المثقف - قراءات نقدية

عالية خليل ابراهيم: عباءة الحزن المستديم.. شعرية المنظور السردي في مجموعة"نساء تراب" لزيد الشهيد

يمثل المنظور او وجهة النظر في الفنون والاداب الموقع الثابت او زاوية الرؤية التي يتم من خلالها تصوير الموضوع/الخطاب والنظر اليه وتقييمه[1]، ترجع جذور المصطلح الى فن التشكيل، ويتلمس درجة حظور الرائي او السارد في الموضوع المرئي وموقعه الثابت في النظرة اليه، وقد حاول اوسبنسكي من خلال دراسته لوجهة النظر ضبط قواعد التأليف في الاداب والفنون بمجملها وذلك لاهمية المنظور البالغة في ادارة وتوجية الخطاب السردي سيمائيا وايديلوجيا.

في مجموعة"نساء تراب" للقاص والروائي"زيد الشهيد" نحن امام منظور ذكوري او هو" منظور الاخر" في طرح موضوعة المرأة، وبما ان محور التلقي محدد من قبل القارئة،  فأن قراءة المنظور الذي وجه به السارد خطاب المرأة ودرجة تمثله لكيانها ومعاناتها الانسانية ودورها الاجتماعي والفكري على مستويي التعبير والدلالة في حقبة تاريخية دقيقة وملتبسة وهي حقبة الارهاب والعنف سيكون مبتغى هذه المقاربة.

وقبل الدخول في الموضوع وكأطلالة تاريخية فأن منظور الاخر"الرجل" لم يفارق مسألة الدفاع عن المرأة في الثقافة والادب العراقي منذ بداية عصر النهضة في بداية القرن الماضي ونشوء حركة تحرير المرأة بوصفها مفصلا اساسيا في تحقيق تلك النهضة المنشودة، فقد جاءت البداية من الرجل بكتابات واشعار الزهاوي والرصافي، وقصص محمود احمد السيد[2]، واستمرت كتابات الرجل منصفة لدور المرأة وحقها في الحياة والتعليم واختيار الشريك وصولا الى الحرب العالمية الثانية وما تلاها حيث ظهرت الحركات الفكرية والحزبية وظهرت معها مجموعة من النساء المدافعات عن تلك التوجهات الجديدة واللواتي يعددن الان رائدات الحركة الثقافية النسائية.[3] نستشف مما ورد ان منظور الرجل في الادب العراقي كان الاسبق في الدفاع عن المرأة وليس من المستغرب ان يكون هو المتصدي الاول للكتابة عنها ولهذا فأن مجموعة "نساء تراب" لزيد الشهيد جاءت ضمن مسار تاريخي للأدب العراقي الانساني المؤيد لدور المرأة والدفاع عن قضاياها المصيرية.

لكنّ عجلة الزمن بدت متوقفة!،  وكأن تلك العقود التي بشرت بعصر جديد للمرأة اضحت هباء منثورا في الزمن الحاضر،  وبدا وكأن قضية المرأة تستدير راجعة الى بدايات القرن العشرين مما حدا بالقاص زيد الشهيد ان يعنون مجموعته ب"نساء تراب" مرجعا التسمية الى والدته التي تقول"كانت امي كلّما ارادت وصف امرأة منهكة، خاوية، تعبى، قالت انها امرأة تراب"، وبأشارة القاص الى امه يمنح حياة النساء بين اذار 2007 الى تموز 2011( وهو زمن كتابة القصص)[4] بعدا نكوصيا ارتداديا الى القرن الماضي حيث امهاتنا المكدودات والمتعبات من اعباء الحياة، والى  الموروث والعادات والممارسات الشعبية القديمة ومنها عادة التضمخ بالطين لدى النساء وتغطية شعر الرأس واحيانا العباءة به تعبيرا عن الحزن والنكبة ونزول الخطب الجلل.ولم يكتف زيد الشهيد بدلالة العنوان المباشرة فقد اضاف مقدمة للمجموعة زاد واكد فيها على ذلك النكوص والارتداد بفعل قوى الرجعية والظلام"نحن الذين نمسك بالقلم واجب ان نؤرخ بالكلمة ونصور بالادب  حقبة نعيشها مشحونة بالبغض الصارخ والكراهية المتفشية والحقد المتفاقم والسادية المتسيدة"[5]. ثم يأتي على ذكر النساء فيقول"كانت المرأة تتقدم تظاهرة الجراح وتتلقى سكاكين التشفي تطعنها الخناجر المشحوذة بالحقد الطائفي فتتركها تهيم في عالم سردي مجنون تصرخ فلا احد يسمع، وتترجى فلا يرد لها وعليها الرجاء"[6].

اذن هناك بعدان تريد قصص المجموعة تأكيدهما، الاول هو البعد التوثيقي لمرحلة صاخبة ومتلاحقة في الاحداث والمتغيرات، والبعد الاخر هو رفض واستنكار حالة الظلم والقهر التي وقع على المرأة بفعل العنف والاقتتال بين ابناء الوطن الواحد.

البعدان السابقان"التوثيق ومظلومية المرأة وحدهما منظور واحد هو.

"المنظور الشعري

لقد اصبحت شعرية السرد من اهم التقانات الاسلوبية الحداثية في الرواية والقصة على حد سواء، واذا كانت الشعرية بمفهومها المتداول على نطاق واسع" الدراسة النسقية للأدب كأدب، انها تعالج قضية ما الادب؟"[7].فأن الفوارق النوعية بين الاجناس الادبية تقتضي وضع تعريف للشعرية يتلائم مع الجنس الذي يضيفها او تستضيفه(شعرية المسرح، شعرية الشعر، شعرية الرواية،  شعرية القص).وقد كثرت المقولات النقدية التي حاولت وضع شعرية القص وشعرية السرد بصفة عامة في اطر وضوابط معينة، الناقد الفرنسي فانسون جوف في كتابه شعرية الرواية، وصف شعرية السرد بأنها" تدمج التحليل الشكلي في اجرائها، ولن يتم استدعاء المقاربات السردية والسيمائية وحسب، وانما ايضا التطورات الاخيرة في النقد السيكولوجي، والنقد الاجتماعي علاوة على المساهمات الحديثة جدا في لسانيات التلفظ ونظريات القراءة"[8].وبذلك تكون شعرية السرد لا تقتصر على ابعاد وصف الخطاب وتبيان بنائه الشكلي ولكن تتعدى ذلك الى التفسير والتأويل واشراك المتلقي في استكناه جماليات النص الادبي.في نصوص" نساء تراب" نلاحظ ان هنالك مقصدية للكاتب في التأكيد على شعرية الخطاب، فهو قد وضع تحت العنوان اشارة تقول ان القصص"قصيرة جدا"، وتعد النصوص القصصية القصيرة جدا من اكثر الاجناس خلخلة في الية التجنيس وتقتضي تقانتها الاسلوبية الانزياح عن عوالم القص الى شعرية قصيدة النثر، وقد صاغ بودلير مبادئ القصة القصيرة الجمالية"ان وحدة الانطباع وكلية التأثير مزية كبيرة بوسعها ان تمنح هذا النوع من التأليف تفوقا خاصا تماما، فضلا عن ذلك فأن بحوزة كاتب القصة القصيرة حشدا من الاصوات وفوارق اللغة الدقيقة"[9].

ومصطلحات مثل الايجاز وكلية التأثير ووحدة الانطباع هي المصطلحات ذاتها التي تتلائم مع قصيدة النثر، وبذلك تكون القصة القصيرة جدا من اكثر الاجناس اهتماما بالابعاد الادبية للخطاب ودائرة اشتغالها تتمحور حول وضع محددات لشعرية القص.

وقد حرص القاص على اخراج القصص اخراجا شكليا شعريا متناصا مع قصيدة النثر، فقد شكلها على هيئة الشجرة والاغصان، فكل قصة من القصص يوحدها الحدث والشخصيات ووحدة التأثير، وتقسم بحسب ايقاعها الشعوري والانفعالي والجمالي الى شذرات منفصلة الى ان تأتي الشذرة الاخيرة  الواصلة بين المفتتح والختام.

في القصة المفتتحة لنصوص المجموعة"يقظة الزمن الدفين" هنالك الثيمة الشعرية بالاضافة الى شحنات اللغة المكثفة بالغنائية والاحساس العالي، فالقصة تتحدث عن شابة توفيت بعد فترة وجيزة من زواجها فألتحقت بالعالم الاخر وهي لم تزل متعلقة بمباهج الحياة التي انتزعت منها انتزاعا، زوجها الشاب، جذوتها، القها، فساتينها، عطورها، لكن القدر هكذا شاء واغلق باب الحياة بوجهها ورزحت تحت وطأة القبر الثقيل ووحشته، وظلت تعيش في مكان التحت وهي مازالت ترنو للفوق، وبقيت تحلم من قبرها ان ينطوي الزمن مابين الحياة والموت ليلتحق بها زوجها الشاب الى العالم الاخر ويعيشا سوية او جنبا الى جنب ولو للحظة قادمة اخرى "وظلت تعوم في سراب الانتظار لاتدري كم طالت اذرع الزمن،  وما عدد السنين التي تعاقبت، سوى انها كانت تستيقظ على انهيال معاول هنا وهناك، ادنى حدود المقبرة فتفز لديها جملة الاسئلة المعادة "من يكون؟ هو ام غيره؟" [10].لقد حاول القاص ان يستنطق شعرية الموت ويدمجها بأيقاع الحياة ونبضها من خلال ذلك الحنين الجارف للحياة ومباهجها حتى عند الاموات وان كان تخيليا وليس واقعيا.

في قصة "هنالك الناي" تناول القاص الثيمة الانسانية الازلية التي تحتمل ملايين التنويعات وقد تكون تلك التنويعات عدد نبض القلوب التي تشعر بتلك المفردة الا وهي الحب..!.

وقد كان عزف الناي كناية عن الم الحب المبرح الذي عاشه شاب لم يأنس بحبيبته،  والتي قد تكون تزوجت او رحلت او خانت الوعد لكنه يظل يعزف الناي ليلا قرب النهر باثا اساه وشجونه ولوعته النهر والليل"الناظرون من على شرفات الحاضر بأمكانهم اللحظة رؤية الجموع يخرجون من عمق العتمة حاملين اهاتهم مشاعل تضئ درب القدوم الى حيث صوت الناي.."[11].

ان الاشتغال على الثيمة الشعرية سواء كانت الموت او الحب بالاضافة الى اللغة والتشكيل مع ربط كل ذلك بالعنونة اي"التراب" في الاشارة المباشرة في القصة "يقظة الزمن الدفين" الى تراب القبر، او الى الاشارة الى لوعة الوجد والحب التي تحيل القلب احيانا الى ذرات تراب، كل ذلك قد ركز خطاب القصتين حول الشعرية، اي ان المنظور السردي للموت او الحب لاشك ان يكون شعريا..لكن القاص اشار في مقدمته ان انشغاله الاساس سيكون على موضوعة العنف والاقتتال في المجتمع، فهل سيصح المنظور الشعري في مقاربة هول ما يعصف بالواقع التاريخي؟.

 

المنظور الفكري:

  احسب ان مجموعة "نساء تراب" التي قاربت موضوعة المرأة والعنف بوصفها اي المرأة نصا شعريا قبل كل شئ لرقتها وجمالها وعطفها ورقتها وانشغلت بتصوير لواعج واحزان المرأة في حالات شعورية وانسانية حرجة واستثنائية، نصوص المجموعة لم تتعمق في مقاربة موضوعة المرأة بوصفها نصا ثقافيا وسيميائيا منفردا له محمولاته التفسيرية والتأويلة المتباينة، وهذا ما رسخته مناهج الدراسات النسوية في الخمسين عاما الماضية ولا تزال تضيفه من ابحاث حول طبيعة المرأة وخصوصيتها النفسية والجسدية والثقافية

.فقد كان تعامل القاص مع اللغة و الحدث والحبكة اكثر مما تعامل مع المرأة جنسا له خصوصيته وانفعالاته،  فجميع القصص تستند الى ربط المرأة بحدث ما لغاية تقييمه اي الحدث المقترن بالعنف وليس العكس اي ان تقييم المرأة  يتم من خلال وبواسطة الحدث، ومن ثم فأن المرأة في النصوص كانت مجرد اداة ووسيلة لادانة العنف والاقتتال وليست هي بذاتها موضوعا وغاية للمقاربة والتقييم.

ما تقدم يبدو جليا في قصة"نساء تراب" عنوان المجموعة، القصة تتشكل من خمس شذرات شعورية ودلالية، بدأت ب"القبض على ماء الضياع" وفيها يتحدث السارد العليم الذي نراه هو بذاته من يتحدث في جميع القصص وبأسوب زمني يتراوح بين الاسترجاع والاستباق عن امرأة عراقية عايشت حياة البذخ والترف في عصر الرخاء والترف في السبعينيات من القرن الماضي ثم تلقي بها سنوات الجوع في التسعينيات الى خضم العوز والفاقة، وبعد ذلك في زمن لاحق يحدث لها"تناثر السبانخ منفرطا على الارض فتخضب الجميع بدماء الاب والابناء المذبوحين بسكين باشط قطع لهم الرؤوس، وثقب فيهم الاجساد.ولم تر بعدها غير الاشياء المشوهة والعقل الفالت الضائع!" [12].وفي الشذرات الاربع الاخرى ظل السارد يتابع رحلة جنون المرأة وتطوافها في الشوارع والازقة على خير هدى"العباءة موحلة والوجه ممتقع،  والكفان يفضحهما اهمال صارخ تخليا عن مصطلح النظافة ذلك انهما وسيلتها في الكلام مع الفراغ والتلويح بهما لمخلوقات وهمية"[13].

ان جنون المرأة التي لم تمنح اسما معينا لتكون حالة او رمزا انثويا عاما ما هو الا وثيقة ادانة صارخة لزمن العنف والقسوة والهمجية والذي جعل من الفة الشارع العراقي غابة للوحوش المتقاتلة،  وبذلك فقد العقل رشده وفقدت الروح طمأنينتها وفقدت البيوت امانها، وصار الشارع مسرحا للعنف والجنون.

في كل ذلك ظلت وجهة نظر الرجل هي النافذة في السرد وهي المسيطرة على مشاعر واحاسيس المرأة سواء من خلال تقنية السارد العليم الذي تكلم عن المرأة وبلسانها ولم يفسح لها المجال لتقول ما تريد، وقد تختار طريقا اخر غير الجنون بل قد تكون المرأة في معترك العنف اكثر صلابة واقتدارا على تحمل الحزن والفقد، اومن خلال اللغة الشعرية"الغنائية" التي اختارها السارد لتكون حاملا لخطابه المقارب لموضوعة المرأة والعنف، هذه الموضوعة التي تحتمل خطابات اخرى اكثر حداثة وتماسا مع حراجة اللحظة التاريخية ومنها خطابات السخرية والشفاهية والجسد والهامش  والسيرة والاعترافات وتهافت لغة النساء كل ذلك لم نجد له مصداقا في"نساء تراب" وكانت شعرية المنظور هي الطاغية في التأسيس والبناء . 

  

................

[1]- ينظر شعرية التأليف/بوريس اوسبسكي/ت /سعيد الغانمي/ناصر حلاوي/

[2]-ينظر نشأة القصة وتطورها في العراق/عبد الاله احمد/204

[3]-من امثال نازك الملائكة ونريهة الدليمي ولميعة عباس عمارة وغيرهن الكثير

[4]-لقد ذكر القاص تواريخ كتابة القصص جميعها باليوم والشهر والسنة تركيزا لدلالة توثيق الحقبة التاريخية المؤشرة

[5]-نساء تراب/قصص قصيرة جدا/تموز للطباعة والنشر/2012،  /8

[6]-نساء تراب/8

[7]-التخييل القصصي:الشعرية المعاصرة، شلوميت ريمون كنعان ترجمة لحسن لحمامة/10

[8]-شعرية الرواية/فانسون جوف/ترجمة لحسن لحمامة/14

[9]-قراءة في قصيدة النثر/ميشيل ساندرا/ترجمة/زهير مجيد مغامس/147

[10]-نساء تراب/يقظة الزمن الدفين/13

[11]-نساء تراب/هنالك الناي/28

[12]-نساء تراب/47

[13]- نفسه49

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3754 المصادف: 2016-12-15 21:18:05