المثقف - قراءات نقدية

احمد عواد الخزاعي: عبد الستار ناصر: القاص الثائر.. (سيدنا الخليفة) أنموذجا

ahmad alkhozaiيعد عبد الستار ناصر من ابرز كتاب القصة في العراق الذين تربعوا على عرش هذا الفن في نهاية الستينيات من القرن الماضي، واثروا الذائقة الأدبية العراقية بعشرات الانجازات الأدبية التي لعبت دورا كبيرا في تأصيل هذا الجنس الأدبي في الأدب العراقي، أمثال احمد خلف ومحمد خضير وموسى كريدي، هؤلاء الأدباء الذين تأثروا بصورة مباشرة بالمدارس الأدبية  التجريبية الحديثة في الغرب، وبظاهرة التغريب في الأدب، التي سعت إلى استحداث أساليب وتكنيكات جديدة ادخلوها على الفن القصصي لتتلاءم مع التطور الحضاري والإنسانية الذي شهده العالم مؤخرا، ولإيجاد مخارج فكرية رصينة ومعالجات لمشاكل الإنسان المعاصر المعقدة، ومن ابرز هذه المدارس هي المدرسة التحليلية النفسية والمدرسة الرمزية، وهاتان المدرستان قد طغتا على المنجزات الأدبية العراقية في تلك المرحلة، بسبب القفزة النوعية التي شهدها العراق على المستويين الفكري، بتنامي الافكار التحررية والليبرالية واليسارية والقومية وعلى المستوى الحضاري نتيجة زحف المدنية إلى مفاصل كبيرة من قطاعات الشعب في تلك الفترة، مما تطلب تغيير نمطية القصة السائدة آنذاك والتي كانت تعالج مشاكل الفرد العراقي بطريقة نرجسية وتعاني من فقدان حلقة محورية بين بطل القصة ومجتمعه، بحيث يجعل الكاتب من البطل مشجبا يعلق عليه أفكاره وأرائه الفلسفية والاجتماعية بغض النظر على المستوى الثقافي لهذا البطل، ودرجة الوعي التي يمتلكها، كما يذكر الناقد ياسين النصير في كتابه القاص والواقع.

إن المطلعين على تاريخ الفن القصصي في العراق يعلمون جيدا إن هذا الجنس من الأدب لم يكن أصيلا وليس له جذور في الأدب العربي على الرغم من إن بعض الباحثين والنقاد حاولوا ربطه بفن المقامة كما يذكر الناقد عبد الإله احمد، وان هذا النوع الأدبي وصل إلى العراق من مصدرين الأول عن طريق مصر وسورية  من خلال محاولات بعض كتاب تلك البلدان من ترجمة الانجازات الأدبية لكتاب عصر النهضة الأوربية  وما تلاه إلى العربية أمثال المنفلوطي والمازني وطه حسين، والثاني عن طريق الأدب التركي الذي تأثر به بعض أدباء العراق بصورة مباشرة في ذلك الوقت كالقاص محمود احمد السيد الذي يعد رائد القصة العراقية الحديثة، إلى إن هذا الفن وصلنا كسيحا ضبابيا يعاني الكثير من الإخفاقات والثغرات، والتي استمرت طيلة الخمسة عقود الأولى من القرن الماضي، لذا يمكن اعتبار  انجازات جيل عبد الستار ناصر هي ذروة ما وصل إليه الفن القصصي العراقي بشطريه القصة والرواية من نضوج ووضوح رؤية واتحاد بين الشكل والمضمون،  ومعالجة أكثر واقعية لمشكلات المجتمع العراقي، واستخدام التكنيكات السردية الحديثة، متخذين من الرمزية أسلوبا ناجعا للتعبير عن أصل هذه المشكلات، بسبب الضغوط السياسية التي كان يعانيها القاص في تلك المرحلة من قبل الأنظمة القومية والبعثية التي كانت تحكم العراق، وقصة سيدنا الخليفة يمكن اعتبارها إحدى إفرازات تلك المدرسة على الرغم من الأسلوب التقريري المباشر ذو النزعة التهكمية  الذي انتهجته.

 إن استخدام الرمز في الأدب الغربي اختلف من حيث الشكل كما هو موجود في الفن القصصي العربي والعراق، فالقاص الغربي كان يلجا إلى الرمزية للتعبير عن المشكلات المعقدة التي يعانيها مجتمعه بسبب التطور الحضاري والصناعي السريع وطغيان الفكر المادي وسيادة النزعة الفردية على حركة الإنسان داخل تلك المجتمعات، وانزواء الجانب الروحي فيها، كنتاج لنظرية الحداثة وما بعدها، اما القاص العراقي فان الرمزية شكلت له وسيلة للهرب من الملاحقة القانونية اذا ما تحدث عن هذه المشكلات بطريقة مباشرة، وقد سبق ظهور المدرسة الرمزية بعقود طويلة فن آخر اعتقد انه كان يمثل الأساس الحقيقي لها والجذر الذي انبثقت منه وهو، أدب الرؤية الذي يعد من أوائل الأجناس الأدبية الحديثة التي ظهرت في الغرب واستخدمت من قبل بعض أدباء عصر التنوير للتعبير عن آرائهم الجريئة والخطيرة بصورة غير مباشرة، اتجاه الأنظمة الحاكمة والكنيسة، كما فعل مونتسكو حين كتب رؤيا عن شاب فارسي يزور فرنسا فينتقد الكنيسة بطريقة لا يمكن لأي فرنسي أن يفعلها في ذلك الوقت خوفا من بطشها، وهذا النوع وصلنا عن طريق الكاتب التركي نامق كمال الذي كتب وترجم في هذا الفن الأدبي، وترجمت رؤاه الى العربية  من قبل الشاعر معروف الرصافي.

سيدنا الخليفة .. قصة قصيرة نشرها القاص عبد الستار ناصر عام 1975، مستخدما فيها الرمزية التي اقتصرت على العنوان فقط، وأما ما طرحه الكاتب في ثناياها فما هو إلا صرخة رفض مدوية وجرس إنذار للمجتمع العراقي بان ما يحدث هو بداية مرحلة سياسية جديدة في العراق، ستسود فيها العشيرة والعائلة والحكم الفردي على جميع مفاصل الدولة العراقية وسَيُرهن العراق بثرواته وشعبه وحضارته لهذه المنظومة الحاكمة (أن القائد الذي جرّنا إلى التظاهر في وجه الخليفة وضد ما يسميه بالحكم الفردي أو الحكم العشائري، قد انسحب بكل جبروته وأنفه العريض إلى مولانا الخليفة وقد نصبه (محافظا) على جنوب الوطن العزيز)، هذه المنظومة الحاكمة التي أطلقت بالون اختبار كبير في فضاء العراق، لجس النبض ومعرفة مستوى الممانعة التي سيبديها هذا الشعب اتجاه قرارات كانت لا تمثل التوجه الحقيقي للنظام انذاك ذي النزعة العلمانية، هذه القرارات التي قيدت الحريات الشخصية وفرضت وصاية صارمة على حركة الفرد العراقي داخل مجتمعه، والتي انتخذت طابعا دينيا متشددا يعيش في حالة تناقض مع الوجه العام للدولة كما عبر عنه القاص .. (حياة سلفية ضمن حياة عصرية).

تبدأ القصة بعبارة خطيرة (حرارة أجسادنا تفوح من المسامات وفوق أجسادنا ونحن في الشتاء، يمكن أن تسلق شيئا من البطاطس والبيض، فقد نصت قرارات الخليفة على أن تعرق في الشتاء وتلبس الثياب الصوفية في الصيف)، ثم ينتقل القاص إلى انتقاد تلك القرارات الجائرة بحق الفرد العراقي والتي وصلت لدرجة تحديد ما يلبس وكيف يتصرف بتعبيره (لقد منعوا كل شيء)، باستحضار شواهد تاريخية كانت يتطلب ذكرها جرأة كبيرة وغير مسبوقة كان أولها الحجاج بن يوسف الثقفي بكل ما يحمل من ارث دموي وسم به تاريخنا الإسلامي، ثم الحزب النازي الألماني، ذلك الحزب الذي جر على البشرية الويلات والدمار في مقاربة موضوعية مع الحزب الحاكم آنذاك، ثم ينتقل لذكر شخصيتين الأكثر وحشية في التاريخ الحديث، نوسكيه احد الزعماء النازيين، والماركيز دي صاد صاحب نظرية (المتعة الشخصية المطلقة) الغير مقيدة بأعراف اجتماعية او مبادئ أخلاقية او قيم دينية..(عند أبواب الخليفة لا ادري كيف أو من أين ولماذا يحتفظون بتمثالين من الشمع لنوسكيه رئيس القصابين الهتلريين عضو الرايخشتاغ بطل اسبوع الدماء في برلين، وآخر للماركيز دي صاد، عميد الشاذين جنسيا).

وفي إشارة إلى انزواء القوى الوطنية وتخاذلها في تلك المرحلة الخطيرة من تاريخ العراق الحديث، وترك الساحة مفتوحة للنظام وأعوانه وخذلانهم للقوى الناعمة من الشعب التي تصدت لهذه القرارات الجائرة،  يشير الى شخصيتين  ذات دلالتين الأولى مثيولوجية والأخرى دينية، يوليوس قيصر الذي خانه اقرب الناس إليه ومسلم بن عقيل سفير الحسين إلى الكوفة الذي قتل بعد ان تخاذل الناس عن نصرته (نحن المتظاهرين الشرسين أحفاد الموت الكبير الذي لمّ يوليوس قيصر ومسلم بن عقيل، وقد انغرست عبارتنا في العروق النافرة قبل أن نمدها إلى آخر الجدارين الملتصقين بزاوية قطرها تسعون درجة).

سيدنا الخليفة .. قصة قصيرة لقاص ثائر تحمل انثيالات  فكرية وسياسية كبيرة، قد لا تسعها رواية كبيرة، إلا أن قدرة القاص عبد الستار ناصر الاستثنائية على الاختزال وتمكنه الكبير من اللغة مكناه من أن يستحضر مأساة شعب بأكمله في عدة سطور، دفع ثمنها سجنا وتعذيبا لمدة عام كامل .. ذالك العاشق العظيم لأدبه وبالأخص للقصة القصيرة والذي أطلق على نفسه لقب الحكواتي يقول حبا فيها (لا اعرف اليوم كيف يمكن أن تستمر حياتي بدونها).. لكنك رحلت ياسيدي القاص عبد الستار ناصر وبقي أرثك الأدبي نستحضره في ذواتنا وأقلامنا.

 

احمد عواد الخزاعي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3641 المصادف: 2016-08-24 04:17:40


Share on Myspace