المثقف - قراءات نقدية

حامد كعيد الجبوري: قراءةٌ وعرض ديوان شعري: لدمشق هذا الياسمين

960-HAMIDضمن سلسة الشعر (2) لعام 2013 م / منشورات إتحاد الكتاب العرب دمشق صدر ديوان شعري (لدمشق هذا الياسمين) للشاعرة (ليندا إبراهيم)، والديوان يقع ب 100 صفحة من الحجم المتوسط أخرجتهُ فنياً (وفاء الساطي)، يحتوي الكتاب على 29 قصيدة من ضمنها قصيدة الإهداء، 9 قصائد عمودية و20 قصيدة التفعيلة .

ومجموعة الشاعرة (ليندا) الشعرية مستهلةً تهديها، (السلام على الشعر / مني على الشعر أزكى السلام)، وتسترسل (على مفردات من النور / جئن كدفق الغمام) .

سئلَ أحد الأعراب الشاعر المتصوف الحلاج – (أبو عبد الله حسين بن منصور الملقب بالحلاج 244 هـ – 309 هـ ) – ما في جبتك، فأجابه الحلاج (ما في جبتي غير الله)، وبسبب هذه الإجابة أتهمَ الحلاج بالزندقة وشنق بحضور جمع كبير من عامة الناس، ولأن دمشق الحاضرة العربية التي احتضنت الفكر العربي واليساري، وقدمت الكثير للشعوب العربية وللإنسانية، لذلك تكافَئُ من بعض الدول (المتأسلمة) والمستعربة لطمر هذه الجذوة الفكرية والحياة المدنية التي ألفتها الشام منذ أسست ومصرت وليومنا هذا، وتنبري الشاعرة ليندا ومعها من أحبَ الحياة والضياء والزهور للدفاع عن معشوقتهم ومقدستها الشام لكي لا تُشنق كما شنق الحلاجُ الذي قرأتهُ بتمعن وروية، وتحاولُ محاكاة عشقها المتوحد مع ذاتها الدمشقية التي جبلت عليها، (ولها من الفردوس، حورٌ مائسات، عند غوطتها، يفحن شذى، على عتباتها)، ولأن الشام ودمشقيتها التي ألفت وتآلفت، (مآذن النجوى، نواقيس التذكر، هيكل الإيمان، محراب اليقين، تهجد النساك، في غرفاتها)، وتجزم الشاعرة (ليندا) أن دمشق عصية على أن يطمس ذكرها ويمحى تاريخها العريق، (دمشق بادئة الزمان ومنتهاه، المصطفاة من المدائن روحها وصفاتها) .

يمكننا أن نحيل قصائد ديوان الشاعرة (ليندا) لعدة أغراض شعرية، القصائد الوطنية، الوجدانية، الذاتية، قصائد الغزل، ولا أتمكن كقارئ ومتذوق لما تكتبه (ليندا) أن أقتطع بيتاً وأكتفي ويكتفي معي القارئ بتشكيل حصيلة أدبية ورؤية لوحدة موضوعة القصيدة إياها، القصيدة عند الشاعرة سلسة متواصلة إن تفرطَ عقد جمانها أضعنا مضمونها وشتتنا حبيبات مسبحة قصيدتها وما تريده الشاعرة بكل بيت من الشعر، بل وفي أي شطر من قصائدها، وبخسنا حقها في ما تريد إيصاله لمتلقيها ولمتذوقي ما تكتبه .

(من أين أبتدئ الغناء / ولمن سأهدي قبلتي الأولى)، ونتخطى عتبات حنينها في قصيدتها (أمي) لنصل، (وكل ما في الكون أبيض جاء / من وجهٍ لأمي / كان شمسا صيغ من ذهب السنابل)، وحين تغادرها طيوف ملائك أمها التي حطت على شرف السماء تقول، (طوبى لها / اليوم أبتدئ الصلاة لوجهها / واليوم أبتدئ الغناء) .

أحاول جمع بعض شذرات من ديوان (لدمشق هذا الياسمين) أجلي بها ركام إسفاف ما تسمى قصائد البعض من المتشاعرين، وما أكثر أدعياء الحرف الذين أساءوا للذائقة الأدبية وشوهوها، فالحرف والقصيدة عند الشعراء – الشعراء - محراب مقدس لا يلجون عبابه إلا على دراية باللغة ونحوها، والبحور العروضية وميزانها، مستثنى من ذلك القصائد المنثورة .

960-HAMIDمن قصيدة سورة الحب، (رباه هذا الحب يشبهني / ومنذ الصبوة الأولى / أسبح باسمه / أني أنا الأنثى التي أرخت جدائلها / على عرش القصيدة)، وتقول (أنا فتنة الأنثى / تفيض على مدارج دوحها عطرا / وينسكب الغمام) .

في قصيدة (خالقة) تؤنب الشاعرة مخلوقها الحبيب وتزدريه، وعلى النقيض تعد – تحسب - له أفضالها عليه لتمجيده وإعلائه، ولأنها الربةُ تجده أقل شأنا منها فتترك مخلوقها قائلة له، (أمجد ما خلقت / وقلت / يا روحُ استريحي من عناء الخلق / ثم منحتك الاسم الجليل) .

من حزنها في قصيدتها (أغنية الشتاء) فالى من تهدي شتائها الحزين، بعد أن عتّقوها بقارورة الصمت، وزفوا لها الظلمَ والظلام بسنين ربيعها لتجترح قوتها من طاهر جرحها وتسد جوع حنينها بدفاتر حبها العتيق، ولتكتب رثاء الاشتياق والبعد والوصل والصد والعشق والشهد المرير، و(حشدتُ حروفي مواكب نور / تشيِّع هذا الأمان الخؤون)، ولم تيأس بل (وتهدي لأفئدة العاشقين / غناء ورود شتائي الحزين) .

في قصيدة (نقش حناء على صدر السويداء) تؤطرها (الى سويداء القلب وشامة الوطن) فتقول، (أتيت فأنسكبي برداً على كبدي / يا حنطة القلب يا دنيا من الأبد / أتيت أحمل قلبي ديمة هطلت / على ذرى صدرك المزدان بالبرد / وفي يدي بعض حناء سأنقشها / على ترائب فيهن الجمال ندي)، وتؤمن الشاعرة بأن شامها والسويداء بنيت، وعَلت وبقيت، وقاومت لأنها (بصرح من المجد / جدرانه عمِّدت / بدم الشهداء)، ولذلك أضحت السويداء الكبيرة والشام الأكبر (وطناً شامخاً / وأرضاً تضج / نخيلا وقمحا)، وأضحت حاضرة إنسانية (وعشا لعصفورة / ويمام) .

الحلول في الذات الخالقة لا يعد سبة أو ذنباً ليرمى صاحبه بالزندقة أو الكفر كما أرى وأفهم، (يا عبدي أطعني تكن مثلي، تقل للشئ كن فيكون)، وهي غير الاعتقاد بحلول الخالق بالذات المخلوقة عند أهل المنطق والروحانية وهو الكفر كما يروون، وفيه اختلافات فقهية عند مذاهب المسلمين لست بصدده، ووجدت بعض الإيحاءات والإشارات والشطحات الصوفية نقرأها ببعض قصائد الشاعرة (ليندا إبراهيم) ومنها قصيدة (صوفيات)، وقصيدة (هائم)، وقصيدة (مقام الهوى)، وقصيدة (نفحات)، وبعض أبيات متفرقة بمنصوص قصائد الديوان، من قصيدة نفحات نقرأ، (ففي فؤادي خوابٍ من سلاف هوى / مذ عتقت في دنان الحب أعضائي / ومذ تعرفتُ في قلبي ثمالته / أبصرت في لوحهِ العلويَّ أسمائي / .... حيث الطيوفُ غريراتٌ مولهةٌ / بالعشق تسكن بين الحاء والباء / هذا هو الحب إذ أحيا به وله / فأن فنيت ففي أيديه أحيائي)، ومن قصيدة مقام الهوى، (سفري طويل / والقصد دوحك / والشمول)، وفي قصيدتها (نفحات) أكثر من تسائل وإجابة واعتراض، القصيدة في شطر بيتها الثالث تقول، (هو الله يأتي بالزمان وأهله) حقيقة لا مناص منها، وتتساءل في عجز نفس البيت وكأنها تقول لماذا، (وتهوي عليهم بالمنون معاوله)، وتستعجب بقولها في البيت الخامس من نفس القصيدة، (وتحصد كف الموت أرواحنا غدا / كأنا لديه حقله ..وسنابله)، وتمضي متسائلة وصولاً لقناعة الوجود المطلقة فتقول، (وإما تجلى الله للروح أترعت / من المطر القدسي ما شاء وابله)، ولا يفوتها وهي بهذا المحتدم من الرؤى والقناعات والتساؤلات أن تشير لذاتها، (بروحي مسيح الحزن ضجت جراحه / وجسمي من الأرزاء ينهدُّ كاهله)، لتخلص خاتمة لمعشوقتها الشام فتقول، (عليك أيا أم الزمان سلامنا / إذا بيرق بالنصر لاحت أوائله / فشام الدنى أرضي وفيها ملاعبي / تسامق فيها المجد صرحاً تطاوله) .

بين هذا وذاك من الإغراض الشعرية تشكلت عند قراءتي المتأنية لديوان (لدمشق هذا الياسمين أن الشاعرة كانت بقصائدها، واختياراتها، وبحسن معانيها، وجزالة ألفاظها موفقةً، وأزعم أنها غير موفقة مع من تحب، ودليلي لذلك مسحة الحزن، ولؤلؤ الدموع والأسى الذي يفيض من جوانب قصائدها الذاتية ففي قصيدة (المرض الأخير لأبي الطيب المتنبي)، (روحي / تكابد وجدها الأقصى / وعمري طاعن بالحزن .. قلبي مطفأ القنديل / لا زيت فيسرج هذه النفس الجموح / ولا بقايا من عراق الروح / أو ذكرى حبيب) .

الحزن يؤججه الانتظار، الرغبة ونقيضها، اللقاء والصدود، الدفء والثلج، الأنوثة المحترقة، الخذلان والخسارة، تجتمع بين سطور أبيات قصيدة (أرق)، (قلت سأسرج / القمر المسافر / كي يراني أجمل امرأة، وأوقد رغبتي / كي يهتدي لحقوله العطشى / وينثر شجوه الحاني على قلقي .

لدمشق هذا الياسمين ديوان شعري ينبأ عن طاقة شعرية إبداعية في زمن يندرُ أن تجد شاعرة تحسن لغة التخاطب، بلغة عربية غير ملحنة، فضلا عن بعض الشعراء أيضا، ولا غرابة أن الشاعرة (ليندا) تتقن اللغة العربية ونحوها، الشعر وأوزانه، لأن جذورها المعرفية تتصل بعراقة عائلتها التي أنجبت الكثير من المشايخ، الذين تعتبر اللغة العربية حبلَهم المتصل بالدين والمعتقد، وتمتلك الشاعرة أذنا موسيقية تمييز فيها عروضيا بين هذا البحر وتلك التفعيلة، لذا نجدها تكتب قصيدة التفعيلة من بحرٍ تختاره، وربما نجد بنفس القصيدة مختارةُ البحر أبياتا عمودية، وهذا بزعمي متأتياً من إتقان نحويٍ وعروضي، أبارك للشاعرة ليندا إبراهيم هذا الفيض من الياسمين الذي أغرقني بفوحان عبيره الياسميني .

 

ببلوغرافيا:

ليندا سلمان إبراهيم

شاعرة وأديبة - مواليد دمشق

الشهادة: الهندسة – جامعة تشرين

العمل: وزارة الثقافة السورية - مديرية ثقافة طرطوس

مكان الإقامة: سوريا – محافظة طرطوس ..

عضو اتحاد الكتاب العرب – عضو جمعية الشعر

عضو نقابة المهندسين السوريين

عضو لجنة التمكين للغة العربية

عضو جمعية العاديات الثقافية الأهلية

الجوائز:

- جائزة المجاهد الشيخ صالح العلي الشعرية 2001

- جائزة مسابقة أمير الشعراء 2013 /دولة الإمارات العربية المتحدة - أبو ظبي /

- جائزة نازك الملائكة للإبداع النسوي العربي /بغداد / العراق/ 2014

- جائزة عمر أبو ريشة للشعر العربي سوريا 2016

 

صدر للشاعرة ...

1- "لدمشق هذا الياسمين" مجموعة شعرية صادرة عن اتحاد الكتاب العرب –سوريا 2013

2- "فصول الحب والوحشة" مجموعة شعرية صادرة عن وزارة الثقافة السورية 2013

3- "لحضرة الرسولة" مجموعة شعرية صادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب 2016

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3717 المصادف: 2016-11-08 13:02:01