 أقلام حرة

قاسم محمد الكفائي: الحكومة الناجحة في العراق

قاسم محمد الكفائيالمقدمة: في صباح باكر ما قبل أذان الفجر "بحسب توقيت مدينة تورنتو"من عام 2003 رنَّ جرس هاتفي فأيقظني من نومتي. المتصل هو حيدر سلطان (هكذا عرَّفني بنفسه) مدير مكتب وزير الداخلية جواد الغبان. رحبتُ به وتحدثتُ معه كثيرا في موضوع الأمن وكيف يتحرك الإرهاب على الأرض الرخوة مستغلا الثغرات وعدم الكفاءة لدى الكادر الأمني الذي يعالجها بوسائل ضعيفة وأساليب مغلوطة تثير السخرية. فكان منضبطا رغم امتعاضه لأنه متعود على مسح الرأس وعلى بهرجة المديح. طلب مني في حينها القدوم الى بغداد للقاء به وبالسيد وزير الداخلية "سجلت ضده فشلا ذريعا بتوقيت اتصاله المغلوط في ساعات غير مسموح بها الإتصال".

وافقتُ على الفور وقلت له يجب أن تكون زيارتي بالصيغة التي أريدها أنا مع ضمان النتائج وقبول ما يترتب علي إن لم تعجبكم طروحاتي، ولكن بشرط اللقاء بكادر مهني يتفهم لغة الحديث، أمثال اللواء عبد الكريم خلف والأستاذ أحمد الشريفي اللذين أثق بهما وقد تتطابق وجهات النظر في الكثير أو بعض من هذه الطروحات لما لهما من كفاءة يمكن التعامل معها. وطلبتُ منه أن يبعث لي رسالة يطلب فيها مني الحضور الى بغداد ويقطع تذكرة الطائرة مشفوعة بتخصيص غرفة في فندق مقبول حتى مغادرتي العراق (هذا الطلب أعني به الكثير). تعاضم امتعاضُه لأني لم أذكر اللقاء به ولا بوزيره، فكانت طلباتي أقل من الأدنى وليس فيها ما يثقل كاهل الحكومة. انتهت المكالمة دون أن نصل الى نتيجة ولم أشعر بجفن له قد (رَف)، بينما يستشهد العشرات والمئات من المواطنين كل يوم بسبب التفجيرات الإنتحارية لعناصر وهابية تدفع بهم مباحث المملكة السعودية وغيرها من دول الخليج الى العراق دون رادع حقيقي لما يجري. هذه المكالمة جائت بناء على لقائي بسعادة سفير العراق السابق في أوتاوا عاصمة كندا عبد الرحمن الحسيني لمرتين وفي اللقائين تعهدتُ أمامه بالتصدي لظاهرة الإرهاب مع المتصدين من أهل الكفاءة بما لا يكلف خزينة الدولة غير ربع ما ينفقونه وبوسائل معظمها سهلة ليس فيها لون ولا طعم ولا رائحة. وبعد إن ردّ سعادة السفير بحرقة قلب بقوله ما معناه ..(من يقره من يكتب..!!! تعبيرا عن فوضى السلطة وفشلها) قال لي، سأتصل بوزارة الخارجية لمفاتحة وزارة الداخلية بغرض الإتصال بك والتفاهم معك. ذكرتُ هذه القصة كي أشير الى فشل حكوماتنا المتعاقبة بإدارة الملف الأمني دون مهنية إطلاقا مع إهمال أهل الكفائات الحقيقيين، وما نتج عن هذا الفشل من خراب ودمار هائلين. إنتهت.

هنا أتحدَّث بأشد اختصار بعيدا عن الأساليب المغلوطة التي ينتهجها (أغلب) رواد شاشات التلفزيون وهم يتحدثون كمحللين استراتيجيين وخبراء أمنيين "لغرض العيش" فيبحثون الوضع الأمني  للبلاد باستعمال مصطلحات رنانة بعيدا عن واقع الحلول فتنتهي ساعةُ الحوار دون أن نتلمس منها ما هو نافع يخفف عن الناس والبلاد شيئا من

الهم والحزن. ففي ظروف ما بعد فوز التيار الذي يتزعمهُ سماحة السيد مقتدى الصدر يخشى الكثيرون من أحزاب وحركات وجمعيات وطبقات سياسية وأصحاب مناصب في الدولة من الفاسدين والمتلونين بلوغ سماحته قمة سلَّم الدولة ثم تشكيل الحكومة القادمة على عاتق الفائز الأكبر. ويخشون كذلك من عواقب قدرته على خوض غمار الحكم في بسط يد العدالة والأمن والنهوض بالبلاد سياسيا واقتصاديا بعد سحق بُؤَرَ الفوضى والفساد والمحسوبية، ما يجعل هؤلاء المهووسين يمشون كالعراة تماما وسط زِحام شوارع بغداد وباقي المدن الأخرى والناس تسخر منهم نكاية أو انتقاما. فما بين نجاحِه في الحكم ورضى الشعب يكون قد أعدَّ لمرحلة أخرى قادمة الفوزَ الأقوى والأنجع وقد مدَّ له جذورا في أعماق الأرض العراقية لا يجرؤ منافس له من إقتلاعها، فما بعد رضى الله يأتي رضى الناس. في ما تقدم ليست حالة مدح لأحد، ولا أدَّعي جازما وصول السيد الصدر الى قمة ذلك النجاح بالمطلق، كون الحالة التي يمر بها العراق لا تتحمل وزرَ مُغالٍ أو لبق فَضفاض. إن المخلصَ في العمل تصحَبُه المهنية هو القادر على توظيف كل صغيرة وكبيرة بنجاح في كل الميادين، سياسيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا ومجتمعيا. هذه الحقيقة تبعد الحاكم من تبعات الفشل وتُخرجه من قمقم الخطر الذي يهددُه. لذا يمكنني القول بشراهة حرصا على مستقبل وطني مع جلِّ احترامي لسماحة الصدر أن الرهان على وصوله الى قمة النجاح قد يكون أمرا مغلوطا ما لم يبدأ بأول خطوة صحيحة الى الأمام يبني فيها قواعده الأربعة فيجعلها مرتكزا لمرحلة حكمه وفيها تدور عجلة البلاد دورانا صحيحا غير منقوص ولا مُتلكّأ. فالسيد مقتدى الصدر إن لم يمتلك الكفاءة والمهنية في إدارة شؤون البلاد فإنه يمتلك بالتأكيد المطلق الشرف الوطني وإخلاص النية وشجاعة القائد. فهو من سلالة طاهرة الحسب كتب لها تاريخ العراق انتمائَها للدين والعلم والوطنية، وقد ضحَّت بالكثير الكثير. إذن هناك أكثر من وسيلة توفر فرصَ النجاح في ممارسة الإشراف على عمل الحكومة وتوجيهها في المسار الصحيح  لإيجاد مخرجا والإفلات من حالة الفشل صعودا باتجاه قمة الهرم.

وبعيدا عن فلسفة أولائك الخبراء والمحللين فلسوف أدلُّ "سماحتَه" على بناء مؤسسة أمنية قوية قادرة (سرّا) على توفير عناصر النجاح ما بعد تشكيل الحكومة وتوفير مناخات صالحة للعمل وإدارة الدولة، كذلك تتكفل ببسط الأمن في البلاد على أسس رصينة وصحيحة تنفرد في عملها الذي لا يشبه عمل المؤسسات الأمنية في الكثير من دول العالم العربي التي تعتمد تكميم أفواه مواطنيها وتجريدهم من كل صنوف الأمان. إن بناء المؤسسة الأمنية الرصينة يعني بناء الدولة والإنسان، وجعل الحكومة والبرلمان وجميع المؤسسات تسير على خُطى صحيحة معتمدة قوانينَها المكتوبة ولن تفارق ديمومة نجاحها. فالعبرة أولا ببناء هذه المؤسسة ولو فقدت مهنيتهَا وانضباطهَا لم يبق للحكومة القدرة على تحقيق طموحاتِها، أو هي تتجه للإنفلات ثم السقوط تحت أقدام الفاسدين. قد يعترضني سائل على ما طرحته فيذهب بعيدا ويُذَكرُني بالمؤسسة الأمنية لنظام صدام البائد معتقدا أن القصد هو يندرج بتوظيف وسيلتَي الخوف والبطش اللذين يكفلان حالة الأمن واستيعاب عمل الحكومة (رؤية مغلوطة تماما). هذا ما لا أفكر به وقد أشرتُ سلفا منتقدا بعض المؤسسات الأمنية في الوطن العربي الكبير لاسيما مؤسسة صدام الفاشية الفاشلة. أشير هنا الى ظاهرة شيوع الديمقراطية في دول الغرب وأمريكا وكندا بينما المؤسسات الأمنية لهذه الدول تدير شبكات متكاملة تنفذ أحكام الإعدام السرية كلَّ يوم بحق كثير من المواطنين الأصليين أو المهاجرين (الحديث عنها يبقى خلف الكواليس يُدار مع أهل الكفاءة وليست مع الجمهور، فهو مدرسة ليست لها حدود تحتاج الى طلاب أكفاء كي يتعلموا فيها).

ولما يُنجز رئيسُ الوزراء مشروعَه الوطني بتشكيل حكومته ينتقل على الفور الى مُهمةَ بناء هذه المؤسسة الأمنية التي ستتكفل الوصول الى كل غاية وحركة تصدر في البلاد عن الإنسان والمؤسسات لمباركتها أو تصحيحها، ثم وضعها في المسار الصحيح.

 إضافة الى تقنين وتفعيل الأدوار بالوضع المناسب، ورسم خطوط العلاقات الدولية والإقليمية. لا يخفى أن حكومات دول الخليج ومنها السعودية تسعى لجذب السيد الصدر الى معسكرها لأهداف شيطانية تتكلل بالدعم المالي مع إغرائات أخرى كثيرة تكفل لهم حرفه عن مساره التقليدي الذي تربى عليه في كنف أسرته الكريمة و المضحية بينما يقومُ الإعلامُ الغربي والخليجي بمواصلة المديح لشخصه وقيادته دون الإشارة الى أية نصيحة أو لخطىء ما سوى أسلوب الشيطنة وإيجاد جو من الغفلة تحيط تفكيره وتشتت ذهنه وتفسد كلَّ خطواتِه التي يتضمنها مشروعُه الذي يعمل على تحقيقه. السيد مقتدى لا ينسى جرائمَ حكوماتِ دول الخليج حين ورَّطت صدام حسين بحرب ضروس ضد جمهورية إيران الإسلامية راح ضحيتها أكثر من مليونَي شهيد من الجانبين، كذلك أحرقت الخيرات وعطلت مستقبل العراق. ولن ينسى أيضا توريطهم للمؤسسة الأمنية الصدامية بإعدام إمامنا الشهيد محمد باقر الصدر وشقيقته العلوية الطاهرة آمنه الصدر (بنت الهدى). إذن من غير المعقول أن يتورط سماحته بمد يده لهؤلاء وتنفيذ أي مطلب يصب في خدمة أمريكا وإسرائيل بعنوان شيطنة إيران وخطورة الحشد الشعبي وجميع فصائل محور المقاومة الذي لا ينفك أبدا عن محور المقاومة في فلسطين وبعض الدول العربية. علاقتنا مع إيران يجب أن تبقى قائمة وفي أحسن الأحوال ما دام العراق يقف على أرضٍ رخوة، وما دام الكيان الإسرائيلي جاثما على أرض الأنبياء، فلسطين. فالإنتكاسة الحقيقية التي تنتظر حكومة التيار الصدري في هذه المرحلة هي إبعاد الأشقاء السياسيين عن المشهد المألوف وستكون أخطر كل المراحل التي مرّت على العراق مَثلها كمثل "ظبيين" يتقاتلان بقرنيهِما فيشتبك القرنان ببعضِهما ما يصعب على الظبيين الإفلات من قطيع الضباع الذي يتربص بهما، إنها معادلة واقعية (ضياع المال ولا ضياع العافية.. نفهم جيدا كيف يُسرق المالُ العراقي وأين يُخزَّن). فالواجب الوطني يُحتِّم على الطرف الآخر القبول بواقع الفوز فيذهبون الى المعارضة البرلمانية بكامل قوتهم وبتفاهمات سمحة دون تشنجات تجعلهم مدعاة سخرية لدول الغرب، ودويلات البدو. مع إني أخشى من بعض المنافقين والمتربصين بوضع العصي في عجلة المسيرة حين تحين لهم الفرص بغرض إلقاء اللوم على الحكومة الوطنية المنتخبة وإدانتها ولعنها. هنا سيزول الخوف عندما تكون المؤسسة الأمنية الرصينة حاضرة في كل صغيرة وكبيرة لا تعرف الأشخاص غير العمل المهني واتخاذ كلَّ إجراءٍ وفقَ القانون، فالذي يتورط بإضرار المصلحة العليا للبلاد سيدفع الثمن. إن تبعية أحزاب الداخل السياسية لأي قوة في الخارج مهما تعاظم شأنُها وتقدّست عناوينُها هي حالة تعطيل لعجلة البلاد وتدميرها، فكيف بقوى الضلال والظلام إذن!!!

هذه الحقيقة تلقي بضلالها على علاقة حكومة العراق القادمة بشعبها ومسؤوليتها في التعاطي مع الواقع الذي يعيشه بلدُهم داخليا وما يحيط به من الخارج.

صحيح أن المهام التي تقوم بها الوزارات تكون ذات أهمية تبعث على الشعب الحياة الأفضل، لكن دور المؤسسة الأمنية كما أسلفنا هو الأهم في مراقبة تنضيد عمل هذه الوزارات كافة وتوجيهها بالإتجاه الصحيح بسرية تامة يصعب فهمها عند العامة وعند تلك المؤسسات نفسها. أتمنى أن أكون موفقا في خدمة هذه المؤسسة مادمتُ حيا وسأبدع فيها ما استطعت. أبارك لسماحة السيد الصدر بفوز تياره في الإنتخابات، وقد ينجح بتشكيل حكومة وطنية مستقلة بعيدا عن التوافق والمحاصصة والمحسوبية، وسيكون الشعب وكافة القوى السياسية يدا أخرى في بناء وطننا ووصوله الى قمة النجاح.

 

قاسم محمد الكفائي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5573 المصادف: 2021-12-08 00:39:24


Share on Myspace