المثقف - قراءات نقدية

تمرد ظل للأديب عمر عباس الطيب

mohsin altokiيتعرض النص لحالة مرضية شائعة فى الطب النفسي، هى الفصام، أو "الشيزوفرينيا"، وقد يكون من المفيد أن نتعرض لطبيعة المرض وأعراضه كمدخل للنص.

الفصام هو اضطراب ذهانى يفقد فيه الشخص الاتصال بالواقع، وتنتابه هلاوس سمعية وبصرية، فيرى ويسمع أشخاصاً وهميين، وتسيطر عليه اعتقادات خاطئة لا تتناسب مع مستواه الثقافى أو العلمى، فيظن أنه مراقب أو مستهدف من قوى خارجية تبتغى القضاء عليه و إيذاءه، ويتخيل مؤامرات تحاك ضده، وقد يعتقد أن أفكاره تبث للعالم، أو أن الناس قادرون على قراءة أفكاره، أو زرع أفكار فى دماغه، وهى تصورات مربكة للمريض يترتب عليها تغييرات سلوكية واجتماعية خطيرة، ولا يقر المريض بمرضه، بل يعتقد أن محاولات علاجه ماهى إلا استمرار للاضطهاد الذى يمارس عليه.

أجاد الكاتب ببراعته وتقمصه للحالة وفهمه للأعراض التى تميز الشخص الفصامى رسم معالم الشخصية القصصية، والسرد على لسان الشخصية مكنه من الغوص فى أعماقها، وكشف سريرتها، وتبيان الآلية التى يحول بها الاختلال النفسى المريض إلى شخصية معاقة ومرتبكة، ومؤذية لمن حولها حتى لو كانوا من أقرب الناس إليه، فهو يتصور أن خصومه الحزبيين قد أفلحوا فى تجنيد ظله لكى ينقل أخباره، ويفشى أسراره فيبثها بثا مباشراً على وسائل الميديا لتذاع فى نفس الحظة على كافة أرجاء العالم، وتبدو براعة الكاتب فى أن القارىء الذى لا يعلم منشأ الحالة المرضية إلا فى نهاية النص يدرك منذ البداية أن هناك ألماً نفسىاً قابعاً فى أغوار نفس الشخص لا ينى يؤرقه ويعذبه بسبب تصرف يتسم بالخسة والوضاعة قام به فى حق صديق، يحوم الندم حول الشخصية فى تضاعيف السياق السردى بحيث يدرك القارىء ضمناً أن تلك الحادثة القديمة هى منشأ الاضطراب النفسى، والراوى المريض يدرك حجم الأذى الذى يلحقه بالمقربين له، فهو يشفق فى قرارة نفسه على زوجه التى تعانى من تغير سلوكه، لكنه شأن المريض الذى ينكر مرضه لا يعود باللائمة على نفسه، بل يعتبرها ضحية مثله للأعداء الخارجيين الذين يتوهمهم، تتصاعد الدراما والأزمة فى النص عندما تتحول هواجس وشكوك الراوى إلى ولده باعتباره الوسيلة الجديدة التى لجأ اليها أعداؤه بعد أن نجح فى تحاشى ظله بهجر النهار، وتحاشى التعرض للشمس، إذ تصور أنهم تحولوا إلى استخدام عينى ولده لمراقبته، وهذا التصور يقوده فى لحظة انفعال واضطراب إلى إصابة ولده إصابة قاتلة دون قصد، فلم يكن يقصد إلا إتلاف العين التى يتم رصده ومراقبته بها.

ولقد برع الكاتب فى جذب القارىء وإمتاعه ببناء مدروس لمراحل تطور الحدث، فى حبكة أضاءت جميع نواحى التجربة القصصية، إلا أننا لا نغفل خطاً جانبياً ترافق مع الخط الأساسى، وهو دور العلاقة الحزبية غير السوية فى تدمير العلاقات الإنسانية، بل والتدمير المعنوى للأشخاص أنفسهم، فالراوى عضو بارز فى حزب السلطة، وحرصه على نيل رضاء قادة الحزب دفعه إلى خيانة صديقه المقرب الذى كان وسيلته لدخول الحزب، انظر إلى المقطع الموحى الذى يبرر فيه الراوى أسباب ضلوعه فى جريمة التصفية الجسدية للصديق " لطالما نصحته بعدم الفجور في الخصومة أثناء إبداء الرأي، لقد كان يعارض سياسات الحزب ورؤاه، كان يظهر الإصلاح ويبطن الإفساد، ينتقد قادة الحزب علانية في وسائل الإعلام يبدي مثالبهم بحجة الشفافية كان على وشك أن يفتح صندوقاً أسود يحوي وثائق سرية تهدد استراتيجية الحزب، وهو لا شك أمر جلل يؤلب أطياف المجتمع ويشكك في المشروع الحضاري للحزب، ولأن الغاية تبرر الوسيلة داخل أروقة الحزب ...". فالفكر المكيافيللى يعتبر الأشخاص مجرد أدوات لتنفيذ السياسة الموضوعة لغاية محددة، ويعتبر أى اجتهاد شخصى يخالف سياسة الحزب أو ينتقد ممارساته أو قياداته بمثابة معوقات ينبغى التخلص منها، وهذا الخط الدرامى الجانبى يرفع مستوى النص ويعدد التأويلات الممكنة ويصنع حالة مركبة أجاد الكاتب طرحها بحنكة وعناية تستحق التأمل .

 

تمرد ظل / عمر عباس الطيب

بدا اليوم خريفياً السماء تلتحف سحباً داكنة، الأشجار تكتسي صفرة متعبة، نسمة باردة تداعب جسدي فيستجيب لها برعشة خجولة، يتنازعني شعوران على النقيض من بعضهما، شعور بالغبطة والفرح لاحتجاب الشمس رغماً عن أنفها، تمنيت من الله مراراً أن يكسفها لعلي أتشفى بها، والآخر الخوف من زخات المطر ينتابني رعب خفي بأن تلك القطرات المتساقطة يوما ما ستذيب هيكلي الصلصالي و ستحللني إلى عواملي الأولية، وأشد ما كان يرعبني وميض البرق وسطوة صوته القوي، لكن لا يبدو أنها ستمطر ذلك ما حاولت أن أهدي به روع مخاوفي، إذن هي فرصة جيدة للخروج، نسيت كم مر من الوقت قبل أن أخرج في وضح النهار، سئمت روحي المكوث في الظلام .

أصبحت أتحاشى ضوء النهار كثيراً، ليس بسبب مرض جلدي لا سمح الله، لكن بسبب ذلك الظل اللعين الذي ما فتأ يتعقبني، ليست تلك هي المشكلة فلكل منا ظل يفعل ذلك، لكن هذا الوغد لا يكتفي باقتفاء أثري فحسب وإنما يقوم بفضح أفكاري على وسائط الإعلام،، لذا كنت أتحاشىاها نهارا، وهو يتقن عمل ذلك، أذكر بصورة جيدة اول مرة اكتشف عقلي هذه الحقيقة، عندما جلست بالقرب من أحد شاشات التلفزة فجأة ومن دون سابق توقع وجدت صورتي تتصدر الشاشة، ثم قام شخص ما باستعراض سيرتي الذاتية، وكيف أنه تطرق لطفولتي البائسة، وفقر عائلتنا المدقع إنه يذكر أدق التفاصيل لحياتي الشخصية، بعض تلك الأسرار أقسم أن أم وحيدي لم تكن على علم بها، بعضها ربما يهز عرش آدميتي، لو لم أتدارك الموقف وابتعد عن تلك الشاشة واحجب ذلك الظل لحصل لي مالا تحمد عقباه،ولأصبح الناس يمضغون الوجه الآخر من سيرتي، وأذكر أيضاً حين امتطيت سيارة أحدهم والشمس تنزف أشعتها البغيضة وجهاز المذياع يثرثر، بدأ الظل المتشظي في التشكل، أرى بفزع بالغ كيف تجمعت أجزاؤه بتفاصيلها، قطع المذياع بث برامجه ليبدأ في الحديث عن مكنونات بنات أفكاري، إنه ينتهك خصوصيتي بشكل صارخ، بل إنه استعرض بصورة ساخرة كيف أنفقت شبابي النضر قبل التحاقي بالجامعة في مهنة مقرفة، حين كنت اعمل مخمراً لروث البهائم لتغطية الحوائط الطينية والأسقف العشبية قبل موسم الخريف، لم اكن أزدري هذه الأعمال اشجع العمال المسحوقين وأتبنى مطالبهم أثناء الحملات الانتخابية لكن ذاك بلا شك يقلل من هيبتي الحزبية ومكانتي الاجتماعية .

أضحت أحوالي تسوء يوماً بعد آخر، كحاكم عسكري متسلط قمت بحظر الأجهزة المرئية والمسموعة نهاراً، وكأي عائلة شرقية لم تملك زوجتي وولدي غير الإذعان لذلك، ما أن يرخي الليل سدوله يكونون في حل من ذلك القيد، ثم ازدادت العلاقة تأزماً بيني وبين زوجي بعد أن أدمنت معاقرة الشهباء، أصبح مزاجي سوداوياً، صرت أنعتها بأقذع العبارات ثم تطور الأمر لأكثر من ذلك بدأت أمارس العنف الجسدي لأتفه الأسباب، أعلم أني لم أكن لأفعل ذلك لولا هذا الظل اللعين فقد قلب حياتي رأساً على عقب .

كنت أحزن كثيراً مما أصاب رفيقة عمري من أذى، كانت تتعذب في صمت، أعلم أنها كانت تتجنب وجودي، أبصر من طرف خفي دموع عينيها الحرى، كانت نياط قلبي تنقطع لرؤية تلك الدموع، لطالما كانت سنداً لي في أحلك الظروف، أذكر جيداً حين رفض والدها اقتراني بها بحجة أني انتهازي وضيع أسعى لأموالها، حاربت الجميع من أجلي، لذلك حين ألحت على في الإقلاع عن احتساء العرق، أقسمت لها بشرفي .. نعم بشرفي أن لا أعود إليه، لم تكتفي بذلك ولكن ما ذكرته لاحقاً جعلت الدماء تتجمد في عروقي، استحلفتني بأعز ما عندي أن أذهب إلى طبيب نفسي، صعقت لسماع ذلك الطلب فموقعي القيادي في الحزب الحاكم لا يسمح بالتشكيك في قواي العقلية، الأعداء كثر وهم على أحر من الجمر لاقتلاع المنصب، وسأحرم من الأموال الطائلة والحوافز المجزية، وسأرجع عوداً على بدء لحياة التسول والفاقة والأمر المهم .. لم أكن مريضاً عقلياً جل ما في الأمر أن ذلك الظل الذي يقتفي أثري قد نغص علي حياتي، لذلك رفضت الفكرة جملة وتفصيلاً.

منذ أن أقسمت بشرفي لم أعد لأم الكبائر، آلاف الأسئلة وآلاف الأصوات أرقت سكينة عقلي، أريد أن أخمد قوة ثورتها، هداني شيطاني لشيء يستل آلام العقل والروح معاً، بدأت أدخن السيجارة الخضراء، لطالما كنت من المنافحين عن الشباب وحفظ عقولهم من تلك الآفات، أضحيت اليوم أسير نشوتها، باتت أحوالي أكثر استقراراً، لم أعد أعنف زوجتي جسدياً، أقضي معظم وقتي مسترخياً على فراشي، ضلت عيناي طريق النوم، لم أعد أغفو إلا قليلاً، وحين أغفو تؤرق مضجعي كوابيس مفزعة، كان القاسم المشترك فيها ذلك الظل، كنت أتحاشى النوم عملاً بنصيحة أوشو : إذا كنت تعاني من كابوس فكل ما عليك فعله هو أن تضع كل طاقتك في الاستيقاظ، بمرور الوقت هالني شيء مريع .. لاحظت مدى التشابه الكبير بين محيا ابني وبين صديقي .... الشهيد، أقسم أنه لم يكن تشابه .. بل تطابق في كل شيء، حتى نبرة صوته الجهوري هي بعينها، لقد أفزعني ذلك حقاً، نظراته تقتلني مئات المرات،الشرر يتطاير من عينيه أقرأ فيهما لغة التهديد والوعيد، أصبحت أتحاشى هذه النظرات ما وجدت لذلك سبيلا .

بدأ في الآونة الأخيرة ينتابني صفير حاد يكاد يثقب طبلة أذني، يتردد صداه في أرجاء عقلي، وتزداد ضراوة ذلك الصفير عندما يرشقني فلذة كبدي بنيران عينيه، أعلم علم اليقين أن تلك النظرات لم يكن هو مصدرها، فهو لا يجرؤ أن يحدق بي بتلك القسوة، سمعت كثيراً عن تقمص الأرواح الشريرة وولوجها في أبدان أخرى، لم أشك للحظة واحدة أن التي حلت بجسد وحيدي كانت روح صديقي الشريرة، لم أكن أتوقع أن تتلبس هذه الروح الملعونة بجسد قرة عيني،، لكني أعلم بالتأكيد سبب اتحادها به، هدف تلك الروح هو بالتأكيد الثأر و النيل مني ومن أحبتي، فزع شيطاني من هذا التحليل الذي بدأت خيوطه بعضها يفصح عن بعض، إذن لا بد من وجود علاقة ما بين الظل وروح صديقي الشريرة لا .. لا .. أكاد أجزم أن تلك هي عين الحقيقة، لمت نفسي كثيرا كيف غفل لبي عن إدراك كنه هذا الخطر المتعاظم، بدأ فزع شيطاني يزداد أصبح يضع سيناريوهات مختلفة لكيفية التخلص من الروح الشريرة، بالتأكيد أريد تخليص جسد ابني من براثنها فهو لا يستحق هذا العذاب كما لا استحقه أنا أيضاً.

صرت أراقبه عن كثب، أدلف في غيابه خلسة إلى غرفته، أقلب حاجياته أبحث عن لاشيء، جل ما يشغل تفكيره الدراسة والنجاح بتفوق، فقد كانت هذه هي سنته النهائية في كلية الهندسة، بت أتردد على غير العادة على غرفته، لا أذكر بالتحديد متى ولجتها لكن لابد أنها سنوات كثيرة، كانت لغة الحوار مفقودة مع عائلتي فقد سرق العمل السياسي سنوات عمري من حيث لا أحتسب، جل ما يشغلني هو مصلحة الحزب، حتى فلذة كبدي كنت أعده ليتبوأ مكانه في الحزب بعد نيله الشهادة الجامعية، في تلك الليلة الظلماء التي افتقد فيها البدر، توسلت إلى النوم ليجد طريقه إلى عيني، اظنه يتواطأ مع تلك الروح الشريرة، تنبهت فجأة كيف يمكن لتلك الروح أن تؤذي ابني، سرت بخطى متعبة فدخلت بهدوء إلى غرفته، كانت الإضاءة المنبعثة من مصدر الضوء بالقرب من سريره خافتة بالكاد تظهر صفحة وجهه البرئ، وضعت بهدوء الكرسي البلاستيكي قرب رأسه، كان مغمض العينين أعلم أن تلك الروح تتحاشى وجودي، لكنها تريدني أنا بالتأكيد، حسناً فلتكن الليلة هي ليلة الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة .. أعلم أنه لن يطول انتظاري، بدأت تلك الروح تتململ في جسده، بدأ يفتح عينيه بتثاقل، تلك النظرة القاسية أدرك مصدرها جيداً، لم تخفني هذه المرة، بل بالعكس رأيت الذعر يجتاح تلك الروح، لكن ما جعل الدماء الحارة تندفع إلى شراييني صوت ذلك الصفير الحاد في أذني وارتفاع درجة قوته، فجأة خاتلتني تلك الروح الشريرة وأرادت الهرب، اختفت في بقعة متناعسة الضوء لكن ليس هذه المرة، تناولت في خفة ال (تي سكوير ) المعدنية من على طاولة ابني الدراسية، وهويت بها في تلك البقعة، صرخة مدوية قطعت سكون الليل، أحسست بزهو الانتصار، صوت حشرجة وأنين خافت،، أقدام تهرول باتجاه مصدر الصرخة، فجأة غمر الضوء المكان، رأيت بأم عيني فلذة كبدي يتشحط في دمه، ثم انتاب زوجتي صراخ هستيري وهي تمسك برأسه النازف، لا أدري كم مر من الوقت قبل أن أفيق من هول الصدمة على وقع خطى رجال الشرطة والإسعاف وهم يتحلقون حول جثة ابني أدركت حجم المأساة، كنت ما أزال ممسكاً بالتي سكوير حين سألني الضابط :

- هل أنت والد القتيل ؟

- نعم .

- هل تعرف من قام باقتراف هذه الجريمة ؟

- لم أكن أنوي قتله جل ما أردته هو تخليصه من تلك الروح الشريرة، أيعقل أن أقتل فلذة كبدي بمحض إرادتي ؟

- إذن هذا اعتراف ضمني بأنك من قمت بارتكاب هذه الجريمة .

- سيدي إنني أتمتع بحصانة قانونية .

عض الضابط شفته السفلى بثنيتيه في امتعاض واكتفى بالصمت .

قام رجال الإسعاف بانتشال الجثمان،وغادر بعض رجال الشرطة مسرح الجريمة بعد ان قاموا بما يتوجب عليهم القيام به، امتلأت الدار بالجيران ونظرات الهلع والأسى والفجيعة تسيطر على أعينهم، النساء يحتضن في رحمة وشفقة أمه الثكلى، في صبيحة اليوم التالي وصل ضابط الشرطة في معية جنوده، رأيته يطيل الحديث مع رفيقة حياتي قبل أن يتوجه ناحيتي : ها قد تحصلنا على أمر قضائي باعتقالك، لم أنبث ببنت شفة، أمسك أحد الجنود ذراعي برفق سرت باتجاه عربة الشرطة، لكن ما يشغل تفكيري و جل ما بت أخشاه هو ذلك الظل اللعين، عرضت مراراً ذلك اليوم على قاضي التحقيق، وفي كل مرة تعاد نفس الأسئلة المملة، لماذا قتلت الضحية ؟ ماهو دافع القتل ؟ هل كان بينكما خلافات ؟ كيف تمت عملية القتل ؟ كاد رأسي ينفجر لم أذق طعماً للنوم منذ يومين، ولكن مما هدأ روعي وجود شخصية رفيعة من قادة الحزب أثناء التحقيق أخبرني أن لا أقلق فكل شيء تحت السيطرة .

تم عرضي بعد ذلك على الطبيب النفسي بمعية ذلك المسئول الحزبي، أخبرته أني أتمتع بكامل قواي العقلية، وأني لست فاقداً للأهلية، بعد أن طمأنني،أطلعته على مخاوفي من الظل وأني قصدت قتل الروح الشريرة، طلب مني أن أصطحبه إلى الفناء الخارجي، ما أن توسطنا الفناء حتى ذعرت من رؤية الشمس وبدا ذلك الظل في التشكل، انتابتني حالة فزع عظيمة تعطلت معها لغة عقلي، فقد مر وقت طويل لم أره يتعقبني، أحسست بنفاذ الأكسجين من رئتي، غشاوة تغلف عيني، كدت أفقد الوعي لولا تداركي السريع لذلك الوضع، لا أدري كيف حملتني قدماي في لمح البصر إلى مكتب الطبيب، حين دلف الطبيب قام بفتح جميع نوافذ مكتبه وجمع الستائر على جانبي النوافذ مما سمح لتلك الأشعة البغيضة بالتسلل ومضايقتي مجدداً، أصبت بحالة هستيرية لم أعد قادراً على التحكم بجهازي العصبي، انتابني مجدداَ ذلك الصفير، سرعان ما قام الطبيب باقفال كل النوافذ، هدأ من روعي وقدم لي كوباً من الماء،أمر مرافقي بالخروج، مرت دقائق من صمت مطبق ..، بعدها خاطبني الطبيب بصوت رخيم هادئ حزين : إني أشاطرك الحزن في ما ألم بوحيدك من خطب، جعلنا الله بشراً نخطئ ونصيب، أحياناً تكون تلك الأخطاء فادحة، قد تصل إلى إنهاء حياة الآخرين، فذاك نبي الله موسى حين استصرخه الذي من شيعته على عدوهما حين وكزه موسى فقضى عليه، لذلك فتح الله باباً لتوبة الخاطئين، عليه ... أخبرني لماذا يطاردك ظل صديقك ؟ قال هذا بعد أن ربت على كتفي بذات النبرة الهادئة والصوت الرخيم .

نعم لقد كان مخططاً لكل شيء بدقة، لطالما نصحته بعدم الفجور في الخصومة أثناء إبداء الرأي، لقد كان يعارض سياسات الحزب ورؤاه، كان يظهر الإصلاح ويبطن الإفساد، ينتقد قادة الحزب علانية في وسائل الإعلام يبدي مثالبهم بحجة الشفافية كان على وشك أن يفتح صندوقاً أسود يحوي وثائق سرية تهدد استراتيجية الحزب، وهو لا شك أمر جلل يؤلب أطياف المجتمع ويشكك في المشروع الحضاري للحزب، ولأن الغاية تبرر الوسيلة داخل أروقة الحزب فقد وضع حداً لانقطاع لجامه ولجماحه المتأجج، نعم كان أعز أصدقائي داخل أروقة الحزب، بل هو من ساعد في إنضوائي تحت رايته، لذا أسندت لي مهمة حجبه عن وسائل الإعلام وإسكاته .. نعم إسكاته للأبد، لم يكن الأمر صعباً تم ذلك بكل يسر أثناء الحرب المقدسة باسم الوطن، طلب منا تقديم قدوة حسنة لشباب الحزب وأن نكون في الصفوف الأمامية لتلك الحرب، ما تزال تلك اللحظة ماثلة أمام ناظري، أذكر لحظتها أن السماء كانت تبكي بشدة والبرق يتأرجح بين الخوف والرجاء .

شاهدت الرفيق الحزبي يدخل بهدوء، يبتسم للطبيب بخبث، لم أدرك أني بإفشاء ذلك السر فتحت ذات الصندوق الأسود و بت أشكك في المشروع الحضاري للحزب، ولم يدر بخلدي أن هذا اليوم كان آخر عهدي بذلك الظل اللعين .

 

محسن الطوخي

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3432 المصادف: 2016-01-28 01:00:04