المثقف - قراءات نقدية

يوسف عبود جويعد: وضع النقط على.. في.. نقط

yousif aboudjoaedتقدم لنا القاصة وفاء عبد الرزاق في مجموعتها القصصية (نقط) عالم سردي، خلقته لها ليخرج هذا الجنس من سماته وصفاته وشكله ومضمونه واطاره الذي اعتدنا عليه، الى حيث الابتكار والابداع والتجديد والتجريب فنكتشف الرؤيا الجديدة لعالم فن صناعة القصة منذ التوطئة التي اشارت اليها القاصة كمدخل يساعد المتلقي لسبر اغوار النصوص السردية (السم والرصاص ..)

اسمان يحملان الماضي والحاضر، وحتى المستقبل، هل يمكنني قتل من فتح الباب خلسة وأشعل نار الاورا ق؟

هل حين المس النقط لأضعها على لحروف اقرأ رسالة بعث بين صمت الاقنعة)

وهكذا تتضح لنا ملامح الاشتغال السردي، ومدى علاقة وارتباط النقط في المبنى السردي واهميته، فأحياناً تكون تلك النقط علامة من علامات التحليل للنص السردي، التي استطاعت أن توظف فيه هذه النقاط في مسار الاحداث ليساهم في تشكيل النص ويكون جزء مهم منه، فنجد تلك النقط اجابة لمحتوى النص السردي في وضع النقاط على الحروف كحالة من حالات الانفراج لواقع الحدث المنقول الذي يمثل ادانة واضحة لإنعدامه من القيم الانسانية، وفي رؤية ثانية نجد النقط تمثل سر جمال الحياة، وخلوها من النقط يجعلها قاحلة بائسة قاسية، فالرصاصة بدون نقاط، والمسدس بدون نقاط، وفي رؤية اخرى نجد النقطة علامة من العلامات النقص (ناقصة) وهذا يشير الى رؤية المجتمع ونظرته للمرأة كونها ناقصة عقل ودين، وهو من الطبيعي مفهوم خاطئ ومتخلف وهكذا فأن النقط دخل المبنى السردي كجزء يشير الى دلالات رمزية مهمة تساهم في شد الاحداث وتقويمها وتوضيحها وتطورت رؤيتها نحو وضوح جمال النص، ثم انتقلت القاصة الى معالجة ثانية وظفت ضمن السياق الفني للمبنى السردي، وهو انها جعلت من الاحداث والشخوص لتلك النصوص عالم يخصها وحدها وعليها أن تقدمه كيفما شاء لها ذلك لذا فأنها دخلت غرفة يلفّها الصمت والسكون لاتسمع فيها سوى انفاس ابطالها، ولا ترى سواهم، وأختارت لكل نص كرسي، وحرف، ونقط وهي عملية سردية مضافة لواقع الحدث المستقطع من اوجاع الحياة وأنها جعلت هذا الكرسي بثلاث ارجل، كرسي اعرج وبهذا تشير للحالات التي اختارتها والتي تشبه الكرسي كونها عرجاء (أكتب كما أشتهي عرض الوجوه... لذا جمعتهم على كرسي بثلاث ارجل ... أنه الزمن الاعرج .. طاولة كبيرة تتوسط غرفة جلوس تسع اثنى عشر شخصاً، هي مثلهم بثلاثة، المكان غارق بالصمت، وحدي أستمع اليهم، وأجنّد مخيلتي لاستخراج الاحاديث من صدورهم .. هم جلسوا، كل على طريقته ..) ولم تكتفي القاصة بالاحداث المستقطعة والمنتقاة من قاع الحياة، وانما استطاعت أن تضعهم على طاولة السرد، وتجلسهم على الكرسي الاعرج لتستخرج من كل واحد حكايته حسب مايراه هو، ومن ثم حسب ماتراه القاصة كأنعكاس نفسي مر وحزين، ثم ادخلت النقط والحروف بنقط وبدون نقط في فضاء السرد كثيمة مهمة ومكملة وهي حزء ملتصق بالمسار السردي، وجعلت جميع عناوين النصوص بدون نقاط، وهي تشير بذلك الى عدم فائدة النقط في حياة لانملك فيها الارادة في التغيير وفي كل كرسي اعرج تضع فيه القاصة نصها السردي لاحداث سردية عرجاء، مستخدمة فيه حرف (الراء) في اشارة منها الى تلك الحياة القاحلة القاسية المؤلمة، التي تخلو من نقطة ضوء، نقطة امل، نقطةعبر نافذة تطل فيها الى متنفس الحياة مستخدمة لغة تعبيرية قريبة من اللغة النثرية، وعميقة المعاني وتداعيات حرة تطلقها بطلة القصة وهي تقوم بمهمة سرد الحدث في قصة (الراء والمسدس...) تقدم لنا حرف الراء كمسار لمبنى السرد، للحياة التي هي بلا نقاط تشبه حرف الراء، زوجة تعيش مع رجل بخيل الى الحد الذي فيه لا يستحم، خوفاً من الصابونة أن تصل الى النصف، ووجبات الطعام الفقيرة باذنجان شوي، واحياناً خضار وخبز، وعندما تدخل جارتهم بالتفاح يغتاظ كونه يضطر أن يملأ الماعون بفاكهة ليعيده، ولها خمسة اطفال، وهي تصفه بالنتن القذر وله خواء الثور وترقع قمصان ابناءها (غموسنا اليومي كالعادة، صنف واحد تنقصه كل مقومات الطهو.. جود الثلاجة بلا جود كصاحبه، اكتفينا بوجبة باذنجان مشوي مراراً، ومراراً بخضار وخبز.. اهبل، وخبيث، اجتمعا في بخيل وسخ..) وهكذا فأن شخصية الزوج البخيل القذر، كانت سبب في تدهور حياة هذه المرأة التي تحملت وزر سلوكه الاعرج.

 ونلاحظ أن القاصة عند نهاية النص تضع لمسات سردية ساحرة تؤلف فيها الحالة وتعكس تداعياتها (روضتك لتصير صاحبي الاوحد وتبقى وحدك .. جرب يوماً أن تبقى وحدك .. وحدك بلا نقطة .. ربما ستدرك أن الراء بلا نقطة ) وعلى الكرسي الثاني الاعرج، تقدم لنا القاصة نصاً آخر اعرج، وتستخدم فيه حرف (الغين) ذات النقطة الواحدة، الذي يخرج كأنه غصة في البلعوم او غرغرة توجع الصدر، في طرح جريء وغريب لم يشهد له العالم السردي مثيل، اقتنصت القاصة حالة تحمل الغرائبية في الطرح، والجرأة المتناهية في قصة (حرّ طاوع حرّه) فهي تضع امامنا ومن خلال الكرسي الاعرج الثاني حكاية عرجاء، يكون حرف (الغين) فيها سيد النص، والقاسم المشترك لمسيرة الحركة السردية حيث نعيش حكاية صبي منذ طفولته، ووفاة ابيه، وبلوغه سن الثالثة عشر من عمره وزواج امه مرة ثانية، الا أن ملامح زوج امه تتسم بالهمجية والقسوة والجبروت والطغيان، وهو يعامل امه بكل عنف ويطوي الحزام ويضربها حتى تنزف دماً، حتى باتت لا تطيقه على فراش الزوجية، الا أنه كان يأخذها عنوة، والصبي يرصد حياة امه القاسية والضرب المبرح الذي تتعرض له ولم ينتهي الامر الى هذا الحد بل أن همجية هذا الزوج وصلت الى حد مضاجعة الصبي من مؤخرته وكان الصبي يتحمل هذا التصرف المنحرف تضحية منه لتخفيف آلآم امه التي لا تعرف هذا السر(عمري ثلاثة عشر عاماً،وصرخة أمي لم تنم في اذني، كانت اذني تصرخ وجسدي الطري يصرخ لكن الصوت اخرس ستموت امي كمداً لو عرفت بأني نزفت مثلها، هي من الثدي وانا من مؤخرتي، ومن تلك الليلة لم يضربها ولم يقترب منها وأن رفضته ولم يلح عليها) ص 18 وفي هذا النص المسترسل برحلة الم لا تبرح الذاكرة وتظل عالقة فيها الذي ينتهي بموت الام، وقد خالح الصبي شعورين هما حزنه على امه، والثاني فرحه لانه احس أن امه ارتاحت من رحلة الالم وهو وجد له طريقاً للخلاص .

966-wafaaوتظل النقطة غصة مخنوقة، في كرسي اعرج مجنون ثالث ومع حرف (النون) الذي هو اشارة الى النظرة المتخلفة بكون المرأة ناقصة، نعيش حالة من التداعيات العميقة الى حد الالم والاختناق حزناً مع فتاة وحيدة بين اخوة ذكور، وهي تقوم بمهمة سرد هذا النص بلغة روحية تخرج من اعماق الالم، لتقدم لنا حكايتها التي بدأت بتهميشها وعدم رضا ابيها بولادتها، كونه يريد اكمال عدد الذكور عنده، وارغامها على الزواج من رجل كبرها بعشرين عاماً،أن الاحساس الذي ينتابنا ونحن نسير مع حركة سرد هذا النص يصل بنا الى حد الاختناق رغبة بالبكاء، الا اننا لا نستطيع أن نطلق صرختنا وتبقى الرغبة في البكاء مخنوقة في اعماقنا (لم لا اهرب، سأهرب كثيرون ساروا في قوافل الرمال، كثيرون اطفأت احداقهم الحدائق وقت برد دون غطاء،كثيرون ارتموا بين الارجل الدافئة، كثيرون مازالوا تبحث عنهم الشرفات الفارغة . كثيرون مثلي،،، كثيرون وحدهم، كثيرون خانتهم نقطة البدء،، كثيرون نحن...) ص 29 وفي الكرسي الاعرج الخامس، نكون مع قصة (الممحو) التي تتناول حالة الضياع والفقدان ثم الطريق الى التسول (تكاثرت حولي ناس لا اعرفهم، وجوههم مثل وجوه اسرتي لكنها تختلف عنهم بوساختها،قذارة اظافرهم وملابسهم الممزقة لا تشبه اسرتي،أنقذني منهم رجل ضخم وامسك بيدي متسائلا...!

لم اعرف ماذا قال لكنه واصل السير خلف الكلب ممسكاً بيدي) ص 42 في الكرسي الاعرج السادس، نكون مع نص سردي اعرج مجنون يحيطنا بحالة الذهول ولانبهار، ويحيل حواسنا الى كتلة من الالم، ونحن نعيش حالة الضياع والتيتم والالم، وما خلفته الحروب والانفجارات والموت والاشلاء المبعثرة على هذا الشعب المبتلى، والفقير الذي يدفع ثمن فقره بؤس وشقاء، في قصة (لص) في هذا المبنى السردي الزاخر بحكايا محتدمة متوترة متصاعدة، وهي تصل حد الذروة في بناءها منذ بدايتها حيث نعيش حالة يتيم فقد اكثر من نصف عائلته في انفجار، احالهم الى اشلاء مبعثرة، ولم تبق له سوى امه واخته الفقيرة، التي تنتظره وهو يفتش في مزابل المدينة عن القناني المعدنية الفارغة، وهم يسكنون بيت من الصفيح والاملاق يأكل احشاهم، لاشي في اجسادهم سوى نتوءات عظام بارزة، وعندما يعثر على لعبة في المزبلة ليقدمها لاخته هدية تفرح بها يمسكه الشرطي متهماً اياه بأنه فرد من اعضاء العصابة التي خطفت الطفلة التي كانت تلك اللعبة معها، ويستطيع الانفلات منهم والهرب الى الصحراء حيث التيه والضياع (سأنتصر عليك وانقّي جياع المزابل من العرج، اصنع لهم ارجلاً من لحم ودم وليست صناعية فالارجل الصناعية للمبتورين الاثرياء،، ولنا السماء الماطرة بالارجل..) ص 49

حفلت المجموعة القصصية (نقد) للقاصة وفاء عبد الرزاق بأثنتي عشر كرسياً اعرج تتمحور بين ثناياها النقط لتشكل الثيمة التي تلتصق بمسار السرد، التي هي احداث مستقطعة من صميم الحياة التي خلفتها لنا كوارث الحروب، ونيران الرصاص، تروي لنا حكايا من قاع هذا الواقع بمعالجات فنية جديدة يظهر فيها الجهد الفني والخبرة المكتسبة والتمكن في ادارة دفة الاحداث وتوظيفها، حيث ان القاصة استطاعت في هذه المجموعة ان توظف الاحداث لتكون طيعة مرنة كما شاءت لها ان تكون في تناول مبهر...!

 

دراسة نقدية للناقد يوسف عبود جويعد

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3733 المصادف: 2016-11-24 00:56:34