 أقلام فكرية

علي محمد اليوسف: جدل المادية التاريخية حقيقة ام وهم فلسفي؟

علي محمد اليوسفتمهيد: بهذه السطوراقوم بنقد منهج الجدل بشقيه المثالي الذي ابتدعه هيجل او الجدل بمعناه المادي الذي اخترعه ماركس. من حيث كلا المنهجين لا يمتلكان التحققات العلمية التجريبية الحادث حصولها على صعيدي المادة والتاريخ أو التحققات غير الفلسفية من عدم حدوثها.

فالحتمية الضرورة هي تصورات نظرية فلسفية واحكام تلزم التاريخ بها كقانون وهي ليست من حركة التاريخ بشيء. ليس مهما بنظري البحث عن هل التطور الذي يحكم الحياة البشرية موزّعة على تطور الظواهر المادية وتطور مسار التاريخ تتم في منهج مثالي إعتمده هيجل أو منهج مادي إعتمده ماركس بقدر أهمية الجواب على التساؤل: هل الجدل حقيقة قائمة تاريخيا حصلت وتحصل أم هي أوهام نظرية إبتدعتها ايديولوجيا اليسار والفلسفتين المثالية والمادية على السواء.

من المسائل العديدة الواجب الوقوف عندها هي كيف نجزم حصول الجدل بقوانينه الديالكتيكية الثابتة التي قادت التطور التاريخي عبر العصور، خير مثال يعزز أن قوانين الجدل تبقى تقديرات نظرية تتطلب منهج التحقق الحصولي المادي لها هو أن الراسمالية تطورت ووصلت مرحلة العولمة في نهاية التاريخ ولم تعتبر الجدل سوى منهج غير واقعي وهمي يهم المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي القديم. وليس معنى هذا النفي الاختلافي أن النظام الراسمالي يمتلك نظرية منهجية للتاريخ قادت الى مراحل الديمقراطية الليبرالية وتحسين ظروف العمل حيث كانت تنبؤات هربرت ماركوزة وغيره من فلاسفة أنه لم يعد هناك تنازع مصالح طبقات بالنظم الراسمالية تتصارع بين مصالح الطبقة العمالية وطبقة الراسماليين بعد تحديد الاجور وساعات العمل وتامين الضمان الصحي والتقاعد للعمال والشغيلة وغيرها من مكاسب وامتيازات اذابت جبل الجليد الفاصل بين الطبقات الكادحة المحرومة من الحياة الكريمة والطبقات الراسمالية التي تمتلك كل رفاهية الحياة وتوريثها لابنائها من بعدها.

كان ماركوزة وعديدين غيره تنبؤهم صحيحا حين ظلت الراسمالية واقفة على قدميها قبل وبعد انحلال وتفكك الاتحاد السوفييتي، ولا أعني بهذا أن قمة النظام الراسمالي المعولم الديمقراطي الليبرالي لا يعيش ازمات تعصف به وتهز اركانه اليوم وأنه على طريق زوال محتوم.

ما ارغب تاكيده هنا أن التاريخ هو مجموعة من المتلاحقات العشوائية القائمة على الفعل ورد الفعل وأن التاريخ لايتقبل منهجا يستوعبه. وقبل طرح تفاصيل وجهة نظري أن التاريخ غير غائي ولا يستوعبه منهج ولا تحكمه ضرورة نظرية أمهّد قليلا بالتالي بعد اسطر. لكني ارغب الاستدراك أن حاجة حماية بقاء الجنس البشري من الانقراض المحتوم هو بالعودة الى نظم اشتراكية منهجية تؤمن مستقبل اجيال البشرية في توفير الغذاء والقضاء على الفقر وتوفير كرامة الحياة للجميع.

ولا يشترط ان يكون هناك الغاءا ولا ارتباطا في الاستفادة من التجارب الاشتراكية القديمة واعتماد اكثر المناهج الاشتراكية مقبولية انسجامية مع المعاصرة التي يعيشها العالم المحتاج الى يسار غير تقليدي غير راديكالي يحتذي التجربة الصينية كنموذج يحمل الكثير جدا من مستقبلية انسانية داحضة تماما لمفاهيم عولمة الراسمالية الزائلة لا محال حتى لو عاشت فترات تاريخية طويلة.

العلة والمعلول السبب والنتيجة

العلة هو ما اطلق عليه لايبنتيز السبب الكافي الذي يقرر كل ما هو موجود او كل ما يمكن ان يوجد تكون له (علة ) سبب توضح لماذا كان الموجود على هذا النحو دون أن يكون على نحو آخر1. هذا يشبه الى حد كبير مقولة هيدجر البائسة لماذا كان الوجود ولم يكن العدم؟

هذا المعنى في السببية أنكره بشدة ديفيد هيوم وعديد من الفلاسفة، بأن مظهر وجود أي شيء معيّن لا يسبقه سبب أو علة، فالسبب والنتيجة هما تكرار ترابطي يحكم ظاهرتين بنوع من التلازم الذي لا تغييرفيه ولا نهاية له، ما من شأنه ترسيخ الوهم بالذهن معنى ما نسميه (العادة) المكتسبة في خلاصنا من خرافة العلة والمعلول حسب هيوم..نستنتج بضوء فكرة ديفيد هيوم أن إعتباطية كل موجود في وجوده لا تسبقه علة أو سبب في انتظام ما نطلق عليه ارتباط السبب بالنتيجة. وفي انتفاء هذه العلاقة بين السبب وموجوديته بصيغة معينة أو ظاهرة معينة ما، إنما يكون وجودا إعتباطيا يأخذ نظاميته الموهومة من إنعدام السببية الموجدة له.

وهذا الطرح يحمل الكثير من الاعتراض لأن التكرار النمطي الذي يوحي لنا ترابطا سببيا مع نتيجة متغيرة غير ثابتة بها ينعدم الحكم في كل الاحوال أن وجود الاشياء يسبقها علة أو علل عديدة موجدة لها وسببا لحدوثها، وعليه يكون ليس شرطا أن يكون الاحتراق سببه إشتعال النارمثلا وهكذا.

التناقض الجدلي وهم الحقيقة

يرى هيجل أن الواقع في حقيقته الوجودية (جدليا) لأن العقل نفسه الذي يدركه ذو طبيعة جدلية – هنا يقصد هيجل بالعقل هو الفكر -  بخلافه ارجع ماركس جدلية الفكر الى جدلية الواقع الذي نعيش فيه2. هذا الخطأ الذي وقع به هيجل إعتباره جدل الواقع لأن العقل ذاته ذو طبيعة جدلية فهو أخذ بسببية هيوم على صعيد جدل الفكر في تجريديته غير الانفصالية عن جدل الواقع. الشيء الاكثر اهمية في خطأ هيجل ان جدل الواقع لا يداخل جدل الفكر. وهذا ما شكل ركيزة غاية بالاهمية اعتمدها ماركس ان الجدل يتم بموضوعية واقعية لاعلاقة لها برغائب الانسان ولا قدرة لجدل الفكر تسيير جدل الواقع ولا جدل التاريخ.

لتوضيح هذا الاختلاف الذي تم وصفه بالاختلاف المنهجي المثالي بالضد من المنهج المادي حول الجدل أو الديالكتيك يرى هيجل فيه أن الوجود الواقعي – الاجتماعي إنما يستمد (وجوده) من الذات المدركة له الذات العارفة.

خطأ هيجل في هذا التعبير هو في خلطه بين ادراك الشيء في موجوديته الطبيعية المستقلة عن ادراك موجوديته الجدلية مع الذات التي تدركه وبغير ذلك اي بغير وجود الذات المدركة لا يكون هناك للاشياء وجودا مستقلا سواء ادركته الذات ام لم تدركه حسب مثالية هيجل ومن بعده. الوجود الشيئي بالواقع لا يحدده الادراك له.

الذات لا تدخل جدلا ديالكتيكيا مع الواقع بسبب انتفاء المجانسة النوعية بينهما، وحتى لو قلنا أن الفكر يدخل بجدل ديالكتيكي مع المادة فهذا لا يغّير من حقيقة الامر شيئا في إنعدام المجانسة النوعية مع المادة في وحدة الماهية والصفات بينهما.

من هذا الخطأ الفلسفي الذي إعتبره ماركس مثاليا لا حقيقة له في الواقع الذي يراه ماركس وجودا موضوعيا مستقلا ولا يستمد موجوديته من ادراكية الذات له. واذا ما ترجمت هذه المقولة اسقاطيا على حركة التطور التاريخي، نجد ماركس محقا قوله " وعي الانسان لا يخلق الواقع، بل الواقع يصنع الوعي"3. ويعتبر بعض الفلاسفة والمفكرين ان مقولة ماركس تلك كانت ثورة لا تقل اهمية وتاثيرا عن ثورات كل من سقراط، بيكون ، هيجل. ومن السخرية أن نجد المثاليين ينكرون هذه الحقيقة قولهم لا وجود مادي خارجي لا يدركه العقل. الملاحظة التي برأيي تم غفلها أن ماركس لم يقل وعي الانسان يخلق جدل الواقع. فالجدل في حال التحقق من حدوثه على صعيدي المادة والتاريخ فهو جدل وقانون طبيعي يعمل بمعزل عن وعي الانسان له وبمعزل عن تلبية رغائبه.

ملاحظات تعقيبية:

- اصبح اليوم مراجعة دراسة كيف تطور التاريخ ليس مهما اسبقية المادة على الفكر أو بالعكس؟ بل الاهم مراجعتنا هل جدل المادية التاريخية هو التفسير العلمي الوحيد الذي نادت به الماركسية صحيحا؟ لا توجد براهين ثبوتية لا على صعيد المادة ولا على صعيد التطور التاريخي تثبت لنا أن قوانين المادية التاريخية الكلاسيكية الثلاث التي وضعها ماركس وانجلز(قانون وحدة وصراع الاضداد ، وقانون تحول الكم الى كيفيات، والثالث قانون نفي النفي) هي قوانين جدل اكتسب علميته بالتجربة الميدانية الحقيقية اجتماعيا وعلى ارض الواقع بالحياة التي نعيشها وعاشها آخرين من قبلنا على مر العصور. ربما تكون حقيقة تحول التراكم الكمي الى تراكم نوعي صحيحا لكنه لا يكون ولا يمتلك بمفرده إحداث جدل على مستوى التاريخ يمكن التحقق منه، انما تصح هذه التحولات من كمية الى كيفية أن تكون واحدة من قوانين الطبيعة التي لا يدركها الانسان مباشرة وتحدث ليس في توليد جدلي بل في توليد (سببي).

- الجدل المثالي او المادي على السواء الذي بحسب المنادين به والادعياء له والذي بضوئه نعرف تطورات المادة وتطورات التاريخ لا يقوم على اساس من تناقض نوعي تجانسي في الماهية والصفات يجمعهما داخل الظاهرة الواحدة. فانت لكي تجد جدلا ديالكتيكيا يجمع بين الفكر والمادة في تعالقهما التخارجي لا بد من اشتراكهما في مجانسة نوعية واحدة تشمل وحدة الماهية مع وحدة الصفات لكليهما في تعالق جدلي يجمع نقيضين متضادين ينتج عنهما إستحداث الظاهرة الجديدة أو ما يسمى المركب الثالث.

فالواقع بكل موجوداته وتنوعاته الذي يشكل مصدرا للوعي يمتلك مجانسة نوعية في كل ظاهرة فيه تختلف عن غيرها بعيدا عن مدركات الفكر لهذا التناقض الداخلي في وحدة المجانسة النوعية.

بمعنى كل ظاهرة لكي يحصل جدلا داخلها منفردة لوحدها لا بد أن تمتلك النقيضين المتضادين فيها مجانسة نوعية واحدة التي هي الماهية والصفات التي تجمعهما في وحدة كليّة، وعندما لا يمتلك الواقع بظواهره المجانسة النوعية في داخل ظواهره لا يحصل جدلا داخلها بمعزل عن الفكر أو بتداخل تخارجي للفكر معه. الشيء الذي اراه مهما أن لا نقع في خطأ إعتبار الجدل في المادة مرادفا لا فرق بينه وبين إعتبار علاقة الفكر بالمادة علاقة (معرفية) تكاملية وليست جدلا ديالكتيكيا يقود بالحتم إستحداث ظاهرة جديدة أو مركب ثالث.

- ليس مهما صحة أو عدم صحة مقولة هيجل أن الوجود ذاتي يستمد موجوديته من الذات المدركة أو العارفة. التي رغم وصمها بالمثالية الفكرية الا انها تشير الى منهج (مادي) في حقيقتها. وبغير هذه العلاقة التي اشار لها هيجل لا يبقى معنى للواقع أن يكون مؤثرا بالوعي، ولا معنى للوعي أن يكون نتاجا للواقع حسب ماركس. هنا نجد هيجل يؤكد على أن الوجود هو ادراك ذاتي لذات عارفة وهو منطق فلسفي سليم لا علاقة ترابطية له مع الجدل الواقعي الموضوعي الذي يجري خارج ادراك الذات لحصوله..علاقة الذات مع مدركاتها المادية علاقة تخارجية تكاملية معرفية بينهما وليست علاقة جدلية.

- عندما يرى ماركس العكس من ذلك أن الوعي هو ناتج ادراك الواقع المادي الذي نعيشه في اسبقيته على تفكيرنا، فهذا ليس معناه ضرورة ربط المادة بالفكر على مستوى تناقض جدلي يجمعهما يقود لناتج حصول متغيرات جديدة وإنما هنا الاختلاف بين هيجل وماركس على مستوى (وعي) و (معرفي) للواقع وليس على مستوى الجدل بينهما.

- الجدل المزعوم بين الواقع والفكر هو وهم غير قائم للاسباب:

1- الواقع والفكر ليسا قطبي تناقض تجمعهما مجانسة ماهوية واحدة تدخلهما في تناقض جدلي بمعزل عن ارادة الانسان. فالجدل في حال اثباته قانونا طبيعيا ثابتا كمثل قوانين الطبيعة الاخرى فهو يعمل باستقلالية تامة عن ارادة الانسان وإدراك الذات. وحضور العوامل الموضوعية كعامل مساعد في عملية جدل ديالكتيكي هي الاخرى تكون فاعليتها ليست مستمدة من رغبة انسانية سابقة عليها بل من حاجة جدلية تتطلبها.

2- قوانين الجدل في حال جرت البرهنة عليها على صعيدي المادة والتاريخ. عندها تصبح وقائعا يتم الجدل فيها خارج ارادة الانسان، ولا معنى لتخارج الوعي المعرفي مع الواقع في خلق الجدل. حينما يعبر هيجل " الجدل وعي ذاتي " فهو كان يرغب خلق جدل فكري غير متأكد من إمكانية حصوله ماديا أو تاريخيا. لتوضيح سبب رجحان مثالية تفكير هيجل أن الجدل يحصل بالفكر فهو ربما كان يدرك أو لا يدرك هيجل أن الفكر لا يجانس المادة بالماهية والصفات كي يرتبطان بعلاقة جدلية وليس بعلاقة تخارج تكاملية معرفية.

3- الجدل يتسم بحقيقتين اثنتين هما أنه يحصل خارج الادراك الذاتي له، وأنه لا يحتاج الذات الانسانية في إستكماله عملية الجدل في داخله لإنتاج مركب ثالث أو ظاهرة جديدة.

لذا إدانة هيجل أن الفكر أو الوعي ليس بمقدوره تغيير الحقائق المادية على الارض هي في حقيقتها صحيحة تمثل قمة المادية وليس المثالية. وهي لا تعطي الجدل جواز مرور حينما لا تعتبره أي الجدل قائما حينما يكون هناك للذات إمكانية ادراك الاشياء والموجودات في العالم الخارجي.

4- لا يوجد مؤشر برهاني حقيقي تجريبي واقعي مدّعم برهانيا أن هناك جدلا يجري داخل ظواهر وقائع العالم الخارجي بغية وجوب تطورها، كما وليس هناك ما يدلل تجريبيا قاطعا، أن يكون هناك جدلا طبقيا يحكم التاريخ، وليس هناك علاقة جدلية تربط الفكر بالمادة أو بالتاريخ طالما الجدل قانونا طبيعيا موضوعيا يجري بمعزل عن الارادة الانسانية، وأن الجدل هو أحد القوانين العلمية والتاريخية المكتشفة بالطبيعة وليست المخترعة تنظيرا فلسفيا.

5- كما المحت سابقا مقولة هيجل التي مررنا عليها " الجدل وعي ذاتي" يمنحنا برهانا حقيقيا أن الجدل هو وهم افتراضي يحكمه التنظير الفلسفي، وهو ليس قانونا طبيعيا مثل بقية قوانين الطبيعة التي اكتشفها الانسان وبنى علها ثوابت علمية بعد تاكده من حصولها في الطبيعة وفي الكوني، وهذا مالا ينطبق على الجدل الذي بني عليه ماركس وانجلز تطورات التاريخ البشري بشكل إعتسافي لأنه كانت التنظيرات الفلسفية سابقة على قانون الجدل الموجود على صعيد الفكر فقط  كما قال هيجل وليس على صعيد تطور التاريخ الانثروبولوجي المادي كما اراد ماركس.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

............................

الهوامش:

1-3: الحداثة ما بعد الحداثة، د. طلعت عبد الحميد ود. عصام الدين هلال ود. محسن خضر

   

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5512 المصادف: 2021-10-08 03:40:46


Share on Myspace