 أقلام فكرية

سامي عبد العال: هل الدين أفيون الشعوب؟!

سامي عبد العال"التجارة بالأديان هى التجارة الرائجة فى المجتمعات التى ينتشر فيها الجهل، إذا أردت أنْ تتحكم فى جاهلٍّ، فلا عليك إلاَّ أنْ تغلف كلَّ باطل بغلاف ديني"... ابن رشد

"الدين زفرة الإنسان المسحوق، روح عالم بلا قلب، كما أنه روح الظروف الاجتماعية التي طُرد منها الروح.. إنه أفيون الشعوب"... كارل ماركس


هناك فهمٌ تجزيئيٌّ لما يقوله كارل ماركس من عبارات تخصُ الأديان، ولاسيما مقولته الشهيرة الواردة بمقدمة دراسته" نقد فلسفة الحق عند هيغل": الدين.. أفيون الشعوب أو الجماهير Die Religion ... ist das Opium des Volkes. وبحكم أفكاره المختلفة جذرياً ضمن هذا الاتجاه، فلن يُجدي ذلك الفهم إزاء (البناء الفلسفي الخاص) لمفاهيمه العامة. فهو كفيلسوفٍ يتسقُ (بدرجاتٍ متفاوتةٍ) مع إجمال رؤيته للظواهر والأحداث الإنسانية. لا يقول غير ما يُحلل فكراً وممارسةً تجاه الدين والمجتمع. ولم تكن أفكارة وليدة (نزوة ميتافيزيقية) عابرة، لكنه سبرَ أغوار التاريخ (القريب والبعيد) للمجتمعات الأوروبية وبعض المجتمعات الشرقية واضعاً تأملاته عبر القوانين المادية التي تحكمها.

وبرأي الفرنسي جاك دريدا: كل قراءة هي اساءة قراءةevery reading is misreading . وعليه فإذا لم يلتقط القارئ خيطاً كلياً يتسق مع منطلقات ماركس (أو يخرج عنها في قراءة مغايرة)، فلن يدرك خطورةَ اكتشافه لتجليات الاقتصاد. لأنَّ جوانب الاقتصاد مضمخةٌ بأسرار الرغبات القصوى للإنسان، فليس أبرز من التجسُد المادي للطاقات النفسية والرمزية والاعتقادية، إذ تتشبَّع الرغبة كإنتاج مادي بالوجود والعدم والتألُّه والسلطة والهيمنة والعنف والاستعباد وكذلك تمثل بديلاً رائجاً ومخاتلاً للطقوس والشعائر. كل ذلك سيكون بناء على الحاجات الإنسانية التي تتطلب اشباعاً حياتياً أو خيالياً. وهذه بالأساس هي رغبات الحياة والموت، إيقاع الجليل والجميل بطريقة كانط، وهي أيضاً ألاعيب البهلوانات السياسية والأيديولوجية أمام الجماهير.

إساءة القراءة تنطبق على عبارة ماركس تحديداً (الدين أفيون الشعوب) سواء أكانت من جانبه أو من جانب المتلقي. حيث اعتبره البعض يتحدث (داخل) الدين أو كان يقصد كلاماً (حول الدين) كأنَّه ميتافيزيقا. فعندما يحدِّد: " الدين أفيون كذا... "، يؤكد هؤلاء أنَّه يقذف بالدين بعيداً ويعتبره وهماً حيَّاً بين الناس والعلاقات الاقتصادية. كما يعتقد نقاده أيضاً أنَّ صاحب كتاب رأس المال قد كرَّس لحلول فكرة العدم بعد نقده الصارم لطبيعة المقدس على طريقة نيتشه (الإله قد ماتَ). وفي محاولة لإرجاع الثقة المفقودة، قيل لولا وجود ماركس، لكان الدين ظلالاً تقي الإنسان هجير البؤس.

بينما إذا قلّبنا مقولته الفائتة كما تُقلَّب العملة النقدية، سنجد ماركس لا يقول شيئاً دينياً من قريبٍ أوبعيدٍ. هو بالمناسبة لا يهمه (الدين في ذاته) كظاهرةٍ محض متعالية، فهذا موضوعُ إيمانٍ خارج التصور الجمعيِّ. إيمان شخصيٌّ خاص يتعلق بإحساس الفرد وعاطفته ومعتقداته. وهو موضوع لا غبار عليه بالنسبة للإنسان كإنسانٍ، ولكن بالمقابل ليس في الإمكان وضع العقائد على مستوى جمعيٍّ داخل كل الأفراد بوقتٍ واحدٍ. المستحيل عينه هو: أنْ يؤمن الناس بصيغة الجمع، أو حتى يؤمن المجتمع مثلماً يؤمنُ الأفراد.

أي أننا يصعُب أنْ نقول مجتمع الايمان مثلاً أو دولة الإيمان أو دولة الكفر أو دولة الاخلاق أو مجتمع الفضائل الدينية... كل تلك المصطلحات غير صحيحة دينياً من وجهة نظر ماركس. لأنَّ الدين بهذه الحالة سيدخل قاموس السياسة مباشرة من الباب الأوسع للتوظيف الطبقي المسيّس. الدين الجمعي لون من ألوان السياسية تجاه الأفراد والطبقات والجماعات، وهو استعمال المقدس في معادلة الصراع الاقتصادي المادي. وتغدو ظواهر الغنى الفاحش والفقر المدقع أحد تجليات خضوع الأدنى للأعلى. أنْ يتدين الناس جنباً إلى جنبٍ معناه أنْ يسلكوا أقربَ الدروب للوقوع في قبضة السلطة. وقد يكونوا منتظرين تحرراً من نوعٍ ما، غير أنَّهم سيسقطون لا محالةً بين أنياب وحش ضخم اسمه الرأسمالية. فليست المسافةُ بعيدةً بين العملات النقدية وارباحها وبين العبارات الدينية الأكثر قداسة. هما في الواقع وجهان لقدرة الرأسمال على التّربُح بأي شيءٍ ولو كان إلهاً.

وذلك لو حدثَ، فإنَّه يعني قهراً روحياً يلاصق القمع الاجتماعي والسياسي. الدينُ من جهةٍ كهذه يجب أن يكون اعتقادات خاصةً جداً، إنه عبارة عن شعائر وطقوس وأخيلة لا تلوي على أي صدقٍ موضوعي خارجي أيا كان. إنَّها مثل الرياضيات التحليلية نتائجها كامنةٌ في ذاتها وتصْدُق فردياً ليس أكثر. لأنَّ صاحبها (وحدَّه) يراها كذلك بالنسبة إليه وهو مسئول عنها أمام نفسه. بينما سيكون كلُّ فردٍ آخر في حِلِّ منها طالما لا يبلغ معناها بالزخم الروحي نفسه للآخر. وليس لأحد بالتوازي منازعته فيما يعتقد، لأنه كما لا يؤمن بما يعتقد غيره، فلن يكذبَّه مهما أوتي من قوةٍ. إنَّ قضايا الدين (سلباً وايجاباً) تبلغ درجة التعادل الصفريzero point . فهي تزيح ما سواها لتحتل يقيناً مبدئياً وتشكل تصوراً كلياً للعالم والحياة كذلك. والاثنان لا ينفصلان عن الرؤى الحدية للأشخاص بحسب نظام الاعتقاد السائد. أي أنَّها: رؤى ترتبط بأسباب الحياة لديهم، فإذا شعروا بانهيارها كانت داعية لاستنفارهم واقعياً حتى الرمق الأخير.

إذن كيف يكون ذلك بالنسبة للمجتمعات على نحو عام؟! لو كانت لماركس إجابةٌ بعينها، لقال يستحيل عمل هذا الشيء إجمالاً. ولن يكون النسق اللاهوتي المهيمن غير أحد "أصنام البؤس" التي جاءت بينها الفلسفات اللاهوتية والمثالية بامتياز. فالفرد يعيش بؤسه الذاتي كأنه عالَّمٌ مستقلٌّ عن سواه، وكأنَّه يتعبد لصنم عملاق هو يصنعه بنفسه. وإلى هنا لا ضير على هذا الصعيد المحدود، لكن عندما يماثل الدين ميتافيزيقا البؤس اليومي الناجم عن اكراهات الحياة، فهاهنا- هاهنا فقط- يأتي البؤس بألف لام التعريف الاجتماعيين. أي أنه البؤس المتعالي الذي يعكس الأوضاع المزرية للإنسان ويخرج عن نطاق السيطرة، ويتحول إلى أكبر أعدائه في التاريخ.

يذهب البعض الآخر: أنَّه حين تحدَّث ماركس عن الدين (كظاهرة أفيونيةٍ) كان متأثراُ بالظروف السياسية والاجتماعية لأوروبا وقتذاك. حيث كان الدين مرتبطاً بصراع الأيديولوجيات التي تهيمن على عقول الناس العاديين وتمسخ إرادة التحرر لديهم. وأنَّ التصور السابق كان دافعاً لكلامه حول الأديان ودورها في الحياة. هذا الفريق يلتمس مبرراً لماركس حين يعتبر الدين أفيوناً كظاهرةٍ في المجتمعات المقهورة. وبالتالي يأخذون معالجته ضمن الإطار التاريخي والاقتصادي. وليس لأفكاره من مجال إلاَّ أنْ تُفهم فيما يجري. وأنَّ تعليلها المباشر كان هناك ولن يكون هنا بحال من الأحوال. ويقولون إنَّه لو عاش ماركس تجربةً تاريخيةً بخلاف ما رآها وعايشها في حياته، فلربما قد غيَّر وجهةَ نظره حول الدين. لأنَّ الدين كان محركاً لنضالاتٍ كثيرة عبر تجارب إنسانية لا مجرد حالة خادعة من قبل معتقديه. إنَّه عملية تصورية وحياتية معقدة. ولا يصح ضمناً النظر إليها كمادةٍ مخدرةٍ لتسكين آلام أو لحالة انتشاءٍ معين أو حتى لتغييب الواقع.

هذا الرأي يُسْيء قراءة آراء كارل ماركس أيضاً. فعبارته لا تنفي هذا المعنى، لأن الدين طالما يستعمل بآثاره المخدرة، فكذلك قد يصبح فاعلاً في حالات أخرى. لعل تركيزاً على الدين في الحالين لا يهم ماركس، فالوجهان متضمنان فيه بقدر ما ليسا هما الدين ذاته تبعاً لتصور الفريق الأول. والرأي يضمر رفضاً لمقولة ماركس باعتبار أنَّ نقيضها هو الصحيح (أنَّ الدين هو يقظة الشعوب). لكن نظراً لفكرة " التعادل الصفري " سيكون رفضَ المقولة لا قيمة معرفية له. لأنَّه يختزل الدين في عمل نضالي قد لايكون كذلك إلاَّ بسياقه وحسب. إذن الشيء (أو المشْجب) نفسه الذي يُعلِّق المقولةَ لصالحه هو نفسه الذي ينفيها. كما أنَّه مجرد رأي يُقلِّب الدينَ على أحد وجوهه العديدة. وإذا كان التشبثُ بتعقيد الظاهرة الدينية يدعمه، فوصفه للدين بالعمل النضالي سيكون اختزالاً لها. وسيحول كل دين إلى أداة صراعٍ بمنطق ماركس مرةً أخرى. فالنضال يفترض ضمناً اللجوء إليه كنوعٍ من العزاء عند الحدود القصوى للوجود الإنساني (الحروب والعداء والكراهيات).

يتعامل فريقٌ ثالثٌ مع الدين لدى ماركس باعتبار الماركسية نسقاً مرفوضاً تماماً. على أساس أنَّ مقولتَّه تندرج ضمن اعتبار الفلسفة الماركسية لاهوتاً بديلاً. أي أنَّ ماركس يرفض أنْ يكون الدين مخدراً للشعوب، ولكنه ترك فلسفةً تمَّ استعمالها ايديولوجيا بالمنطق نفسه. وهذا الاعتبار الفكري للماركسية غير واضح بالتفصيل، لكنه يدلل على أدلجة الأفكار المطروحة في صورتها العامة. وبهذا فالماركسية من زاوية هذا الفريق تزحزح التعادل الصفري للدين آخذةً مكانه بقوة الواقع. ويتفنن هؤلاء بجعل الماركسية نزعة أرثوزكسيةorthodox-ism تلتهم الحقائق الأخرى. وقد يبدو ذلك واضحاً من خلال التطبيق السياسي لأفكار ماركس في بعض المجتمعات، فقد جاءت كنوع من اللاهوت السياسي الإجتماعي الذي يمارس الدين دون مقدسٍ.

ولكن هذا ضربٌ من الاستحالة الفلسفية لدى ماركس تخصيصاً. في حين أنه لدى غيره من الأتباع والدارسين المهووسين بالإمكان النظر إلى أفكاره كصنف من هذا التكوين الديناصوري (الأيديولوجيا الماركسية). أمَّا ماركس عينه فموضوعاته، قضاياه، حتى طبيعة أفكاره فتقع خارج النزوع المغلق. قال ماركس ذات مرة: كل ما أعرفة أنني لست ماركسياً". واخذ يتبرأ من المؤدلجين لأفكاره إلى حد اللعنة، إن أخطر ما فيها هذا التفكيك التاريخي لروح الهيمنة الخفية الآتية بعناوين الاقتصاد. إنَّ ماركس ضد (الوعي الزائف) الذي يرسخ الهيمنة بأشكالها التاريخية والسياسية. فكيف إذن يُعاد تتدين ماركس نفسه فيما بعد؟ أي كيف يتم إلباسه رداء رجل اللاهوت؟، ولهذا ستكون الصور الماركسية من ماركس أشد عنفاً تجاه المختلفين ولا سيما أصحاب الديانات.

أفكار ماركس دون سواها بفضل نقدِها الجذري للحياة الاقتصادية وكذلك بفضل تصورها الكلي للتاريخ والمجتمع تلامس النقطة الأبعد للوجود الإنساني. نقطة إشكالياته البعيدة: مثل الحقيقة والقيمة والتاريخ والدين والقداسة والموت والمصير. كل هذا يضع أفكار ماركس في الفجوة غير المرئية لتاريخ المجتمعات. الفجوة التي يستغلها الطامعون والمستبدون لمخادعة الناس، ويضعها حتى فيما وراء القراءات الفينومينولوجية لعلاقات الاقتصاد وتحولاته التاريخية.

لأولِ وهلةٍ في تاريخ الإنسانية بدت الظواهر والعلاقات المادية ماهيات لموضوعات أسياسية. بمعنى: كان التقليد الميتافيزيقي يعتبر الماهية سابقة على الظاهرة. ليجيء ماركس معتبراً الأخيرة- أي الظواهر- ليست إلاَّ شكلاً وجوهراً معاً. فحيثما تضع كامل ذخيرتها الأساسية في شكلٍّ ماديٍّ، تكمنُ الحقيقة فيها.

العلامات الاقتصادية القائمة على التجارة والأسواق تحمل وجودَّها كالمسيح الذي يحملُ خطايا البشرية. وتلك العلامات بإمكانها تزيح عن كيانها أيَّ جوهر آخر. ولهذا يستطيع ماركس قراءة كل لاهوت فوقي أو بشري من خلال الممارسات المادية. وإذا كان الدين يفيض بطابعه الماورائي، فالممارسات الواقعية تخلق هذا الفيض، خلق استحضار وأصداء وتحول واغداق. ومن ثمَّ، سيكون معنى الدين صوراً، نسخاً، أُطراً، أخيلة، أشباحاً ليس أكثر. ولكن أين الأصول الأساسية؟ اللاهوتيون يعتبرونها قابعة فيما وراء العالم. وهذا هو التصور التقليدي للديانات.

أمَّا ماركس فينظر إليها كأصولٍّ قابلةٍ للتداول والرواج في الواقع المتحوِّل. لأنَّ الدين مهما يكُّن متعالياً، سيُعاد خلْقه بشكل مادي مرةً أخرى. فالقوى السياسية والاجتماعية بأشكالِّها المختلفة تستطيع إعادة انتاجه مرات لا تنتهي. والإنتاج ليس فقط متجلِّياً بواسطة السلع والمنتجات والبضائع، لكنه أيضاً قد يجيء كعملية(خيالية- نفسية) أبرز من يتحدث بمضمونها الدين الغالب. لأنَّه بالوقت الذي يقصد فيه الإيمان وإمكانية اللجوء إليه ينتج موضوعاته الطقوسية والشعائرية كسلعٍ رمزية في المجتمعات. سيراها ماركس دوماً ساريةَ المفعول تحت إبط السلطة وداخل كلِّ عملية إنتاج مادي.

وحيث توجد الظواهر كماهيات متداولة يمكننا عندئذ فهم حركة التدين واستعمالاته. لأنَّ هذا الإيجاد، التواجد، الوجود معاً co-existence للماهية (فكراً وفعلاً) يُمطلَّق نفسه بحكم الهيمنة على ىالواقع. رغم أنه وجود مُوجَّه وقابل لحلول القوى المادية في إطاره. ولهذا كان المقدس انتاجاً علاقياً ضمن اقتصاديات المجتمع في عصر من العصور. إنَّه عمل مقنن من هذه الزاوية في كل تاريخ ممكن لدينا نحن البشر. فقبل وجود الماهيات فيما وراء الحقائق الجارية، فهي نتاج لهذه الحقائق التي تعيد الهيمنة علي كل ماهية من جديد.

هنا يأتي معنى الدين عند ماركس بمثابة (اللحم السري الحي) لوجود إنساني مغطىً بكافة المساحيق الاجتماعية. وهو الفلاش(النيجاتيف) الذي يخفف الألوان الحادة للمصير اليومي من قهر وإخفاق وفشل واحباط. في اعماق الدين، هناك شيءٌّ مشترك (تبعاً للرغبة في الوجود والخلود) مع كافة أبنية الواقع. الدين بوصفه سراً وغموضاً واستعارات أنطولوجية للمعنى العام والكلي للعالم. وهذا الوضع رغم بُعده عن الإدراك المباشر إلاَّ أنَّه كثيراً ما يُستعمَّل كلاصق بشري بحروف ثقافية فوق جميع الظواهر.

هذه الرغبة العميقة أساسها الالتحام بأصلٍ متوارٍ كما أشرت. أصل يتكَّشف في متعة الحياة، جمالية الفن، التخييل، التغييب اللاواعي عن الحياة اليومية، التوحد بالغايات الكبرى. من هنا كانت إمكانية الالتحام بروح الوجود وصميمه أمراً ممكناً رغم كل شيء. حيث تتشابه الموضوعات والمواد الروحية spiritual مع التطلع للمقدس، أي الارتباط بالقداسة. ومن هنا كان ربط ماركس للدين بالمخدرات، فالأفيون كمادةٍ تسبب هشاشةَ الوعي الحاد يفعل(يسبب) ما تفعله (ما تسببه) آثار المقدس سواء أكان إزاء الآخر(الصراع والخداع) أم إزاء النفس (العزاء الروحي).

وفي الديانات القديمة مع مقولة ماركس، كانت بعض المشروبات الروحية والشعائر القائمة عليها جزءاً من طقوس عبادة الآلهة. وظل الجانب الاقتصادي يستقطر(يكثف) الجانبين معاً: المادة والروح. وبالتوازي كانت السلعة في المجتمعات تتقدَّس لارتباطها بروح هي الحياة. تأتي بمتعه فائقةٍ هي المخدر الموضعي لشقاء العمل والقهر المرتبط به. حينئذ انعكس الدينُ عبر رغباتٍ كهذه خلال مظاهر اقتصادية قابلة للتفسير ارتباطاً بهذا السر. ثم كان التمثيل الوهمي simulation أساساً للدين والاقتصاد وللمخدرات(الأفيون) جنباً إلى جنبٍ. فالدين religion من الجانب الإنساني يُشتق من تكرار الأصول والأسرار وتوليد صورها الحياتية. وفي محاولة للتوحد بالأصول، قد يصاب المؤمنون بالتخدير (الغياب عن الوعي) وهو جوهر الركون إلى سلطة عليا والانفعال بحضورها. حيث تمنح الناس المعنى والسكينة واسكات المخاوف والهواجس. ولهذا، فإنَّ كلَّ طقوس الدين تكرارية، تطهرية، سكونية تعاود نفسها ويمارسها المؤمنون بالوتيرة ذاتها.

المخدر يكرر ضرباً من الاستيهام إزاء الواقع. إنَّه تضخيم لخيالٍّ سيبدو الواقع الكئيب أمامه صغيراً. وليس عنف الواقع ومقاومته الشرسة إلاً أبخرة لا قيمة لها. عندئذ يلجأ الناس إلى الأفيون لأجل الهروب من الحياة ومشكلاتها. أي التعلق بالخيال المتنامي في حالةٍ هي غياب الوعي. فيبدو اللاوعي أساساً خلفياً للوجود المغاير بينما هو محض رغبة متوهمة للقفز على الواقع.

إن الاقتصاد محط هذا الاستيهام بين الدين والمخدرات، هذه الرغبة السحيقة لدى الإنسان المقهور في الغياب عن الحياة وامتلاكها أيضاً. ومن ثمَّ كان أثر التدين أفيوناً يعطي حياة بديلةً عن الواقع. لأنَّه يأخذ بكلية اللاوعي الإنساني تجاه عقيدة هي الأشمل حول الكون والتاريخ والمصير. وأثناء تحولات الظواهر يختلط الواقع وبدائله. أي: أنَّ الدين وصوره المكررة سيمتزج مع الحياة. فيكون العذاب الديني كما يقول ماركس تعبيراً عن العذاب الفعلي ويكون الإحساس بالعزاء أحدَ أشكال الهروب من القهر والسلوان له. لأنّه تكرار استيهامي له متعة التعلُّق بالأطياف الخفية. والوقتِ نفسه يعلِّن كل دين عن اخفاق هذا الواقع، لأنَّ الأخير يفشل في تحقيق جنته الموعودة.

المفارقة أنَّ بنية الدين تاريخياً كما أقرها ماركس هيَ استعمال الدين كأفيون له مفعول السحر والإيهام. ولهذا إذا قلبنا عبارة (الدين أفيون الشعوب)، ستكشف الهوس الديني لدى تنظيماتٍ إرهابيةٍ معاصرة قد صنعته صناعة أيديولوجية. هوسٌ يذبح ويسفك الدماء ويقتل ويدمر بعد غياب الواقع والوعي أو يتحولان إلى دائرة اللاوعي. فالعذاب الفعلي تعبير عن العذاب الديني الذي يمارسه الإرهابيون. وهو بالحال ذاته عبارة عن احتجاج ضد دموية استعمال الدين لانتهاك إنسانية الإنسان. حتى بدت علامات العنف زفرة العاجزين ضد القتل ضد تحويل العالم إلى خراب باسم الله.

في هذا الإطار، يقول ماركس تلخيصاً لمجمل المعاني السابقة .. " إنَّ الإنسان يصنع الدين، وليس الدين هو الذي يصنع الإنسان. في الواقع، فإن الدين هو وعي الذات والشعور بالذات لدى الإنسان الذي لم يجد بعد ذاته، أو الذي فقدها ثانية. لكن الإنسان ليس كائناً مجرداً جاثماً في مكان ما خارج العالم. الإنسان هو عالم الإنسان والدولة والمجتمع. وهذه الدولة وهذا المجتمع ينتجان الدين، ينتجان وعيا مقلوباً للعالم، لأنهما بالذات يشكلان عالماً مقلوباً. الدين هو النظرية العامة لهذا العالم، خلاصته الموسوعية، ومنطقه في صيغته الشعبية، وموضع شرفه الروحي، وحماسته، و وازعه الأخلاقي، وتكملته الاحتفالية، ومرتكزه العام للمواساة والتبرير. إنه التحقيق الوهمي للجوهر الإنساني، لأنَّ الجوهر الإنساني لا يملك واقعا حقيقياً. إذن فالصراع ضد الدين هو بصورة غير مباشرة صراع ضد العالم الذي يؤلف الدين نكهته الروحية" .

1- سيكون الدين جزءاً من عتاد الأجهزة الأيديولوجية، ومن التكوين التاريخي للقوى المهيمنة على الجماهير.

2- الدول هي الغطاء الغليظ الذي يتدثر به الناس، ولا حلّ لهم من الوجود تحت أطرافه الممتدة، وهذا ما يجعلهم تحت رحمة ما يتدثرون به.

3- إذا كانت الدول والمجتمعات تتكون من أجهزة رقابية مختلفة، فلقد حرصت على إنشاء أجهزة ميتافيزيقية مقلوبة. وهي بناء الدين من أعلى إلى أسفل كأنه مُنزل من السماء، بينما هو في الحقيقة يشكل صناعة بشرية رفعت إلى تلك المكانة.

4- الصراع يستخدم الدين ضد أشرف ما يمتلكه الإنسان من شرفه الروحي والميتافيزيقي، لأنه مساحته الخاصة للنضال والتحرر وبالتالي سيكون استعماله هو إحباط كل محاولاته لتغيير الواقع والعالم.

5- إذا كان الإنسان لا يحقق سعادته الدينية، بحكم أن كل اعتقاد حر هو منبت السعادة والامتلاء النفسي، فذلك لكونه بالمنطق السابق يعيش تعاسته الواقعية. وكشف هذا الأمر وعدم قبوله بمثابة احتجاج على هذا الوضع إجمالاً.

6- المواساة في الدين آتية من قدرته على اسباغ العزاء على ما نفتقده في الواقع من آمال وحياة إنسانية.

7- أكبر جريمة هي عملية تزييف الدين، لأنه زفرة الروح التي لا تجد ملاذا آمنا لها وسط عالم كئيب ومظلم.

8- الدين المقلوب كصناعة بشرية باسم السماء هو نوع من" الاغتصاب الروحي" لأخص ما يملكه الإنسان من جوانب روحية ويدافع عنها.

 

د. سامي عبد العال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5429 المصادف: 2021-07-17 03:36:30


Share on Myspace