 أقلام فكرية

سامي عبد العال: شفاهية الخطاب الديني

سامي عبد العالارتبطت الشفاهيةُ بالخطاب الديني منذ أمد بعيدٍ، لأنَّها كانت الحاضنة الأولى دوماً للوحي والأقوال والطقوس المؤسسة للأديان. فلم ينزل الوحي كـ" نص مكتوب" محدد الحروف والرسوم والخطوط من السماء. كما أنَّ العلاقة بين الرسل والانبياء وما يقولونه ويعلمونه للناس لم تخرج عن إطار الشفاهية. وتباعاً ظلت الشفاهية سمة غالبةً على ممارسات التدين وأعماله، بحيث كان الخطاب مرهُوناً بفعل القول المباشر إزاء المؤمنين والاتباع. وهو ما سيُعرف لاحقاً بالمواعظ والتبشير والكرازة (في المسيحية) وبالخطابة والأحاديث والدعوة (في الاسلام). وهذه الأشياء تفترض الحضور المباشر الضاغط لأطراف الكلام والتأثير دون وسيط على أساس أنَّ هناك (حقيقةً متجليةً) من تلقاء نفسها.

ولكن .. ما الحقيقة المتجليّة من تلقاء نفسها؟ إنّها المعنى الذي يشعر به المتحدث شفاهةً ويعبر عنه كأنَّ كلماته تتخلق فوراً بمجرد النطق. لدرجة أن الخطابُ الدينيُّ قد يجيء تكراراً لعبارات التقديس كما نراه لدى أقطاب الوعظ والإفتاء والارشاد، فلقد تعلق بسريان الأقوال المنطوقة الناقلة لكل وحداته ومفاهيمه الضمنية والصريحة. ولاسيما أن الشفاهية قائمة على عمليتي (القول والاستجابة، الإلقاء والقبول، التعبير والاستماع)، أي السمع والطاعة بين (المتحدث والمتلقي) مما يستلزم زيادة إدرار عبارات التقديس أكثر وأكثر. ربما تلك الخاصية هي المتولدة تاريخياً عبر حاضنة الثقافة العربية الاسلامية والتي ما زالت لم تتغير منذ مئات السنين.

بالتحديد هي الأبنية الخطابية الصوتية العامة المتعلقة بتبجيل الأولين والسابقين وكذلك تقديس التابعين وتابع التابعين والأئمة والشيوخ وأمراء الطوائف والمذاهب ثم الحكام والرؤساء والأولياء. وبهذا فإنه أثناء الحديث لن يكون هناك أكثر من ترقيع للكلام بنصوص وآيات وأحاديث ومقولات كلية مهدرة السياق. وكل ذلك دونما ابتكار لصيغ الفهم والحوار والتأويل والنقد بل قد لا يتم الاعتراف بهذه المستويات من التلقي أصلاً. كما لا يوجد بالكلام أدنى منطق عقلاني حر، لأنَّه سيسير بوقود التبريرات الراجعة إلى الأصول البعيدة باستمرار (التأصيل).

1- الأقوال تأتي صوتياً إلى المتلقي بضمان التصديق العاجل لفعل القول.

2- لا تفترض الشفاهية أدنى مراجعة لما يقال، لأن الخطاب الشفاهي يعتمد على السماع المباشر.

3- سلطة المرجعية التي يستند إليها الكلام تكون هي الأساس إرتباطاً بما يُقال مباشرة.

4- المعنى واحد وموجّه في اتجاه المتلقي دون مبارحة ولا مباعدة ولا أخذ بالتنوع.

5- المبالغة في الوصف والضرب بعيداً حول الأحداث والقصص والأفعال، لأنه المتحدث الشفاهي يستهول ما يجري، فيهوِّل ويضخم من المعاني والأوصاف إزاء الواقع.

6- رغم أننا نعيش عصر الكتابة (الواقع الافتراضي والكتاب الرقمي وعصر الصورة والنصوص السيميائية والعلامات الأثرية)، إلاَّ الشفاهية مازالت مطبوعة في عمليات التلقي والقراءة والتدين.

لكن التساؤل التلقائي: أوليست تلك السمات أحد أسباب انتشار حالة الركود الفكري والديني بأسوأ ما تكون؟! فالشفاهية هنا شرط ضروري لنشر الخطابات الدينية بمنطق التلقين وحشو الأدمغة واستمرارية التقاليد واحتذاء المعاني حذو النعل بالنعل. وذلك يخلق نوعاً من (الببغائية الفكرية) التي تسري في أوصال العقل الاسلامي إلى هوة الانحدار. فالكلام المقدس- كما يُقال- ليس كلاماً ميتاً تكفنه الحروف كمقابر لغوية في كتابة صامتة بلا مرجعية حاضرة، إنما الاعتقاد الغالب بين رجال الدين أن النصوص انفاس إلهية تنتقل عبر الأجيال بشكلٍّ حي!!

ولذلك كان يتردد القول بوجوب الحفاظ علي النصوص الدينية من شخصٍ إلى آخر ومن عصر إلى آخر ومن مذهب إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر. إنها عملية انتاج الكلام الحي بتعبير جاك دريدا الذي ظل منتشراً في تاريخ الفكر الإنساني. هذا الذي يضمن حضور أطراف هامشية حول قطب أحادي الدلالة دون فكاك من معناه الجاهز سلفاً. لدرجة أنَّ كل ظاهرة تكرارية repetitive phenomenon بالمعنى السابق تخلق ظاهرتها الصوتية. فلقد اشترط بعض فقهاء المذاهب لنجاعة العلم الديني أن يؤخذ حياً من فم الشيوخ. واعتبر بعض السلفية أن العلم سيموت بانتهاء حياة هؤلاء العلماء. وذلك يستند إلى حديث خطير مُتداول عن نبي الاسلام ... " إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً إنما يقبضه بقبض العلماء". وقد أزاح ذلك كافة مظاهر التجديد والغرابة الفكرية التي قد تُحدث أحياناً زخماً ضرورياً للتجديد. بل كان التعليم القائم على النصوص المكتوبة والوثائق مكروهاً ومحقراً مقارنة بالأول. وهذا الوضع أدي إلى وجود ظواهر ثقافية طبعت العقول وطرائق المعرفة في حدود الأديان.

أولاً: هناك شخصنة شفاهية أسطورية لفكرة العلم على نحو عام. وهذا يعني عدم وجود معرفة في شكل مؤسسات ونظريات وإبداع ولا أبنية معرفية طويلة الأمد (النماذج المعرفية paradigms بتعبير توماس كون). لكن على الأكثر يوجد هناك شيوخ بلا أصول معرفية ويوجد أصحاب مذاهب دينية بلا علم ويوجد فقهاء بلا فقه ويوجد أقطاب طرق صوفية بلا تصوف ويوجد علماء بلا علم ويوجد تربويون بلا تربية، يوجد مفكرون بلا فكر. وهذه الشخصنة الآتية بألف وجه تزحزحت تاريخياً عن مواقعها الدلالية لتستغرق مجمل الثقافة العربية الإسلامية. فأمسينا نسمع ألقاباً مثل: شيوخ الأدب، أمراء الشعر، عمداء الرواية العربية، شيوخ الاعلام ورواد صاحبة الجلالة (الصحافة). ذلك الوضع يجري للتعبير عن أصحاب الأثر البارز في هذه المجالات على غرار الأثر الشفاهي في التراث الديني.

ثانياً: الشفاهية ضمنت على نحو تاريخي حضوراً سلطوياً للخطاب الديني. لأنَّ أنظمة اللغة المنطوقة تجري بواسطة تكثيف الكلام بالسماع المطلق للمعاني. ولأن الرتم له درجات من الإيقاع القوي والترديد الكامل والصدى المتواتر أثناء التعلم والفهم. ولذلك ليس مصادفة أن الخطاب الديني يتميز بإيقاع صوتي عال لإثبات المعاني واشعار المتلقي بقوة الفكرة دون ماهيتها وثقلها دون اختلافاتها التي يجب أنْ تؤخذ بالزخم نفسه.

ثالثاً: الشفاهية أكدت على استمرارية تقاليد الحوار (الجدال) نظراً لكون المركزية موجودة وجهها لوجه في كافة التفاصيل. بل ستزداد المركزية تضخماً كحال المدارس الدينية التي تقدس صاحب المذهب واتباعه المقربين وتابعيهم في سلسلة ممتدة ولا تنتهي. وقد اسهم هذا الأمر في بروز شخصيات تمثل الاسلام ويقال عنها رموز أو اعلام بينما هم أناس عاديون ومشبعون بالخطاء والعجز عن الفهم.

رابعاً: اعاقت الشفاهية وجود قطيعة لماهية التعليم الديني التقليدي وأساليبه ومناهجه. لأن الذهنيات تتوالد عن بعضها البعض، كأنها ذهنية واحدة في تاريخ الثقافة. بدليل أن العبارات نفسها تتواتر على الألسن. والأفكار ذاتها هي هي في الأشكال والمواضيع والقضايا التي تملأ الأجواء العامة سواء أكان في وسائل التواصل أم داخل مجالات التعليم. ولهذا هناك تقارب فكري بين الاتجاهات والايديولوجيات الدينية إلى حد التطابق وتختلف في الأشكال.

خامساً: كانت الشفاهية سبباً لاختلاط الأساطير والتحريفات بالروايات التاريخية والنصوص الدينية من قبل المذاهب. لأن الأقوال الصوتية تحمل ضخامة المفاهيم وقدرة المتحدث على أسطرة ما يقول ويعبر رغم أن المحتوى الديني غير ذلك.

سادساً: حافظت التقاليد الشفاهية على جميع عناصر التخلف في المجتمعات العربية الاسلامية. لأنها اشترطت وجود كافة العناصر المصاحبة مع وجود بنيتها الثقافية التاريخية القابلة للتكرار. وتلك البنية لم تتغير جوهرياً، إنما تحولت فقط إلى أبنية تالية. ولذلك فإن الشفاهية هي مجال تحولات متشابهة لا تجديد بالكلية.

ثامناً: أجلت الشفاهية عمليات التوثيق والتدقيق والغربلة لكافة الموارد النصية الثقافية والدينية. فلماذا يتم التدوين إذا كان المعترف به هو الروايات الشفاهية التي لا تنتهي؟!

وقد يكون التكرار الشفاهي المشار إليه عملاً تقليدياً بالنسبة للإنسان العادي. لكن الملاحظ أنه لا ينتهي هكذا دون أثر. إن تورط العقل وأساليب التفكير داخل أبنية الثقافة يجعل التكرار آلية شبه موضوعية ويعيد هيكلة صور الخطاب وأساليبه وفق المناخ السائدة. وعندئذ تنتج عمليات المعرفة آفاقاً قابلة لدلالة واسعة بين رجالات الدين والدارسين ومقدمي البرامج وحلقات النقاش والآراء المتداولة.

وبالتالي كان السؤال منطقياً، لماذا عقمت الألسن والعقول عن تحطيم قوالب العبارات والنصوص الدينية والأحاديث الشفاهية؟ يبدو طوال الوقت أن المهم كون الكلمات جاهزة للاستعمال ثقافياً بصرف النظر عن أي شيء آخر. وأن الترديد الأعمى هو الأصل كأننا نردد غمغمات غير مفهومةٍ ولا يجب أن تكون مفهومة. لكن هل يمكننا الآن إطلاق التأمل في هذه العلاقة المشتركة؟ ولماذا تسود ثقافة الببغاوات اعتماماً على الموروثات الشفاهية؟ حتى الآن لم يحدث ذلك الأمر جرياً على أن الكلام المنقول إنما هو كلام حقيقي ويقيني من فمٍ إلى فم آخر. فلا توجد أدلة عقلانية معتبرة على صحته ولا حقائق يقف عليها. هكذا غدا تاريخ الخطابات الدينية تاريخ أفواه عن أفواه إلى أفواه بعمليات ثقافية لا تتواني عن الاشتغال. فلم توجد مراجعة إلاَّ بعد فوات الأوان ولا تدوين لمصادر إلاَّ بعد مرور مئات الأعوام، لقد كانت وأصبحت (خُطب الجمعة) نموذجاً في سياق الكلام وآثار السمع والتلاوة والطاعة خلف إمام مهما تكن درجة ثقافته معرفته.

على سبيل المثال، لقد أطلق أحدُهم عقيرته معتبراً أنَّ هجرة الناس المُضارين من الصراعات والحروب عبر البحر المتوسط هجرة غير شرعية. ليس بسبب الاخلال بالقانون الدولي وانتهاك الحدود الخاصة بسيادة الدول وليس فوق هذا وذاك نتيجة تعريض النفس للتهلكة. ولكن لأن هؤلاء (المهاجرين الأوغاد!!) كافرون، وربما هذا نوع جديد من التكفير. فهم (من وجهة نظر صياحه غير المنقطع) يحاولون الذهاب إلى بلاد الكفار تاركين ديار الإسلام. وكل هجرة من دار الحق إلى دار الباطل تعد كفراً بواحاً. بل بعد مماحكات فقهية موغلة في التراث قال بأن أوروبا مأمورة بالهجرة إلى بلاد المسلمين، فكيف يفعل ذلك المسلمون عكس أوامر الشرع؟

هو يقول ذلك عن جهل فاضح بأحوال المسلمين المزرية (التي زكمت رائحتها الأنوف) متخذا من تقاليد الدين شعاراً أبله. كما أنه لا يدرك أن الأوروبيين فعلاً هاجروا إلي بلاد الدواعش، إلي تراب الخلافة الاسلامية. لكنهم تحولوا إلى (أشباح جاهلية) تسفك الدماء وتقطع الرؤوس وتصطاد النساء وتبتاع العبيد في أسواق النخاسة. وصل الأوربيون إلى هذا الدرك الأسفل بعدما كانوا قد اكتسبوا خبراتهم المدنية في جامعات ومعاهد ومؤسسات أوروبا المتطورة. هل هذا مصير المهاجرين القادمين من الغرب إلى أرض الاسلام؟! ولماذا يتحول المهاجرون (نحو الغرب) إلى أناس لهم حقوق ومكتسبات تحت غطاء دولي ولماذا يتحول الغربيون إلى جاهليين بغطاء أيديولوجي في (بلاد المسلمين)؟ كان أولى به أن يتساءل لا أن يتصايح دون طائل!!

ثمة تصايُح مشترك بين (الببغاء وأغلب حناجر الفقهاء) بلا مضمون إلاَّ من أصوات زاعقة أحياناً وناعقة أحياناً أخرى. فتحولت الخطابات الدينية إلى صياح فوق المنابر والمنصات الالكترونية وعبر المؤسسات ومواقع التعليم وشاشات التلفاز. وأمست حركة " الـعنعنات " في الآراء والعقائد والأحاديث والأفكار جداراً أخيراً لأمةٍ فاتتها الحضارة بعدما كانت خير أمة أخرجت للناس. ألاَ يستطيع الفقهاء ورجال الدين الإتيان بأي شيء مغاير؟! ألم يرددوا ليلاً ونهاراً تجديد الخطاب الديني؟! أغاية الدين حقاً هذا الضجيج الصوتي وتلك الفتاوى الفوضوية... حتى لقد شارفنا على اعتاب صورة لإله مغاير لما نعرف.. وأنبياء جدُد يومياً لا مجرد نقل؟! لعل نموذج الببغائية هو النموذج الأبرز الذي يحدد ماهية الخطاب الديني التكراري. لأنه لا توجد هذه الظاهرة الخطيرة مثلما توجد في التراث العربي الاسلامي حتى وقتنا الراهن، وبذات الحال مازالت تأخذ مساحة كبيرة من تاريخه وعصوره وعلاقاته.

الببغاء طائر ملون (إلى حد الزركشة) يتأرجح صوتاً وهيئةً داخل قفص وثير. ينادي من وقت لآخر كلما سنحت الفرصة على أفراد المنزل. وهو أبداً طائر يكرر ويرغي ويزبد ويغمغم دون رؤية واضحة ولا بصيرة فيما يردد. وإلاَّ .. ماذا ستنفع عيناه ونظراته الملقاة في غير اتجاه، كأنه قد فَقد جميع الحواس باستثناء أصوات متقطعة تشرخ صمت المكان، وأن هناك أنفاساً مازالت تتقافز. ولكن ليست الأصوات الببغائية بلا نغم يعطيها نبرةً ساخرة تارة ونادرة الرتم تارة أخرى.

وهكذا جاءت حناجر الفقهاء في بلاط الحكام والسلاطين والرؤساء، جاءت أفواها تكرر الفتاوى السياسية التي تخدم أسيادهم بخلاف منطق الدين ومقاصده. وهم يدركون قبل غيرهم أن آثار توظيف الدين كان أهم من آثار توظيف الحروب. لأن الرعية لن تستكين ولن تقبل العبودية دون عبوديتها بالأساس لمذاهب الفقهاء. ومن حينهم أدركوا أنه لن تكون هناك أية عبوديات أخرى ممكنة إلا بالعبودية تحت غطاء الدين. أشار أحدهم ذات مرة أيضاً أن تسول بعض الدول العربية عن طريق فرض الضرائب الباهظة وفرض الإتاوات باسم التقشف أوفرض ضرائب الكفالة والعمالة إنما هو من باب (جبر الخواطر) في الاسلام!!! وأنه أمر مباح للحاكم طالما يري فيه مصلحة المجتمع والناس والحياة. هذا مع العلم أنَّ تلك الاجراءات تعصف بالدساتير والمواطنة والعيش الكريم للشعوب وتستنزف الثروات والمدخرات.

من أين أتى- الببغاء ورجل الدين- بالأصوات المكرورة التي لا تختلف؟ إنهما يلهثان بكل ما يسمعان ويتناهى إلى أذنيهما من عبارات وأقوال. حتى غدا كلامهما أنبوباً صوتياً بحجم البلونات الهوائية ليس إلاَّ. حيث يستدير الهواء إلى كامل جوفها، فلا يذهب إلى أي مكان سوى الحشرجة الصوتية المملة. ليخرج الكلام عالياً كطلقات هوائية تتساقط أرضاً بين الناس ولا يهم أن الكلام قد يجف، قد يذبل كأنه الفراغ. ولذلك فإن غاية الأمل كل الأمل أن يطلق الببغاء ورجل الدين عقيرتهما فقط.

إجمالاً تعد (الببغائية الثقافية) حالة تكرارٍ أجوف لمفاهيم وكلمات لا تعبر عن شيء. وتأخذ في الانتشار بطول الثقافة الدينية والسياسية والاجتماعية السائدة. لكن أساسها تبادل العبارات والخطابات بلا تفكير ولا نقد ولا روية ولا إعادة نظر، لتكرس وضعاً آنياً متمركزاً حول سلطة ما. قد تكون السلطة قديمة، بل قد تكون ضاربة القدم في الماضي على غرار فكرة هيمنة السلف الصالح وحياتهم وفهمهم للدين. وقد تكون سلطة راهنة محاطة بسياج من التحريم والقهر والتقليد. فذهنية التحريم هي لب الببغائية والخطاب الديني البرجماتي لكونها تحول دون التجديد وتحفظ القوالب القديمة للفكر والسلوك. الاثنتان (الببغائية وشفاهية الخطاب الديني) تؤكدان إحداهما الأخرى على طول المدى. فبعض المقولات الدينية الآخذة في الانتشار تعول عيلهما بلا نقاش حتى لو حَرَّمت الحياة ذاتها. لأنها تتماهى وتتواطأ مع نظام السلطة الحاضرة حضور الأنفاس الحية (دوما كان الفقهاء بمثابة الأظافر الناعمة لأنظمة الدول المستبدة).

 

د. سامي عبد العال

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقال قيم حقاً يعبق بفكر الدكتور سامي عبد العال، ويتزين بألوان أسلوبه الأخاذ.
وفيما كنتُ أقرأ المقال، تساءلتُ ما إذا كانت ظاهرة الشفاهية التي هيمنت على رجال الدين قد انحدرت من أُمّية الجاهلية.
أطيب تحية للمفكر الدكتور سامي، مقرونة بالتمنيات الخالصة له بالصحة التامة والإبداع والمتواصل.
علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب المبدع استاذنا الدكتور على القاسمي
شكراً جزيلاً لمروركم الكريم
بالفعل الشفاهية كانت مرحلةً مرتبطة بالتراث الجاهلي البدوي. ونحن نعرف أنه كانت هناك أسواق للشعر وقرضه وإلقائه مشافهة. وكانت التقاليد تستوجب الفخر بما تم استظهاره وكان التباري في ذلك علامة من علامات العلم والإبداع. وفي كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني هناك قصص كثيرة لا تحصى ولا تعد لأكثر حفاظ الشعر وأبدعهم في إلقائه واستحسانه، وكان هناك انتشار كبير لمجالس الندماء والمسامرات وقرض القصيد في قصور الوزراء والحكام والأمراء. ومن ثم أصبحت التقاليد الشفاهية هي الغالبة على الذهنية العربية، حتى إذا جاء الإسلام فقد وجد نفسه محاطاً بها من كل جانب، فتلقفت هذه التقاليد الوحي والأحاديث النبوية. وكان القرآن يتناقل مشافهة وكذا الأحاديث والقصص الدينية وأخبار الأمم السايقة. ولكن مع مرور الوقت أورثت الذهنية الشفاهية كل سلبياتها إلى نصوص الدين ومرجعياته، لأنها ذهنية قائمة التلقين والفكر الواحد والعنف كذلك. وبخاصة أن الشفاهية عبارة عن بناء ثقافي كامل لا مجرد آلية للتعبير والإلقاء فقط. ومع الحفاظ على القرآن تمكنت الشفاهية من الخطابة لتجعلها وسيلة عنف وحفظ إزاء التلقي... وهو ما جعل الفكر الديني راكداً وكان الخطاب معبراً عن هكذا وضع.
أطيب تحاياي لشخصكم العظيم
ودام قلمكم الرائع د. القاسمي

سامي عبد العال
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5422 المصادف: 2021-07-10 02:17:26


Share on Myspace