صائب خليلاعلنت وزارة النفط قبل ايام تأسيس "شركة البصرة للطاقة"؛ وساد اعلان التأسيس غموض هو الأشد من أي عقد آخر للوزارة منذ الاحتلال. لكن من الواضح مما توفر من المعلومات، ان الشركة هي احدى المؤامرات العديدة التي توالت على عقود التراخيص الجيدة وهي عقود خدمة لا تمنح الشركات ما تصبو اليه من ربح ومن سيطرة على النفط العراقي، وكان اول تلك المؤامرات ما اطلقه عادل عبد المهدي اثناء توليه وزارة النفط في بداية تولي العبادي السلطة.

تتكون الشركة من شركة بريتش بتروليوم (BP) البريطانية وبتروجاينا الصينية وشركة نفط البصرة وشركة تسويق النفط العراقية – سومو. ويفترض ان تحل الشركة الجديدة محل شركة (BP) في عقد تطوير حقل الرميلة، وزيادة "انتاجه"، حسب عقود التراخيص.

ويقول الأستاذ احمد جياد، الذي كان اول من حذر من هذا العقد، ان التقييم الاولي لهذه الشركة في ضوء المعلومات التي قدمتها وزارة النفط يشير الى انها تتعارض بشكل كبير ومؤثر مع عقد حقل الرميلة النافذ فعليا وتعاقديا (في جولة التراخيص الأولى) وانها تبعا لذلك تخدم مصلحة الشركات الاجنبية (BP البريطانية وبتروجاينا الصينية) على حساب مصلحة العراق. كذلك بين الأستاذ جياد ان هذه الشركة تتعارض مع القانون العراقي (قانون الشركات العامة رقم 22 لعام 1997.)

وتقوم الشركة بتمويل نشاطاتها من أرباح ومساهمات الشركات المؤسسة"، وفي هذا إشكالات مالية وقانونية، حاول الوزير كما يبدو الالتفاف حولها بالاكتفاء بإعلانه: "اليوم نعلن تأسيس شركة البصرة للطاقة" وأنه "سيتم استثناؤها من الشرط القانوني لعمر السنتين وبذلك استوفت الجانب القانوني". ونبه الأستاذ احمد جياد ان هذه الطريقة لإعلان الشركة تمثل مخالفات عديدة للقانون العراقي، من ناحية التسجيل والاعلان والزام تقديم دراسة الجدوى الاقتصادية والفنية، كما يؤكد القانون، وبدون ابداء مقارنة مع العقد القديم حول حقل الرميلة، خطير الأهمية.

وكأن الجماعة مستعجلين لإنهاء الموضوع قبل تشكيل مجلس النواب الجديد، كما في كل السرقات الكبرى. وأول علامات تلك السرقة ما يتعلق بتمويل نشاطات الشركة. ففي حين يؤكد العقد السابق (التراخيص) مسؤولية الشركات الأجنبية (برتش بتروليوم وبتروجاينا) عن توفير التمويل المطلوب على ان تقوم باسترداد نفقاتها الاستثمارية لاحقا. كما ان ما ورد من "أجور خدمة" في عقد الخدمة الأصلي (التراخيص)، تحول الى "أرباح" للشركة الجديدة، مما يكشف بشكل مباشر انه تحول الى عقد "مشاركة"، وهو نوع من العقود ناضل رجال النفط في العراق بشدة لمنع استخدامه في التعاقد مع الشركات الأجنبية في العرق بعد الاحتلال.

وعن تلك النقطة يؤكد احمد جياد: " استخلص مما تقدم ان تمويل الشركة الجديدة يشوبه الغموض ويتعارض بشكل كبير ومؤثر مع العقد النافذ ويحمل العراق اعباء والتزامات مالية لصالح شركتي برتش بتروليوم وبتروجاينا؛ وعلى وزارة النفط بيان الراي المسند بالوثائق الرسمية بكل شفافية."

كما يرى جياد أن تولي الشركة الجديدة دور المقاول الرئيس في الرميلة بدلا من برتش بتروليوم حسب عقد التراخيص، "امر مقلق للغاية" وإنه يقود الى "تقليل اعباء ومسؤوليات شركة بيبي وتوزيعها على الشركات الاربع المؤسسة للشركة الجديدة"، ويجعل من شركة نفط البصرة في آن واحد، "صاحب العمل" و "المقاول المنفذ" للعمل، بما في ذلك من تضارب مصالح ومسؤوليات خطير، وأشار الى انه يضع شركة نفط البصرة في إشكالية قانونية في حالة اللجوء الى التحكيم الدولي لحسم الخلافات كما ينص الاتفاق.

ما مبررات تأسيس هذه الشركة وبهذه السرعة والشكل المريب كثير التضاربات والمخالف للقانون؟ اين فشل الاتفاق السابق ليبرر تغييره الى هذا الاتفاق الغريب؟ يشير الأستاذ جياد الى أن مشكلة حرق الغاز المصاحب هي المشكلة الأكثر أهمية التي كان يمكن ان تبرر بعض الرغبة في هذا التغيير، لكن هذا الامر لم يشر اليه نهائيا في مشروع الشركة ومهماتها.

عدا هذا فأن العقد السابق حسب بيانات الوزارة قد حقق أرباحا ممتازة للعراق. حيث ان حقل الرميلة حقق خلال الفترة 2010 الى نهاية 2019 ايرادات اجمالية قدرها 306.6 مليار دولار عاد حوالي 90% منها الى العراق كعوائد تصدير وضرائب دخل على الشركات الاجنبية وحصة الشريك الحكومي و اصول ثابته (الابار والمنشآت السطحية والانابيب وغيرها)

يتساءل جياد: ما هي "الإخفاقات السابقة" التي واجهها تطوير هذا الحقل خلال فترة الوزير الحالي والتي دفعت الى اللجوء الى هذا التغيير التعاقدي غير الموثوق من نتائجه وتبعاته واحتمالية مسارعة الشركات الاجنبية الاخرى لتبني هذا الاسلوب!

ولعل الجواب على سؤال الأستاذ جياد هو أن المقصود بـ"الإخفاقات السابقة"، إخفاقات الشركات بالحصول على مبالغ اكبر من عقود التراخيص كما تطمح، وأن هذه الشركة ليست سوى حلقة في سلسلة المؤامرات على نفط العراق وعلى عقود التراخيص، والتي فشل عادل عبد المهدي بتغييرها بعد ان كشف كذب ارقامه التي ادعاها، خبراء النفط العراقيين، واضطر الى الاعتذار والتعذر بسوء فهم قصده، وانكر سعيه لإقرار عقود الشراكة!

بشكل عام تذكرنا "شركة البصرة للطاقة" بقانون "شركة النفط الوطنية" حين حركت السفارة عملاءها مستغلة ايضا نهاية فترة نيابية قبل 4 سنين، وكانوا عدنان الجنابي وابراهيم بحر العلوم ومصطفى جبار سند وعادل عبد المهدي، لتمرير اكبر مؤامرة لتحويل ثروة العراق النفطية الى يد الشركات الغربية، والذي وصفه مستشار المحكمة الاتحادية بأنه تدمير للعراق ويهدد بالحرب الاهلية بين المحافظات.

في تلك المرة نجا العراق وشعبه من المؤامرة بفضل بسالة ثلة من خبراء النفط اليساريين واصدقائهم، وعرضوا الفضيحة التي مررها مجلس النواب، بلاهة او قصدا، على المحكمة الاتحادية التي اسقطت القانون بكافة نصوصه الفعلية!!

وفي هذه المرة تستغل السفارة اليوم نفس الفترة الخطرة لتمرير قانون مماثل باسم "شركة البصرة للطاقة"، وإن كان بشكل اكثر تواضعا، لكن بغموض اكبر، واساليب أشد التواءاً، وفي ظروف يسيطر فيها على السلطة في البلد عملاء اشد انحطاطا. وفي الحالتين كان خبير النفط البار أحمد موسى جياد هو أول من تابع وكشف المؤامرتين وكتب عنهما.

في الختام يقترح الأستاذ جياد: "تقديم طلب رسمي الى السيد رئيس الادعاء العام في بغداد لإيقاف وزارة النفط من السير في تنفيذ تأسيس شركة البصرة للطاقة" لحين تحقق جميع النواقص القانونية التي توضح عملها، كما دعا "المخلصين في الوطن وخاصة المعنيين بالشؤون النفطية واعضاء مجلس النواب السابقين والجدد ومنتسبي القطاع النفطي في البصرة وغيرهم تقديم طلب الايقاف المذكور اعلاه والاستعانة بالمحامين المختصين والحقوقيين في صياغة طلب الايقاف في ضوء ما ورد اعلاه من معلومات"

 

صائب خليل

.....................

مقالة الأستاذ أحمد موسى جياد

https://tinyurl.com/2p92rjdc

 

 

ميلاد عمر المزوغيالعدد الذي تقدم للانتخابات الرئاسية لم يسبق تسجيله في اية انتخابات دولية سابقة، بالتأكيد غالبيتهم يدركون انهم لن يصلوا الى الكرسي الرئاسي، فالحواجز (المطبات) كثيرة، المؤكد ان مبلغ العشرة الاف دينار غير القابلة للرد لن تثقل كاهل هؤلاء، بينما سيكون العدد من البشر الموالون لهم هو بيت القصيد، ستكون هناك مساومات في الدورة الاولى للانتخابات ويختفون عن الانظار، اما المستمرون فسيكون لهم وزن في انتخابات المرحلة الثانية، بالحصول على بعض المناصب في العهد الجديد، لن يطول الانتظار سنكتشف حتما هوية هؤلاء وتلاعبهم بالأصوات المالية حيث تباع الاصوات المؤيدة (النفوس) بالمزاد العلني، لم يعد بيع اصوات العامة حرام في ظل تردي الاوضاع الاقتصادية وقد سبقهم الى ذلك ساستهم الاشاوس (المنتخبون والمنصبون) الحريصون على الديمقراطية (جماعة الـ75) ببيع ذممهم . 

منذ البداية سعى اخوان ليبيا على عدم اجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، لأنهم يدركون ان ليست لديهم القدرة على الوقوف في وجه الرئيس الذي سينتخب شعبيا، والذي ستكون له صلاحيات وان تكن محدودة الا ان الرئيس المنتخب (سيقصّف) اجنحتهم، ويجعلهم غير قادرين على الحركة، وبالتالي يفقدون السيطرة على خزينة الدولة التي يستمرون في نهبها منذ عقد من الزمن، لم يخرجوا من بين ظهرانيهم مرشحا للرئاسة، لقد اسقط الشعب عنهم قناع التزلف والتمويه والكذب، وجدوا ضالتهم في رئيس الحكومة الدبيبة، تحالفوا معه وعندما استبعد لفترة وجيزة قالوا بان الانتخابات لن تكون نزيهة وشفافة وبالتالي لا يمكن اجراؤها وطالبوا بتأجيلها، محمكة طرابلس الابتدائية اعادت لهم الروح باستمرار الدبيبة في الترشح، غيّر الاخوان رايهم واعلنوا عن امكانية اجراء الانتخابات، الدبيبة الامل الوحيد الذي سينقذهم من الطوفان، انهم يضعون كل امكانيتهم تحت تصرفه ويدعمون حملته الانتخابية التي بدأت مبكرة من الخزينة العامة.

المفوضية العليا للانتخابات لم تلتزم بالشروط التي حددها مجلس النواب السلطة التشريعية الوحيدة في البلاد وبالأخص المادة 12 التي تنص على ان يسلم المسؤول الذي يريح الترشح مهامه لغيرة الى حين اجراء الانتخابات، ناهيك عن الفقرة الصريحة بمخرجات الحوار السياسي الخاصة بعدم ترشح الطاقم التنفيذي الحالي للرئاسة وقاموا بالتوقيع على تعهد بذلك ومنهم رئيس الحكومة، قبلت طلبه وكان على المفوضية رفضه من الاساس للسببين سالفي الذكر، لكنها اثرت الاختباء وراء اصبعها، ارجعت 25 ملفا رئاسيا بحجج واهية غير مقبولة وتركت الامر للقضاء الذي نعتبره السبب الرئيس فيما حصل ويحصل للبلاد منذ انتخابات العام 2014 ، حيث قضت بعدم اعترافها بنتائج تلك الانتخابات واعادت تفريخ الاخوان ضمن مسمى جديد-مجلس الدولة.

المجلس الاعلى للقضاء دخل بدوره على الخط الانتخابي (غياب الدائرة الدستورية)، ابعد وجوها واعاد اخرى، لإحداث بلبلة، واثبت القضاء بانه فاقد للأهلية القانونية (الدستورية) والعقلية، يتلطى خلف من يسيطرون على العاصمة وهم في مجملهم من الاخوان او من يدورون في فلكهم، يريدون ان تستمر دوامة العنف.

بعض المترشحين تقدموا بطعون ضد الدبيبة وعدم احقيته في الترشح، سُرّوا باستبعاده بادئ الامر لأنه يمثل عقبة كأداء في طريقهم، وعندما اعيد الى السباق الرئاسي قالوا بانهم يحترمون القضاء! عن أي قضاء يتحدثون؟ ترى هل سيقبلون بحكمه ان استبعدهم من مضمار السباق؟.

ما حدث في الجنوب الذي يسيطر عليه الجيش الليبي وبالأخص محكمة سبها امر يندى له الجبين، ترى هل دخل موكب سيف الاسلام الى سبها وعيونهم اصابتها الغشاوة؟، اليست لهم استخبارات تنبؤهم بذلك؟ ام ان الامور اكبر منهم؟ ان دعوا القافلة تسير!، التنصل مما حدث يمثل تزييفا للواقع واحتقارا لسكان الجنوب وتطلعهم الى غد مشرق، المجتمع بالجنوب الغربي جد مسالم، وعانى اكثر من غيره من ارتفاع الاسعار وعمليات الاجرام التي قامت بها التشكيلات المسلحة التي تتبع المعارضة الشادية، استقبل سكان الجنوب الجيش الوطني بالترحاب ، فهل هذا جزاؤهم؟.

قلنا راينا في الدبيبة منذ تسلمه السلطة واهداره للمال العام، بان ما يقوم به هو حملة انتخابية بأموال الليبيين. ناهيك عن حنث اليمين وعدم الالتزام بالمواثيق والعهود.

نتمنى ان تجرى الانتخابات الرئاسية في موعدها، ليكن صندوق الاقتراع هو الفيصل ونتقدم ولو خطوة الى الامام، بعد عقد من العنف الممنهج والاهدار التام للمال العام.

 

ميلاد عمر المزوغي

 

 

شاكر فريد حسنتمر القضية الفلسطينية في منعطف خطير يهددها بالتصفية، وذلك جرّاء التدهور المتواصل في الحال الفلسطيني والوضع الحاضن للقضية الفلسطينية، وانهيار التضامن العربي، ودخول عدد من الأنظمة العربية والخليجية في حظيرة التطبيع ومعاهدات "ابراهام".

وهذا الخطر الذي تواجهه القضية الفلسطينية بدأ مع تهميشها عند التخلي عن المشروع الوطني الفلسطيني بتوقيع اتفاق أوسلو، الذي زاد التوسع الاستيطاني الكوليونالي في عمق الأرض الفلسطينية وابتلاعها. وما زاد الطين بلة وتفاقم الحال أكثر الانقسام المعيب والمدمر الذي حصل بين شقي الوطن الفلسطيني.

لا شك أن احداث العالم العربي والهرولة نحو التطبيع مع دولة الاحتلال والعدوان، عكس أثره على الواقع السياسي الراهن، ودفعت بالقضية الفلسطينية إلى الوراء في سلم الأولويات والاهتمامات العربية والدولية، ولم تعد القضية المركزية والأولى على أجندة أعمال مؤتمرات القمة العربية، والشغل الشاغل للنظام السياسي الرسمي العربي في مخاطبة الرأي العام الكوني.

ورغم كل ذلك، تبقى القضية الفلسطينية هي الأساس في قضايا المنطقة، خصوصًا مع استمرار الكفاح الوطني الفلسطيني من خلال الهبات الشبابية والشعبية المتتالية ضد الاحتلال في الضفة الغربية والقدس على أيدي الأجيال الفلسطينية الصاعدة التي اكتسبت الوعي الثوري عبر معايشتها للانتفاضات الجماهيرية.

إن الشعب الفلسطيني لن يستكين تحت حالات اليأس والإحباط واللامبالاة، والاحتقان والتذمر بلغ حدودًا عالية في دوامة استمرار الانقسام الفلسطيني المؤلم، ونحن أمام وضع فلسطيني يمور على مرجل الغليان في الأعماق، ويستدعي إعلاء صوت العقل، وتغليب المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني على كل المصالح الفصائلية والحزبية والفئوية والشخصية، وتجاوز العصبيات التنظيمية، والاستعداد الموحد لمجابهة التحديات ومواجهة استحقاقات المرحلة، والتي ستكون صعبة على الفلسطينيين.

المخرج من الأزمة الفلسطينية ليس بإطلاق الشعارات على التمسك بالتحرير والمقاومة، بل المخرج يكمن في البدء بحوار وطني شامل يستهدف استراتيجية جديدة وتوحيد الموقف الموحد، والتوصل لرؤية شاملة، والتمسك بالمشروع الوطني التحريري الفلسطيني، وإعادة المؤسسات الوطنية الفلسطينية، وإعطاء الأولوية لاستعادة الوحدة الوطنية والشراكة الكاملة والتعددية والتركيز على الأهداف المستقبلية، وتعزيز مقومات الصمود والمقاومة الشعبية المشروعة نحو تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية المرجوة والمنشودة.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

بكر السباتينحينما تجمعنا الكرة وتفرقنا الولاءات..

بعد تسع سنوات من التوقف، تعود بطولة كأس العرب لكرة القدم التي تقام هذه المرة في الدوحة للانطلاق حتى ترى النور بعد غياب. وبمشاركة ستة عشر منتخباً عربياً، قسموا لأربع مجموعات رئيسة، تستضيفهم ستة من ملاعب المونديال الثمانية، ستكون البطولة بمثابة "بروفة" مصغّرة لكأس العالم المزمع استضافته في نهاية 2022 على الأراضي القطرية كسابقة لم يشهدها الشرق الأوسط والوطن العربي.

وحمل كأس العرب الذي افتتحه أمير قطر يوم أمس الأول، العديد من الرسائل المشفرة والأسئلة التي ما لبثت تبحث عن إجابات شافية؛ ولكن دون جدوى.. وكانت رسائل من قلب "دوحة العرب" إلى الوجدان العربي الأسير للأزمات المتفاقمة، تخلوا من مفردات الفرقة ومفاتيح الفتنة كي تعيد بناء الوحدة في العقل العربي الذي شرذمت أركانه الخلافات، وأنهكته الصراعات التي دبت بين أصحاب المبادئ والثوابت من جهة، وأولئك الذين اعتمروا قبعة ميكافللي وما تحتها من أفكار وصولية تقوم على أن الغاية تبرر الوسيلة.. فمات صاحب كتاب الأمير فيما ظلت أفكاره تعربد في العقول وتفتعل الأزمات حتى باعدت بين العرب وساقتهم إلى غياهب الشقاء والمجهول.. وبات الحلم العربي يتيماً يبحث عن الشرفاء كي يعيدوا ترميمه.. ولعلها مهمة أنيطت بالأجيال الجديدة التي لا تهتف للعروبة إلا فوق مدرجات الملاعب وكأنهم يدورون في نسق واحد حول كرة القدم التي صنعت الفرح العربي والتلاحم الفريد بعيداً عن رقابة السياسيين والوصوليين وأصحاب الأجندات التخريبية.. وقد نسج القائمون على مهرجان الافتتاح الأمل العربي مازجين بين مفردات تراثية أصيلة وتقنيات حداثية كالهلوغرام لاستحضار شخصيات من عالم الغياب إلى الحاضر وقد أثقلت الجماهير بالأسئلة الصعبة، وكانت قبل رحيلها قد جمعت العرب على الابتسامة النقية والدعابة البريئة، في المسرح والسينما مثل سعيد صالح وعبدالحسين عبد الرضا.. وشخصية جحا صاحب المواقف المضحكة الموروثة، هذه الشخصية التي خرجت من قلب السخرية لتبدو أمام الجماهير خلافاً لما عرفت به، إذْ خاطبت الجماهير بجدية غير مألوفة وبدت تبث فينا طاقة الأمل من باب العودة إلى ما يجمع الأمة من ملتقيات، الفن الساخر وسحر الغناء العربي بكل أذواقه التراثية والشعبية والحداثية بعيداً عن الأفكار والعواطف الطائفية والجهوية والعصبية كي يظفر العقل العربي الجديد بفرصة التغيير والتراجع عن الموبقات كالتطبيع المهين والفساد والإرهاب وقلب المبادئ والموازين، وطعن الحقيقة في الظهر، فلا تجد من يدرج العدو الصهيوني الذي يحتل فلسطين في قائمة الحلفاء والأصدقاء على حساب الهوية الفلسطينية.

جاء المهرجان عبقرياً في استقطابه للجماهير العربية من كل حدب وصوب.. إجماع فطري على المحبة والتنافس المشروع كصرخة طفل غرير يلتقم ثدي أمه المترهل من اليباس، صرخة يائسة أحيتها الطموحات والآمال بغد مشرق، بما جمعته من حداثة وتراث.

عاد كأس العرب في دورته العاشرة إلى الحاضرة العربية. وقد نظم على نحو أدهش العالم شكلاً ومضموناً، حيث تداخلت فيه الفكرة الأصيلة وتكوينات الصورة البصرية المستقرة، الحلم الذي تنداح دوائره في المدى دون توقف، والحقيقة التي توارت قليلاً حتى لا تباغت المشهد بعربدة الشيطان الذي يكمن في التفاصيل.. مشهد بصري حيٌّ نابض بما تجتمع عليه الجماهير، كأنه قصيدة حية احتفت بكل تقنيات الفنون لتخرج بصورة مشرقة للحلم العربي الجميل. الذي لامس وحضر الحفل الكبير رؤساء دول ومسؤولون، ولأول مرة دعي إليه عشرات العلماء العرب المغتربين الذين يتبوأون المشهد المستقبلي للتقدم والنماء.. كان لحضورهم نكهة لم تعهدها المدرجات الرياضية. وكأنها رسالة إلى المستقبل توحي بثبات أهميتهم في عالم يتغير ولا ينتظر المتقاعسين.

ومن حسن حظ الرياضة والرياضيين العرب أن بطولة "فيفا كأس العرب" 2021 في قطر تأتي بعد العودة عن القطيعة السياسية التي ظلت جاثمة لسنوات على العلاقات بين الدوحة وعدد من الدول العربية فيما يعرف بدول المقاطعة وهي مصر والسعودية والإمارات والبحرين.. الأمر الذي هيأ لظهور مراسم افتتاح البطولة على استاد "البيت" بذلك المظهر المثير للدهشة والإعجاب، لذلك قال الأمير تميم بن حمد في كلمته الافتتاحية "أهلًا بجميع العرب في دوحة العرب" وصدحت على إثر ذلك الأناشيد العربية الرسمية مع ظهور علم كل دولة على حداها، والأجمل في هذا المشهد الملهم، أن النشيد الوطني الفلسطيني كان حاضراً وسط هتافات الجماهير: "فدائي فدائي فدائي.. يا أرضي يا أرض الجدود.. فدائي فدائي فدائي.. يا شعبي يا شعب الخلود.. بعزمي وناري وبركان ثاري.. وأشواق دمي لأرضي وداري" النشيد الذي يحث على النضال "وإصرار شعبي لخوض الكفاح .. فلسطين داري فلسطين ناري" دون أن يلوث علم الاحتلال الإسرائيلي أو مشاركة مجنسين من أصول إسرائيلية بعباءة عربية مشبوهة، أجواء الاحتفال العربي الكبير الذي عبر عن خلجات قلوبنا التي أدمنت القهر والحزن والسعي الحثيث وراء الفرح في اليباب.. نريده إجماعاً عربياً نقياً لا يشوبه التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي وعودة مظفرة لسوريا التي تحطمت على صخرتها الأمواج.

هذا الحدث الكبير جمعه إستاد البيت الذي صمم على شكل بيت الشعر ومضافة العرب، وهو ثاني أكبر الملاعب الثمانية التي ستستضيف كأس العالم في قطر العام المقبل والتي نتمنى أن تُحْرَمْ دولة الاحتلال الإسرائيلي من المشاركة فيها، ويقع الستاد على بعد نحو ساعة من قلب العاصمة القطرية الدوحة، وهو مصمم على شكل "بيت من الشَعر" به الدلّة العربية ونقوش السدو التي كانت تزيّن خيم العرب قديماً، ويتّسع لستّين ألف شخص واختاره القطريون لحفل افتتاح البطولة للتأكيد على الأصالة.

وفي مضافة العرب هذه، حضر الافتتاح جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) التي رعت هذه الدورة. ولفت إنفانتينو إلى أن اجتماع العرب في إستاد البيت، هو بمثابة اجتماع لفيف الأحباب والأصدقاء والأهل معاً في منزل واحد، مؤكداً أن بطولة كأس العالم التي تستضيفها قطر العام القادم تتطلع في المقام الأول إلى تجميع الأفراد من مختلف دول العالم تحت راية كرة القدم.

وقد حضر الحفل أيضا أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة وزوجته الشيخة موزا المسند، والدا الأمير تميم، وحضر كذلك عدد من الرؤساء العرب.

وتضمن الحفل عروضاً ثقافية وتراثية وموسيقية احتفت بما تتميز به المنطقة العربية من ثقافة وتاريخ وفنون مشتركة. كما شهد الحفل أيضا عرضاً موسيقياً مزج بين الأناشيد الوطنية للدول الـ 23 المشاركة في البطولة مع إعلام تلك الدول بأصوات وصور مبهرة، إلى جانب عروض للألعاب النارية.

وبدأ الاحتفال بدخول جحا، إحدى الشخصيات الخيالية في التراث الشعبي العربي وجسده الممثل السوري فايز قزق، وحماره، إلى أرض الملعب، سائلاً عن حال العرب، في رسائل ضمنية تدعو إلى نبذ التفرقة بين أبناء اللغة الواحدة والمنطقة الواحدة التي تعيش انقسامات عدة.. ويعربد في تفاصيلها شياطين المصالح التي أغرقت مراكبنا في بحر لجي لا يرحم.

واستخدم المنظمون تقنية الهولوغرام الثلاثية الأبعاد، والنيوروفون التي تستنسخ الأصوات؛ لتجسيد الفنانَيْن الراحليْن: الكويتي عبدالحسين عبد الرضا والمصري سعيد صالح، لخوض حوار عن أحوال العرب وطَرْحِ أسئلةٍ صادمة حول مستقبل أمة عربية أضاعت بوصلتها؛ لاستعادة الوعي العربي المنتهك والمحاصر بالمشاريع التصفوية للأمة.

وانطلق الاحتفال بعرض ضوئي لأغاني عربية من أقصى الخليج إلى أقصى المغرب العربي، بحضور فنانين عدة بينهم مغني الراي الجزائري الشاب خالد، والمغنية العراقية رحمة رياض. وكانت الجماهير في إستاد البيت متنوعة، فيزداد صياح اللبنانيين مع أغنية لفيروز، والمصريين مع أم كلثوم أو عبد الحليم، فيما تعلو التصفيقات الخليجية على إيقاعات موسيقى بلادهم. وتزامناً مع إطلاق الألعاب النارية، افتتح أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني الدورة العاشرة من بطولة كأس العرب قائلا: "بسم الله وعلى بركة الله، أعلن افتتاح بطولة كأس العرب، متمنيًا لجميع المنتخبات التوفيق وأهلًا بجميع العرب في دوحة العرب".

وبقدر الإبهار والتآخي بين العرب، الذي ظهر في حفل افتتاح كأس العرب العاشرة بالدوحة، يأمل المرء في أن ينجح لاعبو المنتخبات الوطنية الستة عشر في تكملة هذا التوجه بخوض مباريات مبهرة ورفيعة المستوى كرويا في ظل روح رياضية وأخوية تحتاجها شعوب المنطقة. وأن تستفيد منها المنتخبات التي ستخوض مباريات فاصلة بتصفيات كأس العالم، لتعود للدوحة في نفس الفترة من العام المقبل للمشاركة في مونديال 2022.

والجدير بالذكر أن كأس العرب صنع من الذهب الخالص ونُحتت عليه خريطة الوطن العربي.. فهل ترقى العلاقات العربية البينية إلى درجة من الصفاء الذهبي بعد أن تتطهر من الموبقات التي أشرنا إليها آنفاً! نأمل ذلك فالهتافات تتصاعد حتى في بيوتنا تشجيعاً لمباريات الافتتاح.. فبالتوفيق يا عرب.. بعد زوال الغمة التي تطغى على حياتنا ورحيل الاحتلال إلى غير رجعة.

 

بقلم: بكر السباتين

 

 

شاكر فريد حسنغادر عالمنا في الخامس والعشرين من شهر تشرين ثاني الماضي، الأديب والناشر والمترجم والمثقف اللبناني الاستثنائي المشتبك، عاشق فلسطين ونصيرها، سماح إدريس، نجل مؤسس دار ومجلة الآداب الأديب القومي العروبي التنويري سهيل إدريس، والكاتبة والمترجمة اللبنانية عايدة مطرجي، والعضو المؤسس في حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان منذ العام 2002، والناشط في مجال دعم القضية الفلسطينية، الذي وافته المنية بعد معاناة وصراع شرس مع السرطان في أيامه الأخيرة، الذي قاومه ببسالة، تاركًا وراءه إرثًا ثقافيًا وأدبيًا ومعرفيًا، وسيرة نضالية طيبة زاخرة بالمواقف الجذرية الوطنية والقومية والثورية والكفاحية المشرفة.

لقد جسد سماح إدريس بفكره وتفكيره ومعتقداته وممارساته ونشاطه الفكري والثقافي المعرفي، كلّ النقاء الفكري والثقافي المشحون بحبه لفلسطين وقضيته الوطنية التحررية، وقضايا الأمة العربية المصيرية، مجبولًا بالتوجه الاشتراكي، والقومي العربي، وحدد لنفسه هدفًا من معمار النضال الضخم الهائل، حتى لا تتحول جهوده لنزيف مشتت، ودأب على نشر الفكر العلماني، وتجديد المقاربة القومية العربية.

وأشتهر سماح بمواقفه وتأييده للقضية الفلسطينية، ونذر نفسه للدفاع عنها بكل ما يملك من إحساس وقوة وفكر، مهاجمًا ومقاومًا المطبعين ودعاة التطبيع، وكانت وصيته الأخيرة: " إذا تخلينا عن فلسطين تخلينا عن أنفسنا".

ترأس سماح إدريس تحرير مجلة "الآداب" التي لعبت دورًا رياديًا وطليعيًا وثقافيًا في نشر الثقافة العربية التقدمية العلمانية والإنسانية، ثم أصبح رئيسًا لتحريرها بعد أن تحولت لمجلة الكترونية، وتمسك برسالة الثقافة والكتابة والنشر، رغم كل الأزمات المختلفة في لبنان والوطن العربي، وكان قد كتب في افتتاحية العدد الأخير من مجلة "الآداب" الورقية تحت عنوان "ترف الإنتاج الثقافي المستقل"، قائلًا: "فنحن لا نملك مهنية غير الكتابة والنشر المستقلين، وسنواصل هذه المهنة مهما صعبت الظروف، ومهما تعثرنا أو تأخرنا أو كبوْنا، وسنكون إلى جانب كل من يعمل بكدّ وتفانٍ وحبّ، على الخلاص من سارقي أحلام شعبنا في الحياة الحّرة الكريمة".

ولسماح إدريس العديد من المقالات والمؤلفات والدراسات والأبحاث والمنجزات الفكرية والنقدية، أهمها: "المثقف العربي والسلطة: بحث في التجربة الناصرية، صناعة الهولوكست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية، الماركسية والدين والاستشراق (ترجمة)، إسرائيل، فلسطين، لبنان: رحلة أمريكي يهودي بحثًا عن الحقيقة والعدالة، رئيف خوري وتراث العرب".

أما في مجال السرد، فله: "فلافل النازحين، خلف الأبواب المقفلة، قصة الكوسى، الشباك، عالم يسع الجميع، الكل مشغول، الموزة، أم جديدة، البنت الشقراء، طابتي الذكية، وقصتي" وغيرها.

سماح إدريس لم يتوانَ يومًا عن البحث عن هوية المعرفة الفكرية، فكان حفّارًا فكريًا من الطراز المبدع، ورأى أن الصواب الفكري هو من الإصابة بمنهج وفكر، والتمسك برؤية عقلانية في قراءة الواقع. وبفضل مساهماته ومجايليه من المثقفين التنويريين الجدد، الذين حملوا راية الثقافة التنويرية المضيئة، تبلور السبب العميق، الذي كان وما زال واقفًا وراء هذا الشرخ في الوعي التاريخي الوطني، في لبنان، أو داخل الوعي العربي المشوه.

وعلى كل حال، يبقى إرث سماح إدريس الفكري والمعرفي والثقافي، أعماله الأدبية والنقدية والفكرية، شاهدًا كبيرًا على دوره وإسهامه ومساهماته في رفد وإثراء حياتنا الثقافية والفكر العربي، وتحديث ثقافة العرب السياسية والنقدية.

هذا هو سماح إدريس، اللبناني الجذور والمولد، الفلسطيني هوية والتزامًا وانتماء، المناهض للتطبيع وثقافة الاستجداء والاستسلام والانبطاح والهرولة، الملتزم بقضايا الإنسان وفكر المقاومة، الذي ارتحل عن الدنيا، مثخنًا بالجراح، بعد رحلة حياة شاقة وطويلة مع الحرف والموقف والالتزام، وإن رحل جسدًا فسيبقى بروحه وأفكاره وإرثه وميراثه ومواقفه الشامخة شموخ الأرز اللبناني، الثابتة كثبات جبل صنين.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

صادق السامرائيالفكر لا قيمة له عندما يكون كلمات مجردة من التفاعل مع الواقع، فما قيمة آلاف الكتب للمفكرين والفلاسفة العرب المطمورة في الرفوف، وتتداول وسائل التواصل الإجتماعي بأنواعها، العديد من أقوال المفكرين والفلاسفة، ولا معنى لها ولا دور في الحياة، لأنها ليست على تماس مع البشر، ولا تُحدث تغييرا، أو تطلق نشاطا يخدم الناس.

فالكلام لا ينفع لأنه فقد قيمته، والكلمة إنزوت وتبددت، فلا أثر لها ولا معنى، ولا قدرة على صناعة الحياة التي تساعد التقدم والرقاء.

ولغياب قيمة الكلمة ومعنى الكلام، ظهرت حركات وأحزاب رفعت شعارات برّاقة، وجاءَت بأفعال مضادة لها، مما يشير إلى الجهل الإدراكي للكلمات، ومعاني العبارات، وفحوى الشعارات، أو أنها كانت تُطرح للمُخادعات والتضليل . لتمرير إرادات الطامعين في البلاد والعباد.

الكلمات لا تنفع، والخطابات تخدع، وكل شيئ في العمل، ومَن لا يُطابق عمله مع قوله هو من الكذابين والمنافقين، والمتاجرين بما يطرح وينادي به.

فالحياة في العمل وليست في الكلمات.

الشعر لا يُطعم من جوع ولا يمنع من برد، وإدّعاء الدين بالكلام لا يساوي شيئا، ما دام العمل ضد الدين، فلا بد من العمل، لكي يكون الكلام فيه أثر وله دور وأمل.

إنَّ الأمة تعيش في مأزق حضاري فتاك، لأنها تتوهم بأن القول العمل، وتندفع بنخبها إلى الإسهاب والهذر والإمعان بتسطير الكلام، فتجد نخبها منهمكة بالكلام المكتوب، الذي تسميه إبداعا وتحسب أنها تنجز شيئا، وما هي إلا تستنزف طاقاتها فيما  يضرها، فالشعر والأدب والدين لا تقوّي الأمم ولا تعزز قدراتها، فالأمم بالعلم والعمل تكون.

إن إهمال العلم والعمل، هما الآفتان اللتان تنخران وجود الأمة، وتحيلانها إلى عصف مأكول.

فهل لنا أن نعيد للكلام قيمته العملية، وللحياة مسيرتها العلمية؟

 

د. صادق السامرائي

 

 

علاء اللاميإنه أقدم نهر اصطناعي أنجزه الرافدانيون القدماء في عهد أنتيمينا ملك مدينة لكش الجنوبية قبل أكثر من خمسة آلاف عام (حكم هذا الملك في فترة 2400 ق م، وهو ملك سومري من سلالة لكش الأولى وهو ابن إينأنا توم الأول. فبعد نزاعات مريرة مع مملكة أومّا شمالها على مياه نهر الفرات القديم الذي كان يمر في المنطقة عصر ذاك، وتحديدا على مياه الراضع "الفرع" الذي يتفرع منه ويتجه نحو لكش واسمه "ترونغال" والذي كان عرضة للقطع من قبل سلطات مملكة أومّا قديما لجأت ملك لكش إلى حل المشكلة على طريقته: نعم، كانت هناك صراعات بين مملكتي لكش وأومّا على مياه ذلك الراضع من نهر الفرات القديم، حيث كانت أوما فهي تقطع المياه بين الحين والأخر عن لكش، وتنشب الحروب والنزعات المسلحة التي استمرت كما يقول البعض قرنا كاملا|. وفي عهد الملك أنتيمينا تم توقيع معاهدة صلح مع مملكة أومّا بواسطة ملك مدينة كيش الذي يحمل اسما لافتا هو "مسيليم" فكانت هي الأولى من نوعها في العالم القديم، ولكن تجاوزات سلطات أوما استمرت فاضطر ملك لكش أنتيمينا لاحقا الى حفر نهر جديد إلى لكش بعيداً عن أومّا، فجلب الماء بواسطة هذه القناة من نهر دجلة، وهذا ما يسمى بنهر الغراف، وهو يعد أكبر وأقدم مشروع إروائي في تاريخ العراق القديم. وفي التخطيط له وإنجازه استخدمت أفكار هندسية في شق هذا النهر من خلال الانحدارات والمناسيب والزوايا، كما يقول الخبير الآثاري عامر عبد الرزاق. 

نهر الغراف اليوم، يلفظ أنفاسه الأخيرة، ليس فقط بسبب قلة وارد المياه من دجلة بسبب سدود ومشاريع تركيا وإيران، بل أيضا بسبب الإهمال الحكومي العراقي وعدم كري النهر وتنظيفه دوريا من الترسبات وعدم تبطين مجراه وتقليل نسبة التبخر والتسرب من مياهه. علما أن مياه هذا النهر مهمة جدا لسكان عدة مدن تستقي منه مياه الشرب ومنها الشطرة والناصرية والغراف والرفاعي والنصر والحي وصولا الى البصرة عبر قناة البدعة الشهيرة إلى جانب عشرات القرى على ضفتيه. إن ملايين الناس مهددون بالعطش وانهيار الزراعة في هذه المنطقة الخصبة الرسوبية التي تشكل قلب السهل السومري العتيق وأرض السواد. والمثير للاستهجان والغضب أن السلطات الحكومية عمدت الى حلول ترقيعية وبالقطارة، ولولا خوف الحكومة الفاسدة من انقطاع مياه الشرب عن مدن الشطرة والناصرية والبصرة الذي يستجلب من هذا النهر في قرية البدعة وما قد يحدثه ذلك من انفجار اجتماعي هائل لما بادرت السلطات الحكومية - متأخرة كعادتها -الى كري النهر قبل فترة قصيرة وببطء شديد، بدلا من ايجاد حل جذري يتمثل في الكري الدوري وتبطين قاع النهر، ومطالبة تركيا وايران بإطلاق حصة العراق العادلة من المياه بما يتناسب مع طول النهرين المارين به واللذين استمد اسمه التاريخي ما بين النهرين أو الرافدين وبالآرامية "بين نهرين" وفي الاغريقية "متسوبوتاميا" وعقد معاهدة دولية ملزمة بهذا الخصوص مع الدولتين "المسلمتين" المجاورتين.

المثير للعجب هو ان السلطات الحكومية التي تركت نهر الغراف يختنق بالطين والغرين لعدة سنوات كانت قد صرفت مليارات الدنانير لتشييد جسر لمرور السيارات على النهر وعلى مسافة عشرات الامتار من جسر الناظم القديم الذي شيد في عشرينات القرن الماضي. كما شيدت الحكومة ناظما جديدا على الراضع "شط الشطرة" الذي يوصل مياه الغراف الى الشطرة بأربعة بوابات / الصورة، علما ان الناظم القديم مزود ذات العدد من البوابات ما يزال مستعملا بشكل طبيعي كما شاهدته بعينيّ، ويمكن ترميمه بمبلغ بسيط، وعلما أن مياه هذا الراضع الذي يشطر المدينة ومنه جاء اسمها "الشطرة" أصبحت غير صالحة للشرب وتستعمل للزراعة فقط وبحدود دنيا كما قيل لي.

 

علاء اللامي

.....................

فائدة لغوية 1: الرافد هو نهر صغير يرفد نهراً أكبرَ بالمياه ويصب فيه، والراضع هو فرع من نهر يأخذ المياه منه. وعليه فالغراف راضع من دجلة والزاب الأعلى مثلا رافد يصب فيه.

فائدة لغوية 2: شيء اصطناعي أي مصطنع، من عمل البشر، فنقول نهر اصطناعي وقمر اصطناعي، أما الشيء الصناعي فهو المخصص للصناعة فنقول نهر أو قمر صناعي وآخر تجاري وثالث زراعي.

* الصور المرفقة: صورتان لنهر الغراف المختنق بالغرين وثالثة لترعة آسنة المياه تتفرع منه ورابعة للناظم الجديد الذي لا ضرورة له على شط الشطرة، وخامسة لسد ناظم البدعة لاحظ الخط الأبيض على جدار الناظم الذي كانت تصل إليه المياه من قبل، جميع الصور بعدستي قبل بضعة أيام. رابط لمشاهدة الصور على صفحتي على الفيسبوك:

https://www.facebook.com/allamialaa

* رابط يحيل الى كتاب "جوانب من الخدمات في مدن العراق القديم: دراسة تاريخية" تأليف ياسر علي هاشم الحمداني/ ص 44 وما بعدها:

https://books.google.ch/books?id=tpZ9DwAAQBAJ&pg=PA45&lpg=PA45&dq=%D9%86%D9%87%D8%B1+%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D9%81+%D9%84%D9%83%D8%B4+%D9%88%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%A7&source=bl&ots=AX6PvrIwSw&sig=ACfU3U0--vRU7qw2-gd4QrCOHSR7xoRnzg&hl=fr&sa=X&ved=2ahUKEwjE46j3vcL0AhVDy6QKHSSlDC8Q6AF6BAgSEAM#v=onepage&q=%D9%86%D9%87%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D9%81%20%D9%84%D9%83%D8%B4%20%D9%88%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%A7&f=false

* رابط لفيديو حول آخر المكتشفات في آثار مملكة أومّا التي دخلت في نزاع على المياه مع مملكة لكش فكان ذلك دافعا لشق مشروع قناة راضع الغراف قبل أكثر من خمسة آلاف سنة. عذرا سوء تسجيل الصوت من المصدر.

https://www.facebook.com/643853789114009/videos/142088847208976/?app=fbl

 

 

سليم الحسنييأخذ الكلام عن خليفة المرجع الأعلى السيد السيستاني اهتمام الشيعة في العراق وخارجه. وما يلاحظ على هذا الكلام أنه يتركز على الأسماء بينما يهمل النقطة الجوهرية وهي المرجعية كقيادة ودور ومسؤولية كبرى في عالم الشيعة.

في عدة مقالات كتبتها على فترات متفرقة، أشرتُ فيها أن السيد محمد رضا السيستاني يعمل على ترشيح خليفة لوالده يكون طوع أمره. فهو يريد فاصلة زمنية بسيطة يشغلها المرجع الجديد، ليتمكن هو من تولي المرجعية في الوقت المناسب. أي أنه يريد (مرجعاً انتقالياً) يتخطى به الاستهجان الشيعي من توريث المرجعية.

المكتب أيضاً يريد المرجع الصوري، لكي يبقى دوره في التحكم بشؤون الحوزة والمرجعية وفي التدخل السياسي قائماً وممتداً كما هو عليه الآن وأكثر.

لقد حرص أقطاب المكتب طوال السنوات الماضية على تجريد الحوزة العلمية من عناصر القوة، وحصرها بأيديهم. فبقية المراجع وكبار العلماء وأساتذة الحوزة حوّلهم المكتب الى وجودات هامشية لا علاقة لها بالرأي والقرار، وانحصرت حركتهم بين الدرس والبيت فقط.

ومع هذا الإعداد الدقيق والصارم لأجواء النجف الأشرف والحوزات العلمية، أصبح المستقبل أسيراً لإرادة مكتب السيد السيستاني، ومن يخرج عليه فهناك ألف طريقة لإسقاطه.

إن ظروف الشيعة في العراق وخارجه، تتطلب إعادة القوة الى المرجعية الدينية، وإنقاذها من تسلط الأبناء والحواشي، لتكون بالمقام الذي أراده لها الإمام الحجة المنتظر في النيابة عنه في قيادة الأمة ورعايتها وتوجيهها، والعمل على التمهيد لظهوره عليه السلام بتوفير المستلزمات الموضوعية، وليس بالصمت والانكفاء الذي يطيل الانتظار ويبعده.

إن واقع الشيعة يفرض على النجف الأشرف أن تكون مسؤولة عن اختيار خليفة للمرجع الأعلى يملأ الموقع ويعطيه حقه وينهض بدوره. فالنجف أمام لحظة التاريخ الفاصلة بين أن يعود الشيعة الى هامش الحياة مطاردين بالقمع والتقتيل، وبين أن يستعيدوا قوتهم التي تناسب حجمهم كأغلبية سكانية في العراق لها استحقاقاتها في حكم الدولة وإدارتها.

 

سليم الحسني

شاكر فريد حسن(المقدمة التي كتبتها لديوان الشاعرة روز اليوسف شعبان الصادر حديثًا ويحمل اسم "أشواق تشرين")

هذا هو الديوان الشعري الثاني للشاعرة المبدعة د. روز اليوسف شعبان، بعد ديوانها البكر "أحلام السنابل"، ويحتوي مجموعة من القصائد والأشعار والنثريات المفعمة بالرومانسية، التي تناجي الحبيب وتحاكي الحب والوطن والطبيعة والإنسان والجمال.

شاعرتنا روز تنسج كلماتها من جبين الشمس، وتكتب على النبض وإحساسه تعابير مخملية رقيقة بهمس تغاريد الصباح وغفوة الندى، وما يميز كتابتها مقدرتها الواضحة على المزج والجمع بين جمال الكلمات وعذوبة المعاني وجزالة اللفظ، والرهافة والشفافية، وعمق المضامين، والجمالية الفنية من جهة، ورمزية اللغة الشعرية من جهة أخرى. وتأتي قصائد الديوان عامة إلا بهدف الامتاع وعدم إرهاق القارئ في البحث عن معاني الكلمات في المعاجم اللغوية، ونجدها تبتعد عن التراكيب المعقدة، واعتماد العبارات والجمل والصور الحية البعيدة عن الألفاظ المحنطة، واستخدام الإيحاء والتصوير وبهاء التشكيل والحركة الداخلية للنص، والإيقاع الذي يلف أطياف قيدتها كطفل يتهادى بموسيقى محببة للنفس.

ويعبّر هذا الديوان عن تجربة وجدانية ذاتية شاملة، فهو رؤية عميقة، أداتها اللغة الحسية الحية، وحصانها الخيال الجامح، فتسافر وتجنح بدلالة اللغة الحقيقة إلى دلالات مبتكرة، وإيحاءات مدهشة، وتحاول الإمساك بلحظات حُبّ ووجد وفرح غامر وشوق عاصف غير ابهة بالوجع. إنها منحازة للمضمون في سياقه الوجداني العاطفي الإنساني، وأكثر حضورًا في السبك والنسج الشكلي البنائي للقصيدة، وإبرازها القيم الجمالية فيها. وإذا تأملنا قصائدها على وجه العموم نجد محاورها ومستوياتها الإيقاعية والأسلوبية والتشخيصية، وانتقاء المفردات، واختيار اللغة والمضمون من منظور إنساني خالص، وإحساس دافئ ومرهف.

روز اليوسف شعبان تملك تجربة قيّمة تستحق الاهتمام، في نصوصها نزعة جمالية واضحة، متسلحة بأدوات التعبير والصياغة، شعرها رقيق عذب، متدفق من شلال وجداني انسيابي. ولا يمكن أن يكون الشاعر مبدعًا ومؤثرًا دونه، والشعر الحقيقي هو الذي يأخذك باتجاه الشمس وسطح القمر وحدائق الورد، وتعوم معه وسط البحر في جو ربيعي، رغم تساقط الأوراق. وهذا هو شعر روز، التي اراهن على شعريتها، واتنبأ لها مستقبلًا شعريًا وادبيًا بما تملكه من موهبة وثقافة وشاعرية وصفاء روحي وقيم إنسانية. وإنني أترك لكم متعة القراءة، والحكم على قصائد الديوان، ومزيدًا من التقدم والنجاح والتوهج والتألق يا شاعرة النبض والرقة والسنابل.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

محمد المحسنفللحرية معنى يسبقه ويفكّ الحصار

الإهداء: إلى -شعب الجبارين-*..في صموده الشامخ

..أن ينجح الفلسطيني في صوغ مصالحة بين الألم وإشراقات الحياة..فهذا أمر مدهش..!

ولكن..

القدرة على إبتكار طرق إلتفافية خاصة به، في الصخر والطّين، ومراوغة الدبابات للإنتقال من زقاق جهنمي إلى شارع ملتهب.. هي تعبير عن إرادة الحياة فيه، كما أنّها تعبير أيضا عن ندرة الحياة وبؤسها في واقع يطمح إلى تجريده من الشروط الإنسانية الأولية، كأن يعود به إلى ما قبل الشارع، وما قبل وسائل المواصلات، وما قبل الساعة، وما قبل الأفق، مضطر.لأنّ قوّة الحياة الكامنة في الكائنات أن تعمل.

ولكن

مديح التكيّف يحدّد للإرادة حيز عمل شديد الضيق، إذ يصبح هذا الشرط اللاإنساني الإمتحان البائس لمتطلبات إنسانيته، بتحوّله إلى شكل من أشكال الروتين، فيفرح بإنسحاب دبابة من باب منزل، أو بالخروج من عنق الزجاجة عند إحدى الحواجز، أو بتوقّف الأباتشي عن التحليق والقصف لمدّة يوم واحد..!

ليس أفق الحرية وحده هو الذي يضيق بالحصار، فللحرية معنى يسبقه ويفكّ الحصار.

لا لشيء إلا أنّها مؤجّلة دائما.أما الحياة المحاصرة هي المعطى الممكن الوحيد من الحياة، فتعدّ العدّة للتكيّف مع ما يناقض جوهرها، كأنّها حلم أو مشروع قابل للتأجيل والتفاوض.فيصبح حقّه في حياة إنسانية، بمعناها الخام، أحد بنود الحل النهائي!

ليس الصراخ عيبا، فليصرخ إذا، لا ليسمعه أحد، فلا يجرؤ أحد على الإصغاء إلى صرخته لئلا يُتَهمَ بالخروج عن جدول أعمال أمريكا.لكنّه يصرخ ليقول ما هو أبسط..

ليقول، إنّه لا يتكيّف مع ما هو فيه، حتى ولو كان هذا التكيّف أحد تجليات البطولة، فلا تبهجه بطولة تتعارض مه وعيه لإنسانيته..إنّ تحمّل العذاب شيء

يختلف عن التعوّد على عادية هذا العذاب وروتينه اليومي المفتوح على إبتكار أنماط تأليف جديدة..

فليصرخ، لا ليسمعه أحد، بل لتوقظه صرخته مما هو فيه..كيف إلتبس على الوعي العالمي الفارق بين المقاومة والإرهاب!؟..

كيف تمّ الإنتقال من التنافس مع الآخر على صورة الضحية الذي كسبه بعض الوقت.. إلى التنافس مع الآخر على سؤال:من أين يأتي العنف، ومن أين يأتي العنف المضاد؟ (إف16 مقابل هاون من صنع محلي) وكيف إستطاع العالم الظالم أن يرسم له صورة شائعة: صورة

الإرهاب..؟

لقد أًدرج سؤاله، سؤال العدالة والإستقلال والتحرّر من آخر إحتلال على الكرة الأرضية في سباق الحرب على الإرهاب، وتمّ تحويل الإحتلال الإسرائيلي من إرهاب دولة رسمي إلى دفاع عن النّفس في حرب إستقلال لا تنتهي إلا بالقضاء على معركة إستقلال بدأت.

وإذن؟

فليصرخ إذا لتوقظه صرخته:إنّ مقاومة الإحتلال بوسائل ملائمة لا تشوّه صورة حقّه وحقيقته، ليست إرهابا..حتى لو ترافق ذلك مع موت المرجعيات العالمية، بعدما أصبح مجلس الأمن الدولي شديد الشبه بمجلس الأمن القومي الأمريكي، وبعدما أصبح ذهب السكوت العربي لا معا، إلى هذا الحد:حصار يلد حصارا، وأمريكا تحاصر الجميع وتعلن بصلف أن القدس عاصمة إسرائيل.

فماذا نفعل إذا حاصر فرعها الشرق أوسطي المدن والقرى الفلسطينية..؟

سؤال لجوج ما فتئ ينهشني وإنّي-أراه-يهدّد الجميع بالسقوط في الهاوية..وفي عمق الهاوية قد لا نجد متسعا للجميع.. لولا الأمل.. لولا الإرادة..

 

محمد المحسن - تونس

........................

* عندما كان الشهيد الراحل ياسر عرفات يرفع يده (نافضاً) في وجه المراسل التلفزيوني ويقول أنت لا تعرف الفلسطينيين، نحن شعب الجبارين ويكرر الجبارين.. الجبارين.. الجبارين..هذه العبارة التي أصبحت (لازمة) في لسان ياسر عرفات كان ينظر لها البعض بأنه لفظ محكي يتمسك به ياسر عرفات بلا معنى في حالات الانكسار التي يعيشها ومحاولة لتعزيز موقفه وصموده في سجنه الكبير في رام الله..

لكن التداعيات والأحداث المتوالية والعمليات الاستشهادية أثبتت أن الفلسطينيين هم شعب الجبارين.. فرغم الحصار والتجويع والتنكيل إلا أنهم استطاعوا أن يقوموا بعمليات استشهادية وإسقاط المعادلة التي تقول إذا استمر الحصار على الضفة وقطاع غزة فإن المدن الإسرائيلية ستكون آمنة..

 

 

صادق السامرائيغياب التدوين في زمن الدولة الأموية، ظاهرة تثير أسئلة ولا تعثر على أجوبة، فمؤسسها يكتب، وفيها العديد من الذين يكتبون، وعبد الملك بن مروان عرّب الدواوين، والحجاج يقرأ ويكتب، وهو الذي بدأ بوضع الحركات على الحروف وتنقيطها، لكي لا يختلط على الآخرين تلفظها.

والعديد من مدن الدولة فيها كتاب وأعلام، فلماذا لم يدوَّن التأريخ الأموي من قبل الأمويين؟

ولماذا لم تكتب السيرة النبوية في زمنهم، الذي كان فيه العديد من الصحابة والتابعين؟

لماذا لم يأمر معاوية بن أبي سفيان بالتدوين مثلما فعل الخليفة أبو جعفر المنصور؟

ولماذا لم يحصل تدوين في زمن عبد الملك بن مروان؟

ليس من السهل الإجابة على هذه الأسئلة، فهل فعلا كتبوا وسجلوا الأحداث، والعباسيون محقوها، وأبادوا كل ما يتصل بهم، مثلما أبادوا ذرياتهم ومَن ينتسب إليهم؟

البعض يرى أنهم قد تقصدوا في ذلك، بنوازعهم القبلية الإنتقامية من بني هاشم، الذين أفقدوهم مكانتهم التجارية وهيبتهم القريشية.

ويمكن لمن يرى أن يقول ما يتصوره ويستنتجه، لكن الحقيقة المعززة بالدلائل والبراهين تبقى مجهولة.

ومهما بحثتَ في الموضوع، وبذلتَ من جهد فلن تصلَ إلى جواب، ولا يوجد في كتب التأريخ ما يساعد على تفسير هذا السلوك الغريب.

فالتدوين كان قائما في الدول التي تفاعل معها الأمويون، بل أنهم على دراية به منذ أن كان معاوية بن أبي سفيان أميرا على الشام ولمدة عشرين سنة، وخلالها لم يدوَّن عن زمانه شيئا، وتواصل السلوك في زمن خلافته لعشرين سنة أخرى.

البعض يرى أن تأريخ بني أمية كان شفاهيا، والمعضلة أن أبو العباس السفاح قد قضى عليهم أجمعين، بصولة سفك دماء مروعة وتطهير عرقي فتاك، وذو درجة فائقة النقمة والإنتقام، وبقتلهم قضى على تأريخهم المحفوظ في الصدور.

إن ما حل في بني أمية لا يمكن لعقل أن يصدقه، فالذبح الفظيع الذي أنزله بهم العباسيون، يعد من أعظم المذابح التي قام بها المسلمون ضد المسلمين، والدافع عدواني إنتقامي بحت لا يمت بصلة لدين، ويرتبط بالكرسي والسطوة والحكم المطلق المستبد الشديد.

ولا يمكن إغفال دور الأمويين في تأسيس دولتهم المترامية الأطراف، وما قاموا به من إنجازات حضارية وتنويرية سطعت في الآفاق.

 

د. صادق السامرائي

 

 

صلاح حزامالفلبين بلد فقير ونفوسه ٨٠ مليون انسان، ولكن مستوى التعليم فيه يعتبر من بين الافضل عالمياً. يحتل التعليم في الفلبين المرتبة العاشرة عالمياً وهو يتقدم على الكثير من دول العالم المتقدم.

شاهدت فلماً وثائقياً يستعرض الصعوبات التي يعانيها الاطفال في المناطق المعزولة والبعيدة للوصول الى مدارسهم.

بعضهم يتسلق ممرات جبلية وعرة وخطيرة، وبعضهم يخوض في ممرات مائية وبعضهم يمشي في الغابات المليئة بالافاعي والحيوانات.

بعضهم يقضي ساعتين في المشي للوصول الى المدرسة ومثلها للعودة.

يتعرضون للسع الحشرات والسقوط من الجبال والسير تحت الامطار.

لكنهم يذهبون باصرار الى مدارسهم التي تشيدها الدولة في مناطق تتوسط القرى النائية وقليلة السكان حتى يصلها الجميع.

الأهل يشجعون الاولاد باعتبار التعليم هو الوسيلة الوحيدة للخروج من هذه الحياة الفقيرة والانتتقال الى مستويات حياة افضل.

صياد اسماك فقير كان يجلس في زورقه وهو يشير الى قمة جبل عالية ويقول: ابني يسير هناك في طريقه الى المدرسة وانا اشجعه لكل لايصبح مثلي صياد اسماك فقير.

ليست لديهم درجات اضافية لابناء الشهداء والرفاق والمجاهدين والسجناء السياسيين.

ليس لديهم دور ثالث ورابع وليس لديهم زحف ولابيع اسئلة.

ليست لديهم وزارات للتربية والتعليم تُعطى كحصة سياسية لاحد الأحزاب والذي يقوم بدوره ببيعها لمن يدفع اكثر!!

ليست لديهم مدارس يجلس طلابها على الارض ومدرستهم من الطين.

لا أحد يتاجر بطبع الكتب في الخارج، ولا أحد يتلاعب بالمناهج حسب هواه وعقيدته الفاسدة.

لا أحد يفرض طقوسه على التلاميذ.

مدارسهم بسيطة وجميلة ونظيفة  والاطفال يحبون مدارسهم ومدرسيهم.

المدرسون مؤهلون تربوياً وليسوا من اصحاب الشهادات المزورة.

ذلك كله جعل تعليمهم من بين الافضل في العالم.

نجاح وتطور التعليم يحتاج الى ثقافة رسمية وشعبية تؤمن بأهمية التعليم ودوره الحاسم في التنمية.

 

د. صلاح حزام

 

 

شاكر فريد حسنيصادف اليوم الـتاسع والعشرين من تشرين ثاني، يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، حيث تقام الفعاليات والندوات من قبل أنصار شعبنا الفلسطيني دعمًا له في كفاحه التحرري وتأييدًا لقضيته وحقوقه.

وقد تم اختيار هذا اليوم لأنه يصادف ذكرى قرار التقسيم 181 الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة العام 1917، وهو القرار الذي منح الشرعية الدولية لإقامة وتأسيس الدولة الصهيونية على أرض فلسطين التاريخية، لان وعد بلفور المشؤوم الذي صدر هو الآخر في الشهر نفسه العام 1917 عن وزير الخارجية البريطاني في حينه آرثر جيمس بلفور لا يمت للشرعية الدولية.

وفي الحقيقة إن ذكرى التضامن مع الشعب الفلسطيني أصبحت رمزية على مستوى الحكومات في العالم والتضامن الرسمي، وإذا نظرنا إلى مدى تضامن المجتمع الدولي وحكوماته مع شعبنا الفلسطيني نرى أن الجميع يؤكد ويشدد على التزامهم التام والعارم بالحق الفلسطيني، ولكن للأسف الشديد أن المجتمع الدولي لا يمارس أي ضغط لتنفيذ ذلك، واحترام التزاماته الأخلاقية والقانونية تجاه حقوق الشعب الفلسطيني الإنسانية والسياسية.

لقد ارتقى التضامن الشعبي الواسع مع القضية الفلسطينية وتجلى في أبهى صوره منذ الاحتلال، إبان مسالة الشيخ جراح، والحرب على غزة هاشم، حيث شهدنا تضامنًا عظيمًا مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة من مدن وعواصم العالم قاطبة.

ولعل التراجع في التضامن مع شعبنا الفلسطيني يشمل الحكومات والأنظمة العربية التي هرولت للتطبيع مع دولة الاحتلال والعدوان، وإبرام اتفاقية "ابراهام" لتحقق مصالحها مع أمريكا وإسرائيل، بعيدًا عن أي حل عادل للمشكلة الفلسطينية، ودون التشاور مع الطرف الفلسطيني، لتحقيق مصالحها في محاربة إيران، وتنفيذ خطة صفقة القرن الأمريكية.

لقد تفشى الاستيطان السرطاني في الأراضي الفلسطينية، ولم يعد هناك إمكانية لدولة فلسطينية بالمواصفات التي يتضمنها ويشملها الخطاب السياسي الفلسطيني، خطاب سلطة أوسلو، واستحالة إخلاء المستوطنات طوعًا ودون وسائل تضطرهم لذلك، وعليه فإن القيادة السياسية الفلسطينية مطالبة بإعادة صياغة خطابها على أساس تبني قرار التقسيم الذي لا يزال يحظى بتأييد الشرعية الدولية، الذي تم تنفيذ الشق الاول منه وهو إنشاء الدولة الصهيونية، وبقي الشق الثاني المتعلق بإنشاء دولة فلسطين.

أخيرًا، فقبل ان نطالب العالم التضامن مع شعبنا وقضيته لا بد من طي صفحة وملف الانقسام البغيض، الذي أصبح عامل طرد وتنفير لأي تضامن دولي مع القضية الفلسطينية، وتحقيق الوحدة الوطنية الشاملة والشراكة السياسية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية التي تمثل الرجعية العليا والإطار الجامع للقوى والفصائل والمنظمات الشعبية والمؤسسات الأهلية والشخصيات الوطنية المستقلة الفلسطينية، وتمكين شعبنا من حقه الطبيعي في اختيار قيادته بشكل ديمقراطي لاستكمال مسيرة النضال نحو الحرية والاستقلال الوطني. فالوحدة الوطنية هي صمام الأمان لحماية المشروع الوطني الفلسطيني من التصفية، والكفيلة بواد الفتنة والحفاظ على بوصلة الكفاح والمقاومة نحو فلسطين الدولة والهوية.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

 

سليم الحسنيبطرح اسم الشيخ محمد باقر الإيرواني، يكون الغروب قد حلّ على مرجعية السيد السيستاني. إنه إعلان بشكل ما عن الشمعة التي توشك أن تنطفئ.

لقد شغلت مرجعية السيد السيستاني فترة زمنية طويلة امتدت لثلاثة عقود من الزمن ـ حتى الآن ـ فهي إذن واحد من أطول المرجعيات الشيعية عمراً. وهي أول مرجعية شيعية في العراق أحنت لها السلطة الحاكمة رأسها، فبعد سقوط نظام القمع البعثي في نيسان ٢٠٠٣، صار البيت الصغير العتيق في شارع الرسول بالنجف الأشرف، أقوى قلعة في العراق، وتواضع أمام عتبته كبار السياسيين من بغداد الى واشنطن.

حدث ذلك نتيجة عاملين أساسيين:

الأول: الولاء الجماهيري الشيعي للمرجعية الدينية. وهو ولاء عقائدي وثيق، برّهن الشيعة على تمسكهم به طوال عصر الغيبة، وهو ولاء الصادقين المخلصين، ولو لاه لما أخذت المرجعية هذه المكانة العالية طوال الحقب التاريخية المتعاقبة، ولكانت وجوداً هامشياً محدوداً في أجواء طلبة العلوم الدينية.

الثاني: الدور الذي قامت به القيادات السياسية الشيعية في التعبير على ارتباطها بالمرجعية وطاعتها لمراجع الدين. وقد حرصت الأحزاب والكيانات السياسية الشيعية طوال فترة المعارضة في العراق وخارجه على تأكيد الولاء للمرجعية، والمناداة بقيادة المرجع للأمة وأن الكلمة كلمته والرأي رأيه. وكان لذلك أثره البالغ في تعريف العالم والقوى الدولية المهتمة بشؤون العراق والشيعة بمكانة المرجعية السياسية.

ويجب أن نسجّل للقيادات الشيعية دورها التاريخي في تقديم مرجعية السيد السيستاني كقيادة دينية وسياسية عليا أمام المجتمع الدولي بعد سقوط نظام صدام، من خلال رجوع هذه القيادات الى المرجع الأعلى منذ الأيام الأولى التي بدأت فيها إجراءات تنظيم العملية السياسية. وهذا ما جعل سلطة الاحتلال الأمريكي والقوى الدولية تتعامل على أن المرجعية الشيعية هي القيادة السياسية الأعلى للشيعة.

لقد انفتحت أبواب التوجيه والرأي والقرار أمام السيد السيستاني، وجاءته سلطة واسعة المساحة والمكانة بطفرة زمنية خاطفة لم تتوفر أبداً لأي مرجع شيعي في العراق، فلقد قضى المراجع حياتهم الشريفة تحت القمع والظلم والمضايقة والحصار طوال حقب التاريخ المختلفة التي مرت على العراق.

وبذلك أصبح السيد السيستاني مبسوط اليد في القرار وتوجيه مسار الأحداث وتحديد المواقف لأهم محطات العملية السياسية ومفاصلها، فالقيادات السياسية الشيعة كانت تلتزم برأيه التزاماً كاملاً، بل كانت ترجع اليه في طلب المشورة والرأي قبل أن تتخذ مواقفها في الاجتماعات الرسمية مع الشركاء السياسيين ومع سلطة الاحتلال الأمريكي.

وهنا يخرج علينا السؤال الحساس:

هل كان السيد السيستاني بمستوى الدور الذي وصل اليه وقبل به؟ أين أصاب وأين أخطأ؟

هذا السؤال يلامس أكثر المناطق حساسية في الوسط الشيعي، لأنه يُقرأ بعيون العاطفة عادة من قبل أغلبية الشيعة. وعلى هذا يكون الجواب مجازفة حقيقية تحتاج الى استعداد لمواجهة عواصف صاخبة من ردود الأفعال. ومع ذلك فان الجواب يبقى ضرورياً لابد منه، لأنه يقيّم مرحلة مهمة، وقد يضع علامات مفيدة لمرحلة قادمة.

له تتمة

 

سليم الحسني

 

 

صادق السامرائيأيهما أصلح للواقع المعاصر، المكتوب الواضح أم الغامض، الإسهاب والإطناب، أم الإختصار والإيجاز؟

أسئلة تتوافد وأجوبتها في جعبة الزمن، وسيخبرنا بأقربها للقبول والرعاية والدوام.

فأجدادنا إنتبهوا للإيجاز في الكتابة، ولديهم أقوال كثيرة تحث عليه، ويأتي في مقدمتها "خير الكلام ما قل ودل"، فالإختصار والإيجاز ضرورة إبداعية وكذلك التعبير الواضح.

البعض يرى أن علينا أن نمعن بالرمزية ونغرق في التصويرات المجازية، وفي ذلك تعقيد ولبس وغموض، بينما المطلوب الوضوح والإبداع الجلي المستمرَأ الذي تستوعبه الأذهان، وتنجذب إليه النفوس، وتأنس به القلوب.

فالعصر يستدعي السهل الممتنع، أي الكلام الموجز المكثف المركز، الواضح الدلالات البيِّن المعاني والغايات، فالقارئ لا يريد كتابات تجريدية أو سريالية يحاول أن يفك رموزها، ليرى ما تتستر عليه، فالوضوح الساطع الأثر هو ديدن القارئ المعاصر.

ولهذا فالإبداع المسهب الغامض لا قيمة له ولا دور، لأنه ملثم ملعثم، والعقول بحاجة لسلاسة ووضوح وإنسجام، وقدرة على التفاعل التنويري المتمكن.

فالإختصار والوضوح وتبسيط العبارة لتكون سهلة الفهم والإدراك، من واجبات ذوي الأقلام.

أما أن نأتي بما نتصوره إبداعا، ونسكر بأوهامه وتخيالاته، ففي ذلك إنحراف وعدوان على الإبداع.

إن الوضوح إمام العقول والغموض عدو النواهي والأبصار!!

فهل من مهارات إختصار ووضوح مؤثرة؟!!

 

د. صادق السامرائي

عبد الرضا حمد جاسمالأستاذ العزيز الدكتور علي الوردي المحترم:

تحية طيبة

رسالتي هذه تتضمن خطأ أنت صاحبه كما حسبته انا ...اتمنى ان أكون أنا المخطئ فدلني عليه لطفاً او يتكرم علينا انا وانت من يبدي وجهة نظر فيه وحتماً نكون له شاكرين.

في سابقة تطرقتُ الى البداوة في كتاباتك وفي أخرى اشرتُ اليها... وانت أيها الكريم تعرف صولتها وأصداءها الذي ترددت في ارجاء العراق والوطن العربي...بحيث كل من كتب عنك او عليك تطرق اليها وفق مفهوم صراع البداوة والحضارة الذي التقطه جنابك الكريم عن الريف والمدينة للعالم ابن خلدون وانت اخذت الريف لأنه اقرب الى البداوة وأول المتأثرين بها ومنه ينتقل تأثير البداوة الى الحضارة ليحصل ويجري الصراع... فحولته من صراع الريف والمدينة الى صراع البداوة والحضارة وهذا تفسيري سامحني الله.

واليوم اطرحه من باب عدم ذكره أو المرور عليه مِنْ قِبَلْ مَنْ كَتَبَ عنك وعليك على حد علمي. وانت تعرف أن موضوع البداوة هو ما تلقفه الجميع من طروحاتك وهذا موضوع مُحير حقاً... وقد قسمتَ الوطن العربي بعد تصاعد المد القومي عند صدور كتابك/ دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ عام 1965 الى ثلاثة مجاميع حسب تأثرها بالبداوة كما ورد في ص34 من الكتاب وتحت عنوان فرعي هو [مقارنة وتصنيف].  

اليوم اُذَّكِرُكَ بما طرحتَ عن البداوة ومعك محبيكم (مادحيك ومنتقديك)  حيث أنقل ما كتبتَ عن البداوة وتطور المجتمعات وهوالتالي:

 في (ص32) من الكتاب وتحت عنوان فرعي هو: [نظرية خاطئة عن البداوة] كتبتَ استاذنا الفاضل الدكتور علي الوردي التالي: 

[من النظريات التي كان لها رواج في الأوساط العلمية في الجيل الماضي نظرية حول البداوة لها صلة بالموضوع الذي نحن فيه وخلاصتها ان البداوة مرحلة اجتماعية مرت بها جميع الأمم قبل دخولها في مرحلة الحضارة. مما يجدر ذكره ان هذه النظرية مستمدة من نظرية التطور المشهورة التي صارت(موضة) علمية منذ ظهور دارون في منتصف القرن الماضي فقد ظن العلماء يوم ذاك ان كل مجتمع بشري هو كالكائنات الحية لا بد ان يمر في تطوره عبر التاريخ بسلسلة متتابعة من المراحل المحتومة وهذه المراحل كما تخيلوها تبدأ بالمرحلة البدائية التي يعيش فيها الانسان على الصيد والالتقاط ثم تأتي من بعدها مرحلة البداوة التي يعيش فيها الانسان على الرعي وتليها مرحلة الزراعة ثم مرحلة الصناعة. لقد اتضح الان خطا هذه النظرية لا سيما فيما يخص البداوة فالعلماء اليوم يميلون الى القول بان البداوة ليست مرحلة ضرورية من مراحل التطور الاجتماعي وليس من المحتوم على كل امه ان تمر بها خلال تطورها عبر التاريخ....الخ] انتهى

*تعليق: قبل كل شيء لا توجد نظرية عن البداوة او حولها اشارة الى ان البداوة مرحلة اجتماعية مرت بها جميع الأمم قبل دخولها الحضارة. وأعتقد استاذي الفاضل انه لا يوجد من العلماء او غيرهم من ربط بين البداوة ومراحل تطور المجتمعات...حيث العلماء كانوا ولا يزالون يؤكدون وليس يميلون الى القول بأن البداوة ليست مرحلة ضرورية من مراحل التطور الاجتماعي ولا توجد امة تطورت ومرت في خلال تطورها بمرحلة البداوة... لذلك تجد ان جذور البداوة راسخة في من كانوا بدواً ومن الصعب ازالتها بحيث انها تؤثر في الحضارة أكثر ما تتأثر بالحضارة فتجد اليوم مضارب البداوة عامرة بتكنولوجيا المعلومات والفضاء والأجهزة الأخرى وترافقهم حتى في ترحالهم و""غزواتهم"" ويتابعون حركة ابلهم او يطمئنون على بعضهم بواسطة الموبايل والأقمار الصناعية ويتنقلون بأحدث المركبات والعجلات وربما بعضم اقتنى عجلات "تسلا" ذاتية القيادة يبرمجها ويجلس على ظهر بعيره يقلب بالموبايل ويشاهد العاب الفيديو وافلامه... كل تلك التكنولوجيا لم تؤثر عميقاً بطباعهم المميزة للبداوة. وانتهى السلب والنهب لأنهم بخير وانتهت الغزوات لان سلاحهم ابسط بقوته من سلاح غيرهم سواء حكومة او اخرين.

استاذي الفاضل: العالم والعلماء تطرقوا الى الرعي كمرحلة من مراحل تطور المجتمعات والرعي غير البداوة فهو في كل التضاريس الأرضية والبداوة فقط في الصحراء وانت من يؤيد قولي هذا حيث في ص 34 من نفس الكتاب كتبتَ التالي: [وهناك خطأ آخر حول البداوة لاحظته لدى بعض الاجتماعيين في مهرجان ابن خلدون الذي انعقد في القاهرة عام 1962 فهم يظنون ان من اهم خصائص البداوة هو التنقل وقلة الاستقرار في الأرض... وهم يشَّبهون البدو في ذلك بالغجر والاسكيمو وغيرهم وهذا خطا علمي...الواقع ان البداوة لها ثقافتها الاجتماعية المنبعثة من طبيعة حياتها الصحراوية وهي لا تشبه ثقافة الغجر او غيرها الا من حيث اتصافها بالتنقل الدائم اما في غير ذلك من الأمور فهنالك فروق كبيرة جدا] انتهى

 صدقت في قولك هذا لكنك وقعت في خطأ علمي بخصوص النظرية التي قلت عنها (نظرية خاطئة عن البداوة) الخطأ هو انك ساويت بين البداوة والرعي الذي تنفي تلك المساواة بقولك هذا حيث كما تقول لا رابط بينهما سوى التنقل الدائم...تقول قالوا ان المراحل هي: [ الالتقاط والصيد فالبداوة فالزراعة ثم الصناعة]...أسألك بالله استاذي الفاضل ...ماذا يلتقط البدوي في الصحراء وماذا يصيد هل يصيد الحمار الوحشي! [ ملاحظة: لي عودة على قصة الحمار الوحشي والوردي]

استاذي العزيز انت من ارتكب الخطأ العلمي وليس الأخرين ف "الموضة" التي ظهرت تحت تأثير دارون كما تقول لم تتكلم عن البداوة لأنه بكل بساطة لا دارون ولا من تبع ال"موضة" تلك يعرف البداوة او عاش قربها او عاش في محيطها حيث لا توجد صحراء في محيطهم وهم قرأوا عن البداوة لكنهم لم يعيشوها حيث محيطهم غابات ومراعي خضراء ومياه اينما دارت ابصارهم ورؤوسهم اصطدموا ببحيرات مياه عذبة والسماء تسقيهم مدرارً على مدى أيام العام والأرض تنبت كل مفيد ولذيذ لهم ولحيواناتهم التي ليس منها الابل لذلك قال هؤلاء عن الرعي وليس البداوة لأن بعد الرعي الزراعة من خلال اختيار ما جادت به الأرض وانتباههم لتأثير المناخ وملاحظة الأوقات الملائمة لزراعة أي نبات ومن ثم الحصاد او الجمع الذي مع الوقت اصبح بحاجة الى أجهزة ومعدات  يرافقها الحاجة لمعدات الحماية ليصلوا الى الصناعة وهذه كلها غير موجودة في الصحراء حتى يومنا هذا....لكنك وغيرك ترجم مصطلحهم عن الرعي الى البداوة لأن الرعي في مخيلتكم/ مخيلتنا ارتبط عميقاً بالصحراء و"النهب والسلب" الذي لا اعرف ممن يسلب البدوي وينهب وماذا يسلب وينهب؟ هل ينهب ابل الغير؟...و ان حصل  كيف يوفر لها غذائها في تلك المنطقة الجرداء؟...ثم هل هذا السلب والنهب سيمنع الأخر المسلوب المنهوب من نهب وسلب ابل الناهب السالب؟.

موضوع البداوة والسلب والنهب الذي اطلقته استاذي مستمر على مدى سبعة عقود من الزمن... وسيستمر وسيستلم الراية من جيل المهتمين به اليوم جيل اكثر تصفيقاً لصراع البداوة والحضارة ويتنافس هذا الجيل على قال الوردي وكتب الوردي وهناك اليوم من سار على نهجك من حملة الشهادات العليا الذي سيغطي اسمه على اسمك في العقود القادمة ليحل محلك.

انت تقول ان البداوة فقط في الصحراء وانت محق هنا، لكنهم محقين ايضاً كون الرعي في كل مكان كان ولليوم في القطب وفي السهول الخضراء وفي الجبال والوديان وفي ارقى المجتمعات واكثرها تخلفاً فالرعي غير البداوة حيث الرعي اليوم له مردود اقتصادي كبير يؤثر في ميزانيات الدول حتى الكبرى منها لكن رعي البادية لا يشبع حتى أصحابه.. 

والغريب انك قد كتبت في ص33 التالي: [ان هذا يؤدي بنا الى القول بأن الصحراء والبداوة أمران مترادفان فالأمة التي لا تسكن الصحراء يصعب عليها ان تتخذ في معاشها نظام البداوة إنها في بداية امرها قد تعيش في مرحلة الصيد والالتقاط حتى اذا شح عليها الرزق لاي سبب من الأسباب واضطرت الى ترك تلك المرحلة انتقلت الى مرحلة أخرى حسب طبيعة الأرض التي تعيش فيها وهي في اكثر الأحيان لا يمكن ان تتخذ نظام البداوة اذا كانت أراضيها غير صحراوية]انتهى

استاذي الفاضل: اُكرر السؤال السابق: ماذا يصيد البدوي في الصحراء وماذا يلتقط؟ وتقول: (إذا شح الرزق لأي سبب من الأسباب) السؤال هنا هو: هل رزقهم في الصحراء وفير/ مديد حتى اذا شح...؟ ثم تقول: (اضطرت الى ترك تلك المرحلة انتقلت الى مرحلة أخرى حسب طبيعة الأرض التي تعيش فيها)...انهم يعيشون في الصحراء فكيف حسب طبيعة الأرض التي تعيش عليها...انها الصحراء استاذي الفاضل...لِمَ هذا اللف والدوران ومحاولات التشتيت والتشتت؟ لو قلتَ اضطروا الى ترك ارضهم ،صحرائهم لكانت العبارة انسب وتلتقي مع قولك (حسب طبيعة الأرض...الخ). ثم تقول استاذي الوردي في نفس الصفحة التالي: [من المؤسف ان نرى تلك النظرية على الرغم من ظهور خطئها اخيراً لا تزال شائعة في بعض اوساطنا العلمية ولايزال بعض المؤلفين في بلادنا يأخذون بها ظناً منهم انها نظرية صحيحة من هؤلاء الدكتور علي حسني الخربوطلي فهو يقول: كان العرب في جاهليتهم يعيشون في طور البداوة وهو طور اجتماعي طبيعي تمر به الأمم اثناء سيرها الى الحضارة...لا حاجة بنا الى القول بان هذه النظرية قد تعرقل فهمنا لطبيعة المجتمع العربي ولتاريخه وطبيعة تركيبه. إن من الصعب علينا ان ندرك الخصائص التي تميز بها المجتمع العربي عن غيره اذا اعتبرنا البداوة فيه ظاهرة عامة يشترك معه فيها كل المجتمعات البشرية] انتهى

*تعليق: الصحيح استاذي هو ان تفسيرك للأمور نفس تفسير الأستاذ علي حسني الخربوطلي أي التفسير الخطأ كما قلتَ وليس "أن نرى تلك النظرية على الرغم من ظهور خطئها"...ولعلمك استاذي الكريم انه لا احد يعتبر البداوة ظاهرة عامة تشترك فيها كل المجتمعات البشرية.

نعم أيها الأستاذ الوردي : [لا حاجة بنا الى القول بان هذه النظرية قد تعرقل فهمنا لطبيعة المجتمع العربي ولتاريخه وطبيعة تركيبه] والسبب هو ان تلك النظرية لا تشمل البداوة لذلك تجد التخلف لليوم او عدم مواكبة التطور جاري في كل ترك الصحراء واقترب من الحضارة حيث قيم الصحراء غالبة وعميقة في تفكيرهم لذلك تجد هناك عرقلة لموضوع انطلاقهم للالتحاق بركب التطور حتى لو كما يظهر في استخدامهم حتى المبدع للتكنولوجيا ولليوم هؤلاء مهما امتلكوا من عناصر الاقتصاد القوي لا يبنون وانما يُبنى لهم وهو يديرون بالاسم حيث كل شيء عندهم يديره غيرهم....لكن أكيد مع الزمن وبشكل بطيء سيظهر جيل تتحجر عنده القيم غير الملائمة لتطوره.

لذلك اليوم لا يعود أبناء هذه المجاميع الكبيرة والمؤثرة الى ناصع أيام اجدادهم التي كانت بعد احتكاك اجدادهم بغيرهم من وافدين او السكان الأصليين أي احتكاك البداوة بالحضارة او تبادل المنفعة بين البداوة والحضارة فللفريقين قيم نافعة لو اُحسن الربط بينهما لتأكد للجميع ان هناك حركة للأمام وليس صراع بداوة وحضارة.

يتبع لطفاً

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

 

محمد المحسنهذا المقال، المقتضب، مهدى حصريا إلى الشاب المخلص في عمله الوظيفي الهادي الشعباني الإبن البار لمحافظة تطاوين (الجنوب الشرقي التونسي) والموظف بإحدى المؤسسات الإدارية بالجهة

يعتبر مفهوم الإخلاص في العمل أحادي الجانب، بمعنى أن الموظف يكون مخلصاً بغض النظر عن ردود فعل الإدارة وطريقة تعاطيها مع أداء الموظف، حيث يكون الإخلاص في العمل منطلق أخلاقي ثابت يتضمن مفاهيم واسعة مثل الأمانة والنزاهة والكسب الحلال، والانتماء للمؤسسة واستحقاق الثقة وإثبات الجدارة، وغيرها.

ويميل البعض للقول أن الإخلاص في العمل صفة لا يمكن اكتسابها لأنها جزء من شخصية الإنسان ومبادئه العامة في الحياة، ومن لا يستطيع أن يكون مخلصاً في عمله لن يرغب أصلاً في البحث عن أسباب ومقومات الإخلاص، وأما المخلصون فربما يجب أن يبحثوا عن طريقة إثبات الإخلاص في العمل والحصول على فوائد الإخلاص والنزاهة في أداء الأعمال.

في هذا السياق يمكن تعريف الإخلاص في العمل الوظيفي أنه الالتزام بأخلاقيات العمل وقواعده من جهة، وبذل الجهد اللازم لأداء المهام بأفضل طريقة ممكنة وبما يلبي طموح الإدارة ويحقق المصلحة العامة من جهة أخرى.

ولا شكّ أن مفهوم الإخلاص في العمل من المفاهيم المعقدة التي تنطوي على الكثير من الصفات والعوامل والمعايير المتباينة والمتناقضة أحياناً، حتّى أن نظرة الإدارة للإخلاص في العمل قد تختلف في كثير من الأحيان عن نظرة الموظف، كما أن إثبات الإخلاص في العمل لا يقترن بالعمل الشاقِّ بالضرورة، بل بالجهد الذكي والمنظّم.

وعلى الرغم من الدور الكبير الذي تلعبه الإدارة في التحفيز على الإخلاص في العمل؛ لكنَّ معظم الإداريين يعتقدون أن الشخص المخلص في العمل سيظهر ويعلن عن نفسه بوضوح بعيداً عن التحفيز أو الدفع نحو النزاهة والإخلاص، وهُمْ -أي الإدارة- توّاقون للمخلصين، ما يجعلهم يتجهون تلقائياً لتحفيز المخلصين وتحميلهم المسؤولية، وربما تحميلهم فوق طاقتهم أحياناً..

حين سألت الشاب الهادي الشعباني (موظف بالمندوبية الجهوية للشباب و الرياضة و التربية البدنية بتطاوين) عن مجالات الإخلاص في العمل والأمانة..؟ أحابني بتواضعه المعهود :" الأمانة في العمل على رأس قائمة أولويات الإخلاص الوظيفي، ونعني الأمانة بمفهومها الواسع، من جهة الأمانة المادية، والأمانة في أداء الأعمال والالتزام بالقواعد ووجود رقابة ذاتية لدى الموظف، كما يعتبر الصدق في التعامل مع قضايا العمل وتجنّب النفاق أو المراوغة والخداع؛ من أشكال الأمانة في العمل.أما بخصوص النزاهة في العمل فهي تبدأ من إيمان الموظف أو العامل أنّ عليه أداء واجبه على أكمل وجه ممكن ليستحقّ أجره، ويمتد مفهوم النزاهة للصدق في المعلومات التي يقدمها الموظف للإدارة، والنزاهة في التعامل مع ممتلكات الشركة أو مواد العمل، إضافة إلى النزاهة في المنافسة مع الزملاء والتمسّك بقواعد المنافسة الشريفة."

ثم يضيف:"يتأثر سلوك الموظفين وموقفهم من العمل بسلوك الإدارة وموقفها، وعندما يلمس الموظفون الإخلاص والتفاني في العمل من المدير المباشر ومن الإدارة بشكل عام فإن هذا يحفزهم جميعاً على أداء العمل بشكل أفضل، ويحفز المخلصين منهم بشكلٍ خاص على إثبات إخلاصهم وجدارتهم بالثقة.."

وأنا أقول : تعتبر الدنيا دار عمل وامتحان من أجل النجاح في الآخرة دار الجزاء، وحتى يكون الجزاء خيرا ومرضيا، ينبغي على العبد إتقان العمل و الإخلاص في أدائه، لقوله تعالى في كتابه الكريم "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أَيكم أحسن عملا وهو العزِيز الغفور"سورة الملك الآية: 2، إذ يعد الإخلاص في العمل، والابتغاء من أدائه رضا الله تعالى، أساس الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة.

وعند الوقوف على آيات كتاب الله وأحاديث سنة نبيه، نجد أن كلمة الإخلاص دائما تأتي في صيغة الأمر، ومن المعلوم أن ما أمرنا الله ورسوله بشيء إلا والخير فيه، في هذا السياق نجد أن فضل الإخلاص في العمل واستحضار مراقبة الله في أدائه يكون في الدنيا قبل الآخرة، فإلى جانب كسب الثواب والنجاة من عذاب الآخرة، يضمن لنا الإخلاص في العمل جودة هذا الأخير ونجاحه، وذلك في جميع المجالات، الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية وغيرها، وهو ما سينعكس إيجابا على تقدم المجتمع وتطوره.

ختاما يمكن القول إن الإخلاص لله تعالى هو حقيقة الدين، وملخص دعوة الأنبياء -عليهم السلام-، فما من رسول ولا نبي إلا وقد دعا قومه إلى إخلاص العبادة لله تعالى، واجتناب الشرك، وقد بين الله تعالى عظم أهمية الإخلاص في الكثير من آيات القرآن الكريم.

قال الله تعالى: (صِبْغَةَ اللَّـهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ * قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّـهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ)

تحية لهذا الموظف المثالي الهادي الشعباني الذي دفعني-دون مجاملة أو محاباة-إلى صياغة هذا المقال متمنيا أن ينسج على منواله كل الموظفين هنا..أو هناك.فتقدم المجتمع رهين بنجاح وتقدم أفراده، بالتالي عند إخلاص العبد في عمله، فذلك يعود بالنفع عليه هو أولا قبل باقي أفراد المجتمع، لقول الرسول الكريم مخاطبا سعد بن أبي وقاص "يا سعد، إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله تعالى، إلا ازددت به خيرا ودرجة ورفعة".

 

محمد المحسن - كاتب صحفي تونسي

 

 

شاكر فريد حسنالقدس زهرة المدائن، ويبوس الكنعانية، ومسرى الرسول الكريم ومعراجه، ومدينة السلام، وأيقونة العرب والمسلمين، والمدينة العربية الفلسطينية ذات التاريخ العريق والحضارة، هذه المدينة المقدسة تواجه المؤامرات وتكابد الحصار وتتصدى للمحتلين، وما يجري فيها من انتهاكات وجرائم تقترفها سلطات الاحتلال يشكل انتهاكًا خطيرًا لحقوق الإنسان، ويجيء في إطار الحرب العدوانية من قبل الحكومة الإسرائيلية اليمينة المتطرفة، المدعومة من القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس.

إننا أمام كارثة حقيقة ومخطط خطير ممنهج يستهدف الوجود الفلسطيني، ويستهدف القدس بكل مكوناتها الجغرافية ومعالمها التاريخية، وهذا الاستهداف يمثل تحديًا للعرب والمسلمين والعالم أجمع، ويستدعي من الأمم المتحدة ومجلس الأمن اتخاذ قرارات وخطوات عملية لمنع سلطات الاحتلال من تنفيذ مشاريعها الاستيطانية ومصادرة الأراضي، التي تتنافى مع قرارات الشرعية الدولية، وكذلك يتطلب من الدول الخليجية والأنظمة العربية المنخرطة في التطبيع مع دولة الاحتلال والعدوان تعليق الاتفاقيات المبرمة وكل أشكال التعاون معها. 

أما على الصعيد الفلسطيني فإن المطلوب الخروج من نفق الانقسام المدمر والمسيء لشعبنا وثورته ونضاله التحرري، وإنهاء الفصل الجغرافي والسياسي بين شقي الوطن، وتوحيد الصفوف وتعزيز الوحدة الوطنية وذلك بتشكيل حكومة وطنية تضم جميع الفصائل الوطنية، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وتوحيد الموقف الوطني الفلسطيني، والتخلص من اتفاق أوسلو وملحقاته وآثاره السلبية.

إن الهجمة الإسرائيلية الاحتلالية على القدس، والتي تستهدف عروبتها ومحاولة تهويد طابعها العربي الإسلامي المسيحي الأصيل، مخالفة بذلك كل القوانين الدولية المتعلقة بوضع الأراضي تحت الاحتلال، في ظل ذلك يجب دعم صمود المقدسيين لأجل مواجهة الممارسات والانتهاكات الاحتلالية ومخططاتها الرامية للنيل من عزيمة وصمود المدينة المقدسة وأهلها الصامدين المرابطين، واقتلاع الوجود الفلسطيني ومحو معالمها وتغييرها. 

وتبقى القدس قلب القضية الفلسطينية، ودون أن تكون عاصمة للدولة الفلسطينية لن هناك أي سلام.

 

بقلم/ شاكر فريد حسن 

 

صادق السامرائيالخطو للأمام يكون مرهونا بالنظر للخلف، وكلما تقدمت المجتمعات قل نظر أبنائها إلى الخلف، وأمعنوا بالنظر للأمام، تلك ملاحظة جلية، فالنظر إلى الخلف يشير إلى الشك بوجود مخاطر.

فعندما تسير في مكان عام في المجتمعات المعاصرة، وتنظر للوراء، ستثير حفيظة الذين حولك، لأنهم يحدِّقون في الأمام برؤوس منتصبة، لا تلتصق نظراتها بالأرض التي تدوسها أقدامهم.

وفي مجتمعاتنا يسود النظر إلى مواضع الأقدام برؤوس منكسة، وكثرة التلفت والفزع من أي صوت أو حركة، مما يشير لغياب الأمان وعدم الإطمئنان وسيادة الخوف والهلع، وهيمنة الظلم وفقدان قيمة وحقوق الإنسان.

كما يوحي بأن الشخص مُطارد، وفي هلع وتوجس من الآتيات، ولإنعدام الثقة بيومه وغده، وكأنه يتحرك على شفا حفرة من الذل والهوان.

وبإقتراب آخر فالمجتمعات المدثرة بماضيها، والمشوَّهة الوعي والإدراك لتراثها، والمعجونة بالعواطف والإنفعالات السلبية المتصلة بأحداث ماضوية، أشبه بالأوهام والهذيانات المفترسة لوجودها بأبعاده ، تندحر بماضيها، خصوصا عندما يقدَّم إليها كأبعد من خيال، لا تستطيع الإقتراب منه فعليا وعمليا في حاضرها.

أي تتحول إلى مجتمعات مطارَدة بماضيها، مما يسهل صيدها وإيقاعها في أحابيل التنكيل بوجودها، وتخميد أنفاسها.

ومن الواضح أن أعداء الأمة  خبروا اللعبة، وأجادوا إدارتها وتمريرها على الأجيال، لأسرها بما تتطلب مصالحهم ومطامعهم، فدحروها بماضيها المجيد، فبدل إستلهام معانيه والإنطلاق بإرادته العزومة نحو آفاق العصر، تحوّل إلى مصدر للنكبات والتصارعات ومحق أبناء الأمة ببعضهم، فأحضروا ما يبرر لهم العمل على الإحتراب الفتاك، والتفاعل التدميري وصناعة الخراب، فهذا السلوك الذي عليه أن يدوم، فالأمة مرهونة بويلات الماضي الذي شنّعوه وهو خير من ماضي أمم الأرض!!

فهل سنحافظ على النظر إلى أمام، لتتسع آفاق رؤيتنا فنكون؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

صائب خليلمبدئيا، يبدو لي ان هناك خلل عراقي عام في التعامل مع الاجانب من المسؤولين. والتساؤل الذي يبدو ان الساسة العراقيون (بعيدا عن العملاء منهم) فشلوا في الاجابة عنه بشكل صحيح هو: كيف نتعامل مع الفاسد من المسؤولين الاجانب؟ كيف نتعامل مع مسؤول رسمي دولي نعرف ان هدفه الإضرار بنا؟ الا تقتضي الضرورة الدبلوماسية، معاملته باحترام وبشكل طبيعي بغض النظر عن حقيقة موقفه الذي نعرفه؟

موضوع الدبلوماسية وحدود ضرورتها سنؤجلها لمقالة قادمة لسعة الموضوع. اما الآن فلنناقش مباشرة لقاء العامري ببلاسخارت، ولنبدأ بلقاء بلاسخارت مع الشيخ قائد احد فصائل المقاومة.

لنفرض اننا في مكان الشيخ، وجاء الينا طلب من بلاسخارت للقاء أبدت فيه رغبتها لسماع أدلتنا على وجود تزوير في الانتخابات، للوصول الى موقف لصالح العراق ومستقبله، فكيف نتصرف؟ ونفس السؤال نطرحه اثناء اتخاذ القرار بالرد على طلبها السماح لها بحضور اجتماعات الإطار التنسيقي لمناقشة التزوير.

السؤال الأول الذي ينبغي الإجابة عنه هو: من هي بلاسخارت؟ خبرتنا معها تقول انها شخصية تابعة للأمريكان، وهي مثل كل من رأس بعثة الأمم المتحدة في العراق عدا دي ميللو، تربطها علاقة قوية مع إسرائيل. وعلى هذا الأساس يجب اعتبارها "مبعوثة إسرائيل" من الناحية الواقعية وليست مبعوثة أمم متحدة.

السؤال الثاني: ما هدفها الحقيقي من المقابلة؟ طبعا سننسى ادعائها الدبلوماسي عن مستقبل العراق، ونصل الى ان الأهداف قد تكون: معرفة الأدلة المتوفرة لدى المقاومة لتقدير طريقة رفضها، معرفة مدى إصرار المقاومة على طرح الأدلة والى أي مدى هي مستعدة للذهاب، مدى استعداد المقاومة للمساومة وما هي سقف مطالبهم، رد فعلهم على التهديد المبطن ومدى خوفهم، من يقود الحملة ومن هم اشد المتحمسين لها، ومن الأكثر استعدادا للمساومة والتنازل، هل هناك خلافات داخل المجموعة وكيف يمكن الاستفادة منها.. الخ

وهنا السؤال الذي يجب قراره: هل نلبي طلبها؟ تلبية الطلب ستكلفنا كل المعلومات أعلاه، لكن رفض الطلب سيبدو حجة (دولية) ضدنا، بأننا لا نملك ادلة حقيقية على التزوير. فنحن لا نستطيع ان نقول علناً اننا لا نثق بها لأنه لم يسبق لها ان قامت بفعل محدد يبرر للمجتمع الدولي ذلك. وإن وافقنا فكيف نحرمها قدر الإمكان من أهدافها المؤذية لنا؟

يبدو لي ان الطبيعي ان نقبل طلبها للمقابلة الأولى لطرح الأدلة، مع الحرص على إبقاء النسخ الاصلية للوثائق عندنا، وعدم إعطائها كل الأدلة، واختصار المقابلة قدر الإمكان وانهاءها بالسرعة الممكنة ولا بأس بالصور.

أما بالنسبة لطلبها الثاني لحضور الاجتماع، فيبدو اقرب الى التجسس وجس النبض، فالصحيح هو الاعتذار عنه باعتباره اجتماعا داخليا. بهذه الطريقة نحتفظ أيضا باحترام جمهورنا لنا ونثبت ان لدينا من الاستقلالية ما يمكننا من القبول والرفض.

أما بالنسبة لطلبها الاجتماع الأخير مع هادي العامري وبعد شرحها لمجلس الأمن، فالموضوع مختلف. فإيضاحها المغالط للحقائق امام المجلس قد حطم الأسس الدبلوماسية وبالتالي حطم القيود الدبلوماسية التي تقيدنا ومنحنا سببا نستطيع به الرفض دون خسارة اية مصداقية دولية، خاصة بعد شرح الموقف. كذلك فأن القبول سيكون مكلفا جدا بالنسبة لصورة المقاومة امام جمهورها بعد ما فعلته وما كتب عما فعلته، فكأن المقاومة "مكفخة" ترضى ان تتلقى الصفعات بصمت ورضى، اما الرفض فسيكون على العكس رافعا لقيمة المقاومة امام جمهورها.

ماذا عن إيصال صوت المحتجين على التزوير، ورأيهم ببيان بلاسخارت، الى مجلس الأمن والخارج؟

كذلك فأن رسالة مفتوحة اكثر مصداقية امام جمهور المقاومة أيضا، من تقرير يقدمه مكتب العامري الإعلامي باقتطاع مقاطع مما قاله لبلاسخارت، فتلك وثيقة رسمية وهذه مجرد منشور اعلامي قد يصدق وقد لا يصدق، قد يضيف وقد ينقص. كما ان صورة العامري مع بلاسخارت خسارة إعلامية للمقاومة ومصدر سخرية بعد كل ما قيل وكتب عنها.

إذن، فالخطأ في قبول مقابلة بلاسخارت هو في كل هذه الخسائر، بفرض حسن نية العامري، أما إن كان الهدف مراضاة بلاسخارت والعمل على مساومة الاحتلال والفائزين بهدف تحقيق اهداف شخصية لقيادات المقاومة، فهذا موضوع آخر، قد تكشفها الاحداث القادمة.

 

صائب خليل