظة التي تعيشها، والتي هي بالضرورة لحظة الانكسار التي تقابل لحظات القوة التي تميزت بها الذات والتي تمثلت في اللحظات الحضارية المتألقة، فقد دفعت تلك اللحظاتُ الشاعرةَ الى رسمها عبر لوحات شعرية مكثفة أعطت لتجربتها التي تعانيها قوة معنوية، واذا كانت شعرية النص لا تتولد من الموضوع او القصيدة التي فيها القول بل تكمن في شكل القول وطريقته، فان الشاعرة بشرى البستاني حاولت ان تُعلي من شأن تجربتها ومضمون قصيدتها من خلال شبكة العلاقات المجازية والرمزية المعقدة والانزياحات التي جعلت من القصيدة تؤدي وظائفها الجمالية في التعبير عن تلك التجربة عبر الانحرافات والخروقات اللغوية التي تمتعت بها القصيدة، والتي تجلت في صورها التجريدية، والصور التي سعت من خلالها الى أنسنة الجمادات وإضفاء الروح عليها .

ولعل اهم سمة لغوية في الشعر العربي المعاصر تلك القدرة على انسنة الاشياء والجمادات ومظاهر الطبيعة والحلول منها من خلال الاقنعة والتقمص والتناسخ، ومنحها الحياة حتى غدت الأشياء كلها ترفل بحوارية انسانية فاعلية، وكأن الشعر يرد رده الحاسم على عمليات ابادة الحياة في المنطقة العربية كلها من المحيط حتى الخليج باضفاء الحياة على كل شيء حد الاعجاز الخارق او الاسطرة، وهكذا يستبدل الشعر رموز الرواد واساطيرهم ومعادلهم الموضوعي واحلامهم اليوتيوبية بلغة جديدة، لغة تكتفي بذاتها ليس لكونها نظاما إشاريا فحسب، وانما بوصفها مجموعة من الانساق المعرفية المترابطة داخليا بقوانينها الجديدة القادرة على الانسنة والتلوين وبعث حياة جديدة في زمن جديد هي حياة الشعر وزمنه . (64)

ان المشاهد الصورية والنعوت التي صورت من خلالها الآخر، انما هي اضافة من قبل الشاعرة الى آلة الخصم(الدبابات)، وما عبرت عنه في متن الفقرات الشعرية، والشاعرة في كل ذلك انما سعت الى فضح المشروع الاستعماري المهين، وحاولت تفكيك الانموذج الواهم الذي يتزعمه الآخر وتعرية وجهه المتسلط، في صورة ابرزت انتفاء المرتكزات الاساسية للحوار الحضاري، فـ(فكرة الصراع الحضاري، او التحدي الحضاري، او ما يسمى صراع البقاء للاقوى، او الصراع الطبقي، هي الاساس الذي تقوم عليه الحضارة الغربية، بمذاهبها المتعددة، وطبقاتها المتنوعة، والصراع يعني – فيما يعني – محاولة الغاء الآخر بشتى الاساليب والوسائل،لذلك فان اية حضارة، او ثقافة، تفتقد النزوع الإنسانيالحر، وتقوم على العرق، او الجنس، او اللون، او الطبقة، هي حضارة تمييز وتعال بطبيعتها، الامر الذي يقودها الى الاعتقاد بان البقاء مرهون بالغاء الآخر، لذلك تصبح الطبيعة العدوانية من اخص خصائصها، وان لم نقل: انها في الاصل تقوم على الفكرة العدوانية، لانها تنظر الى الآخر نظرة دونية، وتحاول ان تصرعه، وتتغلب عليه، وهذا يستدعي استعماره، واسترقاقه، واستنفاد طاقاته، ليبقى صريعا)(65) فالحرب في أساسها قائمة على الإكراه، إكراه الآخر على قبول ارادة العدو بالقوة، وتبعا لما سبق فان الآخر غير مستعد لاي حوار حضاري، حيث ان طرفاً ادواته (الغزو/ القتل/ السلب/ الحقد/ الموت) لا يمكن ان يدخل في حوار متكافئ مع غيره، فحضارة هذا شأنها لا يمكن ان يكون عندها ادنى احترام لقيمة اي انسان يكون خارج منظومتها المركزية .

ان الشاعرة وهي تحاول ان ترسم لنا صورة لبشاعة هذه الحضارة فانها تسعى الى ابراز كل ما يعزز هذا المشهد المأساوي، عبر حركة الفعل الشعري (تدور)، اذ تشكل الشاعرة من الفعل المضارع منظومة من المعاني المتعددة التي تضفي نشاطا حركيا مكثفا لصورة اللازمة الشعرية، فالشاعرة وهي تصور لحظة تاريخية حاضرة، فانها تستحضر ماضيا أليما عبر سلسلة من الانتكاسات التي تعرضت لها الامة في تاريخها الطويل، فالفعل (تدور) يضعنا امام صفحة من احتلال بغداد على يد التتار، وبدوران عجلة التاريخ التي لا تهدأ عادت هذه الحروب مرة أخرى:

(ثانية يوغل هولاكو في قمصان المدن التعبى

ثانية يقطع هولاكو

شريان الحبر الأسود ...

هولاكو يترصدني ...

يقطع رأسي،

يودعه في صندوق مقفل ....

يرميه في البحرِ

يدور البحرُ

اللعبةُ ترتدُّ على نحر البارجة الأمريكية ...) . (66)

إن هولاكو من خلال الأفعال التي نسبت اليه يصير يد الامريكي الشرير، بينما تتكثف إرادة شعب كامل وملايين أمة غفيرة لتصير ذاتا تمثل المجموع هي الذات الشاعرة، ان همجية التتار التي قتلت وعبثت ودمرت وحاولت قطع شريان الحضارة الانسانية في بغداد(شريان الحبر الاسود)، لم تنته بانتهاء احتلال التتار لبغداد، ذلك ان عجلة التاريخ بقيت تدور لقرون كثيرة على الامة، تحمل حقدا متوارثا، فمرة ترفع راية الحروب الصليبية، ومرة الاستعمار/ الاستخراب، ومرة تأتي لتعلن راية التحرير ونشر التقدم والاستقرار، اللعبة نفسها ولكنها باسلوب جديد وبنوايا متعددة، واهداف اكثر دمارا، وبخاصة حينما يرتبط هذا الغزو الجديد بالخيانة العربية:

 

(بغدادُ...

اللوعاتُ ...

العبراتُ ...

الطعناتْ ...

ظهرك ينزفُ ...

مفتاحكِ ثانية في جيب الأمريكيِّ

/ يخضِّبه الدمْ ...) . (67)

اننا ازاء هجوم استعماري مبني على اسس تاريخية وليس وليد اللحظة الحاضرة او وليد مصالح آنية، ولذلك فان استخدام الشاعرة مفردة(الحقد) يعزز هذا المعنى (دبابات الحقد تدور)، فالمقاصد التي حركت المعتدين قديما هي نفسها المقاصد التي حركت الاستعمار الامريكي على احتلال العراق .

ان الفعل المضارع (تدور) مثلما يؤكد تاريخية الصراع الذي تمر به الحضارة العربية، فانه وفي الوقت نفسه يضعنا أمام معنى الاستمرارية الذي يتصف به هذا الفعل، مثلما يضعنا ايضا ازاء معنى المستقبل، بمعنى ان الحدث بدأ ولا يزال وسيستمر ايضا، وان احتلال العراق ليس الا المرحلة الاولى من مسلسل الاستعمار الجديد، وستدور الدوائر على الآخرين، فالعراق ليس الا جزءا من كيان كبير اسمه الوطن العربي، وهذا ما أكدته الأحداث الجارية في المنطقة العربية .

وتحاول الشاعرة ان تقدم لنا مشهدا رائعا وصورة متميزة، تعبر من خلالها عن رؤية فريدة للحظة التاريخية التي يمر بها العراق/ الحضارة، وهو يواجه العدوان الحضاري(حضارة الآخر)، اذ تسعى الشاعرة الى رسم لوحة من خلال استعارتها وتوظيفها للوحة بيكاسو المسماة بـ(جرنيكا)*:

بيكاسو يرسم جرنيكا أخرى ...

يرسم بغداد طريحة أقدام الغوغاءْ

والحريةَ عود

يعزفه القزم الموؤد ..

ألواحُ متاحف بغداد بكف الريح ...

والثور الآشوري الباسم مرتعبٌ

غادر مرتبكا

وبكى .....

في أركان المتحف والمنعطفاتْ

كانت قيثاراتْ

سومرَ تعزف لحن الحزنْ .. (68)

إن الشاعرة بقدر ما تنجح في توظيف لوحة (الجرنيكا) في قصيدتها وهي تصور مشاهد الدمار الذي حل بالعراق وعاصمته بغداد، فهي في الوقت نفسه تبتكر جرنيكا جديدة، تكون صاحبتها الذات الشاعرة نفسها، فبين لوحة بيكاسو ولوحة بشرى البستاني علاقة تقابل وتشابه لعل أبرزها ان بيكاسو الاسباني رسم لوحته تعبيرا عن الدمار الذي حل بوطنه اسبانيا التي هي بلاد الاندلس، أما الجرنيكا الجديدة التي رسمتها الشاعرة العراقية فهي للعراق، وفي ذلك التفاتة متميزة من الشاعرة جعلت الأندلس متآصرة ومشتبكة في آلامها ومعاناتها مع العراق، من خلال عنوان قصيدتها (أندلسيات لجروح العراق)، فضلا عن ذلك فقد استطاعت الشاعرة ان تجعل من آلام اسبانيا والعراق من خلال الجرنيكا متقاربة شكلا ومفترقة في بعض مضمونها، فاذا كانت مدينة جرنيكا الاسبانية قد دُمرت بفعل الهمجية النازية، وذهب ضحيتها الكثير من الأبرياء، فان جرنيكا بغداد كانت الابشع والاكثر همجية والاعتى من نازية ألمانيا، فالهجمة الجديدة لم تكن ضد الإنسانية فحسب بل كانت هجمة حضارية، لم يسلم منها شيء، فالواح متاحف بغداد بكف الريح / والثور الآشوري الباسم يغادر وهو مرتبك يبكي / اما قيثارات سومر فهي تعزف لحن الحزن، اننا امام حضارة تنهد وتحتضر بفعل همجية العدوان الذي توجه الى عمق هذه الحضارة ليجتث جذورها ويقطع اوردتها ويحولها من ثم الى غوغائية تتحول فيها معاني الحرية الى اوتار مزيفة يعزفها من حارب الحرية وكان عدوا لها، فالمفارقة التي صنعتها الشاعرة في قولها (والحرية عود يعزفه القزم الموؤد)، هي اشارة الى المحتل الذي جاء ينادي بالحرية وهو عنها بعيد كل البعد، فالحرية والديمقراطية لم تعرف في امريكا بقدر ما عرفت في موطن الحضارات الراسخة الجذور عبر العصور وفي طليعة هذه الحضارات الشرقية العراق، فالعود وهو آلة موسيقية عربية تقصدتها الشاعرة لأنها الحرية المتحضرة بالفن، والتي لا يعرف العدو العزف عليها .

ان توظيف الشاعرة للوحة الجرنيكا بمرجعيتها التاريخية واللحظة التي كتبت فيها انما هو تنبؤ من الشاعرة الى ما ستؤول اليه الأمور بعد الحرب في العراق، فبيكاسو الذي رسم لوحته انما رسمها وبلاده اسبانيا كانت غارقة في الحروب الأهلية التي راح ضحيتها الكثير من الابرياء، وربما لفظة (الغوغاء) هي اشارة واضحة للمسار الذي ستؤول اليه احوال البلاد بعد الاحتلال .

وتسعى الشاعرة الى إعطاء تصورها لهذه اللحظة من الزمن وما يحدث من احتلال لبلدها وما سيحدث بعده، اذ تحاول ان تحلل هذه الأحداث من وجهة نظر سياسية عبر التحليل والتأويل والتنبؤ وكأنها تقرأ الآخر قراءة فكرية سياسية:

دبابات الغزو تدور

في مائدة قربي الامريكيةُ كانت

تفتح تحت الشمس ضفائرها

وتشكِّل من خُصَلِ الشعرْ

اروقةً

دولاً

وخرائط اخرى

ومجندةٌ عاشرةٌ

كانت تتأمل في وهج الشمس مغازلها

والأفقْ

ثعبانٌ يتلوى في ظهر معتمْ...

والشمسُ العربيةُ سوداءْ

كانت عبر نوافذ بيتي

تبكي في عز الصيفْ ... (69)

ان نص الشاعرة السابق يظهر وعيا ناضجا في قراءة الواقع الفكري والسياسي في هذه اللحظة الراهنة من تاريخنا وما يليها، إنه الفن المستشرف الحادس الكاشف، اذ يسعى الى ان تصور حضارة الآخر من خلال رمز المرأة الذي يومئ الى حضارة أمريكا (الامريكية كانت تفتح تحت الشمس ضفائرها وتشكل من خُصَلِ الشعر أروقة دولاً وخرائط اخرى)، اذ ان ما تسعى امريكا اليه عبر توجهاتها المتعددة من احتلال عسكري وغزو ثقافي فكري انما تحاول جاهدة للسيطرة على العالم وإخضاعه لمبدأ" الاحادية" التي تتفرد بالهيمنة على العالم كله ولا تقبل حوارا على اساس "الندية"، بل تسعى الى اعادة تشكيل العالم بالصراع على وفق الانموذج الاميركي الذي يعكس ممارسات القطب الاوحد بهويته ومرجعيته، محاولة فرض إستراتيجية تقوم على محو الآخر وإلغائه ومحاربة مقوماته الحضارية وطمس هويته ليستحيل العالم الى دائرة مغلقة يتم من خلالها احتواء عقل الإنسان ومصادرة ارادته وتفكيك بنيته الثقافية وأنظمته الفكرية لصالح حضارة واحدة هي حضارة الاقوى بتجلياتها المتعددة ثقافيا وسياسيا واقتصاديا واعلاميا ولغويا، وكأن امريكا بحضارتها وطروحاتها تلك قد آمنت بمقولة لـ"اينشتاين" (العالم اما كل واحد واما لا شيء)(70) .

وفي مقابل حضارة الآخر (امريكا) نجد الشاعرة ترسم لنا صورتين الاولى (والافقْ / ثعبان يتلوى في ظهر معتم) اشارة من الشاعرة الى الصهيونية التي يُرمز لها بالثعبان ودورها في الصراع الحضاري، علامة على تحكم الصهيونية مع امريكا بمصائر البشرية، اما الصورة الثانية فهي موقف الامة العربية ازاء كل ما يحصل، اذ ان الشاعرة تنظر الى ذلك الموقف من منظور سلبي بفعل ما قدمه العرب عبر كل التحديات التي واجهتهم من مواقف محزنة يهيمن عليها الوهن والسلبية وتسلط الحكام وغياب الارادة الحرة ولاسيما من خلال مواقفهم من مواجع العراق وحصاره وتكالب الاعداء عليه (والشمسُ العربيةُ سوداءْ / كانت عبر نوافذ بيتي/ تبكي في عز الصيف)، فعلى الرغم من ان الشمس العربية التي اشرقت على الغرب في لحظات تاريخية مجيدة وهي بيضاء ناصعة حاملة معها النور الذي اضاء في يوم ما سماء الغرب المعتم، نرى الشمس العربية اليوم وهي في حالة كئيبة سوداء تبكي، وهذه الحالة من تصوير الذات العربية من قبل الشاعرة تجعلنا ننتقل الى المحور الثاني من بحثنا وهو (الانا الحضارية ومواجهة الآخر) .

 

الدكتور رائد فؤاد الدريني

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3228 المصادف: 2015-07-08 02:28:21