المثقف - قراءات نقدية

يوسف عبود جويعد: عالم الغرائبية في: مرأة بزي جسد

yousif aboudjoaedتوليّ القاصة وفاء عبد الرزاق في مجموعتها القصصية (امرأة بزي جسد) اهتماماً خاصاً في بنية العنونة التي تعتبر العتبة النصية والمدخل لكل نص قصصي،شأنها في ذلك شأن كل القصص والروايات التي تكتبها، والذي يساهم بشكل واضح في نقل البؤرة النصية، الرؤية التي تتوخاها القاصة في تناول نصوصها السردية، وله معالم اخرى، منها الفلسفية، والاجتماعية، والنقدية، والتعبيرية، وهو ينقل ايضاً جزء كبير من ثيمة النص، وتكتنفه كتلة من الغموض التي لاتكتمل و لا تظهر معالمها الا بعد الانتهاء من النص،أي أن العنوان يسير مع الاحداث بحركتها التصاعدية المتواترة ويبدأ بالوضوح مع وضوح عالم السرد للقصة،وله تراكيبه الغرائبية المنتقاة،وله ايضاً تراكيبه الفنتازية في التناول، وبهذا فأن بنية العنونة تنتمي في اختيارها الى السياق الفني والاسلوب الذي تختاره القاصة كمحور لنسج الاحداث السردية، وهذا ماسوف نكتشفه من خلال رحلتنا مع هذه المجموعة التي كتبت بنمط الواقعية الغرائبية والفنتازيا، اذ ان القاصة تلفت انتباه المتلقي الى اشياء جديدة لم يألفها من قبل، وتؤكد على ان بالامكان اشراك المعالم والاشياء التي تحيط بالانسان، وبأمكانها أن تكون فكرة ناضجة لكتابة نص قصصي، كونها تشترك مع الانسان وتحيط به وهي جزء لايتجزء من كينونته، السيارة، موائد الطعام،الحافلة، الشجرة، الحيوانات، الجراد،الخيال، الحلم، الوهم،حيث ان القاصة استطاعت ان توظف هذه العوالم وجعلها نصوص قصصية تعكس فكرة الحدث من خلال رمزها ودلالاتها،حيث نحت المجموعة هذا المنحى في كل نصوصها السردية، فلم تكن هذه المجموعة قد نقلت الاحداث السردية بشكلها الذي اعتدنا عليها، انما سوف نجد الغرائبية تدخل في بناء النص بشكل ملفت للنظر، حتى الاهداء الذي استهل هذه المجموعة ينتمي الى هذا العالم الغريب الذي تدعونا اليه في هذه الرحلة (بين الولائم ثمة روح تحتضر، أو تنتظر التفاتة ضمير. لذا...لا اطمح الا لمعاتبة قمح الانسانية على كفره) وفي هذا اشارة واضحة الى هذا العالم الغريب الذي ينضوي تحت ثنايا هذه النصوص، وهو تساؤل لا يمكن ادراكه الا بعد الفراغ من تناول المجموعة، وفي قصة (لها، لي، لا اعرف) الذي ندرك حال اطلاعنا على هذا العنوان الغريب أننا سوف نولج هذه المعترك الغريب في اول خطوة، في هذه القصة نكون مع امرأة تعيش في مسكنها لوحدها، الا انها تشعر ان هناك امرأة اخرى تعيش معها، وتتحرك كما تتحرك،عند وقوفها امام المرآة،وفي اكلها ومنامها وشرابها، وحتى عند خروجها تخرج، وعند العودة تعود معها، ونبقى نعيش هذه التفاصيل الغريبة الى  الحد الذي نشعر كما تشعر المرأة  بالارتباك، ويكون تساؤلها الذي يوضح بنية العنونة ويربطها مع محور النص،هذا البيت لها، أم لتلك المرأة، لاتعرف؟، (بخطوات حريئة صعدت السلّم فتحت دولاب ملابسي وخبأت حقيبتها المتواضعة وارتدت نعلي الخفيف واعدت لها كوب شاي وجلست تتفرج على شاشة تلفازي ماسكة بيدها " الريموت كنترول" المتوتر مثلها، كلما دخلت على محطة خرج على الشاشة خنزير،أغلقت التلفاز وصعدت غرفة نومي، سألتها: من انت ؟ اجابت : لا ادري، اجبتها،وانا لاادري . فعلا لا اعرف هل الدار لي أم لها،لا اعرف) ص 9 . وفي قصة (مقلوب سائق) نعيش هذه الحالة الغرائبية التي امتزجت مع الفنتازيا لتشكل نصاً سردياً،حيث نكون مع عالم السيارات (التاكسي) ومايحدث فيها من جهة من خلال الشخوص الذين يملكونها، والعلاقة الغريبة بين انواع السيارات في موديلاتها المختلفة، والتي استطاعت القاصة من خلال هذا النص أن تجعلنا نحس بأن السيارات لا تختلف عن الانسان، فيهم التعبان، وفيهم القديم، وفيهم الغني، وفيهم المدلل، كذلك حال السيارات، وحسب انواعها، الشوفرليت، والتيوتا، والروز رايلز،وهناك علاقة عاطفية بينهم،وهناك علاقة قرابة بينهم، كما يكشف لنا سمات وملامح مالكيها وأسرهم،وكيف يعيشون ؟،وهي تريد في ذلك أي القاصة أن تشرك المتلقي لفك هذه التركيبة الغرائبية ومعرفة طلاسمها،(أنتهز فرصة تجمع العائلة وأغازل الــ " بي أم " هو يحبني، وثري كصاحبه وعدني بالزواج الملعون طلع غدارا خانني  مع " مرسيدس " جارتهم بعد ان فعل فعلته معي، لماذا الذكور هكذا لايشبعون من واحدة ؟ واحدة بيدهم وعيونهم على العشرات في الخارج .) ص 19، وهذا النص بتناوله المركب بين الغرائبية والفنتازيا، يكشف لنا الحياة وموقع تلك السيارات من هذه الحياة، وكم الاسرار التي تحويها حواضن السيارات، وفيها مدلولات رمزية كبيرة، مضافاً الى الحالة المبهرة التي دارت فيها القاصة دفة الاحداث السردية لهذا النص،اما قصة (طفل بصحن هريس) والتي نكون من خلالها في حضور سيدة لوليمة فاخرة فيها ما لذ وطاب من الطعام والشراب والحلوى ولحوم مختلفة، الا أننا ننساق مع حركة السرد الى شكل آخر من العالم السردي، أذ أن القاصة لم تكتفي بجعل هذا النص غرائبياً فقط بل أنها ذهبت الى ابعد من ذلك بكونها استحضرت حالة المجاعة التي المت بالعالم فظهرت تلك المعالم، أي عالم المجاعة والعوز والفقر، في صحون الطعام، حتى أن تلك السيدة فقدت شهيتها الى الطعام، ولم تسطع تناول أي نوع من انواع الطعام، لاصابتها بوعكة في معدتها اثر تلك الصور التي تظهر من صحون الطعام، ورغم الحاح الجميع على ضرورة تناول الطعام، الا أن هذه المناظر حالت دون ذلك، ولما اقنعتها احدى السيدات لتناول صحن من الهريس، رأت صورة طفل جائع يسبح في وسط الصحن ويحاول أن يصل حافة الصحن، وعندما وصل حافة الصحن ارتمى متعباً، أن الرسالة الانسانية كانت واضحة في هذا النص بالرغم من غرابته، اذ أنه يذكر العالم، بالاخص تلك الدول التي تقيم مآدب كبرى من الطعام، أن هناك فقراء وجياع يتضورون الماً بأنتظار لو لقمة واحدة من تلك المائدة التي سيكون ما تبقى منها الى النفايات،أنها رسالة انسانية تطالب بالمساواة، وأن لا يبقى جائع او فقير او محتاج على وجه الارض، (مثلما للحفل طموح في ترفيه النفس والمعدة لي طموحي الخاص "لا اطمح الا لمعاتبة قمح الانسانية على كفره ") ص 38، وفي نهاية هذا النص الذي نقلته عودة واضحة الى الاهداء الذي كان مستهلاً للدخول في هذا العالم الغرائبي، وصرخة ادانة لكل العالم الذي انشغل بالحروب وترك الجياع والفقراء يموتون جوعاً امام مرأى ومسمع هذه المعمورة . وفي قصة (امرأة بزي جسد) تتجسد امامنا رؤية جديدة لهذا الواقع الغرائبي، اذ تضعنا القاصة في خضم حالة جديدة وغريبة، اذ أن بطلة هذا النص بدأت تضيق ذرعاً بجسدها، وتبدأ بانتزاع الرأس من الرقبة لان بات يتعبها وهو ما فتأ يحوم بأفكار كثيرة تكرهها، ثم تتخلص من امعاءها التي سقمتها لكثرة ما بداخلها، ولم تعد تحتاج اليها، ثم تنتزع اطرافها وتتركها واقفة وهي تشسير في ذلك الى الحمار الذي ينام واقفاً، ولم يبق لها سوى ثدييها التي احتفظت بهما،لتجعلهما عشاً يحميها، وهي تنام على غصن شجرة، (أف أنا الآن حرة لي ثديان رجوتهما أن لا يخذلاني، أعرف انهما يقاسماني ذاتي، نصفي الابيض ونصفها الابيض هو الآخر ناصفني الماء تسلل الماء الى اعماقنا . أنا لست وحدي، أنا على قمة شجرة،عشيّ ثديان، نقرأ بحرية عن امرأة كانت بزي جسد) ص 43، تحاول القاصة أن تكون ممسكة بزمام الحركة السردية وهي مدركة تماماً مبتغاها، وما تتوخى من تناول غرائبي يجسّد لنا عالم تراكبي فيه اشارات رمزية ودلالية كبيرة تحتاج الى حالة تأملية لاستكشاف كناها وفك رموزها، في قصة (عقاب أم ثواب) نكون مع وسائل الاعلام، وبالاخص الاخبار وما تحويه من كذب، ونكتشف من خلال هذا النص العالم المزيف الذي يقود الاعلام المضلل،وفي قصة (غزو الجراد) نعيش حالة غرائبية اخرى، اذ ان سيدة تتعرض لغزو من الجراد، وتدخل في عينيها ثلاثة جرادات، وعندما تدخل المنزل تكتشف ان المنزل مكتظ بالجراد، وتحاول ان تتخلص من الجراد الذي يجتاح عيناها، وتتخلص من الجراد داخل المنزل، الا ان الامر لم ينته الى هذا الحد، لكون العالم صار بلون الجراد، بدأت ترى الناس جرادات تسير وتأكل وتسكن البيوت، أن القاصة تحيلنا الى عالم من الجراد،وتختلف عندنا جميع المشاهد، الجراد يغزو الارض، والناس يتحولون الى جرادات بملابس وهيئات مختلفة، أنه عالم فنتازي فيه دلالات رمزية تشير الى حال الحياة على هذه الكرة الارضية .

أن المجموعة القصصية (امرأة بزي جسد) يجسد لنا الاحداث السردية الواقعية بعد ان تدخل الواقعية الغرائبية والفنتازيا لتكون صوراً رمزية تقدم لنا حياتنا ولكن بلون آخر لم نألفه من قبل .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3738 المصادف: 2016-11-29 00:57:06