المثقف - قراءات نقدية

وقفات في النقد الأدبي: قصيدة (المكَيَّر) لزامل سعيد فتّاح

karim alasadiيستوقفني ومن زمان بيتٌ شعري من قصيدة للشاعر الشعبي البارع زامل سعيد فتّاح الذي تتميزقصائده بعلو العاطفة وبهاء الموضوع وجمال الصور الشعرية وعذوبة الموسيقى .

الصورة من قصيدة ـ المكَيَّر ـ التي غدت معروفة عراقياً بعد ان لحنها الملحن كمال السيّد وغناها المطرب ياس خضر.

القصيدة كلها قصة قصيرة منظومة شعرياً تحكي رحلة عاشقَين الى محطة قطار : عاشق يرافق معشوقته التي ستسافر وحيدة بالقطار المنحدر من الناصرية الى البصرة.

محطة القطار الذاهب من الناصرية الى بغداد شمالاً والى البصرة جنوباً تقع في ضاحية من ضواحي الناصرية تُعرف بأسم المكَير.

والمكَير لهجة عامية عراقية مشتقة من كلمة القار، فالمكَير تعني المطلي بالقار.

والمنطقة حيث تقع المحطة هي مركز اور المدينة الأثرية القديمة وقرب المحطة تقع آثار زقورة اور الشهيرة، واور معروفة في الأدب السومري القديم وفي شعر الملاحم السومرية ومن الطريف ان يذكر القاص العراقي الكبير محمد خضير ـ في رائعته بصرياتا كما أعتقد ـ مفارقة ان ساعة محطة القطارفي منطقة اور كانت متوقفة عند الثانية عشر، وهذا يعني ايضاً الزمن صفر!!

اقول يستوقفني بيت شعري في قصيدة زامل حيث الراوي في القصيدة ـ القصة رهن الحديث يروي بضمير أنا المتكلم أو أنا الشاعر، وحيث يدخل الشاعر في صراع وحوار مع القطار الذي يشير اليه الشاعر باسمه الشعبي الذي يتداوله العامة من كبار السن العراقيين وهو الريل. والريل كلمة انجليزية دخلت الى العراق مع انشاء سكك الحديد في العراق الحديث وتقابل تماماً وبدون تغيير كلمة (Rail) الأنجليزية! اما المتعلمون من الأجيال اللاحقة بمَن فيهم جيل الشاعر نفسه فقد تداولوا كلمة ـ قطار ـ.

وأعتقد ان ميل الشاعر زامل في هذه القصيدة وقبله الشاعر مظفر النواب في الريل وحمد الى استخدام كلمة الريل يجيء من رغبتهما في التماهي مع الوجدان الشعبي العراقي في أعمق أعماقه في أرواح ولهجة العراقيين البسطاء بعيداً عن لغة الصحف والمدارس والأذاعة والمثقفين !

 

يقول البيت الذي أقصد:

جزاني يجر فراكَينه ومامشل حيل أردَّنه

وضمير هو في الفعل جزاني مثلما ضمير الهاء في كلمة فراكَينه يعودان على الريل حيث يذكر الشاعر في مقطع آخر قبل هذا كلمة الريل اذ يقول :

وصاح الريل

وانه وياه

يعت بيه ... واعتَّنه

كما يقول قبل هذا ايضاً:

ولك ياريل لاتبعد

ولك ولفي واريدَّنه

 

حيث كلمة (ولك) هنا وفي اللهجة العراقية تفيد التقريع والتوبيخ وتقابل كلمة (ويحك) في العربية الفصيحة!

في هذا المشهد هناك معركة بين العاشق والقطار (الريل) الذي أخذ منه حبيبه، معركة بين قلب آدمي وحديد، معركة بين مشاعر انسان وجبروت الصناعة والتكنلوجيا!!!

العاشق يتشبث بيديه يريد سحب القطار بفراكَينه الى الوراء ومنعه من الحركة والقطار يمضي دون أدنى اكتراث الى الأمام، والفراكَين أيضاً كلمة أجنبية و مفردها فاركَون ويعني العربة.والكلمة أتت مع رهط كلمات التكنولوجيا الانجليزية واللاتينية القادمة الى العراق، وحتى في اللغة الألمانية تستخدم الى الآن كلمة ( Wagon) أو ( Waggon) وتعني عربة أيضاً!

الشاعرأو العاشق صاحب أنا المتكلم في القصيدة يعلن ضعفه واستسلامه ازاء جبروت التكنولوجيا بعد ان خسر الصراع بيديه مع القطار فيقول:

جزاني يجر فراكَينه ومامش حيل أردَّنه

أي

اجتازني ـ القطار ـ يجرُّ عرباته ومامن حول أوقوة عندي لأرجاعه.

 

وكلمة مامش تعني مامن أو لايوجد وهي نفس كلمة ماكو العراقية الشهيرة ولكن مامش أكثر شعبية من ماكو !

الشاعر الممتليء بعشق المحبوب، الهائم به والمذعن له يتصارع مع القطار هنا ويخسر معركته معه ثم ينحي باللائمة على القطارـ الريل ـ ولايريد ان يقسو على محبوبته فيحملها اتخاذ قرار البعد والسفر من الناصرية الى البصرة!!

بل انه يعترض على ضجيج القطار العالي وصوت القطار مشفقا وخائفاً ان يفزز جعير القطار حبيبته السمراء التي يتخيل انها نامت أثناء السفر وتهدل شعرها عى أكتافها ووجهها :

ولك ياريل لاتكَعر

أخاف تفزز السمره

وكل هذا لأن الحبيب رحل لمدة شهروسيعود، اذ يسترسل الشاعر فيذكربعد عودته من المحطة بستان النخيل الذي كان يلتقي فيه حبيبته حيث يقول له النخيل !! :

ويكَلي اصبر

شهر ويعود

والمفطوم شيصبره.

لدي ملاحظة نقدية حول تكرار بعض الكلمات في النص الأصلي للقصيدة والذي ماكان يُفترض ان يحدث في قصيدة رائعة الموضوع تم التقاط الصور والمشاهد فيها بذكاء شعري كبير، وملاحظة نقدية ثانية حول دقة السبك في بعض مقاطع القصيدة حيث كان من الممكن لشاعر مثل زامل رصف بعض العبارات بشكل أدق وأمتن.

لكن هذه الملاحظات تبقى على درجة ثانوية من الأهمية أمام قصيدة شعرية هائلة البوح، رائعة المحتوى، كبيرة المضمون بعمق انساني نادر وبأرتفاع شعري نادرأيضاً، وأمام مقطع شعري شعبي عراقي يقول :

جزاني يجر فراكَينه

ومامش حيل أردَنه

 

كريم الأسدي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3324 المصادف: 2015-10-12 09:39:57