ا. د. عبد الله الفيفي
د. عبير خالد يحيى
ا. د. محمد الدعمي
سلس نجيب ياسين
علي علي
د. عبير خالد يحيى
سلس نجيب ياسين
د. رائد الهاشمي

شريط "وليلي" أداء معبِّر لقصة سينمائية هزيلة

1401 bostarيتعاطى المخرج المغربي فوزي بنسعيدي في فيلمه الروائي الرابع "وليلي" مع الفوارق الطبقية الكبيرة التي تفصل بين الأثرياء المترفين والفقراء المِعوَزين الذين يجدون بالكاد ما يسدّ رمقهم. وقد سبق له أن عالجَ موضوعات جريئة وحسّاسة مُستَمدة من قاع المجتمع مثل السرقة والدعارة والاتجار بالمخدرات كما في فيلم "موت للبيع" كما تعامل مع السياسة في فيلم "ألف شهر ". أما فيلمه الجديد "وليلي" أو Volubilis بتسميته الأجنبية فيتضمن ثيمات عدّة من بينها الحُب، والفوارق الاجتماعية، والعولمة الاقتصادية وما إلى ذلك من موضوعات تلامس حياة الأغنياء والفقراء على حدٍ سواء.

المعروف عن بنسعيدي ولعهُ بالمخرج الأميركي أورسن ويلز، صاحب أهم الأفلام في تاريخ السينما العالمية مثل "المواطن كين" و بقية تُحَفهِ الفنية المعروفة مثل "لمسة الشر" و "أجراس منتصف الليل" و "سيدة من شنغهاي"، لكن ما طبيعة الولع الذي يتحدث عنه بنسعيدي؟ وهل هو ولع فكري أم تقني، أم هو مجرد حُب للخطاب البصري الذي يقدّمه ويلز لكل محبي الفن السابع؟

لابد من الإشارة إلى أن بنسعيدي قد كتب كل سيناريوهات أفلامه الطويلة والقصيرة باستثناء فيلم "الهاوية" الأمر الذي يُضيّق فيه الرؤية الفنية والفكرية لأفلامه حتى وإن كانت سيناريوهاته وقصصه السينمائية ناجحة، فوجود كاتب قصة وسينارست يضفيان على الفيلم لمسات فنية قد لا يتوفر على المخرج نفسه خصوصًا إذا لم يدرس فن كتابة السيناريو دراسة أكاديمية كما هو الحال مع بنسعيدي الذي درس التمثيل فقط في الرباط وباريس ومن خلالهما تسلل إلى الإخراج وكتابة السيناريو ولعل أضعف ما في فيلم "وليلي" هو السيناريو وارتباك الرؤية الإخراجية التي سوف يتضح تشوّشها حينما نفكك القصة السينمائية التي تتكئ أول الأمر على شخصيتين تنتميان إلى السواد الأعظم من الناس وجلهم من الفقراء شبه المعدمين في مدينة مكناس وهما عبد القادر الذي جسّد دوره الممثل "محسن مالزي" كحارس أمن في مركز تجاري، ومليكة التي أدّت دورها الممثلة الشابة "نادية كوندا" كمدبرة منزل لدى سيدة ثرية، ميسورة الحال،يقتلها الضجر لأنها لا تفعل شيئًا ألبتة.

عبد القادر ومليكة متزوجان حديثًا ويحبّان بعضهما حُبًّا جمًّا، وعلى الرغم من الصعوبات المادية التي يعانيان منها إلاّ أنهما يحلمان بالانتقال إلى بيتٍ خاص بهما حتى وإن كان عُشًا صغيرًا يوفر لهما الراحة والأمان. وبما أن تحقيق هذا الحلم يبدو عسيرًا فإنهما يضطران للعيش في غرفة واحدة مع أفراد الأسرة ويتقبلان حياتهما على مضض مُنفسَين عن ضغوطهما النفسية والعاطفية بالذهاب إلى بعض المقاهي أو التجوال في أروقة المدينة وساحاتها العامة وحدائقها ولعل مَشهد تناولهما العصير من قصبة واحدة يعبِّر عن نزوعهما الإيروسي المفضوح وإيحاءاتهما الجنسية المعلنة التي يصرحان بها في الفضاء المفتوح بدلاً المنزل المغلق.

هكذا تمضي الحكاية المغلقة على نفسها لتنفتح فجأة حينما يمنع عبدالقادر امرأة ثرية من تجاور الدور وسرعان ما يتبيّن أنها زوجة رجل مهم في المركز التجاري الذي يعمل فيه حيث يصفعه عدة مرات ثم يسلّمه إلى أفراد حمايته ليشبعوه رفسًا وركلاً قبل أن تعثر عليه زوجته وتعيده إلى المنزل لتداوي جراحه وكدماته.

وبطبيعة الحال يفكر عبد القادر بالانتقام من هذا الرجل الثري الذي يمثل الطبقة البرجوازية حيث يسرق منه بعض الملفات المهمة التي سوف تؤثر على صفقاته وتلحق به ضررًا ملحوظًا، كما يسرق بعض الملابس غالية الثمن لزوجته التي كانت تنتظره على غصن شجرة قريبة من المنزل. ثمة حوادث أُخر تبدو مفتعلة مثل مداهمة الشاب الذي كان مختليًا بصديقته داخل السيارة في مكان ناءٍ حيث يوسعونه ضربًا، ويخلعون ملابسه، ويأخذون منه زجاجة الويسكي، ويهينون الفتاة ثم يأخذون هاتفها النقال الذي يعيده أحدهم إليها لاحقًا لكن مجموعة أخرى تتصدى له وتنهال عليه بالضرب المبرّح لنجد أنفسنا أمام فيلم مليء بالعنف والقسوة والدماء.

لم يشأ المخرج أن يترك الطبقة البرجوازية بحالها، فزوجة الرجل المهم في المركز  التجاري نراها تغازل رجلاً آخرَ في خلوة غير بريئة وهذا ما يلاحظه المتلقي من ردود فعل الزوج التي تنعكس على ملامح وجهه. أما مشهد البيت المكشوف الذي بدت غُرَفه أشبه بالواجهات الزجاجية للمحلات وكأن لسان حال المخرج يقول بأن هذه الطبقة المتحكمة بثروات البلد ومقدّراته مكشوفة وعارية للجميع وهي أشبه ببؤر الدعارة التي تمارس الخيانات الزوجية والعاطفية سواء في عتمة الليل المكشوف أو في وضح النهار.

لو وضعنا القصة السينمائية جانبًا فإن أداء الشخصيات هو الذي منح الفيلم نكهة خاصة ذلك لأن القدرة التعبيرية لدى الشخصيات الرئيسة والمؤازرة كانت واضحة للعيان، وليس هناك مجال للمفاضلة بين نادية كوندا ومحسن مالزي، فهذا الأخير هو مخرج وممثل مسرحي معروف وأكثر شهرة من كوندا لكنها حظيت بجائزة أفضل ممثلة وهو أول تكريم لها كما صرّحت في مهرجان الجونة لحظة استلامها الجائزة ولم يكن في رصيدها التمثيلي سوى مشاركتها في فيلم واحد هو "عاشقة من الريف" للمخرجة المغربية نرجس النجار وكان دورها جريئًا أيضًا الأمر الذي يؤهلها لنيل الجوائز مستقبلاً خصوصًا وأن أداءها مقنع ومعبّر إلى حدٍ ما.

لابد من الإقرار بأن الفيلم السينمائي هو صورة وصوت وعلى الرغم من هيمنة الصورة وتسيّدها لأننا نراها أمامنا مجسّدة على مدار الفيلم، لكننا بالمقابل نسمع الموسيقى والمؤثرات الصوتية التي تلعب دورًا كبيرًا في التصعيد الدرامي للكثير من المواقف والأحداث ولعل ولع بنسعيدي لا يقتصر على الرؤية الإخراجية لأورسن ويلز وما تنطوي عليه من جماليات ولمسات فنية واضحة المعالم وإنما يمتد إلى الموسيقى بشقّيها العربي والأوروبي التي أمدّت الفيلم ببعض عناصر النجاح المُضافة التي أنقذت الفيلم من بعض هفواته في بناء القصة السينمائية وفي تحقيق الرؤية الإخراجية لصانع الفيلم الذي حاول أن يكون حاضرًا في السيناريو والتمثيل والإخراج غير أن هذا الحضور كان فائضًا عن الحاجة ولعله يكتفي مستقبلاً بأحدهما كالتمثيل أو الإخراج وأن ينأى بنفسه عن كتابة السيناريو لأن هذا الفن الإبداعي يحتاج إلى تفرّغ ودراسة تخصصية أكاديمية تعززها الموهبة الفطرية التي تصقلها القراءة العميقة والمشاهدة المتواصلة.

تجدر الإشارة إلى أن الفنان فوزي بنسعيدي قد مثّل في كل أفلامه التي أخرجها كما شارك في أفلام لمخرجين آخرين نذكر منها فيلم "مكتوب" لنبيل عيّوش، "ضفائر" لجيلالي فرحاتي، "حصان الريح" لداود عبد السيد، "بعيدًا" لأندريه تيشينيه، و "وداعًا للمغرب" لنادر موكنيش. كما نال بنسعيدي العديد من الجوائز في مهرجانات عربية ودولية ويكفي أن نشير إلى فيلمه القصير "الهاوية" la Falaise الذي حصل 23 جائزة.

بقي أن نقول إن فيلم "وليلي" قد اشترك في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في الدورة الأولى لمهرجان الجونة السينمائي في مصر ونال جائزة أفضل ممثلة، فيما نال فيلم "أم مخيفة" للمخرجة الجيورجية آنا يوروشادزه جائزة النجمة الذهبية للمهرجان، كما فاز فيلم "فوتوكوبي" للمخرج المصري تامر عشري بجائزة أفضل فيلم روائي عربي طويل. أما نجمة المهرجان الفضية فقد أُسندت إلى "قضية رقم 23" أو المعروف دوليًا باسم The insult للمخرج اللبناني زياد دويري الذي أثار جدلاً واسعًا في الأوساط الثقافية العربية لحساسية ثيمته الرئيسة التي تدور بين لاجئ فلسطيني ومواطن لبناني ينتمي إلى اليمين المسيحي المتطرّف.

 

الجونة: عدنان حسين أحمد

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4053 المصادف: 2017-10-10 13:03:53