عدنان عويدالحريّة في سياقها العام، هي إزالة القيود التي تكبل طاقات الإنسان ونشاطه، سواء كانت قيوداً ماديّة أو قيوداً معنويّة، والحريّة بالتالي هي تخليص الإنسان من العبوديّة الخارجيّة أولاً، فرديّة كانت أو جماعيّة، أي تخليصه من كل ما يعيق ظهور إنسانيته وتجليها على الواقع، أي تخليصه من قهر قوانين الطبيعة العمياء واستبداد أخيه الإنسان. وثانياً تخليصه من العبوديّة الداخليّة الذاتيّة التي ولدتها العبوديّة الخارجيّة بعد أن مارست عليه القهر والظلم والتشيئ والاستلاب والاغتراب الروحيّ. وشكلت سماته وخصائه المشبعة بالخضوع والاستسلام والأنانيّة والتزلف والنفاق والكذب وغيرها من القيم السلبيّة في شقيها السلوكيّ والمعرفيّ.

أمام هذا الفهم الشموليّ للحريّة التي يُشتق منها فعليّ التحرير والتحرر، تأتي رؤيتنا تجاه تحرير الحواس.

قبل أن ندخل في هذا الموضوع – أي تحرير الحواس - لا بد لنا من الاشارة ولو بشكل أوليّ إلى مسألتيّ تحرير العقل والجسد لنقول:

يظل تحرير العقل بالنسبة للإنسان هو المرتكز الأساس في إثبات إنسانيّة الإنسان وتمييزه عن بقية المخلوقات، أي إثبات وجوده وقدراته الذاتيّة علي تطوير هذا الوجود وتنميته والارتقاء به إلى مصاف الإنسانيّة ذاتها، فالعقل الذي فُرضت عليه قيود الجهل والتخلف، والخوف من المجهول، و من عذاب القبر وعذاب جهنم وسوط الاستبداد، وقتل روح المغامرة  العقليّة عنده من أجل اكتشاف آليّة عمل أو نشاط الذات في واقعها الملموس أولاً، ثم اكتشاف آليّة عمل الطبيعة والمجتمع ثانياً، هو عقل قاصر ومحكوم بقوى طبيعيّة واجتماعيّة تفرض عليه السير وفق إرادتها وآليّة عملها، وبالتالي راحت تُشَكِلْ عنده القوى تاريخياً رؤى فكريّة مشبعة بالخرافة والأسطورة والخوف والتردد والخضوع المطلق لكل ما يحيط به أو ينشط داخله، بسبب جهله لسر هذا الوجود وآليّة حركته وتطوره وتبدله، وعلى هذا الأساس جاءت عبادته لقوى الطبيعة من جهة، وخضوعه المطلق لقوى بشريّة اعتقد أنها هي من يتحكم بحياته وقدره ومصيره من جهة أخرى.

لا شك أن ديكارت قد حقق قفزة نوعية في تحرير العقل من سيطرة الفكر أو الوعي الميتافيزيقيّ عندما قال (أنا أفكر إذاً أنا موجود)، أي استطاع فصل عقله إلى حد كبير كتشكل ثقافي عن كل الفكر السكولائي (المدرسي – اللاهوتي)، إلا أن إيمانه بوجود أفكار فطريّة  منحها الله للإنسان منذ ولادته، جعله يقف حائراً إلى حد ما في معرفة نفسه والمحيط الذي ينشط فيه معاً معرفة حقيقية، وذلك بسبب عدم قدرة عقله على الاستقلال استقلالاً تاماً من أوهام اللاهوت، والعودة به إلى واقعه الذي شكل معارفه، أي هو لم يستطع تحرير العقل تحريراً كاملاً من أوهامه المدرسيّة اللاهوتيّة، والميتافيزيقيّة، وبخاصة من نزعة التفكير المثاليّة الذاتيّة، الأمر الذي ترك العقل يهيم في استنتاجاته المنطقيّة الخاطئة في تفسير حركة حياة الفرد والمجتمع والطبيعة، كونه كما أشرنا أعلاه، لم يربط فكره بالواقع وظواهره وآليّة عمل هذه الظواهر. وهذا ما ترك مجالاً واسعاً لبقاء سيطرة الفكر الميتافيزيقيّ لديه، ولدى كل أصحاب تيار الفكر المثاليّ الذاتيّ، الذي اشتغل عليه الكثير من الفلاسفة والمفكرين الدينيين أو الوضعيين. ومن ضمنهم في الحقيقة معظم مفكري عصر التنوير، الذين أعطوا العقل هذه القدرة الهائلة في تفسير الواقع وإعادة بنائه، ولكن من منطلق أخلاقيّ معياريّ أو وعظي، لذلك ظل مفكرو عصر التنوير وحتى الماديين منهم، أمثال هلفسيوس وريكاردو وعاظاً أكثر منهم فلاسفة.

أما بالنسبة لتحرير الجسد، فيأتي هنا في المرتبة الثانية، وقد اشتغل على تحريره بشكل (خاطئ) عدة تيارات فكريّة وجوديّة أهمها:

أولاً: الوجوديّة المثاليّة، ممثلة بالتصوف، حيث وجد المتصوفة في جسد الإنسان وحاجاته الماديّة سر بلاء الإنسان. فها هي أفكار الوجوديّة المثاليّة الصوفيّة الرئيسة في صيغتها الميتافيزيقيّة، تدور حول مفهوم التوحد مع الله بشكل خاص. وقد وجد في هذا الاتجاه مفهومان أو فلسفتان تدور حول هذه المسألة المثيرة للجدل. الأولى: وتنص على وحدة الوجود، التي تعني أن الحقيقة الوحيدة في هذا الكون هي الله، وأن جميع الأشياء في الكون تمثل الله أو هي تعبير عنه. والثانية: وتعني وحدة الشهود التي يرى دعاتها أن تجربة التوحد مع الله تتم في ذهن المؤمن، وأن الله ومخلوقاته مفصولون عن بعضهما تماماً واقعياً، ومع هذا، لا يكون هناك فروقات بينهما، بمعنى أخر أن "لا أحد إلا الله". ولكي يصل الصوفي إلى مستوى التوحد مع الله، عليه تطهير ذاته النفسيّة والجسديّة من كل الدوافع الشريرة، والتغلب على كل الغرائز الجسديّة الوضيعة. بمعنى أخر يحب على الفرد الذي يريد الوصول إلى هذا التوحد وفهم جوهره، الامتناع عن القيام بأيّة خطيئة كانت (مثل الجشع، الشهوة، المتعة، الغرور، الأنانيّة... وغيرها) والامتناع أيضاً عن كل أنواع الحب المتعلق بحياته الماديّة أو الذاتيّة، ما عدا حب الذات الإلهيّة المطلقة. وعلى هذا التوجه الفكريّ والسلوكيّ للفرد، القائم على الامتناع عن ممارسة الرذيلة بكل أشكالها كما بينا هنا، وكذلك الوقوف أمام كل شهوات الجسد، سيؤدي بالضرورة إلى تدمير الذات النفسيّة والجسديّة بكل شهواتهما ورغباتها لدى الصوفيّ، الأمر الذي سيقرب المريد إلى الله لدرجة الفناء فيه. وهذا ما وصل إليه الحلاج على سبيل المثال لا الحصر عندما قال: (وما في الجب إلا الله).

أما الشكل الثاني من الوجوديّة المثاليّة الهادفة إلى تحرير الجسد، فتظهر عند القوى الأصوليّة الجهاديّة، التي تعمل على تحرير الذات والمجتمع معاً من ما يدعونه خطايا وذنوباً، ارتكبها من خرج على تعاليم النص المقدس، ويظهر هذا التحرير للجسد  من خلال تفجير الجسد والتضحية به (قرباناً) داخل المحيط الاجتماعيّ الملوث بالخطايا والذنوب حسب اعتقادهم. فقتل المخطئ واجب مقدس يكافئ عليه الشهيد الذي ضحى بجسده  بين صفوف من مارسوا الذنوب والكفر بخروجهم عن تعاليم الله والرسول، ومكافأته هي دخوله الجنة والحصول على حور العين وانهار من الخمر واللبن والعسل وغير ذلك.

أما الوجوديّة في شقها الماديّ المقابل للوجوديّة المثاليّة والداعيّة إلى تحرير الجسد من بعده الروحي والقيمي أو الأخلاقيّ،  فتنطلق من أن وجود الإنسان الفرد أو المجتمع يسبق ماهيته الإنسانيّة، مهما كانت مرجعيات هذه الماهيّة دينيّة أو عرقيّة أو سياسيّة أو غيرها. فماهيّة الكائن الفرد أو المجتمع هي ما يحققه فعلاً عن طريق وجوده، ولهذا هو يوجد أولاً، ثم تتحدد ماهيته ابتداءً أو انطلاقاً من وجوده العيانيّ الملموس. ولكن هذا التأكيد على أسبقيّة الوجود قبل الماهيّة بالنسبة للفلسفة الوجوديّة الماديّة، ليس أكثر من دعوة براغماتيّة خادعة، ترمي إلى جعل الإنسان يسعى ليجد نفسه أو يؤكد وجوده الفطري من خلال تحرير جسده من القيم المثاليّة والروحيّة المشبعة بالقيم الإنسانيّة النبيلة، ولكي يجد أو يؤكد الإنسان نفسه أو وجوده وفقاً لهذا الفهم الوجوديّ في صيغته الماديّة، عليه إذن أن يتحلل (يتحرر) من القيم، وينطلق لتحقيق رغباته وشهواته العبثيّة بلا قيد. وعلى هذا الأساس يبدأ فهم معنى الوجود عبر الدخول بالتجربة الوجوديّة الفرديّة الداخليّة القائمة على التخيل والأحاسيس الداخليّة المشبعة بعواطف ورغبات ذاتيّه وإراديّة بحت، لذلك فالفرد الوجوديّ يقوم بمعايشة الواقع وجدانيّا أكثر من معايشته عقليّا، ومن خلال هذه المعايشة الوجدانيّة مع الواقع للذات المقهورة والمشيئة والمستلبة والمغربة أصلاً، يبرز عند الوجوديّ اكتشاف المعاني الأساسيّة في الوجود الإنسانيّ، وهي معانٍ تمثل : العدم، والفناء،  والموت، والخطيئة، واليأس، والعبثيّة، والعنف، ثم القلق الوجوديّ. إنها بتعبير آخر، فلسفة العدم أو اللامعقول.

تظل لدينا هنا الحواس وتحريرها، والتي على تحريرها يتحدد مصير الإنسان وعقلانيته وتقرير مصيره وفهمه العميق لمسألة الربط بين الروح والجسد وتحريرهما تحريراً عقلانياً بعيداً عن الفهم الوجودي السلبيّ بشقيه الماديّ والروحيّ (المثاليّ) معاً. وعلى أساس هذا الفهم لأهمية تحرير الحواس نقول:

هي الحواس الخمس التي يمتلكها الإنسان، وهي بمثابة النوافذ الطبيعيّة بينه وبين العالم الخارجيّ التي تربط الوجود الخارجيّ بذهنيّة الإنسان، أو هي المرآة التي تعكس الواقع المحيط بالإنسان وتساعده على  تشكيل روئ ومفاهيم وتصورات عنه، وبالتالي التعامل مع واقعه الطبيعيّ بخيره وشره أثناء إنتاجه لخيراته الماديّة والروحيّة بمنطق عقلاني .

إن الحواس هي من يقدم الأشياء الموجودة التي تحيط بالإنسان، أو ينشط داخلها، لتشكل بالنتيجة معارف الإنسان بعد إعادة تحليلها وتركيبها في دماغه، فبهذه الحواس يتعرف الإنسان إذن على محيطه وينقل ما تنقله أحاسيسه إلى عقله الذي يقوم بدوه بتخزينها وتحويلها إلى ثقافة. بيد أن هذه الأحاسيس لا تستطيع لوحدها أن تكوّن معارف صحيحة أو عقلانيّة كليّة، فالأحاسيس قد تكون كاذبة أو مشوهة لعيب مرضي فيها، أو لعدم قدرتها على اختراق جوهر الظواهر، أو لكونها تتحرك أو تشتغل عند بعضهم بدوافع عاطفيّة أو إرادويّة أو حدسيّة وغير ذلك، وهذا ما يجعل  العقل الذي يتعامل مع معطياتها يتقدم باستنتاجات معرفيّة غير واقعيّة، وعلى أساسها تتشكل رؤى ونظريات وأيديولوجيات لا تمت إلى الواقع الحقيقيّ بصلة، وهنا تحدث الكارثة الكبرى عندما تتبنى هذه الأيديولوجيات أو النظريات قوى اجتماعيّة سياسيّة تعمل على تغيير الواقع وفقها. وعلى هذا الأساس أيضاً ستحكم العقل والإرادة والممارسة الإنسانيّة قيود كثيرة تساهم في تعقيد حياة الإنسان وتجسيد عبوديته بكل أشكالها الروحيّة والجسديّة وتفرعاتها الأخلاقيّة والغريزيّة والعاطفيّة... وغيرها.

إن ما نريد الوصول إليه في قولنا بـ (تحرير الحواس)، هو تخليصها من المواقف الشكلانيّة الظاهريّة عند تعاملها مع الحوادث المحيطة بها، والتأكيد على أن للشكل مضمون أيضاً يجب أن نبحث عنه من جهة، ثم تحرير الحواس ذاتها من أمراضها التي غالباً ما تسببها الحوامل الاجتماعيّة لهذه الحواس  من خلال تحكم العواطف والجهل والتخلف والأنانيّة بعقليّة هذه الحوامل، وضرورة ربطها بالتجربة العمليّة (الممارسة) وبالعقل النقدي. فعلى تحرير الحواس، يتوقف تحرير الجسد من الرؤى والفهم الوجوديّ السلبيّ بكل اتجاهاته، إن كانت الروحيّة (الصوفيّة) منها التي تحارب الجسد من قذارات الواقع الملتصقة به، وتضحي به تنقية للروح ودفعها إلى التعالي ومفارقة الواقع المعيوش، والدعوة إلى التحامها بالمطلق والتوحد به من جهة، أو تخليصها من النزعة الجهاديّة التكفيريّة التي تفجر الجسد خدمة للأيديولوجيا اللاعقلانيّة، كما هو الحال عند الدواعش من جهة ثانيّة. أو من الوجوديّة الماديّة العبثية، التي تعمل على محارية الروح والقيم الإنسانيّة من أجل شهوة الجسد ورغباته الغريزية السلبيّة من جهة ثالثة.

أما بالنسبة لتأثير تحرير الحواس على العقل، فتحرير الحواس يساهم في تقديم المعارف الواقعيّة التي تربط العقل بالواقع، وتخليصه من مثاليته الذاتيّة، ولتحرره بالضرورة من الخرافة والأسطورة القائمة على الوهم والتخيل والأخذ بشكل الظواهر فقط الذي تقدمه الحواس غير المثقفة.

إن تحرير الحواس سيساهم من خلال تعاملها العقلاني المنطقي الجدلي مع حوادث الواقع تشكيل معارفَ علميّة لا تؤمن بالمطلق والغيبيّ والاستسلاميّ والامتثاليّ، بل تؤمن بالنسبيّة والحركة والتطور والتبدل.. وبتعبير آخر تومن بواقعيّة العالم وسننه الطبيعيّة، وبالإنسان وقدرته على تحقيق مصيره بنفسه..

ملاك القول: إن تحرير الحواس يساهم في نهاية المطاف بتحرير الإنسان ذاته من الاتكاء على الخرافة والوهم والأسطورة والتخيل السلبيّ، مثلما يحرره من الاستبداد والقهر والظلم وكل أشكال الارهاب الماديّ والفكريّ الذي يقع على الإنسان وتتعامل معه هذه الحواس بجهل مشبع بمواقف ذاتيّة إرادويّة وعاطفية وحدسية. وأخيراً يساهم تحرير الحواس في فسح المجال واسعاً أمام الإنسان كي يبني عالمه على هواه ومصالح مكوناته مجتمعه جميعاً، بعيداً عن المصالح الأنانيّة الضيقة القائمة على أوهام أيديولوجيّة أو طبقيّة أو فئويّة، طائفيّة كانت أو قبليّة أو مذهبيّة،  وحتى أوهام نخبويّة أدبيّة كانت أو فنيّة أو سياسيّة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة

 

تفسيرُ التاريخ يُشكِّل تاريخًا جديدًا للمَعنى الوجودي، وحياةً مُوازية لحياة الإنسان . وبما أن عملية التفسير تشتمل على الأسئلة المصيرية والأجوبة المنطقية، فإنَّ التاريخ سَيَؤُول إلى تواريخ مُتعدِّدة ومُتكاثرة . إذْ إنَّ كُلَّ تفسير للتاريخ ولادةٌ جديدة له، وكُل ولادةٍ ظاهرةٌ معرفية تمتاز بالاستمرارية في سُلطة الأفكار، وتتمتَّع بالدَّيمومة في الظواهر الثقافية . وهذا يعني أن التاريخ يُولَد باستمرار كنشاط ذهني خارج الزمان والمكان . وهذا الانبعاثُ التاريخي الدائم يَمتلكُ القُدرةَ على التواصل معَ عوالم الإنسان الداخلية بلا انقطاع، ويستطيعُ تجميعَ قواعد المنهج الاجتماعي المتناثرة في البيئات المُحيطة بالإنسان بلا توقُّف، مِمَّا يدلُّ على أن التاريخ يَكتسب شرعيته من داخله، ولَيس مِن علاقته مع المراحل الزمنية. ومعَ أنَّ التاريخ يتماهى مع بُنية الزمان المركزية، وطبيعةِ المكان الرمزية، إلا أن يَمتلك وُجودًا خاصًّا به عابرًا للتجنيس، ومُتَجَاوِزًا للصراع الوهمي بين الماضي والحاضر . ومِن أجل حمايةِ التاريخ مِن التَّشَظِّي الوجودي والتَّشَعُّب الفكري، وإحكامِ السَّيطرة على وِلادات التاريخ المُتواصلة، ينبغي ربط تفسير التاريخ بالتحليل النَّفْسي للأفراد والجماعات، للكشف عن منطقِ التاريخ، والوَعْيِ العميق الذي يُحرِّك الأحداثَ، ويُحدِّد معالمَ الهُوية التاريخية قلبًا وقالبًا، وهذا مِن شأنه تحليل الخِطاب المعرفي القائم على أنسنة التاريخ (إضفاء الصفات الإنسانية على التاريخ)، وُصولًا إلى تجسيد تاريخ الإنسان ذهنيًّا وواقعيًّا. وهذه العلاقةُ الفلسفية التبادلية بين التاريخ والإنسان تُشير إلى أنَّهما كائنان حَيَّان، يتحرَّكان بشكل مُتوازٍ معَ مصادر المعرفة ومرجعيات الثقافة، ويَلتقيان في مجالات التفكير العقلاني، ومنظومة الأخلاق، والتجارب الاجتماعية، وأشكال الوَعْي، وانعكاسات المعنى على مسار الحركة الفكرية في المجتمع.

2

مركزُ التاريخ في السلوك الإنساني يستمد أهميته مِن بَصيرة اللغة، وغَريزة المَعنى، فاللغةُ قادرةٌ على تحرير الوَعْي مِن اغتراب الإنسان في ذاته، وغُربته عن ذاته . والمعنى قادرٌ على إنشاء منظومة أخلاقية مُنفتحة على دَور البُنى الاجتماعية في صناعة الحياة . وإذا استطاعَ التاريخُ تحليلَ علاقة الإنسان مع ذاته، وتحويلَ اللغةِ والمعنى إلى إطار مرجعي للإنسان في مُجتمعه، فإنَّ الفراغ الموجود في تاريخ الإنسان الروحي والجسدي، سَوْفَ يتمُّ سَدُّه باستخدام نظام الإدراك العقلي للحقيقة ومُكوِّناتها وسِيَاقاتها، فتتحرَّر كَينونةُ الإنسان مِن المأزق الوجودي، وتنتقل من فلسفة الفراغ إلى فلسفة الوَعْي . وبالتالي، تَكتمل صورةُ المجتمع المنقوصة بسبب ضغط النظام الاستهلاكي على الثقافة والقِيَم والمعايير، وتتحرَّر ماهيَّةُ المجتمع مِن الصَّدمة الحضارية، وتنتقل من الغياب إلى الحضور (استعادة الوجود مِن العدم وتحقيق التوازن في ظِل انهيار المشاعر). وكأن التاريخ يَخطِف الحقيقةَ الاجتماعية في الوُجود، لإضفاء المعنى على الأشياء، ومنحِ الشرعية للعناصر، وتخليص الإنسان مِن العُزلة . وبما أن العُزلة لا تُدرَك إلا بنقيضها، فلا بُد مِن مُحَاصَرَة العُزلة بالتواصل معَ الإنسان، وتَوصيلِ قيمة الأنسنة إلى عناصر البيئة المُحيطة بالإنسان. ولا بُد مِن مَلء الفراغ بالأحلام المشروعة، لأن بداية حُلْم الإنسان هي البداية الحقيقية للتاريخ والمجتمع، والتاريخُ لا ينتهي إلا إذا انكسرَ حُلْمُ الإنسان، والمُجتمع لا يتفكَّك إلا إذا فَقَدَ الإنسانُ مَعناه الوجودي، ولَم يعرف جَدوى حياته .

3

تحريرُ الإنسان من المأزق الوجودي، وتحريرُ المجتمع من الصَّدمة الحضارية، يُمثِّلان نظامًا معرفيًّا واحدًا، بلا فواصل زمنية، ولا عُقَد نَفْسِيَّة، ولا حواجز واقعية، وهذا النظامُ يُجسِّد ثنائيةَ الخَلاصِ والتَّخليصِ، خَلاص الأنساق الحياتيَّة مِن الغُربة الروحيَّة والكَبت الجسدي، وتَخليص الزمان والمكان من التراكمات التاريخية التي تمَّت أدلجتها لتحويل التاريخ إلى سَيف مُسلط على ذكريات الإنسان وذاكرة المجتمع . وفي كثير من الأحيان، يَهرب الإنسانُ من تاريخه بحثًا عن تاريخ جديد، أي إنَّه يَهرب من إفرازات الضغط النَّفْسِي إلى الإحساس بالراحة الوهميَّة . وهذه عملية شديدة الخطورة، لأنها رحلة من الهُوية إلى الهاوية، ومِن الوَجْه إلى القِناع . وعندئذ سيحدث اختلاطٌ بين المعاني المَحسوسة والمعاني المُجرَّدة، ويَؤُول وَعْي الصِّراع إلى صِراع الوَعْي، مِمَّا يَدفع الإنسانَ إلى البحث في داخله عن عَدُوِّه، فيفقد القُدرةَ على تحديد عَدُوِّه الخارجي. وإذا انهارَ الإنسانُ مِن الداخل، وبدأ يَشُك في نَفْسِه، فإنَّ العناصر المُحيطة به سوف تتساقط تِبَاعًا . وهذا يُؤَثِّر سلبًا على المجتمع بأكمله، لأنَّ الإنسان عندما يَخسر خريطةَ حياته، فإنَّ المُجتمع سيفقد بُوصلةَ وُجوده.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

علي محمد اليوسفحين نتكلم عن فلسفة ما بعد الحداثة من حيث المنشأ امريكيا تحديدا، تكون معنا حقيقة ملازمة لها ولغيرها من فلسفات غربية معاصرة، ان المجتمعات العربية من ضمن مجتمعات ما يسمى العالم الثالث خارج دائرة المعني بما تعنيه ما بعد الحداثة وحتى خارج دائرة الفلسفة الغربية المعاصرة عموما منها تيار الحداثة. فمجتمعاتنا العربية لم تمر كما في الدول الغربية في مرحلة (الحداثة) كي نعتبرها ولجت عتبات فلسفة ما بعد الحداثة.

تفكيرنا الفلسفي العربي لا زال معتاشا على كتابة هوامش فلسفية غربية بلغة عربية ترجمة حرفية مملوءة بالاخطاء المطبعية التي لا يعرف مصدر الخطأ بها. وليس كتابة هوامش تفكير فلسفي عربي يحمل معه بصمة تحليلية استقلالية لا في العرض ولا في نقد النص الفلسفي الاجنبي الاصل والمترجم.

الحداثة modernism تعني لدينا اننا نمارسها كاقطار الوطن العربي واقعا استهلاكيا ولا نمارسها تصنيعا ذاتيا لا على صعيد المنتج المساهم ولا على صعيد التطبيق المستقل، بمعنى واضح جدا أن مجتمعاتنا العربية هي مجتمعات الاستهلاك التمديني لمنتجات الحضارة المعاصرة الغربية بكل مناحيها الثقافية والحياتية والفلسفية والعلمية.

امام هذه المعضلة وجدت بعض الاقطار العربية نفسها امام مواجهة حقيقة مفروضة عليها أن تبني لها شكلا من الاستهلاك الحداثي الثقافي مرتكزه البنية العمرانية التحتية المصّدرة لها أجنبيا في كل ما يخص تحديث البنى المادية ما عدا الاهتمام ببنية الانسان الثقافية المعرفية السلوكية في ممارسة تمدينه العمراني الاستهلاكي. لتجد ان هذه الاقطار واقصد دول الخليج العربي وضعت نفسها في ازدواجية تقدم هياكل البنى المادية في الاعماروتحديث مناحي الحياة في منأى التكامل مع تخليق انسان تكوينه الفكري الثقافي والسلوكي الفكري يماشي هذه الحداثة التمدينية التي تقاطع النمط الاستهلاكي المادي المتوفر بالحياة اليومية.

وامثلة تلك الازدواجية المتقاطعة عديدة منها ذكورية المجتمعات العربية التي تؤمن للرجل الترف المبتذل حد الاشباع، في إزدواجية تطال هجينية التماسك الاسري الذي ينخره مقاطعة الخفي مع المعلن، وفقدان ملامح الهوية العربية أبرزها تراجع أهمية الحفاظ على اللغة العربية التي وصلت المرتبة الرابعة في بعض دول الخليج العربي امام منافسة اللغات واللهجات الاجنبية التي يتكلمونها غير العرب المستوطنين تلك البلدان العربية كشغيلة وافدة تعيش بينهم، ومن مظاهر الازدواجية التحديثية العربية ايضا عدم ردم هوة التباعد الطبقي والتفاوت بين معيشة نخبة سلطوية حاكمة باذخة الثراء وحرمان اكثرية تعيش حياة الاستهلاك على فضلات ما يتركه البذخ الاستهلاكي للطبقات الميسورة التي لا ينتج راسمالها استثمارات منتجة فاعلة داخل بلدانها واقطار الوطن العربي بالقياس لحجم إستثماراتها في دول العالم الاجنبية التي تزيد من ارصدتها المالية وهي مطمئنة الخ.

ربما يذهب البعض أن هذا النوع من التمدين الاستهلاكي الحضاري هو في كل الاحوال رغم مساوئه افضل من لا شيء، حينما يكون العجز في مجاراة دول الحداثة الغربية تصنيعها الحداثة المادية في كل مناحي الحياة مع نمط انساني سلوكي مجتمعي يساير هذا التحديث المادي يكاد يكون معدوما في الغرب ايضا.

ثمة إعتراض تبريري مقبول نوعا ما أن التقدم الحضاري الغربي المتسارع خلق نوعا من تصنيع تكنولوجي ايضا جرف معه النواحي الانسانية في ترد نازل كبير مثل انتشار تعاطي المخدرات ، تفكك النظام الاسري، خلو الجانب السلوكي الروحي عند الانسان الغربي، نشر الاباحية الجنسية، الدعارة باسم حقوق الانسان، تزايد الهجرات وتنوعها الطفيلي في بلدان المهجر، تنامي احياء إلتزام التعامل بالعنصرية على اساس لون البشرة والعرق القائمة على مصادرة حق الشعوب في تساوي الحقوق الانسانية وغير ذلك.

بمعنى اصبحنا امام حقيقة لا فرق جوهري بين من يستهلك الحضارة المدنية وبين من ينتجها ويصدرها لنا من حيث إزدواجية تقدم ركائز البنى التحتية والعلوم على حساب فقدان حضور الانسان الذي يكون جزءا تكوينيا في ايجادها وصنعها والاضطلاع بمسؤولية الدفاع عنها ضمن الافق التمديني الثقافي المجتمعي عربيا والانساني عموما. ربما هذا الاستطراد التمهيدي ابعدنا عن اصل الموضوع  فلسفة ما بعد الحداثة الاوربية والغربية عموما وحتى العالمية في اقطار هي ليست بلدان تقارب جغرافي وسياسي قريب من مجتمعات الغرب لكنها استطاعت خلق ثقافة تمدينية تقتفي اثار الحداثة الاوربية الامريكية وربما تجاوزتها في بعض النواحي. مثل الصين، واليابان ، وكوريا الجنوبية ، وسنغافورة، وماليزيا، واندنوسيا ودول الخليج العربي ودول عديدة اخرى.

ازمة الانسان في فلسفة ما بعد الحداثة

ما بعد الحداثة ثورة راديكالية ممنهجة إنبثقت أمريكيا حصرا مستفادة من موروث سابق فلسفي اوربي فرنسي على وجه التحديد، تقوم ما بعد الحداثة على الهدم والتقويض في استبعاد العجز عن تقديم البديل، بهذا المعنى تكون فلسفة مابعد الحداثة نزعة تناولت كل شيء بالادانة والتقويض ولم تقدم أي شيء بديل على مسارتصحيح بعضا من تاريخ الفلسفة.

ليوتار أحد ابرز فلاسفة ما بعد الحداثة إعتبر الماركسية رواية عظيمة والسبب المبرر بذلك أنها أضحت سردية كبرى شائخة الحضورالمعاصر استهلكت نفسها في توقف معطياتها على صعيدي التنظير الفلسفي وتطبيق الايديولوجيا المرتبطة بها المتعايشة معها في تفكك الاتحاد السوفييتي القديم.، ولم يعد للماركسية ذلك التاثير الحداثي الذي يماشي متغيرات العصر.

المفارقة غير المتزنة لدى ليوتار وفلاسفة ما بعد الحداثة من الذين اسقطوا فلسفيا وليس تاريخيا ما اصطلح عليه السرديات الكبرى التي تشمل بعض أو غالبية مدونات التاريخ والديانات والسياسة والعقائد الاخرى. أنها عاجزة ليس عن إعطاء البديل وحسب بل العاجزة عن تبيان حقيقة وهم دفن هذه السرديات بمجرد ادانتها فلسفيا رغم حقيقة حضورها الذي لم يمت بصورة مباشرة وغير مباشرة على ارض الواقع لعل ابرزها سردية الاديان.

لا نقول لا زالت الماركسية تحتفظ ببريقها الفلسفي الايديولوجي في مناحي تنظيرية تنبؤية كانت خاطئة لكنها على الاقل لم تسحب معها فقدان حضورها المؤثر في المعاصرة وتقاطعها في الكثير مما طرحته معاصرة ما بعد الحداثة فالماركسية  لم تسحب لحد الآن تابوت دفنها معها في منحى الاشتراكية مثلا.

وهذا ينطبق على عديد من سرديات اسقطتها الفلسفة البنيوية اعتسافيا من تشكيلة التاريخ الانساني الحضاري التي سادت عقودا طويلة. فمثلا عندما نحكم على مراسيم الانتهاء من دفن موت الماركسية نجد انفسنا مع غيرنا من حفاري القبور فلاسفة ما بعد الحداثة يصطدمون بجدار التجربة الصينية بكل عنفوانها الشاخص امام انظار الجميع المدافع عن قيم اسقاط السرديات الكبرى في احياء معاصرة زائفة تلوي حقائق حياة الارض في تسويق فلسفتها العدمية باسم مصادرة الحداثة نفسها.

لو نحن جربنا وفعلت ما بعد الحداثة الخروج من قوالب التفكير النظري الفلسفي الى وقائع الحياة والتاريخ لوجدنا أن حاضر ومستقبل البشرية يحتاج انماطا اشتراكية اليوم وفي المستقبل اكثرمن اوضاعه المتردية في القرن العشرين الفائت وسط تسارع تضخم الفقر والامراض اليوم بمتواليات هندسية لا يمكن السيطرة عليها ولا يمكن ايضا التنبؤ بنتائجها الكارثية. ومثلها تفشي الفقر والحاجة الى المياه العذبة وامتدادات التصحر المرافق له إرتفاع درجة حرارة الارض والتغيرات المناخية التي تنذر بمستقبل كارثي منظور وبيل، كما يأتي في آخر قائمة إنحطاط عصر ما بعد الحداثة وقوفها المتفرج العاجز امام انعدام القيم الانسانية والاخلاقية عالميا.

صحيح جدا واقعي لا يمكن نكرانه أو التنكر له أن العالم الغربي يعيش بافضل العوالم الممكنة على حد تعبير لايبنتيز، لكن هذا لا يعني أن المركب الذي يستقلونه سوف لن يغرق بعوامل بناء سعادة بعض شعوب الارض نفسها على بؤس وشقاء الاخرين.أجد رغم أفول نجم الماركسية في بعض تجارب تطبيق فاشلة لا يمكن أن تكون مانعا في حاضر ومستقبل البشرية حاجتها الضرورية الى نظم اشتراكية تؤمن موارد الغذاء للشعوب الفقيرة مع إطراد التكاثر السكاني غير المسيطر عليه هو الاخر في بلدان العالم الثالث قاطبة.

الميراث الفلسفي التاريخي لما بعد الحداثة

بعض فلاسفة الفراغ الفلسفي المتحذلقين الذين يستهويهم الغرق في معاكسة الحقائق السيسيولوجية الانسانية يرجعون  ميراث ما بعد الحداثة الى بيكون ، ديكارت، سورين كيركجورد، وليس انتهاءا بنيتشة وهيدجر. رغم كل الجهود الفلسفية والفكرية التي يبذلها يورغن هابرماس لحد الآن بأن العالم الغربي لا يزال يعيش عصر الحداثة وليس هناك من سند غير إعتباطي التبشير بالدخول في مرحلة ما بعد الحداثة وما بعد بعدها ايضا ودول الحداثة تراوح في مكانها الذي لا تبارحه في عدم حصول تجديدات فلسفية تحسب لها تاريخيا..

بضوء طرح هابرماس المتزن فلسفيا الذي يرغب مسار التاريخ الانساني بمجمله يتخذ مجراه الطبيعي دونما الدخول المتقاطع إعتسافيا عليه  بقطوعات فلسفية طارئة وطاردة لما يمكن أن يكون تاريخا انسانيا تعيشه البشرية وليس قطوعات اعتباطية تتباهى بتطرفها البائس الفارغ من المحتوى. الذي يقود الى العدمية والتشاؤمية في وجوب اسقاط مركزية الانسان والذات، اسقاط هيمنة العقل في التفكير واحتقار العلم خاصة في مجال التكنولوجيا، كما هو الحجر غير المبرر على أن العلم ذاته قاد البشرية الى حروب متطاحنة في القرن العشرين بفضل إختراعاته نتيجة تفاقم الهوس الصناعي التكنولوجي. كما ومن مباديء ما بشرت به ما بعد الحداثة : "موت الفن، موت الحركة الانسانية، العدمية، الغائية التاريخية، تجاوز الميتافيزيقا" 1

تطرف البنيوية بالنيابة عن ما بعد الحداثة

في تداخل مباشر مع تيار ما بعد الحداثة نجد الفلسفة البنيوية إختلقت تطرفا فلسفيا يماشي نزعة تطرف ما بعد الحداثة أنها أي البنيوية أسقطت وصادرت جميع المفاهيم التي شكلت تاريخ الفلسفة الخاطيء بمجمله بحسب إدعاءاتها، بعدما صادرت أن تكون فلسفة المعرفة التي نادى بها ديكارت هي فلسفة العقل الاولى لتحل فلسفة اللغة محلها، ثم اتهمت اللغة أنها خانت تاريخ الفلسفة وسهلت اغتياله بالخواء التعبيري المغلوط في تداول قضايا لامعنى فلسفي لها. كما فتحت البنيوية باب فلسفة اللغة والتحول اللغوي لكي تاتي البنيوية بجديد ينهي تاريخ الفلسفة الخاطيء في غالبية مباحثه التقليدية الخاطئة القارة،.

حاولت البنيوية إعادة انثروبولوجيا الانسان الى وضعه الصحيح حين إعتمد شتراوس أهمية اللاتاريخ اثنولوجيا الاقوام البدائية في بحثه عن جينالوجيا الوجود اللغوي الانساني التاريخي في تحري كيف توصل الانسان اختراع لغة الصوت التي تعتبر اللبنة الاولى التي مكنّت الانسان أن يعمل تفكيره بنظام يقوم على اركيولوجيا التاريخ في تصنيع حضارته وفهمه تاريخ انثروبولوجيا الانسان بشكله الطبيعي، كما هاجمت البنيوية العقل والمعرفة والعلم وإعتبرتها مرتكزات زائفة إستحوذت على تاريخ الانسان وادخلته مساره العلمي الصناعي التدميري الخاطيء، توجه كل من التوسير وشتراوس وفوكو مهاجمة الماركسية السردية الكبرى التي ضللت البشرية واوقعتها في تناقض ايديولوجي وتنافس سياسي أذكى مصادرة مسار التاريخ الصحيح في إعتماد اقتصاد متكامل وسياسة لا تمجد التصنيع النووي والتلويح المستمر بشن الحروب، هاجمت البنيوية مندفعة بتاثير ما بعد الحداثة علم النفس الفرويدي في فلسفة جان لاكان، وأجهزت على أن تكون اللغة مبتدأ المعرفة في إعادة كل شيء الى مساره الطبيعي وهذا لا يتم ما لم يتوفرعلى نظام جديد آخر يعيد مفهوم اللغة الحقيقي ليتسنى مراجعة وتصحيح مسارات الخطأ في مناحي عديدة كان تضليل اللغة وراءها حسب زعمهم الفلسفي في التاويلية والتفكيكية والعدمية..

نجد في الوقت الذي أجهزت البنيوية على الماركسية لم تنس جرفها الوجودية معها لتفتح البنيوية طرائق تفكيرفلسفي للامعنى مثل انبثاق تيارات فلسفية منها التاويلية، والتفكيكية، والعدمية. والوضعية المنطقية التجريبية، الوضعية المنطقية التحليلية الانجليزية وهكذا غدت الفلسفة تتداخل مع نزعات لا تؤمن بها مثل محاولة تكاملها مع العلوم الطبيعية، الاقتراب من لغة الحياة العادية التي كانت تعتبرها العدو اللدود للفلسفة وهكذا ادخلت البنيوية بتأثير ما بعد الحداثة عالم الانسان في نفق الى اين؟ وكيف الخلاص؟ ومتى النجاة؟.

ركائز فلسفة ما بعد الحداثة

ايهاب حسن أحد مفكري ما بعد الحداثة يحاول تلخيص افكار ما بعد الحداثة بحيادية منصفة لها يسطرها بعدة ثوابت فلسفية تنظيرية :

1- يعتمد تيار ما بعد الحداثة  تجاوز الطبيعة الانسانية للحياة الارضية بصورة عنيفة، حيث تتجاذب قوى الرعب والمذاهب الشمولية، التفتت، التوحد، الفقر، والسلطة.2

رغم هذه الادعاءات الشعارية لما بعد الحداثة لم تحقق كما ولم تبشرما بعد الحداثة بواقعية ماهي البدائل لتعدد هذه الادانات.؟ في التمرد على الواقع الانساني المدان بالعنف الذي تتجاذبه قوى الرعب والمذاهب الشمولية التي استفحل فيها الفقر والتفتت والتطرف بأكثر الاساليب قسوة وحشية. اطروحات تيار ما بعد الحداثة ايقظ بشكل غير مسبوق نظريات فلسفية ادخلت الانسان فعلا في متاهات الضياع والتوحد والعدمية التي ادانتها. في الانكماش نحو المركزية الذاتية لها في خلق عوالم فلسفية من الاجترار القائم على تشعبات فلسفة اللغة بانغلاق انفصامي عن الحياة.

2-  ينسب لتيار ما بعد الحداثة مرتكزا اورده ايهاب حسن " ينبع تيار ما بعد الحداثة من الاتساع الهائل للوعي من خلال منجزات التكنولوجيا التي اصبحت حجر الاساس في المعرفة الروحية في القرن العشرين، ونتيجة ذلك اصبح ينظر للوعي على انه معلومات، والتاريخ على انه حدوث وتلك رؤية تتعارض ظاهريا" 3.

لو نحن أمعنا النظر بهذه المقومات الارتكازية لما بعد الحداثة لوجدناها في ماض فلسفي استهلك نفسه في القرن العشرين وأشبع إدانة وتحليل فما الجديد اذن؟ فمثلا تغييب الوعي الروحي في استلاب التعاظم التكنولوجي وحضارة الاستهلاك السريع اكتشفها تيار ما بعد الحداثة للمرة الاولى؟ هذه الاشكالية كانت فاعلة شغالة منذ بدايات القرن العشرين . وتوجد الان معالجات لها خارج اطار فلسفة ما بعد الحداثة وخاصة عند فيلسوف الحداثة هابرماس، في معالجته خلق توليفات تعيد للروح استلابها واغترابها من هيمنة التكنولوجي ، وكذلك خلق توليفة تواصلية تجمع تنوع السردية الدينية مع الفكر الفلسفي والعلمي. وقد بدأت هذه المسارت في روما حصريا وبمعونة وتشجيع كنيسة الفاتيكان.

3- "يتدبر تيار ما بعد الحداثة في نفس الوقت انتشار اللغة كمقوم انساني وفي علمية الخطاب والعقل"4، رغم التناقض البادي على العبارة مع سابقتها أعلاه نقصر تعقيبنا النقدي لها بالتالي المقتضب:

– الفلسفة البنيوية في اول ظهور لها حول فلسفة اللغة والتحول اللغوي كانت على يد شتراوس 1905، البنيوية الابن الشرعي لتيار ما بعد الحداثة فتح ابواب فلسفة اللغة ونظرية فائض المعنى اللغوي لتدخل جميع الفلسفات التي اعقبتها نفق اللامعنى واللاجدوى والعدمية والتمركز حل الذات اللغوية بتطرف مدان يوازي الحياة والواقع وعلى راس هذه التيارات الفلسفية التاويلية لدى بول ريكور  والتفكيكية عند جاك دريدا وما تبعها من تيارات عدمية تشاؤمية "جياني فاتيميو" استلبت الوعي الانساني تحت مسمى تصحيح اخطاء تاريخ الفلسفة من البدء بتصحيح اخطاء اللغة اولا.

- ادعاء تيار ما بعد الحداثة السعي الوصول الى لغة انسانية وعلمية الخطاب فهي عبارات إنشائية تضليلية تناقض صميم توجهات ما بعد الحداثة في إنكارها العقل والعلم والذات والانسان والسرديات كمرجعيات إهتمام لديها. والمناداة بانتشار اللغة كمقوم انساني كما تدعي ما بعد الحداثة انجبت لنا تيارات فلسفية راديكالية عمدت وضع النسق اللغوي الخاص باللغة في موازاة انفصالية عن المجتمع وهموم ومشاكل الانسان الذي يعانيها.

4- في المقوم الرابع لما بعد الحداثة كما ورد على لسان ايهاب حسن " يمكن التمييز بين ما بعد الحداثة في الاداب وما سبقها من حركات طبيعية كالتكعيبية، والمستقبلية، والدادئية، والسريالية، اذن يوحي ما بعد الحداثي كنمط جديد من التقاء الفنان بالمجتمع" 5 أجد في إحياء مثل هذه المدارس الفنية المهووسة بالتجريد والفنطازيا واللامعقول والخروج على السائد المالوف اشبعت ادانة في تغاضيها عن قضايا الانسان والاشتغال على اشكال من التغريب الفوضوي للوعي الانساني في تذوقه الفني الاستهلاكي للفن والجمال في الحياة.

ثم كيف يتحقق طموح ما بعد الحداثة في التقاء الفن بالمجتمع على حد تعبيرها؟ العبارات الانشائية الفارغة من المعنى الحقيقي لا تفسر تاريخ الفن بالتنظير، بعدما اصبحت الفنون التشكيلية خارج اهتمامات المتلقي وبقيت صالونات المزايدة النخبوية المالية الكاذبة تتاجر في تسليع الفن هي الرائجة وليس بمقدور الدعوة لاصلاح مسار الفن الفوضوي الا بمسارات فنية تتصدى للتقاطع مع مثل هذا التوجه العدمي العبثي. لذا لا تكفي الادانة الفلسفية في وضع اشكاليات الفن في نصابها السليم الصحيح ولا معنى لها وتفتقد الرصيد الواقعي غير المتحقق في الطموح الافتعالي.

5- النقطة الخامسة الاخيرة في مرتكزات ما بعد الحداثة حسب ايهاب حسن " يتطلع تيار ما بعد الحداثة الى الاشكال المفتوحة، المرحة، الطموحة ، الانفصالية غير المحددة لتكوين خطاب مؤلف من شظايا، او تكوين عقيدة التصدع والتفكيك " 6. لا أعتقد كما غيري لا يعتقد ايضا أن في نكران الانسان والعقل والعلم والتفكير المتزن في معالجة اشكاليات التراكم الثقافي والفني الذي يدعو له تيار ما بعد الحداثة ينسجم ويتطابق مع طموح طوباوي غير جاد في إستحضاره اشكالا مفتوحة على المرح غير المحدود المكوّن من تشظيات عقائد التفكيك والتصدع لتجاوز المحدودية. هل مثل هذه الطروحات يمكن تحقيق النزراليسير الضئيل منها وهي تعيش التناقض الذي يعتمل بداخلها في تغييبها الوعي الناضج. ما معنى تجميع افكار فلسفية من شظايا؟ ما معنى اللجوء الى تكوين عقيدة من التصدع والتفكيك؟ ويوجد حتما ما إستساغ هضم مثل هذه الترهات الفلسفية فأنتج لنا تيارات فلسفية تقوم على مرتكز تقويض وتصدع وتفكيك لا محدود ولا نهاية له إبتغاء الوصول الى تجميع خطاب من شظايا...؟

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..............................

الهوامش:

1 – 6: الصفحتان 27، 28/ الحداثة وما بعد الحداثة /د. طلعت عبد الحميد، د. عصام الدين هلال، د. محسن خضر.

 

 

 

حاتم حميد محسنان دراسة الفلسفة الأخلاقية يجب ان تمكّن الناس كي يصبحوا أفضل حالا. انها يجب ان تمنح القدرة على فهم الطرق التي تؤثر بها أفكارنا وأفعالنا على الآخرين. كذلك يجب ان تجعلنا نرغب في التصرف الجيد حتى عندما لا نكون دائما قادرين على ذلك. اذا كانت دراسة الفلسفة الأخلاقية لا تنتج أي من هذه النتائج، فنحن بالتأكيد يجب ان نسأل عن الفائدة منها؟

ارسطو لاحظ ان الموسيقيين يستطيعون ان يصبحوا موسيقيين فقط  من خلال العزف على الأدوات الموسيقية. ومثلما نسأل عن الهدف من تعلّم نظرية الموسيقى دون استخدام  آلة موسيقية، كذلك نستطيع السؤال ايضا عن فائدة مناقشة النظريات الأخلاقية اذا لم يكن لها أبدا أي  تأثير على أفعالنا. اذا كانت النظرية منفصلة عن التطبيق، فما هو الغرض منها؟

هل الفلسفة الاخلاقية تنجز أهدافها؟

يُنظر دائما الى الفلسفة باعتبارها غير ملائمة عندما تصبح دراستها الاكاديمية  ضيقة ومنعزلة ويصعب الوصول اليها ومنفصلة عن غرضها الأصلي. هذا بالذات يُعتبر هاما عندما يتعلق الامر بالفلسفة الاخلاقية، لأنه عندما يصبح هذا الحقل منفصلا عندئذ فان النمو الأخلاقي للأجيال القادمة  سيصبح عرضة للخطر. في المسرحية الكوميدية التلفزيونية (المكان الجيد)،2016-2020 ، يوضح احد الشخصيات المشاكل التي تبرز من فصل الفلسفة الاخلاقية عن الفلسفة التطبيقية.  Chidi (شيدي) وهو بروفيسور لامع يحب القراءة ولديه موسوعة معرفية في الفلسفة الأخلاقية عبر التاريخ، يخصص كل حياته فقط لدراسة الفلسفة الاخلاقية وان معرفته المكثفة تجعله يحسب كل نتيجة ممكنة، الواجب، والنية في كل مرة يحتاج فيها الى إتخاذ خيار، ولهذا السبب فهو في الحقيقة لم يكن قادرا ابدا على عمل اي قرار أخلاقي. مشاهد  المسرحية مضحكة لأنها تجعل هناك فجوة بين الفلسفة الاخلاقية والممارسة الاخلاقية تبدو كأنها سخافة ساخرة، لأنه عندما يفكر (شيدي) بالنتائج الأخلاقية لكل مادة في قائمة الطعام، فان النادل يجب ان يأتي خمس مرات قبل ان يقرر شيدي نوع الطعام المطلوب. تلك الفجوة تثير اسئلة خطيرة حول الطريقة التي  تُدرس وتُدرّس فيها الفلسفة الأخلاقية.

هل الفلسفة الاخلاقية تجعلنا أفضل حالا؟

عند شراء الطماطم من بائع الخضار يعني اننا وبلا قصد ندعم مبيدات الآفات السامة، استغلال القوى العاملة، وكذلك المساهمة في الإحتباس الحراري. الانسان يعتقد انه يعمل خيارا واحدا، لكنه في الحقيقة يعمل العشرات من الخيارات التي لا يعلم انه يتخذها (ميخائيل،المكان الجيد).

الفلسفة الأخلاقية يجب ان تكون احدى اهم الموضوعات التي يدرسها أي شخص. ومثلما يذكر الشخصية المسرحية (ميخائيل) أعلاه، فان العولمة، التصنيع،الرأسمالية ، الى جانب عوامل اخرى، تجعل العالم غير مؤكد أخلاقيا. انه تحدّي لأي شخص في ان يحكم بدقة على النتائج والتداعيات الاخلاقية لأفعاله بالتركيز على تاثيراتها، وفي ان يكون كل من لديه ضمير قادرا على التصرف الجيد.

اذا اريد للفلسفة الاخلاقية ان تكون فعّالة في مساعدتنا لنصبح اناسا أفضل، فهي يجب ان تبدأ بهذا النوع من التحديات. انها يجب ان تعلّمنا حول تأثيرات القضايا الواقعية بالتفصيل لكي يمكن وبمعرفة هامة وملائمة إيصال عقائدنا الاخلاقية وافعالنا .

تعلّمنا من التجربة بان مناهج الاخلاق التدريسية تميل لتبدأ بالتجريد عبر طرح اسئلة عامة حول ماهية الاخلاق وكيف نعرف الصحيح من الخطأ، ايضا تطرح تلك المناهج تجارب فكرية لايمكن ابدا ان تحدث في الواقع. هي تجسّد نظريات اخلاقية تاريخية تقريبا لا احد يعيش بها مباشرة اليوم، عادة بدون أي احالة لسياقاتها التاريخية، ومن ثم تسأل الطلاب توضيح كيفية استعمال تلك النظريات التاريخية في الاستجابة للسيناريوهات الافتراضية. نحن نكتسب من هذا معرفة في النظريات الاخلاقية وفي الفلاسفة الذين أوجدوها، بالاضافة للمفردات التقنية لتوضيح المفاهيم الأخلاقية. لكن يجب ان نسأل : كيف يساعدنا هذا لنصبح اناسا افضل؟

تنقسم الفلسفة الاخلاقية تقليديا الى اربعة فروع: الأخلاق الفوقية meta-ethics – تتعلق بماهية  الاخلاق، والاخلاق المعيارية وتصف كيف يجب ان نتصرف ولماذا، والاخلاق الوصفية – وتدور حول ما يعتقد به الناس حقا من حيث الصحيح والخاطئ، والاخلاق التطبيقية applied ethics والتي تضع النظرية موضع التطبيق. فقط عندما ندرس الاخلاق التطبيقية يصبح للطلاب فرصة لدراسة القضايا الملائمة المباشرة لحياتهم. غير ان مستوى العمق الذي تغطي فيه هذه القضايا هو محدود بسبب متطلبات دراسة الفروع الثلاثة الاخرى من الاخلاق ايضا، لذا فان المعرفة المكتسبة هي عادة ليست هامة بما يكفي لمعالجة هذه القضايا بكفاءة. كذلك، النظريات التي يدرسها الطلاب ليطبقوها على القضايا هي عادة تاريخية. وهكذا، هم سيكون من الافضل لهم تطبيقها على سياقاتها التاريخية المحددة.

النظريات الاخلاقية التاريخية مثل النفعية والاخلاق الظرفية situational ethics لم تتشكل بعزلة، انها عكست عقائد مناصريها استجابة للقضايا الاخلاقية في زمانهم. المؤسسون الأصليون للنفعية الكلاسيكية، جرمي بنثام (1748-1832)، وجون ستيوارت مل (1806-1873) كانا كلاهما نشطين متحمسين للاصلاح السياسي، يتحدثان عاليا في زمانهما عن قضايا الحقوق مثل الحاجة للديمقراطية، وحقوق الحيوان، ومناهضة العبودية، وحق الاقتراع للمرأة. خصيصا، (مل) تحدّى بقوة القانون في ذلك الوقت الذي أعلن بان المرأة ليس لها حق التصويت طالما هي ممثلة بزوجها. النفعية، التي تدعو بان افعالنا يجب ان تضاعف السعادة الكلية، تعارض بوضوح مثل هكذا قانون. جوزيف فليتشر (1905-1991) مؤسس الاخلاق الظرفية كان رائدا في حقل اخلاق الطب البايولوجي، وان تفكيره قاد الى اتجاه اكثر ليبرالية واقل دوغمائية في القضايا الاخلاقية مثل الاجهاض ومسائل الخصوبة. أخلاقه الظرفية تتجذر في تعاليم المسيح في تشجيع الناس ان لايتصرفوا بطاعة عمياء للأوامر الاخلاقية، وانما من الحب نحو الآخرين. غير انه، في الفلسفة الاكاديمية،تُدرّس النظريات الاخلاقية بعزلة، قبل ان تُطبّق على القضايا وبدون فائدة كبيرة. هذا يفسر لماذا لا احد تقريبا يعيش مباشرة في هذه النظريات اليوم. الاسئلة المجردة الخالصة ستكون لها أجوبة مجردة خالصة. ولكن عندما تُطرح الاسئلة بعزلة، مثل "كيف نعرف الصحيح من الخطأ"؟ و "كيف يجب ان نعيش حياتنا؟" تكون اسئلة مجردة ، وعندما يُجاب عليها بعزلة فسيقود ذلك الى أجوبة مجردة. وبالتالي، النقاشات الفلسفية التي تقارن حسابات بنثام في المتعة مع الاخلاق المطلقة لكانط، او حول ما اذا كانت الاقوال الاخلاقية مسائل للحقيقة ام انها فقط تعبيرات عن العقيدة، يُحتمل كثيرا ان تكون  خالصة نظريا دون أي علاقة لها مع الحياة الواقعية. وهكذا،ينهي الطلاب دراستهم بأفكار ليست أفضل مما كان لديهم قبل ان يبدأوا كيفية معالجة التحديات الاخلاقية التي يواجهونها عمليا.

ماذا نحتاج للتغيير؟

الفلسفة الاخلاقية يجب ان تعطي طلابها الفرصة ليصبحوا افضل الناس، وفي عدة طرق انها تفشل بالقيام بهذا. الفلسفة الاخلاقية يمكنها استعادة سمعتها لتصبح موضوعا ذو أهمية كبيرة. ولكي يحدث هذا، تُطرح التغيرات الثلاثة التالية:

1- يجب ان لا يكون هناك فرق بين الاخلاق والاخلاق التطبيقية. الاخلاق التطبيقية لا يجب النظر اليها كفرع من الاخلاق. بدلا من ذلك، الاخلاق والاخلاق التطبيقية يجب ان ينظر اليهما كشيء واحد.

2- جميع دراسة الاخلاق يجب ان تبدأ بقضايا الحياة الواقعية بدلا من البدء بافتراضات من خلال تجارب فكرية، وتعريفات مكثفة للغة فلسفية او نظريات أخلاقية تاريخية.

دراسة القضايا الاخلاقية للحياة الواقعية يجب ايضا ان تتأسس على هيكل قوي من المعرفة الحالية، لكي يستطيع الطلاب تطوير فهم دقيق لآثار وتداعيات رؤاهم وافعالهم.

3- نظريات الاخلاق التاريخية لا يجب ان تُدرس بعزلة، ولايجب ان تُطبّق عشوائيا على قضايا الحياة الواقعية. بدلا من ذلك، هذه النظريات يجب تدريسها ضمن اطار من سياقها التاريخي. كذلك، عقائد الطلاب الاخلاقية يجب ان ترتكز على استجاباتهم الشخصية لقضايا الحياة الواقعية، لكي  يتحفزون للعمل بها.

 

حاتم حميد محسن

 

بُنية الفِعل الاجتماعي تستند إلى تحقيق الذات، وتعتمد على توفير السِّيادة، مِمَّا يُؤَدِّي إلى إفساح المجال لتعبيرِ الإنسان عن كِيانه، وتفعيلِ أحلامه، وإشباعِ رغباته، وامتلاكِ السِّيادة على الفِعل الاجتماعي في المنظومة الثقافية، والتَّحَكُّمِ بالفاعلية الأخلاقية في حركة التاريخ . وإذا خَضَعَ الفِعلُ الاجتماعي للفِعل الثقافي، فإنَّ مُجْتَمَعًا جديدًا سَيَظهر، مالكًا حُرِّيته، ومُتَحَرِّرًا مِن تأثير المصالح الشخصية التي يتم تقديمها كمصالح عامَّة للسَّيطرة على العقل الجَمْعي، وخِداعه، وأدلجته، وتوجيهه نَحْو تكريس مُسلَّمات فكرية افتراضية، لا حقيقة لها على أرض الواقع، وتجذير لوازم اجتماعية لَيست بلازمة، مِن أجل الهَيمنة على الخِطَاب الاستغلالي، وصَبغه بهالةِ الإنسانية، والهَيمنة على مسارِ الشُّكُوك، وصَبغه بهالةِ اليقين . وهذه الأوهامُ المُتكاثرة لا يُمكن كَشفها إلا بنقل اللغة من النظام الرمزي إلى المنظومة الاجتماعية، لأنَّ اللغة هي الكَوْن العقلاني الذي يَمتلِك الآلِيَّاتِ المعرفية، والأدواتِ الإبداعية الكاشفة عن قواعد المنهج العِلْمي في بُنية الفِعل الاجتماعي . والانتقالُ اللغوي مِن النظام إلى المنظومة يعني تحويلَ قوانين اللغة وقواعدها إلى أفكار لتغيير المجتمع، ومبادئ لتوليد التاريخ بشكل مُستمر، فتتجمَّع العناصرُ الاجتماعية المُشتَّتة وتَعمل في إطار واحد، يمتاز بالتجانس الفكري والترابط المنطقي . والانتقالُ اللغوي من التفاعل الرمزي إلى التفاعل الاجتماعي يعني تحويلَ العوالم الذهنية المُجرَّدة إلى سُلوكيات فردية، ومفاهيم واعية لإعادة إنتاج الكَينونة الإنسانية المُبدِعة، فتتجمَّع الأفكارُ الفردية المُبعثرة، وتنتقل من العَالَم الداخلي (داخل الإنسان كشخص وحيد) إلى العَالَم الخارجي (داخل المُجتمع كشخصية اعتبارية)، من أجل صناعة المعنى، وتوظيفه لتحليل السِّياقات الاجتماعية الخاصَّة والعامَّة .

2

مركزية اللغة في البناء الاجتماعي، الداخلي والخارجي، مرتبطةٌ بشكل وثيق بحاجة الإنسان إلى الانتماء، فالإنسانُ لَيس كُتلةً مُعلَّقة في الفراغ، وإنَّما كَينونة كامنة في أعماق الوجود، ومُنعكسة على سَطْحِه، وهذا يعني أن الإنسان يتحرَّك وَفْق مُستويَيْن، باطني (جَوهري) وظاهري (عَرَضي)، وهذه الحركة تُولِّد القُوَّةَ الدافعة لأفكاره ومشاعره،وتَجعله يَرغب في اكتشافِ نَفْسه،وإيجادِ مَعْناه،والاقتراب مِن حقيقته قَدْرَ المُستطاع. وفلسفةُ الأحداثِ اليَوْمِيَّة تُمثِّل فُرصةً للإنسان للابتعاد عن أوهامه، والاقتراب مِن مَعنى الحياة، والوصول إلى وجهه العاري مِن الأقنعة . والحياةُ سَفَرٌ مُتواصل مِن الداخل (التَّأمُّل الذاتي) إلى الخارج (التطبيق الواقعي)، مِمَّا يُؤَدِّي إلى تَوحيد الأبعاد الإنسانية المُرتبطة بالسُّلوكِ (الفِعْل الفِطْري) والتجربةِ الثقافية (الفِعل القَصْدي)، وسيطرةُ الثقافة على السُّلوك تُنتج الفِعْلَ الاجتماعي، الذي يُمثِّل حركةً إراديةً لتحقيق هدف مُحدَّد وغاية مُعيَّنة. وبما أنَّ الذوات الإنسانية كِيانات واعية، والظواهر الثقافية مُنْتَجَات اجتماعية، فإنَّ اللغة (سِلاح الإنسان الفَعَّال) سَوْفَ تتكرَّس كمُجتمع مُتكامل ومُتجانس، وقادر على احتضان الأحلام الفردية والآمال الجماعية .

3

انتقال اللغة عبر العوالم الفكرية والظواهر الثقافية والتجارب المعرفية،يحتاج إلى وسيط بين العُمْق الرمزي والسَّطْح الاجتماعي، لأن البُنى الاجتماعية الظاهرية انعكاس للنشاط الذهني الباطني، ولا يُمكن فهم الإنسانِ والمُجتمع إلا بفهم العلاقة بينهما، لأنَّ طبيعة هذه العلاقة تَكشف عن الأفكارِ المُتعلِّقة بالفِعل الاجتماعي، والمعاييرِ المُرتبطة بالظاهرة الثقافية، والحقائقِ المُتفاعلة معَ مَضمون التفاعل الرمزي، باعتباره منهجًا مركزيًّا، وآلِيَّةً للفهم والتحليل، وأداةً للتواصلِ معَ الذات، وتَوصيلِ المَعنى إلى الآخَر . وهكذا، تتشكَّل إفرازاتُ اللغة في إطار التواصل الاجتماعي . وبما أن الإنسان يتعامل معَ المواضيع اعتمادًا على تجاربه الذاتية ومَعَانيه الشخصية ومَعَاييره الأخلاقية، فإنَّ ماهيَّة المواضيع ستكون نِسبية لا مُطْلَقَة، والمعنى الكامن وراء السلوكيات الفردية سيكون مُتَغَيِّرًا لا ثابتًا . وكُلُّ إنسان يَمتلك حياةً فكرية خاصَّة به، ويُحاول إثباتَ وُجوده وَفْق منظوره الفكري وزاوية رؤيته للأحداث.واختلافُ الأحكام من إنسان إلى آخَر يَجعل المصادرَ الثقافية للفِعْل الاجتماعي مُختلفة، وإذا اختلفت أحكامُ الفاعل، اختلفت صِفاتُ الفِعل .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

محمود محمد علييشدد فوكو على أنه لا يريد استعراض تاريخ الطب النفسي، وإنما تاريخ الجنون نفسه «في عنفوانه، قبل أن تكبح المعرفة جماحه» ولكن، ما هي التواريخ، أو على حد تعبيره، ما هما الحدثان اللذان سيستند إليهما في بحثه؟ "١٦٥٧" (في الواقع ١٦٥٦): "إنشاء المستشفى العام والاحتجاز الكبير للفقراء"، "١٧٩٤" (في الواقع ١٧٩٣): "إطلاق سراح المُكبَّلين في بيسَتْر". إنهما حدثان يشكلان بالطبع (ضمن وقائع أخرى) لحظاتٍ حاسمةً في تاريخ الاعتقال، ومن ثم في تاريخ الطب النفسي.

بين هذين التاريخين، كان هناك انتقال «من تجربة القرون الوسطى والخبرة الإنسانية في شأن الجنون إلى تلك التجربة المستندة إلى خبرتنا الخاصة، والتي تؤطر الجنون ضمن حدود المرض العقلي. إبَّان العصور الوسطى وحتى عصر النهضة، كان الجدل الدائر بين الإنسان والخَبَل جدلًا دراميًّا يضع الإنسان في صدام ومواجهات مع القوى الصماء في العالم؛ وهكذا كانت تجربة الجنون محفوفة بالصور المتعلقة بالسقوط والكمال، والوحش، والتحول، وبجميع أسرار المعرفة المثيرة للدهشة. أما في عصرنا الحالي، فإن تجربة الجنون يغلفها الصمت ويحيط بها هدوء المعرفة التي نَسِيتْها بعد أن استغرقت في بحثها وعرفت عنها الكثير.» نستنتج من ذلك أن الجنون «السابق».

أي الجنون النابع من الحُمْق (الاختلال العقلي في العصور الوسطى)، كان ذا طبيعة خاصة وبنية مختلفة جذريًّا عن الجنون "اللاحق" النابع من العقل (العقلانية في العصر الكلاسيكي). هذه المقدمة، التي تنتهي على ذلك النحو، ليست إلا تمهيدًا لبرهان تاريخي طويل أفضى، في الجزء الأول، إلى كتابة أطروحة نالت شهرة واسعة عن "الاعتقال الكبير" - وهو تعبير أوجده ميشيل فوكو عبر مصطلح "الاحتجاز" التاريخي - حيث قررت السلطة المَلَكية، باسم العقل، أن تسجن، سياسيًّا، المجنون.

الفصل الأول من الجزء الأول يعنونه فوكو بــ "سفينة الحمقى" وفيه يرصد بدايات تأريخه للجنون في العصر الكلاسيكي حيث ينطلق بنا من نهاية الجذام مع نهاية العصور الوسطى. يقول فوكو "اختفى الجذام، وتوارى المصاب به أو كاد من الذاكرة، إلا أن بنياته ستستمر فستشهد الأماكن ذاتها نفس لعبة الإقصاء (يعني مع المجانين) قرنين أو ثلاثة بعد ذلك. فقد حل الفقراء والمشردون والخاضعون للإصلاح والمرضى عقليا محل المصاب بالجذام...». وسفينة الحمقى هذه هي إحدى الأساطير في ذلك الوقت وهي تقول ان هناك سفينة غريبة جانحة مليئة بالحمقى تنساب في الأنهار الهادئة لنهر ريناني والقناطر الفلامية. هذه الأسطورة كما يشير فوكو كان لها وجود حقيقي فالمجانين كانوا يطردون من المدن على ظهر هذه السفن (16).

والفصل الثاني: "الاعتقال الكبير" يفتتح فوكو الفصل بعبارة مهمة يقول: لقد أعاد عصر النهضة إلى الجنون صوته، ولكنه تحكم في مصادر عنفه، وسيأتي العصر الكلاسيكي لكي يسكت صوته بقوة غريبة. في عصر النهضة كان العقل واللاعقل مجتمعة بمعنى أنه لم يكن هناك رفض صارم لـ «اللاعقل» كان هناك شعراء مجانين وأدب مجنون إلا أنه في القرن السابع عشر استبعد الجنون نهائيا من الساحة (17).

وفي الفصل الثالث وعنوانه: "عالم الإصلاحيات": الحجز والسجن أصبح هو التصرف مع المجانين كان هذا هو الحل الذي اهتدت إليه مخيلة الفترة الكلاسيكية فقد أصبح هو المكان للخلاص من الخطايا ضد الجسد والأخطاء ضد العقل. لقد أصبح الجنون رديفا للخطيئة وذاك هو الرابط الذي سيظل ثابتا على مدى قرون بين اللاعقل والذنب (18).

أما في الفصل الرابع فقد جاء بعنوان"تجارب الجنون" يقول فوكو في افتتاحية الفصل: منذ أن أنشئ المستشفى العام، ومنذ أن فتحت دور الحجز أبوابها في ألمانيا وانجلترا، إلى نهاية القرن الثامن عشر، لم يتوقف العصر الكلاسيكي عن الاعتقال . اعتقال المنحرفين والمبذرين والأبناء الضالين، كما اعتقل الذين يمسون المقدسات الدينية والمنحلون والذين (يؤذون أنفسهم) . ولقد رسم، من خلال سلسلة من التقاربات والتواطؤات الغريبة، صورة من تجربته الخاصة مع العقل. دراسة فوكو هذه تعتمد على السجلات والأرقام المتوفرة عن أماكن الحجز في ذلك الوقت، من خلال هذا البعد الكمي تنكشف لنا تجربة الجنون في العصر الكلاسيكي في أحد وجوهها ويستمر فوكو في تتبع بقية الوجوه (19).

وفي الفصل الخامس «الحمقى» يقرأ وجها آخرا للتجربة فحجز المجانين لم يقتصر عليهم بل كان "الحمقى" يسجنون مما يشير إلا أن العقلانية أصبحت متعجرفة ضد كل من لا يتفق معها، لقد اختفى تسامح عصر النهضة . يورد فوكو بعض التهم التي حجز البعض بسببها من مثل «مترافع متصلب»، «مشاكس كبير»، «إنسان سيئ وكثير الشغب» رجل يغني في الليل والنهار ويتفوه بسباب رهيب، «ذهن قلق وحزين وفظ». لم يكن العصر الكلاسيكي يأبه بالتفريق بين الجنون والخطأ، لقد أصبح الجنون جريمة (20).

وأما في الجزء الثاني من الكتاب: يتابع فوكو هذا التحول في الوعي الأوروبي المتحول تجاه الجنون. لم يكن هذا التحول منتظما ومتماسكا ولكنه كان بارزا في عدة أماكن في أوروبا ويشير بشكل جلي إلى هذا التحول الشديد. ولذا يتجه فوكو في الفصل الأول «المجنون في حديقة الأنواع» يتجه فوكو إلى الوعي المباشر لقضية الجنون فكريا وطبيا فقد كان هناك عمل مستمر موجه للجنون تعريفا وفحصا. خذ مثلا هذا التعريف للجنون في القرن الثامن عشر: الجنون هو «الانزياح عن العقل دون معرفة ذلك، لانعدام الأفكار، معناه الغباء . الانزياح عن العقل والوعي بذلك، لأننا تحت نير عبودية هوى عنيف، معناه كون المرء ضعيفا، أما الابتعاد عنه بثقة واقتناع تام، فهذا فيما يبدو هو ما نطلق عليه الجنون». تبدو صرامة العقلانية تجاه الجنون كل ما لا يتفق معها أصبح جنونا يجب أن يحجز ويخفى عن الظهور. يتتبع فوكو بعد ذلك تصنيفات الجنون في القرن الثامن عشر (21)

وفي الفصل الثاني "تسامي الهذيان" يبحث فوكو مسألة الروح وموقعها، بحسب العصر الكلاسيكي، من مرض الجنون. وهنا نتذكر أن في هذا العصر كان هناك جدل فلسفي حول روحانية الروح أو ماديتها. وهو جدل بين تيارات فلسفية مثالية أو وضعية بارزة في ذلك العصر. كان السؤال هل روح المجنون مريضة كجزء من الجسد المريض أم أنها مبدأ مستقل لا ينفلت من إساره سوى تلك الأدوات العرضية والمادية. ويعلق فوكو على هذه الأسئلة أنها أسئلة الفلاسفة، وكان القرن الثامن عشر مزهوا بها، وهي أسئلة هشة بشكل كبير، فكل جواب عنها لا يقوم سوى بإغراقها بالمزيد من الالتباس. يتواجد فولتير في هذا الفصل وموسوعته كممثل بارز لهذا العصر (22).

وفي الفصل الثالث:"أشكال الجنون" يصنف أشكال الجنون في العصر الكلاسيكي في المجموعات التالية:أولا: مجموعة العته ويحضر في أسماء مختلفة: الجنون، غياب العقل، الحماقة، الغباء، مزاج غير سوي. ثانيا: مجموعة الهوس والاكتئاب. المجموعة الثالثة: مجموعة الهستيريا والسوداوية . بالطبع يتابع فوكو تطور هذه التصنيفات ويربطها بالتطور الفكري والطبي وبدلالاتها تجاه الموقف من الجنون (23).

والفصل الرابع "أطباء ومرضى" يبدأه فوكو بملاحظة أن الفكر الطبي والممارسة لم تكن متوحدة في القرنين السابع والثامن عشر، كما هي في العصر الراهن. ثم ينتقل لتتبع التطور الطبي ومعالجة الجنون يبرز منها مجموعة من طرق التطبيب كالتقوية (باعتبار الجنون ضعفا) والتطهير (باعتبار الجنون ناتجا عن تعفن في الداخل) والغطس، بمعنى تغطيس المجنون في الماء إلى أن يفقد قواه وينسى سخطه. وانتظام الحركة ويراد بها إعادة الحركة إلى الذهن والجسد والروح (24).

وفي مقدمة الجزء الثالث يعود فوكو إلى ديكارت، أبو العقلانية، ليبرز ذلك اليقين الذي تشكل ابتداء منه بالتعقل الكامل . كما يكشف عن «الوعي بالجنون» في نص «قريب رامو» وهو نص لديدرو يحكي لقاء في مقهى بين الفيلسوف (أنا) وبين قريب الموسيقار رامو يرى فوكو أن هذا النص متجاوز في فهمه للجنون القرن الثامن عشر وكان يعد بتغير حاسم . ورد هذا في الفصل الأول من هذا الجزء الأخير «الخوف الكبير». لقد اقتربنا من الثورة «الثورة الفرنسية» 1797، التي ستشهد تحولا بارزا في تاريخ الجنون (25).

وفي «التمييز الجديد» عنوان الفصل الثاني يلاحظ فوكو تزايد عدد حالات الجنون في القرن الثامن عشر رغم الحجز مما أدى إلى تخوف كبير من هذا الازدياد. وبالتالي تزايدت تهم الاعتقال بالجنون، ويربط هنا بحالات سياسية متردية، فقد دخلت تهمة جديدة هي تهمة «الانحلال» لاعتقال من لا يمكن وصفهم بالمجانين (26).

وفي الفصل الثالث «في الاستعمال الجيد للحرية». مع الثورة انهار الحجز. لم يعد هناك سجن للجنون لقد صدر القرار ب «إطلاق سراح الذين لم يفعلوا أي شيء يبرر قسوة الأحكام الصادرة في حقهم كارتمائهم في أحضان حياة الانحلال والانحراف والتبذير». أخذ هذا التطور عدة مراحل: الأولى: التقليل ما أمكن من ممارسة الحجز فيما يتعلق بالأخطاء الأخلاقية، والصراعات العائلية والمظاهر التافهة للانحلال مع الإبقاء على المجانين. المرحلة الثانية: مرحلة التحريات الكبرى بعد الإعلان عن حقوق الإنسان مباشرة بحث لا يبقى أحد في السجن إلا وفق القانون وفي الضرورة القصوى أيضا. المرحلة الثالثة: مرحلة التطبيق العملي لميثاق حقوق الإنسان. لن يبقى المجنون في السجن بعد الآن إما أن يفرج عنه بتقرير طبي أو يتحول للمستشفى للعلاج. طبعا كان الخروج من الفكرة السابقة الكلاسيكية يمر بفترة من التردد والتذبذب إلا أنه من المؤكد أن الجنون قد تمكن دون خطر من الدخول إلى لعبة الحوار (27).

والفصل الرابع «ميلاد المارستان» يلقي النور على بداية مستشفيات الأمراض العقلية. هذه المؤسسة الجديدة وصفت في ذلك الوقت «إن الأمر لا يتعلق بإنشاء سجن، بل يتعلق بالأحرى بضيعة كبيرة ذات طابع فلاحي، إنها محاطة بحديقة كبيرة مغلقة . لا وجود فيها لقضبان، ولا وجود لسياج في النوافذ». يتابع فوكو نشوء هذه المشافي في أوروبا والأجواء الاجتماعية التي تكونت في داخلها كما ارتباطها بالأوضاع السياسية والاقتصادية العامة (28).

وفي الفصل الأخير «الدائرة الأنتروبولوجية» هو فصل حرية الجنون بامتياز فمع نهاية القرن الثامن عشر وبدايات التاسع عشر ظهر جنون جديد جنون سيحكي دون كلل مغامرات الحرية . إن ليل المجنون الحديث، ليس هو ليل الحلم حيث تصعد وتتوهج الحقيقة المزيفة للصور، إنها ليلة تحمل معها رغبات مستحيلة وإرادة متوحشة وهي رغبات لا تتمتع في الطبيعة بالقدر الكافي من الحرية. جنون ما بعد العصر الكلاسيكي قصة أخرى ليست مجال هذا الكتاب (29).

هل أردت في هذا العرض إيصال فكرة الكتاب الكاملة للقارئ. ستكون هذه إرادة «مجنونة» بالتأكيد. كل ما أردته لفت القارئ العربي لكتاب مهم عن تجربة إنسانية مثيرة، ترجمه مشكورا باحث عربي قدير.

وختاما نقول هذا الكتاب هو أول كتاب نظري شامل يصدر للكاتب وأحد أشهر أعماله ، بل على العكس ، يمكن اعتباره انطلاقة فعلية لمشروع نظري ضخم يمتد لما يقرب من ربع قرن ، وموضوعه الرئيسي هو "التجربة الإنسانية" ، وإبداعه هو قمع نبض الجسد والروح من خلال أشكال مختلفة من العفة، وتجاوز القيود "المعقولة" و"العقلانية" و"المستقيمة" و"الهادئة" ، فقط في تلك العوالم التي لا تعترف بأي "قيود إضافية" ، باستثناء الأشياء من الأشياء الطبيعية وجوهر الأشياء (نشير على وجه الخصوص إلى كتبه اللاحقة: "المراقبة والعقاب" و"تاريخ الجنس").

وهذا الكتاب غني بالمحتوي، ويجب أن يركز كل تاريخ على "خيال الروح" للبشر في مختلف الدول. لديهم معرفة علمية بالاضطرابات النفسية والأسباب واللاعقلانية والاضطرابات العقلية وجميع السلوكيات "الغريبة" و"غير الطبيعية" ، بالإضافة إلى الدوافع على الحدود ، ولن يتوقف العدو على الحدود عن اختراق المجهول.

ولذلك وبلا جدال يعد ميشيل فوكو أحد أكبر فلاسفة فرنسا والغرب في النصف الثاني من القرن العشرين، هو الذي اختصّ بالجنون وتاريخ الجنون وعوالم الأمراض العقلية والعيادة والحجر الصحي وعلاقات ذلك كله بالنظم الاجتماعية والسلطوية، السابقة منها واللاحقة، خصوصاً في كتابه: «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» الصادر في العام 1961.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

................

الهوامش

16-ميشيل فوكو:  ا تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ، المغرب، 2006، ص 256.

17- المصدر نفسه، ص 274.

18- المصدر نفسه، ص 281.

19- المصدر نفسه، ص 299.

20- المصدر نفسه، ص 310.

21- المصدر نفسه، ص 322.

22- المصدر نفسه، ص 255.

23- المصدر نفسه، ص 345.

24- المصدر نفسه، ص 366.

25- المصدر نفسه، ص 367.

26- المصدر نفسه، ص 389.

27- المصدر نفسه، ص 391.

28- المصدر نفسه، ص 399.

29- المصدر نفسه، ص 411.

 

 

 

 

زهير الخويلديما هي الديموقراطية؟ كيف تعرف الديمقراطية؟ ما هي أسسها؟ ولماذا يعتبره المدافعون عنها نظامًا سياسيًا محفوفًا بالمخاطر؟ ما الذي جعل الديمقراطية في العالم العربي متعثرة وغير مالكة لوجودها القانوني؟

"اخترعت العصور القديمة الأثينية المصطلح، والمفهوم المترابط للمواطنة، في شكل اجتماعي قائم على العبودية، بحيث يكون الرجال فقط، وليس النساء، "أحرار"، أي غير العبيد، مواطنين. من ناحية أخرى، تم تصور المثالية الديمقراطية الحديثة من خلال معارضة فكرة أن السلطة تأتي من الله - ما تقوله ملكية الحق الإلهي؛ ولكن أيضًا فكرة أنه قائم على النسب - وهو ما يؤمن به النبلاء. يمكننا تحديد أن فكرة تحديد المصدر الذي تأتي منه السلطة السياسية في الشعب تتعارض مع عدد من المعتقدات وعدد من الممارسات: على سبيل المثال، الاقتناع بأن السلطة تستمد شرعيتها من تفوق السلاح (المزعوم). الحق في الغزو؛ السلطة "تحت تهديد السلاح") - أو سلطة الأغنياء، والتي من شأنها أن تمنحهم "جميع الحقوق". ان أصل الكلمة: من الشعب demos ، "الجمهور" و kratos ، "السلطة" ، "السيادة". نظام سياسي يقوم على مبدأ أن السيادة ملك لجميع المواطنين ، إما بشكل مباشر (من خلال الاستفتاءات) أو بشكل غير مباشر من خلال ممثليه المنتخبين. يجب إجراء الانتخابات بالاقتراع العام، على أساس منتظم ومتكرر. تفترض الديمقراطية وجود مجموعة من الخيارات والمقترحات، تتجسد بشكل عام في الأحزاب والقادة الذين يتمتعون بحرية معارضة وانتقاد الحكومة أو الجهات الفاعلة الأخرى في النظام السياسي. لذلك فإن الديمقراطية لا توجد إلا إذا كان هناك "تنظيم دستوري للمنافسة السلمية من أجل ممارسة السلطة" (ريموند آرون). تتطلب الديمقراطية أيضًا الاعتراف بالحريات العظيمة: حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير وحرية الصحافة. من الناحية القانونية، الديمقراطية جزء من سيادة القانون. ثقافيا، تتطلب قبول التنوع. كما تتعارض الديمقراطية مع الاستبداد: الطغيان والأرستقراطية والملكية والديكتاتورية وجميع أشكال السلطة حيث يتم استبعاد الأغلبية من عملية صنع القرار (الأنظمة الاستبدادية والشمولية). يستخدم المصطلح أحيانًا بطريقة مسيئة أو مضللة لإخفاء الديكتاتورية (مثال: "جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية"). وتجدر الإشارة إلى أن المصطلح اليوناني demos لا يتوافق مع المجموع البسيط للمواطنين الأفراد. ميز القدماء لاوس عن العروض التوضيحية. المصطلح الأول مرتبط بحشد أو كتلة بدون تنظيم، بدون وعي واضح؛ في الحالة الثانية، إنها مجموعة منظمة من المواطنين. نادرًا ما يُستخدم مصطلح الديمقراطية قبل القرن الثامن عشر. لم ينتشر الاستخدام الحالي للمصطلح إلا بعد الثورتين الليبرالية، الأمريكية والفرنسية. ومع ذلك، هل يكفي للديمقراطية أن يكون "صوت الشعب" "مقدسًا"، وأن تستخدم المثل الروماني " صوت الشعب صوت الله "؟

يظهر التاريخ أن الانقلابيين يتمتعون بشعبية بعد مصادرة السلطة لإرساء الاستبداد أو الديكتاتورية. كان هذا هو الحال مع نابليون الثالث الذي أسس النظام الاستبدادي للإمبراطورية الثانية بعد الانقلاب الذي قام به في عام 1851. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أنه إذا كان بالفعل "صوت الشعب" هو المصدر الشرعي الوحيد السلطة السياسية في الديمقراطية، هذا الصوت لا يملي أي شيء في الأمور الاقتصادية والمالية. إن المفهوم الحديث للوجود المدني الديمقراطي، كما تم تطويره في القرنين السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، يفترض استقلالية السياسي فيما يتعلق بجميع سجلات الوجود العام الأخرى - وعلى وجه الخصوص ليس فقط تلك المتعلقة بالممارسات والسلطات الدينية، ولكن أيضًا في المجال الاقتصادي. لذلك ينبغي التأكيد على أن الاقتصاد الذي تحكمه المنافسة الحرة بدون مكابح لا ترتبط بطبيعته بالديمقراطية بأي حال من الأحوال. تحتفظ الملاحظة التي أدلى بها روسو في الكتاب الأول من العقد الاجتماعي بأهميتها: "في الواقع، تكون القوانين مفيدة دائمًا لمن لديهم شيء وتؤذي أولئك الذين لا يملكون شيئًا: ومن ثم فإن الحالة الاجتماعية مفيدة للرجال فقط. طالما أنهم جميعًا لديهم شيء ما، وليس لدى أي منهم أي شيء أكثر من اللازم ". في شرح مفصل لمبادئ أي مجتمع ديمقراطي، يرفض روسو في ملاحظة ما يتعلق بمسألة الثروة ويقتنع بالتشديد على أنه من المناسب للمواطنة ألا يكون هناك أحد فقير، لدرجة القلق فقط بشأن بقائها - ولا أيضًا غني، لدرجة الرغبة في "شراء" الآخرين. يجب أن نصر: الاستقلالية السياسية تعني أن السلطة العامة هي التي تنظم الشؤون المشتركة - لا الدين وكنائسه المختلفة (كما هو الحال مع الثيوقراطيات) - ولا الاقتصاد والتمويل (هذا هو الحال مع الأوليغارشية). لذلك نرى أهمية البدء، كما هو مُحاول هنا، بعدم ترك مستوى التعريفات والمبادئ لأننا لا نستطيع الحكم على الحقائق التاريخية الماضية والحالية دون تصورات واضحة.

روسو، بلا شك الأول، رأى بوضوح أن "سلطة الشعب" يجب أن تعني ليس فقط أن الشعب وحده هو المصدر الشرعي للسلطة، ولكن، علاوة على ذلك، يجب أن يُسمح لهم وحدهم بممارسة هذه السلطة. إذا كان روسو قد اقتصر على التأكيد على أن السيادة كانت أصلاً في الشعب، فلن يقل شيئًا أكثر من هوبز" ، المدافع عن النظام الملكي المطلق الذي يرى أن: "الملكية ، مثل الأرستقراطية ، تستمد أصلها من سلطة الشعب ، التي تنقل حقها ، أي السيادة ، إلى شخص واحد". على العكس من ذلك، فإن ما "يمثل حقبة" هو التأكيد على الطابع "غير القابل للتصرف" للسيادة الشعبية: إذا لم يكن هناك حاكم آخر غير الشعب، فيجب على الأخير ممارسة السيادة بنفسه. لكن يمكننا أن نرى بوضوح سلسلة الصعوبات التي سببتها فكرة الديمقراطية كقوة للشعب من قبل الشعب: كيف نسمع صوت الشعب؟ كيف يمكن للشعب ممارسة السلطة؟ من هو "الشعب"؟

تتمثل الديمقراطية في ممارسة الشعب للسلطة بشكل مباشر أو غير مباشر. يتضمن هذا التنظيم السياسي حالة اجتماعية تتميز بحقيقة أن الجميع متساوون أمام القانون، وأن الجميع لهم نفس الحقوق. الوظائف متاحة للجميع، يجب أن يُدعى المواطنون إلى الحياة الفكرية والأخلاقية، وأكثر فأكثر في وضع يسمح لهم بممارسة جزء من السلطة لهم بطريقة فعالة ومعقولة يُنسب إلى الدولة الديمقراطية واجب إقامة الأعمال الإرشادية والتعليمية وأعمال التضامن. النظام الديمقراطي لديه حق الاقتراع العام كأداة له والشكل الجمهوري كإطار أكثر ملاءمة بشكل خاص. من الذي سيعلن إعجابه وتفضيله لنظام شمولي؟ حتى الحركات الدينية تدعو إلى الديمقراطية للحصول على الجنسية في البلدان التي تحتمي بها أو في الأنظمة التي تتحدها. حتى الأحزاب الفاشية والشعبوية تعتقد أن لها الحق الكامل في التمتع بالحريات الديمقراطية في التنظيم والتعبير عن نفسها علنًا، على الرغم من أنها أعداء للديمقراطية. يقول معظمهم إنه في الديمقراطية لا ينبغي "شيطنة" أحد، ولكن على العكس من ذلك، يجب أن يكون كل شخص قادرًا على التصرف والتحدث بحرية. إذا لم نعد نعارض "الحكم المطلق" - "الثيوقراطية" - "الاستبداد"- "الملكية" إلى "الديمقراطية" ، من ناحية أخرى ، فإن "الديكتاتورية" و"الديكتاتور" يعودان إلى اللغة المشتركة ، بينما يتراجعان "الشمولية" ؛ إن نجاح هذا المصطلح باعتباره المتناقض الوحيد لكلمة "الديمقراطية" طوال الحرب الباردة يدين بالكثير لكتابات حنة أرندت. كما تُفرض سلسلة مزدوجة من الشروط: من ناحية، يجب أن تجد الإرادة الشعبية تعبيرًا عنها، الأمر الذي يتطلب تنظيم الاستشارات بالاقتراع. لذلك يبدو الحق في التصويت كحق سياسي رئيسي لتحديد مكانة المواطن. لكن من ناحية أخرى، لا يمكن أن تكون هناك إرادة شعبية إذا كان المجتمع يفتقر إلى كل من المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام المحايدة. فالجاهل، كما نعلم، يقعون بسهولة فريسة للتعصب الأعمى الذي يجعلهم غير قادرين على الحكم على الصالح العام بشكل صحيح؛ وإذا حلت الدعاية محل المعلومات من خلال التظاهر بوضوح بأنها كذلك، فكيف يمكن للجماهير الشعبية أن تتجنب، كما يظهر التاريخ الحديث، التملق بطاغيتها؟ من خلال "زعيمهم" الكاريزمي (الفوهرر) لا يشكلون شعبًا سياسيًا، حتى لو تمت استشارتهم اشادة أو الاستفتاء العام الأخير. إما أن يقرر الناس بأنفسهم مباشرة في ديمقراطية مباشرة أو يفوضون سلطتهم في ديمقراطية تمثيلية. لم تتوقف النقاشات أبدًا بين مؤيدي الديمقراطية المباشرة وأنصار "التمثيل". الديمقراطية المباشرة، أو يقرر المواطنون المجتمعون بأنفسهم، بشكل مباشر، في كل ما يتعلق بالصالح العام. لا يجب عندئذٍ استدعاؤهم بانتظام فحسب، بل يجب أيضًا "استدعاءهم" دون توقف، نظرًا للطبيعة غير المتوقعة للظروف. الديمقراطية التمثيلية أو المواطنين يقررون، ولكن بشكل غير مباشر، من خلال ممثليهم، وهو أمر يمكن تصوره لمستويات متعددة من الوجود الاجتماعي. التمثيل يؤسس الشعب كشعب سياسي، ويؤسس كلاً من الممثل، على سبيل المثال الملك، والممثل، الذي هو دائمًا الشعب. وهكذا في المسرح، من خلال التمثيل، يظهر كل من الممثل (الممثل في عملية العزف) والممثل (هاملت على سبيل المثال) إلى الوجود. ومع ذلك، يرفض روسو هذا النوع من المصطنعة ويرى في تفويض السلطة إلغاءها. على العكس من ذلك، حسب رأيه، في صفة كل فرد أن يكون في نفس الوقت "سياديًا"، أي مشرّعًا، و"خاضعًا"، أي مطيعًا للقوانين، أن الجنسية تكمن. ليست الحرية الميتافيزيقية بأي حال من الأحوال، بل الحرية المدنية والسياسية التي ينظر إليها روسو وحده عندما يعلن أن هذا يتمثل في "طاعة القانون الذي يمنحه المرء لنفسه". " في الديمقراطية المباشرة نفس "ذات سيادة" و"رعايا". في الديمقراطية النيابية، يفوض "صاحب السيادة" لممثليه السلطة التشريعية المنوطة بمجلس نواب الشعب، ويبدو أن مناشدة المواطنين المجتمعين هي أفضل طريقة لتجنب الاستيلاء على قرارات الشعب. ومع ذلك، فإن هذا المظهر يتناقض إذا فكر المرء للحظة في ظاهرة جماعية، والتي تحدث حتى في مجموعات صغيرة: المنافسات، والحيل، وظهور "القادة" - بشكل عام الأكثر فظاظة، أولئك الذين يتحدثون بصوت عال، يعرفون كيفية جذب الناس. 'رأي. ولأن أفلاطون تحديدًا بين كل الديمقراطية والديمقراطية المباشرة، فقد كان أكثر قتلة لها: لقد رأى بوضوح شديد أن الأكثر عنفًا والأكثر استبدادًا استحوذ على عواطف وآراء الآخرين ورأى بصعوبة. على الرغم من أنه إذا كان رأي الجميع كذلك من المفترض أن تكون شرعية، لم يعد هناك صواب أو خطأ - لا صواب أو خطأ، صواب أو خطأ. الجاهل سيكون على حق ضد المتعلمين، والأطفال ضد تجربة المسنين، والبلطجية ضد الأشخاص الشرفاء، وهكذا، حتى يسود ميزان القوى في النهاية. وهكذا، فإن أثينا، التي أصبحت فريسة الديماغوجيين عن طريق الديمقراطية، غرقت في الطغيان، وبالتالي ستبقى الديمقراطية التمثيلية. رأى روسو في هذا، وليس بدون سبب، الخطر الكبير المتمثل في أن ممثلي الشعب يخلطون بين مصلحتهم والمصلحة العامة، أو أنهم يطيعون مصالح مجموعات معينة. ومع ذلك، يمكن تقليل هذا الخطر بشكل كبير إذا تم انتخاب ممثلي الشعب لفترات قصيرة - وخاصة إذا تم وضع مؤسسات للتحكم في قراراتهم وأفعالهم (مع سلطة تقييد واضحة في حالة الخيانة أو الاختلاس). الخطر الرئيسي الآخر هو أن ممثلي الشعب يصبحون محترفين في السياسة، وهو ما يمكن فهمه بمعنيين مختلفين للغاية. هذا لأن التسويق الإعلاني يتطلب خبرة ومهارة بطريقة مختلفة تمامًا عن فن السياسة. لالتقاط المشاعر والمعتقدات، لا تحتاج إلى شعب بل جمهور - ليس مواطنين، ولكن مستهلكين للصور. لذلك من الضروري معرفة كيفية إثارة التخيلات المغلفة ضمنيًا بعناصر اللغة والشعارات وتسريحة الشعر ولون ربطات العنق والأزياء. من ناحية أخرى، إذا أفسحت تقنيات التقاط المشاعر المجال للعلوم السياسية، فإن إدارة الشؤون العامة لم تعد مجازفة بأن تكون ديمقراطية بل ، بالمعنى الدقيق للكلمة ، "أرستقراطية" كحكومة من أكثر الحكومات علمًا ، "الأفضل. ومع ذلك، فإن اعتناق العقيدة الديمقراطية يسير في اتجاه معاكس تمامًا: فهو يمنح الجميع القدرة على الحكم على المصلحة العامة بشكل صحيح، والتي يتم التعبير عنها من خلال المساواة في الأصوات. سواء كنت غنيًا أم فقيرًا، قويًا أم لا ، مشهورًا أو مجهولًا ، فإن بطاقة اقتراعك تحسب صوتًا واحدًا ، مثل صوت أي شخص آخر: لا يوجد خبير في السياسة. هذا هو السبب الذي يجعل "الناخبين"، في الديمقراطية، "مؤهلين": الوصول إلى المناصب السياسية مفتوح للمواطنين. ومع ذلك، يبقى الشعب، ويمارسه الشعب نفسه، يقول إنه من الضروري التساؤل عما هو يقصده الناس. كيف يصبح السكان شعبا سياسيا؟ هناك نوعان رئيسيان من الإجابات: من ناحية أخرى، من خلال السؤال عن معرفة ما هو أساس التماسك الذي بدونه لا يمكن أن تكون وحدة الشعب كـ "هيئة سياسية" ممكنة (الإجابة من خلال أسس المجتمع السياسي)؛ من ناحية أخرى من خلال مسألة أغراض الوجود المدني (الذي يسأل المجتمع "لماذا"؟) فما هو الشعب السياسي؟

السكان ليسوا شعبًا سياسيًا: هذا التمييز هو الذي يفهمه هوبز، على سبيل المثال، عندما يراعي نفسه في الفكر مع حالة الطبيعة، والتي يجب، حسب رأيه، أن تُصوَّر على أنها حالة طبيعية. الكل ضد الكل. وبالمثل، عندما تصور روسو المجتمعات الأولى على أنها تجمعات عشوائية بسيطة خالية من جميع الحقوق، فإنه ينوي الإشارة إلى أن تجاور الأفراد في منطقة ما لا يجعل هؤلاء الرجال شعباً. نحن نتحدث عن "الناس" من حيث "الجسم" السياسي - أو "الجسم" المدني للإشارة إلى أن فكرة السياسيين تغلف فكرة وحدة التعددية: المصلحة العامة، في الواقع، تسمح للكميات ان تعيش من مجموعات معينة مع مصالحها المتنوعة، ولكن لا يوجد تماسك اجتماعي إلا إذا كانت هذه المجموعات والمصالح الخاصة لا تتعارض مع المصلحة العامة. وبالتالي فإن العلاقة بين المصلحة العامة والتماسك ستكون بالضرورة دائرية؛ على العكس من ذلك، نفهم كيف أنه إذا كانت النزاعات بين مجموعات معينة التي هي أجزاء من المجتمع هي السائدة ، فإن الوجود الاجتماعي يصبح مقسما إلى درجة تدمير أي منظور عام. عندما لا يكون هناك سوى فصائل متنافسة في السلطة، فلا يوجد شعب سياسي، ولكن ما يسميه سبينوزا العزلة، أو "الصحراء". لأغراضنا، يكفي أن نفهم فقط ما هو أساس الاحتمال. كشعب يصر على تعايش الحريات. "التعايش" وليس "القيود المتبادلة". ومع ذلك، فإن الحريات الطبيعية للأفراد لا تتعايش إلا عندما تتحول إلى حريات مدنية، أي إلى حقوق فردية يكفلها حكم القانون. وترتبط طبيعة الجسم المدني بمسألة أخرى: وهي غايات الوجود في المجتمع. في ضوء أي وجود اجتماعي؟

يمكن اختزال وجهات النظر في العمل في تاريخ الفكر إلى مسارين رئيسيين: إما أن تكون الاحتياجات الحيوية هي التي تتطلب ضرورة تكوين المجتمع لأنها تتطلب التعاون، الطوعي أو غير الطوعي، من جميع أنواع المهام لتطوير التقنيات المطلوبة لإنتاج وصيانة وتوزيع البضائع - وهو ما قالته الأسطورة الأفلاطونية القديمة لبروتاغوراس جيدًا. لذلك فإن الغرض من المجتمعات هو الأمن، أو ما يسمى الرفاهية. الوجود المشترك في هذه الحالة ليس له غاية؛ إنه فقط وسيلة لضمان البقاء. كما ترتبط هذه النظرة السياسية بفرضيتين أخريين: من ناحية، تعد البشرية نوعًا ماديًا تتميز احتياجاته الخاصة بكونها قابلة للتمدد إلى أجل غير مسمى؛ من هذه الملكية سيتبع الافتراض الثاني الذي يدعي أن البشر سيكونون بالضرورة فريسة لرغبات الممتلكات والمتعة والسلطة مثل المنافسات، "حرب الكل ضد الجميع" لا يمكن كبحها إلا من خلال الهيمنة الحديدية. عندما نرى أن الأنثروبولوجيا المهينة مرتبطة بآراء سياسية سلطوية، فإن المسار الذي يمكننا تسميته بالعقلانية فقط هو الذي يتوافق مع المثل الأعلى الديمقراطي. يرى كل الفكر العقلاني الكلاسيكي (أي القرنين السابع عشر والثامن عشر) في الإنسانية، ليس فقط بالطبع، الوجود المادي لنوع حي، ولكن أيضًا وجودًا يسمى "أخلاقيًا"؛ كل ما يمس مسألة معنى وقيمة الوجود الذي يقود المرء، ينتمي إلى الإنسان "الأخلاقي". يعرّف كانط الإنسانية على أنها نوع أخلاقي من خلال القدرة على تخصيص غايات أخرى غير الطبيعية (والتي تتكون بدورها من السعي لإشباع الحاجات والرغبات.) هذه القدرة تحدد بدقة حرية الإنسان. وبالتالي يرى كيف أنه من الضروري الإيمان في الحرية من أجل تصور الديمقراطية والدفاع عنها؛ إذا كان المرء يؤمن فقط بالاحتياجات والرغبات، فإن "الاستبداد المستنير" سيكون كافياً بشكل كبير - ولكن أيضًا، للأسف، الاستبداد بدون عبارات، ذلك الذي يتبنى المبدأ القديم للأباطرة الرومان، "الخبز والدوائر" - الخبز والألعاب! بهذا، يُفترض أن يسكت الجمهور لأن الديمقراطية تقوم على الإيمان بالحرية، لأنها تؤسس الحريات وتضمنها وتحميها، فإنها تظهر وفقًا لمفارقة تشرشل على أنها أسوأ نظام غذائي، رغم أنه لا يوجد أفضل منها. الاتصال أكثر من الانهيار في الديمقراطية بالنسبة لتوكفيل ، لا يمكن ولا ينبغي إعاقة المسيرة نحو الديمقراطية. وإلا فإنها تخاطر بالتسبب في اشتباكات عنيفة بين أفراد المجتمع (دفعت عائلتها ثمناً باهظاً في الثورة الفرنسية). هو بالأحرى تعبير عن انفصال بين تطور قيم المساواة من جهة والنظام السياسي الذي لم يتطور في هذا الاتجاه من جهة أخرى. يُظهر توكفيل أن ظهور الديمقراطية لا يشكل قطيعة مع النظام القديم. وهكذا استمرت بعض المؤسسات المركزية مثل محكمة المقاطعة بعد سقوط النظام الملكي. من المفروض ان تتم عملية "معادلة الشروط" التاريخية لضمان استمرارية الديمقراطية وتفادي عودة الاستبداد ومع ذلك، لا يحلل توكفيل الديمقراطية على أنها تجديد بسيط للنظام القانوني والسياسي، حيث تكون المساواة بين المواطنين شكلية فقط. تنبع الديمقراطية السياسية مباشرة من تطور لا يمكن إصلاحه للمجتمع بأسره وقيمه: إنها عملية تاريخية يسميها "تكافؤ الشروط". توكفيل يجعلها سمة مميزة للمجتمعات. يمكننا الاحتفاظ بثلاثة أبعاد لـ "معادلة الشروط":

- حقوق متساوية: يخضع جميع المواطنين لنفس القواعد القانونية

- تكافؤ الفرص: المواقف الاجتماعية مفتوحة للجميع حسب الجدارة وبغض النظر عن أصلهم الاجتماعي 

- المساواة في الاعتبار: يمثل كل مواطن نفسه على أنه مساو للآخر حتى لو اختلف وضعه الاقتصادي والاجتماعي. إذن فالأمر يتعلق بحالة ذهنية، إنها القيمة الأساسية للمجتمعات الديمقراطية.

هناك علاقة جدلية بين تكافؤ الظروف والديمقراطية، بقدر ما يكون صعود الشعور بالمساواة هو ركيزة الديمقراطية. وهذا بدوره يعمل على البحث عن مساواة اجتماعية أكبر بين أعضائها. فمتى نرى الديمقراطية صلبة العود وضامنة للأساس الوجودي لاستمرارها؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

 

سامي عبد العالنتيجة الخلط المتعسّف بين الدين والسياسة، أدى الإعلام دوراً خطيراً في (صناعة الكذب) إزاء الأحداث التي شهدتها دول العرب مؤخراً بعنوان "الربيع العربي". وهي الأحداث التي لم يعرف العرب طبيعتها حتى اللحظة، ولا ماذا حدث فيها، ولا لماذا انتهت بهذا الشكل الدراماتيكي ولا إيلام ستؤول بعد عقود تُضاف إلى الذاكرة؟ لأنَّ إلتقاء برجماتياً بين هذين الطرفين (الدين والسياسة) عبر وسيط فاعل (الإعلام ووسائل التواصل) يجعل الواقع مُسطَّحاً ومصقولاً، لدرجة التشكيل الخادع للأحداث تحت أنامل المآرب والأهداف وتدخل القوى الإقليمية والدولية. إذ كانت هناك أياد كثيرة تلعب في المشاهد السياسية وأساليب إخراجها، أي حاولت إدارة الصور بكل الحيل الممكنة بدلاً من التواجد غير المتاح في الشوارع اليومية.

حالة الكذب بهذا المعنى هي " حالة تلبُس" كاملة الحيثيات والقرائن، شريطة أن نقرأ حواشيها بالصورة التي يكون الكذبُ فيها (خطاباً مُراوغاً) إزاء الأحداث. وهو عندئذ ليس حتى مجرد خطاب بفحواه المعهود، لكنه (مهماز ومفتاح) لأبواب سرية داخل تكوين المجتمعات العربية الإسلامية، ذلك مع وجود الجماعات الدينية وكيف تشكل تنظيماتها أنفاقاً تحت الوعي للإطلالة على تراث السياسة الشرعية وعلى أفكار الجهاد وعلى سرقة الدول الراهنة وعلى (عقدة الدراما) لدى المواجهة بين مفهوم الدولة وكيانها الحديث والقفز على مقاعد الحكم لتصفية كل هذا التراكم السياسي.

وهنا تنتقل مشروعيةُ الكذب لأول وهلةٍ من التبرير إلى نوعٍ من (الصناعة الثقيلة)، لأنَّها خلال هذه البرهة الزمنية كانت مشروعية تساوي الحدث ذاته. ففي السياسة تعدُّ صناعة المشروعية مقامرة خطيرة، قد تدق عنق صانعيها وقد تتجاوز كل حدود ممكنةٍ وأخيراً قد تنتج خطاباً من جنس ما تهدف إليه، كما أنّها قد تُراهن على التدخل في الواقع لصالح منفذيها. وبالتأكيد هي صناعة تتحين الفرصة لتحريك الجُموع والحشود التي تُشعل فتيل الأحداث وتسرّع وتيرة التحولات دون قدرة المجتمعات وأنظمة الدول على استيعاب المشاهد والتحكم فيها. ولنذهب الآن... لمعرفة كيف حدث ذلك؟!

ظاهرة تلفزيونية

إذا كان ثمة شبحٌ خفيٌّ يقف خلفَ وقائع الربيع العربي، فهو الإعلام. شبح يظهر بعيداً كأنَّه منقطع الصلة بالموضوع، بينما تورطه-سلباً وايجاباً- واضح بطريقةٍ ما. لقد كان المحللون ومقدمو البرامج نجوماً تتطاير في السماء وتحط عليهم الإنظار من كل حدبٍ وصوبٍ. وبدت عبارات اللغة كأنَّها (مخلوقات خرافية) تحط هنا أو هناك. حيث ظهر الاشتباك بين المؤيدين والمعارضين للنظام السياسي بالأيدي (تونس) وبالأجساد (مصر) وبالسلاح (ليبيا) وبالحرب (سوريا). رأينا كم كان ينتظر (الجمهور السياسي) كلماتَّ التغطية الاعلامية مثلما ينتظر وعداً مع المستقبل. حتى أصبح الربيع ظاهرة " تلفزيونية"[1] تشحن وعي المتلقي بإمتياز. الوعي الذي ترك عليه الحسُ التلفزيوني[2] انطباعاً قوياً بأبعاده الرباعية: المتظاهرون، المجتمع، السلطة، العالم الخارجي.

وبضربات افتراضية طبقاً لذات الحس المصطنع، غدا الواقع يتهاوى تدريجياً وطفقت الجموع تزحف نحو الميادين. لعلّنا لاحظنا - في حينه- تغيُراً للأوضاع السياسية للأنظمة الحاكمة بمجرد عرض الأخبار ورصد التوقعات (هروب زين العابدين بن على وتنحي مبارك). وتلك بدورها لم تسلم من حيل المونتاج الخطابي الاعلامي. فخضعت إلى عملية سردٍ تصويري غير حيادي على أقل تقدير. وبمدار ساعات الأيام، تابعنا كيف تُرسم خيوط الحِكاية تبعاً لأهداف شاشة الفضائيات وتزامناً مع كتل الفاعلين.

في هذا الإطار، مثّلَّ توظيفُ المُقدس (أشخاصاً- آيات- نصوصاً – مآثر- تأويلات- قصصاً- مواعظ) كأحد مشاعل الحراك العنيف. كانت رمزيته تطغى على الأحداث، تتداخل معها، تستبقها في غير حالة. لنقُل مكثت هذه الرمزية ولاسيما في شعارات الاسلام السياسي بقصد احتواء الحقائق رغم التباسها. الاحتواء بمعنى التغذي عليها وجعلها رصيداً ملموساً للاعتقاد. لأنَّ المقدس بالأساس يتأجج تلقائياً في آفاق معتنقيه. ثم يبدو ظلاً عملياً (باهتاً) بين الأيديولوجيا والفعل المباشر. بهذا الوضع مهدت الفضائيات - فيما بعد - طريقاً لإنقضاض الإسلاميين على مقاليد الحكم في قالب الأحزاب الدينية بأدوات مدنيةٍ. وهي أحزاب تعاملت مع أطياف المجتمع بالأسلوب الاقصائي نفسه للأرهاب والتطرف.

إلى درجة أنَّه تمَّ استبدال الواقع السياسي بنشرات إخبارية وتقارير إحداثية وأصوات واستغاثات متلفزة ليس إلاَّ. وعلى أغلب الأصعدة اتسعت شاشة العرض بمساحة الحدود المصرية والتونسية والليبية والسورية. وهي الدول الرئيسة للمسرح الإعلامي لقناتي الجزيرة والعربية وللقنوات الدولية. كانت هناك كواليس وكوابيس، وكانت هناك شخوص وسيناريوهات مرسومة (لنتذكر الحديث الهامس بين المذيع على الظفيري وعزمي بشاره أثناء الفاصل مع التعليق على الأحداث[3]). أيضاً كانت هناك تأويلات الدين لصالح غنائم الثوار المؤدلجين وغيرهم وسبي مرتزقة الأنظمة السابقة. بدءاً من المسؤولين والرؤساء وانتهاءً برجال الأمن والعسكريين مروراً بالمقرات والقصور والمؤسسات الرسمية في كل دولة. ثم عرفنا ما معنى الأذرع السياسية لتنظيمات الإسلام السياسي. كحال حزب الحرية والعدالة لجماعة الإخوان المسلمين بمصر وحركة النهضة بتونس وبعض الكتل الدينية في ليبيا والجيش الحر بسوريا.

إزاء ذلك ربما لم ينتبه أحدٌ لأثر اللغة المتداولة، لأثر الرموز الدينية، لأثر التعليقات الدينية في تأجيج الواقع صراعاً وتوافقاً. بات منطق الخطاب الديني-هو الآخر- سيناريو حركياً على الأرض وفي الدماغ. انتقلت نبرة الخطابة كما هي مشهورة أيام (الجُمع والأعياد) لتلامس لاوعي الأفراد والحشود في الشوارع. كأنَّ الكلمات – مع تحريك الريموت- ثعابين وحيات تسعى. ثعابين تلقف ما يقابلها حتى استهدفت كيان الدول ومؤسساتها كل على حدة. بمعنى انتقل الخطاب الديني من مرحلة الدعوة إلى الإعلان عن الأغراض مباشرةً. وبنظرة مقارنةٍ سنعرف أوجه التشابه بين اعلانات التاك أواي (الهامبرجر والهوت دوج وديوك الكنتاكي والبيتزا) وبين العبارات الأيديولوجية للإسلاميين. هناك البهارات اللاذعة والحراقة نفسها التي تجذب الأنوف، هناك الألوان الباهرة نفسها لخطف الأنظار، ومحاولة تسليع العقل والتعامل مع الغرائز السائلة[4].

بدا أنَّ السبب هو النتيجة: إذ أنه مع عدم تطور الفكر السياسي لتلك الحركات الدينية، فقد أفرز أفكاراً ورموزاً (شخوصاً) أربكت المشهد العام للأحداث. في مصر أفرخ هذا الفكر أدمغة صماء - أعضاء الإخوان والسلفيين- تكاد تصل إلى درجة التكلُس. توقفت فيزياء الحركة والأفعال المرنة مع حرفية النصوص والبيانات لدى حكومة أخوان محمد مرسي وحزبه الخفي. ولأول وهلة بعد هذا الشوط ستصبح بلاغة الكذب مادة دسمة في الخطابات السياسية للربيع لعربي. سواء في تطبيق مقولة: جهنم محفوفة بالنوايا الحسنة أو بصدد مبرر لمقولة: نحن أولى بميراث الدولة العربية السابقة (جحا أولى بلحم ثوره). هاتان المقولتان طُبقتا من قبل الإسلاميين تطبيقاً خادعاً لتحقيق المكاسب.

أسهمت المقولة الأولى (جهنم محفوفة بالنوايا الحسنة) بإشعال أتون الصراع بين أطياف المجتمع خلال الحالة المصرية وعدم استقرار المناخ السياسي في التجربة التونسية. وكل ذلك تحت شعارات اصلاح الحال وإنقاذ العباد من سوء الأحوال والمآل. مع أن الفتاوى كانت تركز على عدم الخروج على الحاكم المستبد مخافة الفتنة وإراقة الدماء. المقولة ذاتها كانت وقوداً لبعض الفئات المسلحة في الوضع الليبي للسيطرة على المجال العام. أما المقولة الأخرى (جحا أولى بلحم ثوره)، فقد كانت مبرراً لخلع عبارات كاذبة على الوقائع، وإلباسها ثوب التهييج والتأجيج والتأويل المتعسف. وإنزال دلالات النصوص الدينية لدي أقدام الثوار على الجبهات. لا يختلف في هذا مشهد مصري عن آخر تونسي وعن غيرهما الليبي ولا سوري وإن تباين الشكل.

وتباعاً سأحاول عرض الفكرة السابقة في إطار اللقطات الأولى للمسألة الليبية بوصفها الأوضح (دينياً وسياسياً) في هذا الشأن. وليست الفكرة دفاعاً عن أي نظام كائناً ما كان، فقد طفحت الأحداث وأغرقت الجميع (الخاسر والكاسب)، وغدت في خبر كان وبقيت النتائج للمستقبل شئنا أم أبينا. ثم هناك ضرورة ملحة لتوضيح ماذا جرى بالضبط كحق أصيل يمكن للفلسفة أن تراه وتطرحه باستمرار من جملة (حقوق العقل). وذلك أيضاً أنَّ بدايات الأحداث السياسية كانت مؤشراً في جميع تجارب الربيع العربي، شرارة اشعال فتيل النار في الهشيم بعد ميراث الاستبداد والاستعباد للإنسان العربي باسماء مختلفة. بل أبرزت البدايات: كيف تعاطت الأطراف الفاعلة مع تحولات هذه الأحداث. وإلى أي مدى اتسقت مع نفسها وكيف فُهم خطابُها على الأرض؟! وبأي صيغة نزل الخطاب الديني كسلاح بين أيدي الحشود المتظاهرة؟!

فجر أوديسا

أطلقت أمريكا على عملياتها العسكرية آنذاك بخصوص ليبيا "فجر أوديسا". في إشارة إلى إمكانية خلق جديد لعالم قديم، ولأجل تجديد الملاحم البطولية للرجل الغربي الأبيض، والعودة إلى الأصول التاريخية لمركزية الشمال على الجنوب، إنها جذور عالم التوراة والإنجيل الغربيين. وهو فجر التاريخ المعبر عن بدء الخلق من قِبّل الرب ذاته. حيث يعطيه الرب الأمريكي الجديد فرصة لمعاودة خلقه في شمال أفريقيا وبمقولات دينية سياسية محببة.

لكن هذه المرة سيتم الخلق في عالم افتراضي قابل للتكوين (نتذكر أنَّ أول أسفار العهد القديم هو سِفر التكوين). وبالمناسبة كانت تجربة الأمريكيين مع القارة الجديدة التي استوطنوها هي سفر التكوين الحديث. وتكررت تلك الاستراتيجية اللاهوتية مع هيمنتهم على العولمة وعلى الاقتصاد، وعلى السياسة الدولية. وستظل هي الاستراتيجية التي تهيمن على فكر القادة الأمريكيين ولن يسمحوا لغيرهم بالتواجد على المسرح العالمي دون التهامه. لن يسمحوا له –كحال صدام حسين- بالتلاعب بمناطق نفوذهم. وليس بوش الأب والابن ببعيدين عن القضية وهما أبرز كتبة اسفار التكوين في مسلسل الوحي الأمريكي للعالم[5].

لذلك أثارت الأحداث الليبيةُ قضايا معقدةَ الخيوطِ إزاء الحقيقة على المستوى السياسي. فلم يكن هذا المستوى خالصاً كما يبدو ظاهراً، بل تداخلت في عمقه أطراف خارجية وداخلية. على الأقل كان تواجدها توجيهاً للقُوى الثورية وإعادة تشكيل الواقع. وبقى مطروحاً للفحص: ما إذا كان الوضع الصراعي على الأرض فعلاً بين طرفين. أحدهما النظام الليبي الحاكم الذي يمارس القتل المجاني كما خرجت الأخبار، بينما يقف الطرف الآخر (الشعب برمته) ضحيةً بريئةً تحت الذبح. وبناءً عليه: كيف اُرسلت الدعوة تلو الأخرى لاستصدار قرار من مجلس الأمن لحماية المدنيين في ليبيا.

هذا تقريباً ما قيل في حينه ونقلته معظم الفضائيات العربية والعالمية. ترتب على ذلك ما إذا كانت الصورُ المتلفزةُ واضحةَ الأبعادِ بنفسها أم أنَّ هناك أيدي خفيةً شاركت في صياغتها. وحرصت كل الحرص على إخراجها بذلك"السيناريو التحريضي"من جهة التحليل الاستراتيجي والمبررات الدينية والتعليق السياسي معاً. وازدادت هذه القضايا تعقيداً مع وجود الإسلاميين كأداة براجماتية. وبخاصة إذا أخذنا بالاعتبار أن الوضعَ الجيوسياسي ظل- طوال التغطية الإعلامية- منظوراً إليه عبر وسيطٍ خطابي، أدنى وصف له كالتالي: عدم الحيادية في عرض الأوجه الغائبة للوقائع التي شكلت متن الأحداث.

وهو أمر يدعُو المُتابِع لأنْ يتساءل حول مصداقية الصياغة الإعلامية. لا ليري الواقعَ عن قربٍ فحسب، بل أيضاً لمعرفة كيف يشكل الوسيطُ الإعلاميُ ما ينقله عن كثب، وبأي منطق يحشد مصادره المتاحة لتلوين الصور بألوان معينة. إذن المهمة كانت تحتاج ايضاحاً لظروف الموضوع عن طريق قراءة التحولات المتداخلة. نتيجة أنَّ هناك "تواطؤاً" دلالياً لاح في الأفق بين الخطابات الدينية والسياسية والأيديولوجية خلال ذلك الوسيط.

بدليل تكتل الأطراف في لحظاتٍ خاطفةٍ لإنجاز (الهدف التحريضي المبكر) إزاء القوات الليبية الرسمية بغض النظر عن النظام القائم. ربما أن هناك تاريخاً قريباً لأحداث مماثلة (كالتدخل في العراق وأفغانستان) اثبت تشابك الخيوط وفق مآرب الدول الكبرى وأثبت وجود أطياف اللاهوت السياسي في المسألة. وهذه القوى أدارت المشهدَ بالطبع في ضوء مصالح أصحابها على الأرض، حتى وإن غامت معالمهُ. وكان ذلك مُفسِراً لما سيحدث خلال مناسبات مشابهة. في المقابل يجب على القارئ أخذ الحيطة مع تبعات هذا الرأي. فلا يعني ذلك أن كافةَ الأطرافِ تقف عن كثب لتطبق نظرية المؤامرة على دولة ما. فتلك النظرية البلهاء قد تحل جميع المشكلات ببساطةٍ مفرطة إنْ آمنا بها دون عناء التحليل. كما ينبغي على القارئ ذاته ألَّا يغفل جرائم النظام الليبي وسياساته القمعية في السابق واللاحق. وهو نظام لم يُدْخِل ليبيا عصر الحرية ولا الحداثة ولا سياق التطور الإنساني. بدليل ظهور المعارضين له بهذا الشكل الدموي. فأي نظام سياسي تظهر آثار تطوره وتخلفه عن ركب الإنسانية ليس من جانب ممثليه، بل من تشكيل صورة منافسيه. لأنَّ هؤلاء هم رواسبه وشكله الموازي (مكونات الحياة السياسية) لا النقيض. أو كما يقال : (قل لي من تعادي أو من هم خصومك أقل لك من أنت!!) ولو كان هناك تطور اجتماعي وسياسي في الحياة الليبية، ولو كانت هناك مؤسسات، ولو كان هناك تعليم متقدم ما كنا لنرى المناوئين هكذا بهذا الشكل الدموي!!

بالتالي لا يعني الأمر إلقاء اتهامات هنا وهناك، لكن الأهم ماذا جرى. فالذاكرة الحية تحاول الفهم لا المحاسبة. وماذا تملك غير المعرفة. فأن تعرف يماثل أن تتذكر وفق ابجديات القوى المؤثرة. وفي الحقيقة، كانت هي القوى التي لن تنتظر عيون المتابع كي تتحرك. فهناك خريطة للأحداث الدموية جمعت بعض الدول شرقاً وغرباً في سماء ليبيا. واللهجة الدراجة تتعجب إزاء اجتماع أطياف متنافرة كهذه في بعض المواقف: "ما الذي لّم الشامي على المغربي". العربي الخليجي مع الأمريكي والفرنسي والأوروبي إجمالاً. والتفسير البسيط: أنّ وحدة الهدف تلم الأطراف المتصارعة على شيء مشترك. فالطيور والثعالب والذئاب والديدان والحشرات تجتمع على التهام فريسة واحدة. رغم أنَّ منها كائنات زاحفة وأخرى طائرة وغيرها لا تقوى على هذا ولا ذاك.

تقنيات الكذب

في سياق الأحداث الليبية، ليس المقصودُ بالكذب حالةً لقولٍ سياسي يخالف واقعاً فقط، فهذا شيء بسيط مما جرى. لكن كانت له- ضمن الخطاب الإعلامي، ولا سيما تغطية قناتي الجزيرة والعربية - عدة أنماط تقنية. أقول تقنية تصل لحد الجرائم والانتهاكات، لأنَّ هذا الوصف كان القميص الذي ارتداه المعلقون الدينيون والسياسيون فعلاً. حيث كانت تعززهم صورٌ عالية الإخراج وباهرة الفنيات بالتوازي مع الكلام المطروح. فكان الكلام يُلقى فنياً، كأنه يشبه الصور في دلالتها وايحائها. وتمَّ ذلك لمحاولة التخفيف من شحنة العبارات المثقلة بالانحياز. وبإمكاني الإشارة إلى وجود الأسلوب والمعنى كقضيتين مؤولتين لصالح طرف ما، ألا وهم الثوار المؤدلجين وغير المؤدلجين بما فيهم الإسلاميين. لأن الهدف كان احداث فوضى والاستيلاء على السلطة في ليبيا وجر الغنائم البيترولية والطبيعية إلى قائمة المائدة الربيعية العامرة.

وكل النقاط التي سترد حالاً تم رسمها بتؤدة وتحكم في الخطاب الاعلامي المسيَّس والمؤدلج لاهوتياً في قناتي الجزيرة والعربية. وهو ما ظهر في حالات سوريا واليمن وفي حالات التجييش الخطابي لتغطية أحداث أخرى حتى وإن كانت أحداثاً عادية وسياسية، وهذه سمة عامة حين يحاول أصحاب الخطاب التدخل وصناعة الواقع ودلالاته:

أولاً: التزييف:

وهو عملية خطابية تقديم صورة مغايرة لسير الأمور بخلاف ما تجري عليه الأحداث وتخليطها بغير الحقيقة. وهو ما يشير إلى افتعال القضايا التي لا مضمون لها سوى الاتساق مع الهدف غير المعلن (اسقاط النظام السياسي) والإنفراد بالواقع. ودما التزييف يحط من قبل صانعيهعلى الأحداث منتزعاً الشكل والأسلوب ويملي كيف يتصرف الفاعلون إزاءه بالداخل والخارج.

ثانياً: التحريف:

وهو التلاعب في المعطيات وموارد الأحداث كنزع الكلمات والعبارات من سياق يعطيها معنى إلى سياق آخر. لكي يغدو لها معنى بديل يدفع بها في اتجاهٍ بعينه. فلو كانت ثمة خطابات سياسية لرأس النظام الليبي كانت شاشتا الجزيرة والعربية تفسرانه على أنها اعلانات حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية!!

ثالثاً: التضخيم:

تصوير الأفعال والأحداث في الدرجة الأكبر للأثر الذي تحدثه طلباً لنتائجها العاجلة. وطبعاً لا يمشي هذا الأثر خالصاً، إنما يتم الحرص على تشكيله طوال الوقت، والعمل على تأكيده هنا أو هناك، من خلال تغليف الأحداث بالإثارة والتهييج السياسي والحركي. فعندما كانت توجد بعض الأحداث الجزئية الخاصة بالاشتباكات كانت تعتبرها تغطية الجزيرة المعركة الكبرى، والأحداث الدموية القاتلة دون رجعة.

رابعاً: التوظيف:

وهو تحميل الأمور دلالة حركية في إطار التلقي الخطابي. إذ يأخذها نحو خدمة أغراض الخطاب الذي يُراد إيصاله. فقد كانت جميع التغطيات الإعلامية للجزيرة بمثابة منشورات سياسية لا تخلو من تحريض وتدبير ورسم الخطط ضد النظام الحاكم.

خامساً: الحشد الدلالي:

تكثيف الوقائع و التقارير في اتجاه مقصود خلف غبار الأفعال والمظاهر. لإيهام المتلقي بأن هذه الصورة هي الصورة الحقيقية دون سواها. ويحدث الايهام ضمنياً، حيث لا تقول أخبار الجزيرة و لا أخبار العربية أن الصورة صادقة، بل تتركك أنت تقول ذلك. هي عملية استنطاق وملاحقة وعيك بكم مهول من الأخبار المجزأة في الإتجاه نفسه حتى تنهار يقظتك وتخبو روح النقد والرؤية الواضحة. فهي صورة تلاحقك مع المعنى الكامن وراء الألفاظ. وهو المعنى الذي يُرشق في وعي المتلقي كحد السكين من تكرار شحذه الخطابي.

سادساً: المناورة والتمرير:

وهما الفعلان الخاصان بإفهام أطراف معينةٍ (الجماعات الدينية) أثناء المواقف كيف يتصرفون، وكيف يمارسون استراتيجية بديلةً على حساب الموقف المقابل. وهذا كذب لأنَّه ترجيح لقدرات هذه الأطراف المعنية لسرقة نتائج لا يستحقونها. ولعلَّه نوع من اللعب الخفي بجانب طرف دون غيره.

سابعاً: إسقاط الصور:

حيث يسقط الإعلام صوراً من حالات مماثلة سابقة على حالة أخرى مستهدفة؟ كما تم معالجة الحالة الليبية كأنها هي الحالة المصرية أو الأخرى التونسية. ويؤدي الخلط والتبرير بطريقة المماثلة إلى إيجاد قناعة لدى المشاهد أنها حالات متشابهة وأن النتائج ستكون واحدة في النهاية. وبالتالي يجب أن يجري المتابعون وراء النتائج التي حصلت في الحالتين الأوليتين داخل الحالة الأخيرة. والإسقاط نوع من الضغط على الأنظمة السياسية لدفعها لردود أفعال متهورة حتى تسقط سريعاً أو تسلك الطريق نفسه المؤدي إلى الهدف.

ثامناً: استباق النتائج:

وهو عبارة عن رمي المعنى إلى أبعد نقطة بإمكان الخطاب بلوغها. ذلك كي يتم تحصيل الأغراض الأدنى عملياً، والتي لا يتسنى تحصيلها الآن. ولعله- أي الاستباق- في الإعلام عبارة عن مبارزة الطرف الموجّه له الخطاب بما هو مطلوب أن يفعله، ووضعه في زاوية ضيقة. المثال الواضح تلك العبارة المكررة التي جاءت بتصريحات المسؤولين الأجانب عندما تكثر الحشود وتتأجج الأحداث: (على الرئيس أن يرحل فوراً). حيث تتلقفها الفضائيات لتؤكدها- بمنطق القرار- عبر موادها الإخبارية طوال اليوم والليلة.

تاسعاً: التبرير:

لعله محاولة لإقرار شيء من باب الدفاع عن شيء آخر. كما فعل الإفتاء الديني بصدد مشروعية الاستعانة بغير المسلمين. فقد أشار يوسف القرضاوي إلى شرعية (بل وجوب) هذا المطلب الخاص بالاستعانة بالقوات الأجنبية، بحجة أننا الذين طلبنا منهم التدخل في شؤوننا. وأن التدخل الأجنبي لم يأت ليعتدي علينا إنما جاء لإنقاذنا من شر مستطير. وكان القصد من وراء ذلك أن الغاية تبرر الوسيلة ولو كانت مخالفة للدين أو القيم.

عاشراً: التمويه:

عندما يتم الإشارة إلى عمل ما بأنه حقيقي لأجل التأكيد على أنَّ غيره غير صحيح. مثلما نوهب الجزيرة ذات مرةٍ إلى موقف إسرائيل الناقد لها كقناة معادية ابتغاء دفع التهمة القائلة بأن الجزيرة تخدم مصالح صهيونية في المنطقة العربية. وطبعاً ذُكر الخبر وسط أحداث أهم كانت أولى بالتعليق غير أنَّ أهمية الخبر لصاحبه (الجزيرة وقطر) أكبر من المشاهد.

حادي عشر: إساءة الاستخدام:

وهي حالات التحدث بخطابٍ عام له مبرراته وأدواته وبنيته، ثم يتم تطبيقه انتقائياً على حالة جزئية لبلوغ حكم عام. كما جري مع الفتاوى التي تتحدث بأدلة خطابية دينية لاستصدار حكم إزاء موقف أو فعل. وقد لا ينطبق هذا الخطاب على تلك الحالة. بل في الأغلب يحرف حقيقتها، أو يعجل بالحكم عليها ويؤدي إلى نتائج وخيمة.

فضمن المشاهد المبدئية بحسب سير الأمور، كان للخطاب الديني حضوره بتأكيد مشروعية الأكاذيب وإهدار الدم وبالأدعية الديجيتال في مواجهة النظام الليبي. وأبعد من هذا، لقد أصبح الكذب حقاً مفعولاً لأية جماعة دينية ترى في مصالحها إمكانية التحقق على خريطة ليبيا آنذاك، ألم يكن النظام الليبي– من وجهة نظرها- خارجاً عن (الملة السياسية) لهذا الخطاب؟!

 

د. سامي عبد العال

.............................

[1]- هذا المفهوم (الظاهرة التليفزيونية) مهم لتصوير الأحداث تحت ضغط اللغة المتداولة. فإذا كانت اللغة بالمعنى الخطابي تاريخية كما يقول تزفتيان تودوروف، فقد تجسدت هذه اللغة حراكاً عبر الخطاب الافتراضي للإعلام. ولاسيما مع تغطية قناتي الجزيرة والعربية الخليجيتين. وهو الأمر الذي مكنهما من انتهاك حدود الحقيقة. وكما سنوضح بالمتن مثلَّ انحيازهما حيلة استراتيجية استغلت الموارد الخطابية (الدينية) في تعميم نمط الحالة الثورية على تجارب مصر وتونس وليبيا. فاللغة كانت تحريضاً للفاعلين في الواقع لا كشفاً له، أي كانت إسهاماً في أنشطته الثورية. إذ جري انتقاء الكلمات المستنفرَّة، وتم استعمال اللغة بالإيحاء النفسي، وتم مواكبة التعبير بالتصوير فكان ثمة إحلال وتبديل بين الكلمة والمشهد. وأصبح هذا المنطق فاعلاً، لأنَّ الخطاب الديني مشحون أصلاً بالرصيد التعبوي والخيالي. لهذا امتلأت لغة الأخبار بكل مواصفات الحس والغرائز الأولية في حياة الإنسان. العدوانية والعنف والتدمير داخل حشود متحفزة أو متقاتلة باختلاف الأحداث. إذن الشيء المشترك بين الإعلام و طرح الدين هو لغة الخطاب، فجأة مع تواتر الأخبار تماهى الاثنان وعقدا صلةَ زواج لُغوي على طاولة الهتاف والاشتباك. 

[2]- " الحس التلفزيوني" هو آثار تتركها مشاهدة الشاشة الفضية على وعي الجمهور وإحساسهم. فقد خضع المتابعون لساعات بث طويلة خلال أحداث الربيع العربي. مما أفقدهم رؤية الواقع حقيقةً، بل أفقدهم تمييزاً بين أمور كثيرة دونما التخلص من الانحيازات الأيديولوجية المبثوثة. وشكل الحس بهذا المعنى حساً بديلاً عن الحقيقة، بل خيالاً بديلاً يختفي أمامه الواقع. لم يكن المتابع ليتسأل ولا لينتقد ولا ليذهب بمنأى عن أسر الصورة المؤدلجة. حتى غدا جزءاً من عتاد الاعلام في التأثير على مجرى الأحداث. هذا الحس أيضاً ترجم اللغة إلى أداء جمعي. امست اللغة فعلاً سابق الإنجاز ومنتهي النفاذ. وهي خطاب يقع تحت معنى القابلية للافتراض. كأنه يؤكد على دلالة الأخذ بالاتجاه المطروح والذي تعبر عنه القناة بأسلوبها المكثف والتلويني. 

[3]- كان كلام الطرفين المشار إليهما هامساً أثناء الفاصل. حيث أوصي الظفيري لدرجة الأمر لعزمي بشارة بعدم الاقتراب من المملكة الأردنية الهاشمية وتكثيف التعليق المتوغل في التفاصيل والتحريض والإثارة على ليبيا ومصر. وعلى الرغم من كونه كلاماً عابراً بين الفاصل، إلاَّ أنه قد كشف إلى مدى كانت تغطية خطاب الجزيرة للربيع العربي تغطية غير بريئة. على أدنى تقدير أوضح أن التعليقات والأحاديث جرت وفقاً لبرنامج مدروس وتبعاً لخريطة مرسومة كما نوهنا بالمتن. وليس التنويه اعتباطاً إنما أكده همس الظفيري وبشارة مع طريقة الحوار. واللقطة بمجملها كاشفة لأداء العمل الإعلامي في التكثيف والتأثير. وربما المشهد يبرز على الصعيد السياسي كيف يعبد الإعلام طريقاً للخطط والأفكار والبيانات (بيانات وزراء خارجية أمريكا وانجلترا وفرنسا وقطر). 

[4]- من تلك الزاوية يمكن النظر إلى الإنسان بوصفه حيواناً تلفزيونياً. فلم نر حماراً ولا غزالاً يجلس أمام التليفزيون لساعات طويلة، ولم نر ظرافةً تتلقى صوراً وتقارير بغرائز العدوانية والاستنفار!! فالمتابع العربي لا يشاهد التلفزيون فقط إنما يتبادل الأدوار مع الصور. ففي الصور بخاصيتي" التمثيل والتخييل" يخرج طاقته الداخلية ويدمج رصيده الغريزي عبر تصوراته ورؤيته للعالم والأحداث. حتى أنه يسمح بتشكل تكوينه الذهني مع تحولات غرائزه. الصورة عندئذ هي محل الاندماج اللاواعي بالحالة الافتراضية. حيث تتسرب إلى أعماق تلقيه. فنظراً لكونه - هو الآخر- منحازاً أيديولوجياً (وبخاصة الأيديولوجيين الإسلاميين)، تصبح الصورة و اللغة مثيراً شهوياً. ويتحول الواقع إلى كتلة حسية، كأن الإنسان يستقبل الأشياء والأفكار والأفعال كجزء من أحاسيسه. حتى أننا قد نظن ذوبان الأحداث في شكل أفعال مثيرة كالإثارة الجسدية. لقد حرص هذ الخطاب الاعلامي على طرح التغطية من خلال التمثيل الجسدي، سواء بطرائق الكلام أو بالاشتباك بجميع أصنافه. 

[5]- لاهوت أمريكا السياسي يبدو واضحاً في وقوفها الخفي والسري والمقدس في آن معاً ضمن الأحداث. وهي في غير مناسبة تعلن ربوبيتها لمنظمات دولية تحركها عن بعد وتمارس طقوس السيادة من خلالها. كما لم يعد خافياً هذا الأثر الأمريكي في مناطق التحول والصراع السياسيين على امتداد العالم العربي. وحتى على الرغم من عدم معرفتنا بحجم هذا الوقوف إلا أننا نتوقع أنه سر، وأنَّه فُعلَّ بعيداً عن أعيننا. كما أن لاهوت أمريكا، بمعني المرجعية السياسية الدينية، يتشابك مع لاهوت الربيع العربي. لأن الأول سيوظف الثاني ويعيد إليه وزنه النوعي من أجل الإفادة منه في الواقع. حقاً طُرح سؤال أساسي: هل تؤيد أمريكا جماعات الإسلام السياسي؟ طرح السؤال نظراً لوقوفها بأساليب مختلفة بجوار الإسلاميين وإن كان الادعاء العام أنها تناصر الشعوب الحرة من أجل الحصول على الحرية. هكذا مثل لاهوت أمريكا جغرافيا الثقافة والأرض. وقد نرى مصطلح "فجر أوديسا" في هذا المناخ البرجماتي. فلا مانع من استعمال كلمات تطرق الذهن بجذورها الممتدة مع التاريخ، وتبدو في نفس الوقت لامعة. وفوق ذلك تحمل معاني إنسانية تجاه تشكيل صورة العالم الجديد. وقد حرصت على استعمال" لاهوت" ، لأنه لا يفهم كيفية توظيف جماعات ذات خلفية دينية إلا رجال دين لكنهم يمثلون أباطرة السياسة ويخفون خناجرهم تحت جلباب الحرية والربيع القادم.

 

 

ادم عربيالفلسفة يجب ان تُفهم كيف ينظر الانسان الى العالم، وكيف يفهمه، انها علم الواقع والذي ضاق به كل علم، انها علم القوانين الموضوعية للعالم، فاللواقع في شموليته من القوانين ما يؤكد الحاجه للفلسفه علما تكتشف له وتصاغ تلك القوانين،انها التأمل النظري العميق في مسائل الوجود ككل، ان طبيعة الفلسفة تختلف عن طبيعة العلم، الفلسفة تجيب عن اسئلة وتساؤلات لا يجيبها العلم، فالفلسفة تبحث بما عجزعنه العلم، لجهة ارتباط الفلسفة بالواقع فالفلسفة كتفكير كثيرا ما ساهم في تغيير أوضاع الإنسان من خلال البحث عن الأفضل دائما، الإنسان يعتمد في تكوين معرفته وصقل تجاربة وتطوير حياته عن طريق الفلسفة والعلم، فالفلسفة تطرح سؤالا ليحاول العلم الاجابة عليه، لكن الفلسفة تقوم بتقييم ونقد تلك الاجابه .

يجب النظر الى العالم كوحدة واحدة او ككل موحد وليست مقسمة الى اجزاء، فالعلوم بمختلف اشكالها من كيمياء وفيزياء وغيرها هي الاجزاء والعلم الشامل لا بد ان يكون الفلسفة، لكل علم قوانينه الموضوعية لكن لا قوانين موضوعية تشترك فيها كل تلك الاجزاء، اذن لا بد من اكتشاف القوانين الموضوعية العامة اذا اردنا علما فلسفيا منهجيا يُغير في الانسان.

البرق ظاهرة مادية لها اسبابها المادية ولها اسبابها الميتافيزيقة، فقديما كان يُنظر للبرق بانه غضب السماء ولا سبيل للخلاص من ذاك الغضب سوى التقرب للسماء، لكن مع فهم الظاهرة المادية للبرق لا حاجة للتقرب للسماء، الانسان وفي صراعه مع القوانين الموضوعية توصلا للحقيقة، وهذه الحقيقة لا يوجد طريقة يُختبر صحتها فيها سوى التجربة، فالتجارب بفشلها ونجاحها تصيغ لنا القوانين الموضوعية والتي لا سبيل لها الا التجربة، وهذا المنهج ما اصطلح الفلاسفة على تسميتة بالمنطق، وهذا المنطق وضع له الفلاسفة قواعد ومباديء، اي فكر لا بد له ان يراعي تلك القواعد والمباديء اذا اراد صاحبه الوصول للحقيقة .

ان كل مجموعة من الناس تميل الى بقاء الواقع ما دام في صالحها، وتستخدم كل الحجج والعلوم لادامة هذا الواقع المتصالح مع مصالحها وابعاد الناس بكل الوسائل عنها، فمثلا او اردنا معرفة اسباب ظاهرة الفقرفي العالم وتحليها، فلن نجد الدراسة العلمية التي تحابي العمال، بل سنجد كل الدراسات تبتعد عن السبب الحقيقي للفقر ولصالح الطبقة المسيطرة والتي هي سبب الفقر، وسنجد كل البراهين والاثباتات التي تجعل العامل يعتقد ان الفقر قضاء وقدر، .

اننا ننشد الحقيقة ونبحث عنها وان اردنا نقيض الحقيقة فلا بد ان يكون الخيال، وشتان ما بين الخيال والحقيقة، رغم اهمية الخيال في البحث عن الحقيقة، لكن ما هي الحقيقة؟ انها كل فكرة تطابق الواقع الموضوعي،فليس من ميزان نزن به الحقيقة في كل فكرة الا الواقع الموضوعي،، الممارسة والتجربة،، واذا جائت الفكرة متطابقة مع الواقع الموضوعي فالحقيقة هي المنطق الذي يجبرنا ان نفهم الحقيقة على انها كل فكرة لا تتعارض مع الواقع الموضوعي .

الناس بصورة عامة منقسمون في موضوع الحقيقة، البعض يعترف بالحقائق النسبية ولا يعترف بالمطلق من الحقائق، فكل ما في قاموسه النسبي من الاشياء، والاخر لا يعترف الا بالحقائق المطلقة، اي لا يقبل اي فكرة كحقيقة الا باعطائها طابع المطلق من الاشياء، لكن هل من رابط جدلي بين النسبي والمطلق ؟ ولماذا هذا الشخص نسبي الحقيقة وذاك مطلق الحقيقة؟ متى ما فهمنا ان الوجود المتناقض لكل شيء على انه الحقيقة المطلقة ينتهي الاشكال، يجب النظر للوجود المتناقض على انه الحقيقة المطلقة، لموقف انساني حدث معي من قبل شخص ما احكم عليه انسانا طيب ولموقف اخر غير انساني حدث لشخص غيري من نفس الشخص يحكم عليه غيري بشخصا شريرا، ان الشخص نفسه شريرا وطيبا في الوقت نفسه وهو بمثابة المطلق من الحقيقة في مثالنا هذا، ان الجدلي لا بد ان يفهم الحقائق بجدليتها .

على اننا وفي اطار سعينا عن الحقائق والتي لا طريق لها سوى المنطق والذي ما من مقياس نقيسه به سوى الممارسة والتجربة، فمتى ما اتفقت مع الواقع المووضوعي زادت نسبة الصواب فيها ومتى ما بعدت عن الواقع الموضوعي نقصت نسبة الصواب فيها، نبقى بعيدين كل البعد عن حقيقة الحقيقة المطلقة، فما هو اليوم يتوافق مع الواقع يُصبح غدا بعيدا عنه ليوافق مع واقع جديد وحقائق جديدة تجعلنا نقول ان المطلق من الحقائق هو نسبي ايضا .

 

د. ادم عربي

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن موقف فوكو من ظاهرة الجنون، والسؤال الآن: كيف يكون للجنون خطابا فلسفيا،إذا كان الجنون هو نقيض العقل، أو هو كما يقول ميشيل فوكو بحق-غياب الإبداع . إن الجنون، في حقيقة الأمر، وإن كان يبدو خرافياً لكل نظام وخروج عن كل مألوف، لا بد أن يخضع لنظام، لنظام يحدده، في الواقع، العقل السوى، أي العقل الذي يخضع من الناحية العلاجية والإجرائية لسلطة الطبيب والمشرع، وإن كان حقيقته انعكاساً لقيم جمعية عامة تحدد المبادئ والمعايير التي تحكم هذه السلطة (10)

ومن ثم كان للجنون، بمعناه الواسع الذي سنراه، وليس في حدود المرض العقلي الذي ينتهي في غياهبه كل خلق وإبداع، سمات إيجابية كبري يناط بالأدب الرفيع والفكر الفذ استغلالها واستثمارها في إنتاج ضروب من المعارف والحقائق الباهرة، التي لا تدركها،أو تفطن إليها العقول الأليفة والسوية . وليس من شك في أن أهم هذه السمات و إبراز الجانب النسبي في كل مفهوم للنظام، وإلقاء الضوء علي الميكانيزمات الاجتماعية، والثقافية، والتاريخية التي تحكم هذا النظام، وتربطه، داخل شبكة علاقات القوى التي تنعقد حولها بنية النظام الاجتماعي – بالنسق المعرفي والعلمي (11).

ثمة من يقول إن الفيلسوفين ميشل فوكو (1926 – 1984) ولويس ألتوسير كانا مهددين بالجنون في شبابهما الأول، لكن فوكو نجا من الخطر بعدما استطاع تأليف كتابه عن «تاريخ الجنون»، في حين أن التوسير غطس تماماً. الأمر اللافت هو أن التوسير يذكر دائماً فوكو عندما يتحدث عن مرضه العقلي أو جنونه. الواقع أنه تعرف الى فوكو منذ بداية شبابه الاول، وكان يعرف أنه يقف، مثله، على حافة الجنون ويعاني أزمة داخلية مرعبة. لكن تكمن عظمة فوكو في قدرته على الإفلات منها في اللحظة الأخيرة بعدما أوشك مراراً ان يسقط في الهاوية (12).

ولذلك ليس من الغريب إذن أن يكون هناك - كما ذهب فوكو – للجنون تاريخ، ولهذا وجدنا  الخطاب الطبي – الباثولوجي يحتل علي وجه خاص مكانة في أعمال فوكو، حيث اهتم فوكو بدراسة كتاب (تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي ).

ويعد تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي لميشيل فوكو أول عمل نظري متكامل،بل يمكن اعتباره الانطلاقة الفعلية لمشروع نظري ضخم امتدعلي ما يقارب ربع قرن كانت مادته الأساسية " الخبرة الإنسانية" في لحظات إبداعها لأشكال العسف المتنوعة للحد من اندفاع الجسد والروح، وتخطيها لحدود " المعقول" و" العقلاني" و" المستقيم" و" الرزين" للانتشاء بالذات داخل عوالم اللاعقل التي لا تعترف بأية "حدود إضافية " غير تلك التي تاتي من أشياء الطبيعة وطبيعة الأشياء.

والكتاب زاخر بمعرفة علمية تخص الجنون والعقل واللاعقل والاختلال النفسي وكل السلوكيات " الغربية" و" الشاذة"، وكذا الاندفاع نحو حدود لا تتوقف عن التوغل في المجهول . لذلك فهو يتحدث عن " الطب العقلي " و" السيكولوجيا" و" التحليل النفسي "، وكل الأشكال العلاجية التي أعقبت العصر الكلاسيكي معلنة عن ميلاد "المجنون المريض" الذي سيخلف المجنون " الدرويش" و" والوحش" و" الشاذ"، تماماً كما سيخلف المارستان والعيادة دور الحجز والمستشفي العام.

ولكنه يتحدث أيضا عن معلومات السحر والشعوذة والطقوس الاستثناسية ويتحدث، وهذا هو الأساس، عن العوامل الرمزية وكل الصور المخيالية التي أنتجتها المخيلة الإنسانية من أجل رسم حدود وعالم غريب هو عالم الجنون والمجنون المليء بالصور والاستيهامات، والمليء أيضاً بأشكال النبذ والإقصاء (سفينة الحمقي)، فكل شئ يتحدد ضمن هذه العوامل، من خلال التقابل الذي بين " حقيقة الجنون الموضوعية"، التي يتعرف طريقها عاجلاً أو آجلاً إلي مستشفي الأمراض العقلية وبين العوالم الثقافية التي تستثيرها شخصية المجنون .

وكتاب " تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي " صدر عام 1961 حيث كتبه ميشيل فوكو، عندما كان في السويد. وفيه يفحص الأفكار والممارسات والمؤسسات والفنون والآداب المتعلقة بالجنون في التاريخ الغربي.

يبدأ الكتاب في العصور الوسطى، ليشير إلى العزل الفيزيائي والاجتماعي الذي أحاط بالمجذومين. يقول فوكو بأنه ومع الانحسار التدريجي للمجذومين في المجتمع، تم ملء الشاغر من خلال المجانين، فالعزل ظل موجوداً لكن موضوع العزل تغير. أمثولة سفينة المجانين التي ظهرت في القرن 15 هي تعبير حرفي عن هذا الاستبعاد، إذ تم إرسال المجانين بعيداً على متن سفن تجوب الأنهار الأوربية من دون قبطان (13)

وقد وقعت حركة خلال القرن السابع عشر في أوروبا ويتميز فوكو بوصفه لها بأنها الإرهاص العظيم، الأشخاص غير العاقلين من الناس كانوا يحتجزون بعيداً من خلال مؤسسات. في القرن الثامن عشر بدأ اعتبار الجنون نظيراً للعقل، وأخيراً في القرن التاسع عشر بدأ مصطلح "المرض العقلي" يأخذ مكاناً له. ويجادل فوكو بأن الجنون فقد قدرته على الدلالة على أهمية حدود النظام الاجتماعي وبالتالي توضيح الحقيقة وتم إسكاته من خلال العقل. يتفحص فوكو ظهور المعالجات العلمية والإنسانية للمختلين، التي ظهرت على يد فيليب بينيل وصموئيل توك. ويزعم فوكو بأن هذه المعالجات لم تكن في واقع الأمر أقل "سلطوية" من تلك السابقة لها. فقد اعتمد توك في سعيه لعلاج المجنون على معاقبته حتى يتعلم السلوك "العاقل". كذلك الأمر بالنسبة لفيليب الذي اعتمد معالجات منها الحمام البارد. من وجهة نظر فوكو، يتصاعد هذا العلاج حتى يستدخل المريض هذا النمط من العقوبة.

يتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء كبيرة يتكون كل منها من خمسة فصول، إلا الجزء الثاني فيتكون من أربعة فصول فقط. يستهل مترجم الكتاب سعيد بنكراد الكتاب بمقدمة قيمة عن الكتاب بوصفه الانطلاقة الفعلية لمشروع نظري ضخم امتد ما يقارب ربع قرن كانت مادته الأساسية «الخبرة الإنسانية» في لحظات إبداعها لأشكال العسف المتنوعة للحد من اندفاع الجسد والروح، وتخطيهما لحدود «المعقول» و«العقلاني» و«المستقيم» و«الرزين» للانتشاء بالذات داخل عوالم اللاعقل التي لا تعترف بأية «حدود إضافية» غير تلك التي تأتي من أشياء الطبيعة وطبيعة الأشياء. يضع فوكو كل المفاهيم السابقة بين مزدوجتين لأنه يرى فيها وجها آخر فباسمها مارس التنوير إقصاء لكثير من جوانب الذات الإنسانية بحجة أنها غير عقلانية أو منحرفة .. الخ.

والسؤال الآن: كيف نقرأ أطروحة ميشيل فوكو؟ بدءًا من مقدمة كتاب الجنون والخلل العقلي"، يُصدَم القارئ بمدى صعوبة فهم ما يقصده المؤلِّف؛ حيث يفاجئنا دومًا على نحو غير متوقع بأسلوبه الشائق والرائع، وفكره الذي لا يقل عنه روعةً، وجدليته المُقنِعة، حسبنا فقط أن ندعي قراءة هذا العمل من منظور النقد التاريخي. يطرح فوكو بعض البديهيات، التي ما إن نسلم بها، حتى تقودنا طيلة قراءة ذلك الكتاب، كما لو كنا تقريبًا بصدد قبول قواعد لعبة سباق. بيد أن النرد مغشوش، منذ السطور الأولى. ماذا يعني فعليًّا ذلك القول المقتبس عن باسكال: «إن الرجال بالضرورة مجانين لدرجة أن عدم الجنون سيكون ضربًا آخر من ضروب الجنون»؟ وما المقصود بذلك القول الذي تلا الاقتباس السابق مباشرة، والذي جاء على لسان دوستويفسكي حين قال: «إن حبس جارك ليس هو السبيل لتتيقن من رجاحة عقلك»؟ ماذا تعني هذه العبارات الواردة بهذا الشكل، إن لم يكن المقصود منها أولًا تفنيد مفهوم الجنون نفسه، أو بالأحرى عدم التمييز بين ما يتبع الجنون المَرَضي وما يتبع الجنون بمعناه الفلسفي والأخلاقي؟ انطلاقًا من وجهة النظر هذه، قد يجمع الجنون بين كلا الاتجاهين. وفقًا لفوكو، ربما يكون الجنون إذنْ «واحديًّا»، بيد أننا سبق أن رأينا الجنون في العصور القديمة وهو يختلف تمام الاختلاف عن مثيله في العصور الوسطى (14).

ولكن ليست هذه هي المشكلة، فها نحن أمام هذه المُسَلَّمة المتعلقة ﺑ «غير المجنون»، ذلك المجنون الآخر «الذي يستخدم لغة تخلو من الرحمة»، والذي بَدَر منه يومًا ما سلوكٌ يتسم بالجنون. يتعلق الأمر ﺑ "إيجاد لحظة التآمر تلك". ومن ثم، إيجاد "نقطة انطلاق في تاريخ الجنون" - وبعيدًا عن كونها قديمة قِدم تاريخ البشرية نفسها - إلا أنها قد تكون جاءت بعده بوقت طويل، فقد ظهرت في «لحظة» ليست كغيرها: وهي لحظة "المؤامرة". لا مجال بالنسبة إلى فوكو للرجوع إلى العصور القديمة في هذا الصدد، على الرغم من أنه قد سبقت الإشارة إلى مدى أهمية هذه المرحلة فيما يتعلق بالأمراض العقلية. إن إشاراته النادرة إلى تلك الفترة جعلت منها حقبة زائلة، حتى لا نقول غير موجودة. هذه الجدلية قادت فوكو إلى الاستشهاد بنيتشه (الذي أعطى أيضًا الأفضلية للعقل على الحق) ليعلن، بأسلوب غليظ وقاسٍ، رفضه ونبذه للغرب وعقلانيته اللذين وضعهما، للبرهنة على صحة كلامه، في مقابلة مع الشرق المؤيد ضمنيًّا لمذهب اللذة والمتعة. فها هو ذا الإنسان الغربي يقف متهمًا: "إن الإدراك الحسي لدى الإنسان الغربي للزمان والمكان المحيطين به يكشف عن هيكلية للرفض، تتم من خلالها إدانة قول باعتباره لا يمثل لغةً، أو إيماءة باعتبارها ليست عملًا، أو شخصية ما كما لو كان لا يحق لها أن تأخذ مكانها في التاريخ.» ما يثير اهتمام فوكو، وما يودُّ رؤيته، هو القرار (وتوقيت ذلك القرار) الذي يربط ويفصل بين العقل والجنون (15).... وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

........................

هوامش المقال

10- محمد علي الكردي : الجنون في الأدب الفرنسي : العقل و اللاعقل أو خطاب الجنون عند ديدرو، عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، مج 18 ,ع 1، 1987، ص 19.

11-ميشيل فوكو:  ا تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، 2006، ص 11.

12- المصدر نفسه، ص 133.

13- المصدر نفسه، ص 206.

14- المصدر نفسه، ص 209.

15- المصدر نفسه، ص 255.

 

 

محمود محمد عليلم تترك الفلسفة مجالا إنسانياً دون التطرق إليه ومحاولة توفير قاعدة فكرية (فلسفية) تعطي تفسيراً مقبولاً للظاهرة. لذلك نجد أن الفلسفة والعلوم مترابطان بقوة ويكمل احدهما الآخر، ضمن هذه المواضيع نجد أن الفلاسفة حاولوا ويحاولون تفسير ظاهرة الجنون، كظاهرة يتصرف فيها الإنسان بدون وعي.. بمعنى آخر بعض التصرفات يمكن أن توصف بجنون مؤقت، حين يقع الإنسان تحت تأثير حادث أو ظاهرة تجعله يتصرف بفقدان كامل للوعي.هذه الظاهرة كثيراً ما يجري استغلالها من رجال القانون للدفاع عن جرائم ارتكبها موكليهم (1).

ولئن كانت الفلسفة قد اهتمت بالعقل، وجعلته في مركز تفكيرها وبحثها وتأملاتها، وعملت على تكوين وتشكيل المفاهيم المتعلقة به، وانصرفت نحو دراسة نظرياته، فإن نقيض العقل، وهو ظاهرة الجنون، لم تجد من الفلاسفة الإغراء الكافي أو الشغف الذي يجعلهم يبحثون في عوالمه ومجاهله، فمنذ الانطلاقة الحقيقية للفلسفة في العصر اليوناني، كانت مسألة العقل والمنطق حاضرة بقوة إلى حد تعريف الإنسان من قبل الفيلسوف أرسطو بالحيوان الناطق، في حين صمتوا عن الجنون إلا من إشارات عابرة، على الرغم من أن كثيراً من هؤلاء الفلاسفة كانوا ضيوفاً على عيادات الأمراض النفسية (2)

ولذلك يعترف "أندريه لالاند" في كتابه المعجم الفلسفي أن الجنون "لفظ عام ومبهم جدا"، فهو مفهوم ضبابي غير واضح، ذي حدود غير مضبوطة بما أن الأمر لا يتعلق بتفسير ماهية الجنون بل بتقديمه بوصفه بديلا متاخما للعقل. إن الجنون، عند العديد من اليونانيين، هو الهوس (mania) الذي غالبا ما يكون مرتبطا مع عدة كلمات قديمة وبعواطف الروح التي غالبا ما ينظر إليها سلبيا: مينوس (menos)، باثوس (pathos)، باثيما (pathema)، إيبيثوميا (epithumia)، للحديث بالإغريقية، و إنسانيا (insania)، فورار (furere)، ديليروس (delirus)، اضطراب (perturbation)، أنيمي (animi)، أو كذلك الليبيدو (libido) للمصطلحات اللاتينية. كل واحدة من هذه الكلمات تفتح الكثير من الفروق التي كان يعالج الجنون من خلالها في العصور القديمة اليونانية والرومانية: مرض الروح، المعاناة، الإلهام الإلهي، العاطفة، الشر، الرغبة، الحركة، الارتجاج، تؤثر، شهوة وغيرها (3).

وهناك تنوعاً في الأبعاد والدلالات التي يمكن أن يأخذها الجنون عند فلاسفة اليونان القدامى. تارة ينظر إلى الجنون إيجابياً حينما يفتح للعلم بشكل خفي تنبؤات (présages)، وتارة أخرى ينظر إليه سلبيا عندما ينسب إلى أمراض الروح التي تورط في المغالاة (intempérance). (4).

وقد كان اليونانيون يعتقدون بأن من الجنون ما هو إلهي فيكرمون صاحبه اكرامهم بيتي الدلفية التي كان يهتف ابولون بفيها . ومنه ما هو شيطاني يمت صاخبه بصلة إلي الأرواح الخبيثة فينفرون منه وتعهدونه بأنواع العذاب والقتل . وهناك نوع ثالث وهم الأبرياء الذين مسهم الشيطان بضر فقد كان الكهان يتدبرونهم في الهياكل بأنواع الطقوس الدينية وغيرها (5)

ويظهر أن أول من عالج الجنون بالعقاقير عند اليونانيين "ملاينوس الارغومي" سنة 1526 ق.م فقد شفي بنات فيتوس ملك الارجيين بمعالجتهم بالخريف والاستحمام بالمياه الحارة، ثم جاء أروفي Orphee فعالج المجانين بالرقي والمخوسيقي . وعقبه شيرون Cheron ثم تلميذه اسقلبيوس Esculape الملقب بآله الطب 1143 ق. م الذي نحتت له التماثيل وشيدت الهياكل في كنيد وكوس ثم ابيدور (6).

ثم انتقل الطب إلي روما فظهر سنة 80 ق . م اسقليبدس Asclepiade فقسم الجنون إلي جنون حاد مع حمى اوفرانيطس وإلي جنون مزمن بلا حمى ومنه الماتيا والماليخوليا، وفرق ما بين الوهم Halluciuotion والتخيل Illusion، وفي سنة خمسة قبل الميلاد قال سلز Celese بتقييد المجانين بالسلاسل وقصاصهم . ثم ظهر غوليوس اوراليوس Coelius Aureliauus فاشتغل بمعالجة الأمراض النفسية بصورة خاصة ودعا إلى معاملة المجانين باللين والحسني . وأبلي في مقاومة الكفرة القائلة بغلهم وتعذيبهم ومعاملتهم بالشدة والقسوة بلاء حسناَ . وقد كان لا يجيز استعمال الربط إلا في حالات الهياج الشديد علي أن تكون من القماش اللين اللطيف وبصورة لا ينال بها جسم المريض أذي، وفي سنة 131 ق . م أتي جالينوس فلم يزد في طب النفس علي ماء به اسلافه شيئا يستدعي البحث أو الذكر (7).

وفي العصور الوسطي الإسلامية، وبالذات في القرن السابع الميلادي جاءت الشريعة الإسلامية ليكون لها فصل السبق علي سائر الشرائع القديمة والحديث بوضخ أخكام للمجانين جامعة مطابقة لروح العدل والعلم والاجتماع علي اختلاف الزمان والمكان، فهي تنزل المجنون في الحكم، وفي المعاملات منزلة الصغير غير المميز أحيانا حسب نوع جنونه ودرجته . وتقضي علي السفيه والفاسق اللذين يعدهما العلم الحديث من المنفوسين بالحجر محافظة علي أموالهم . وتحدد درجات المحجورين والمأذونين منهم وتعرفهم وتبين أنواعهم وتفصل أحكامهم بالنسبة لأنواع التصرفات مما لم تتوافق إليه الشرائع المدنية الحديثة إلا في القرن الأخير . فالمجنون في الشرع الإسلامي غير مكلف وهو محجور لذاته . وحكمه حكم الصغير غير المميز إذا كان جنونه مطبقا، وحكم الصغير المميز إذا كان جنونه قسميا، وتصرفات المجنون في حال إفاقته كتصرف العاقل، والسفيه المحجوز هو في المعاملات كالصغير اللميز ووليه الحاكم فقط . ويضمن المجنون الضرر والخسارة اللذين نشأ من فعله . ولا ينفذ حكم القتل علي من جن تنفيذ الحكم ويستند القاضي في إثبات الجنون إلي الخبير من الأطباء .. إلي غير ذلك من الأحكام الكلية المرعية اليوم عند أرقي الأمم حضارة وثقافة ومدنية (8) .

وإذا كان الطب النفسي يرفل في الممالك الإسلامية بأبهي الحلل كانت أوربا تائهة في ليل من الأضاليل، وقد شاع فيها الاعتقاد بالجنون الإلهي والشيطاني شأنه في القرون المتقدمة، فراحت تبجل المصابين بالهذيان الديني، وترمي بالكفر المبتلين بأنواع الهذيان المخالف للشرائع والمعتقدات، فيحكم عليهم بالسجن، والقتل، أو يقذف بهم في أعماق آبار روما الدقيمة، حيث يقضون نحبهم ضحية الجهل المطبق كالعته التام، والبلاهة الشديدة . وقد كان هؤلاء المرضي غير المسؤولين يرسلون إلي قرى وجزر غير آهلة ولا منبتة تخصص لهم صيانة للناس من أذاهم، والهولنديون هم أول من ابتدع هذه الطريقة في تجريد المجانين، وقد كانت هذه القرى ذات أسوار ضخمة مرتفعة وفي داخلها غرفة ذات سلاسل وقيود يقيد بها المجانين المحتدون ويظلون فيها إلي أن يقضوا نحبهم (9).. وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.............

هوامش المقال

1- نبيل عودة: فلسفة مبسطة: مفاهيم الجنون، https://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي، 2015 / 7 / 22.

2- علاء الدين محمود: الجنون والأدب، اليوبيل الذهبي للخليج، 11 يناير 2020 03:35 صباحا، 11 يناير 2020 03:35 صباحا.

3- لوكيلي حسين: في إنصاف الجنون، ضمن عدد الفلسفة الألمانية / الفكر العربي الإسلامي،، العدد 43، مخبر، 2021.

4-المرجع نفسه.

5- أسعد الحكيم : ماهية الجنون وتاريخه، مجلة المجمع العلمي العربي، المجمع العلمي العربي، مج 13 ,ج 4,3، 1933م، ص 131.

6- المرجع نفسه، ص 132.

7- المرجع نفسه، ص 133.

8- المرجع نفسه، ص 206.

9- المرجع نفسه، ص 209.

 

 

علي رسول الربيعيأصبحت الديمقراطية الليبرالية البرلمانية المتعددة الأحزاب مقبولة على نطاق واسع  في هذا العصر بوصفها النموذج الديمقراطي الأعلى في معظم دول العالم. لكن لا تزال تثير الديمقراطية الليبرالية الخلاف بين المدافعين عنها ومنتقديها على الرغم من كل مزاياها. عبرالمعلقون على الديمقراطيات الغربية الراسخة منذ زمن طويل نسبيا، على سبيل المثال، بشكل متزايد عن شكوكهم حول قوة مؤسساتها السياسية.[1] يرجع أحد أسباب ذلك الى أن الانتصار الواضح للديمقراطية الليبرالية قد حدث في الوقت نفسه الذي أصبحت فيه الميول نحو التفكك الاجتماعي والعزلة الواسعة النطاق للناخبين أكثر وضوحًا في العديد من  البلدان بدا من الدول الغربية. دفعت هذه المخاوف الى إثارة أسئلة حول الأسس الفلسفية للديمقراطية الليبرالية والدفاع عنها. جاء نقاد الديمقراطية الليبرالية من داخل التقليد الديمقراطي الليبرالي ومن خارجه.

تشير قوة ونطاق هذه الانتقادات إلى أن الحجج حول الديمقراطية تظل حاسمة لكل من السياسة والنظرية السياسية. توفر مثل هذه المناقشات حول معنى وجوهر الديمقراطية جزءًا من الأساس المنطقي لهذا الكتاب وهدفنا هو استكشاف المساهمات التي قدمتها الشخصيات الرئيسة في الفكر السياسي والإجتماعي المعاصر. لقد تم اختيار هؤلاء المنظرين لعلاقتهم بالمناقشة الفكرية المعاصرة وتأثيرهم الأوسع على الفلسفة والنظرية السياسية. لا أحد منهم  منظّر للديمقراطية في الأساس لكنهم جميعًا لعبوا دورًا في تحديد الموضوعات والمشاكل الرئيسية فيها. ناقش بعض المنظرين الديمقراطية بشكل مباشر ومفصل أكثر من غيرهم، إلاً إنهم جميعًا يسلطون الضوء على الخلافات طويلة الأمد داخل النظرية الديمقراطية.

يمثل المنظرون التسعة المختارون مجموعة من المواقف الفلسفية ويعكسون سياقات سياسية وثقافية وجيلية مختلفة. يهدف بعض المنظرين إلى تبرير الديمقراطية الليبرالية. ينتقد آخرون المبادئ الأساسية لليبرالية، حتى لو كانوا يؤيدون بعض القيم الليبرالية. يتأثر عدد من المنظرين بالماركسية، لكنهم لم يعودوا يطلقون على أنفسهم ماركسيين عمومًا. يساهم العديد من المنظرين في الخلافات المهمة بين الليبرالية والجمهورية وكذلك بين النخبوية والمشاركة الشعبية. إنهم يتعاملون مع مشكلة ما إذا كان ينبغي للمفاهيم الليبرالية الفردية أو المجتمعية للديمقراطية أن تسود. يهتم عدد قليل من المنظرين بتوضيح القضايا ضمن شروط الخلافات القديمة بين الليبرالية والاشتراكية، في حين أن البعض الآخر أكثر التزامًا بتوضيح مطالبات العدالة من قبل المجموعات المستبعدة سابقًا من ممارسة السلطة أو التأثير في الديمقراطيات الليبرالية. يفترض عدد من المنظرين أو يجادلون في دعم المبادئ العالمية، بينما يتحدى آخرون هذه العالمية  العمومية الشاملة على أسس معرفية وسياسية مختلفة. تتحد منظورات النسوية وسياسة الاختلاف لتوفير نقطة انطلاق في التعامل مع سياسات الهوية. يتم الاهتمام أيضًا بمقترحات ديمقراطية تداولية تحاول تجاوز الليبرالية والجمهورية. تثار أسئلة أخرى حول معنى وفعالية الديمقراطية من خلال انتقادات ما بعد البنيوية للسلطة والمعرفة.

الفردية الليبرالية مقابل النقد الجماعاتي

تبرز أسئلة حول الأولوية النسبية المطلوب إعطاؤها للفرد والمجتمع في النظرية الديمقراطية في سياق المناقشات بين الفردية الليبرالية ومايعرف في الفكر السياسي المعاصر بالتشاركية( نمط من المشاركة) أيضًا. يصوغ جون راولز نموذجًا تعاقدًا فرديًا مميزًا لتأسيس سياسة ديمقراطية عادلة. غالبًا ما يُعزى الإحياء الرئيس للفلسفة السياسية إلى نظرية العدالة المؤثرة لراولز، والتي نُشرت في عام 1971. قدم راولز تبريرًا طموحًا للمبادئ العالمية المجتمعات الليبرالية الأساسية. يبدأ راولز من عقد اجتماعي افتراضي يكرس مبادئ الحرية الفردية، والمساواة الحقيقية في الفرص، والتوزيع المبرر للخيرات الاقتصادية بتأكيده على هذه المبادئ، نوعًا مختلفًا من "الليبرالية الاجتماعية". على الرغم من أن راولز قد تم تفسيره في كثير من الأحيان على أنه يوفر أساسًا  عاما عالميًا ؛ من أجل العدالة ،ألاً أنه أكد على أنه يعتمد على سياقه الثقافي الموروث في كتاباته اللاحقة ، وبذلك يقدم صراحة تبريرًا فلسفيًا لقيم ومؤسسات الولايات المتحدة الأمريكية. قد تحد هذه التصورات من تطبيق راولز على المجالات السياسية الأخرى.  بالإضافة إلى ذلك، يذكرنا راولز بحقيقة مهمة قد تحجبها الألفة: وهي أن الديمقراطية الليبرالية لا تزال تمثل إنجازًا سياسيًا وفكريًا ملحوظًا.

تعرض نموذج راولز التعاقدي والأساس الفردي للمجتمعات الليبرالية الفعلية للهجوم من قبل عدد من المنظرين الذين غالبًا ما يُعرفون بأنهم "جماعاتيون".فعلى الرغم من الاختلافات الكبيرة بينهم، إلا أنهم متحدون في ادعائهم بأن الأفراد لا يوجدون بشكل مستقل عن المجتمع والثقافة التي يكتسبون فيها قيمهم ومعتقداتهم وتصوراتهم عن العالم الاجتماعي. ينتقد الجماعاتيون، مثل تايلور  وفالزر، الفردية المفرطة التي يرونها  متضمنة في الأيديولوجية الليبرالية الكلاسيكية.[2] كما أنهم يرفضون النظريات التي تصور السياسة كنوع من السوق حيث يتم تمثيل الناخبين والقادة ببساطة كمشترين وبائعين. يحسب كلا من تايلور وفالزر على اليسار على الرغم من أن التشاركية يمكن أن يكون لها دلالات محافظة أيضًا بسبب احترامها للمجتمعات القائمة وتقاليدها.

يزعم  تايلور وفالزر أن الحديث عن التأكيد الليبرالي على الحقوق الفردية والالتزامات التعاقدية المقابلة لا يوفر فهماً كافياً للمواطنة، ولا إحساساً كاملاً بإمكانيات الديمقراطية.

يجادل تايلور بأن الحكومة الديمقراطية الفعالة تتطلب حسًا بالمعتقدات والأهداف المشتركة. ، يرفض تايلور رؤية روسو للإرادة العامة على الرغم من تعاطفه مع القيم المتجسدة في الجمهورية والنفور من اختيار نسخ من الديمقراطية الليبرالية التي تؤكد على السعي الأداتي لتحقيق المصالح. ليس هذا فقط لأنه على دراية بانحرافات اليعقوبين واللينينية في هذا النموذج ، ولكن أيضًا لأنه منجذب أكثر إلى المفهوم الهيجلي للسياسات الذي يجمع  بين التعددية والوعي الأخلاقي والسياسي الموحد. واختتم بأن  إنجاز تايلور يتمثل في توضيح لماذا تتطلب السياسة الديمقراطية إحساسًا بالصالح العام الذي يعترف بالحقوق الفردية الأساسية والتنوع الثقافي أيضًا. تبقى صعوبة كيفية تحقيق هذه الأهداف في الممارسة السياسية.

يعرّف فالزر نفسه بأنه ديمقراطي اجتماعي. ويرى إن "مجالات العدالة" التي تؤكد على التعقيد الاجتماعي هي استجابة لطروحات  لراولز. لا توجد، بالنسبة إلى فالزر، مجموعة واحدة من المبادئ ذات الصلة بالعدالة، ولكن هناك مفاهيم مختلفة ومحددة ثقافيًا للعدالة في مجالات الحياة المختلفة. ويؤكد على أنه إذا تم فرض مبادئ من مجال ما على مجال آخر فإن النتيجة هي الهيمنة. سنقوم بكشف تداعيات مجالات العدالة على نظرية فالزر العامة للديمقراطية. ونفحص أيضًا الدور الذي يسنده فالزر للنقد الاجتماعي والسياسي في نموذجه المثالي للمواطنة الديمقراطية. يُتوقع من جميع المواطنين، في مجال السياسة، أن يكونوا منتقدين محتملين. يشكك عدد من المعلقين في طريقة حجة والزر في الادعاء بأنه لا يستطيع اشتقاق توصياته النظرية الموضوعية من تحليل الثقافة القائمة. استنتج، مع ذلك، أن دفاع فالزر عن الديمقراطية لا يعتمد على تفسير ضيق للحقائق العرضية للثقافة السياسية المعاصرة، ولكن على فهم أعمق ونقدي لما هو مركزي للتراث الطويل وممارسات حياتنا الاجتماعية والسياسية.

انتقادات الجمهوريين للديمقراطية الليبرالية

تعتبر الجمهورية أحد الأتجاهات الرئيسة داخل الفكر السياسي المعاصر والتي تحدت الليبرالية ودعت إلى مفهوم قوي وتشاركي للمواطنة. يقترح المفكرون الجمهوريون عمومًا بديلاً جذريًا للفهم الليبرالي للفردانية ويؤكدون على الأهمية القصوى للمجتمع والصالح العام.  بينما يرى الليبراليون (الكلاسيكيون والكلاسيكيون الجدد) أولوية حماية الحرية الفردية من غزوات الدولة (الحرية السلبية)، يناقش الجمهوريون أولوية "الحرية الإيجابية" التي قد تُخضع الأفراد ومصالحهم الخاصة إلى أعظم خير للمجتمع بأسره. يقترح الجمهوريون بدائل مؤسسية للديمقراطية البرلمانية أيضًا. على الرغم من أن المدافعين عن المثالية الجمهورية كانوا نادرين في العالم الناطق باللغة الإنجليزية في الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي، إلا أن حنة أرندت تبرز كانت استثناء. فقد كانت أكثر دعاة الجمهورية شهرة في هذه الفترة.

سعت أرنديت إلى إعادة ترسيخ فهم ما ينطوي عليه النشاط السياسي الأصيل لمتابعة هذا المشروع من خلال انتقادات للفكر السياسي الغربي وتأملات في الأحداث السياسية، في الماضي والحاضر والعمل السياسي والديمقراطية التشاركية في "ديمقراطية المجالس".

اختلف تفسير أرنديت لأهمية ديمقراطية المجالس عن الماركسية الراديكالية أو النقابية اللاسلطوية التي كانت تميل إلى التركيز على سيطرة العمال على الصناعة. كان هدفا هو الإشارة إلى بديل سياسي محتمل لنظام برلماني متعدد الأحزاب.[3] لم تتوقع أرنديت أن ترى ديمقراطية المجالس مطبقة في الغرب، لكنها رأت، مثل العديد من المنظرين الآخرين الذين تمت مناقشتهم في هذا الكتاب بعض الأمل في الحركات السياسية في المستقبل .على الرغم من جدية رؤى أرنديت في السياسة الحديثة، إلا أن هناك حدودًا عملية جادة لمقترحاتها بشأن ديمقراطية المجلس.

النقد النسوي: المشاركة والعالمية وسياسة الاختلاف

تنجذب كل من كارول بيتمان وإيريس ماريون يونغ، المنظران النسويان اللذان تمت دراستهما في هذا الكتاب، إلى الديمقراطية التشاركية وينبذان الجمهورية. تنتقد بيتمان في موقفها النسوي الليبرالية بشدة لحفاظهاعلى تبعية المرأة. وترى أن الألتزام  الشكلي بالمساواة من قبل الليبرالية الشكلي بالمساواة السياسية لا يأخذ في الاعتبار أهمية المجال الخاص لعمل المجال العام وتتجاهل حقيقة أن الرجال لا يزالون يسيطرون على النساء في كلا المجالين. تُعد بيتمان أكثر انتقادًا للديمقراطيين التشاركيين الذين يدركون أهمية المساواة الاقتصادية، لكنهم يفشلون في معالجة قضايا الجندر. إن هدفها، كما سنوضح  في الفصل الخاص بها، هو توسيع المشاركة الديمقراطية إلى مجال الحياة الخاصة أو الأسرية. فمن إنجازات بـيتمان أنها ساعدت في جعل النقد النسوي جزءًا مهمًا من النقاشات المعاصرة حول الديمقراطية.[4] ساهمت من خلال فحص التحيز الذكوري للمفاهيم السائدة للمواطنة بمنظور نسوي في المناقشات حول المواطنة والجمهورية أيضًا.[5]  لكننا نريد أن نؤكد على أن أنتقادات بيتمان محدودة بسبب جوهرية غير مبررة حول طبيعة المرأة والعلاقات الجنسية. يمكن أن تُعزى هذه الميزة في عملها إلى حقيقة أنها لم تتحول إلى ما بعد الحداثة التي تتحدى كلاً من الجوهرية والعالمية على عكس العديد من النسويات الحديثات. رأت أن الأفكار العالمية قد استخدمت كأساس للمطالبة بشمولهن على الرغم من أن أنها تدرك أن ادعاءات العالمية قد استخدمت لاستبعاد النساء والمجموعات الأخرى من العملية السياسية أيضًا.

تصوغ يونغ، على النقيض من ذلك، نقدًا محددًا للغاية لمبادئ "العالمية" الكامنة وراء المثل الجمهورية للديمقراطية التشاركية. وتؤكد على وجه الخصوص: أن مزاعم الشمولية تميل إلى إخفاء المعتقدات السائدة والقمعية لأولئك الأقوى. تلاحظ يونغ أن الخطاب الديمقراطي كما هو في الولايات المتحدة مثلا قد استبعد في الماضي السكان الأصليين والأمريكيين السود والمكسيكيين وكذلك النساء. ولا يزال هذا الخطاب، بالنسبة إلى يونغ ، يحجب اهتمامات وخبرات هذه المجموعات وغيرها من الجماعات الأقل قوة من الناحية السياسية إلى حد كبير.[6] إن اهتمام يونغ النظري ، هو إعادة صياغة مفهوم العدالة الاجتماعية، حيث ركزت على التوزيع حصريًا وتجاهلت أهمية الأشكال الاقتصادية والثقافية للاضطهاد. وتشير إلى كيف أن المطالبات المتزايدة للسكان الأصليين والجماعات العرقية المختلفة بدرجة أكبر من السلطة السياسية والاستقلال قد أسهمت في المطالبة بسياسة الاختلاف. تجادل يونغ بأن النظرية الديمقراطية بحاجة إلى إعادة صياغة لمراعاة هذه المخاوف.

تقدم يونغ، كمدافع عن "سياسة الاختلاف"، مقترحات مفصلة لتمثيل المجموعة لتمكين "الأصوات" المختلفة من التأثير على صنع السياسات أيضًا. تلقي يونغ، لشرح أصول الهيمنة والحاجة إلى هذا النوع من السياسة، نظرة على تحليل ميشيل فوكو للقمع الثقافي. إنها تستوعب فكرة فوكو عن "النظرة الطبيعية" التي توضح كيف يتم وضع كل أولئك الذين لا يتناسبون مع المعايير السائدة، البيضاء، من جنسين مختلفين، على الهامش السياسي. ومع ذلك، فإن وصفاتها المعيارية تستند إلى أعمال فيلسوف مختلف تمامًا، وهو يورغن هابرماس. فتتبنى لصياغة مفهومها المثالي عن "الديموقراطية التواصلية"، المفهوم الهابرماسي للديمقراطية التداولية بينما ترفض كونيته.

الديمقراطية التداولية ومشكلات التبرير

يقدم هابرماس تبريرًا فلسفيًا للديمقراطية ويصوغ نظرية ديمقراطية تداولية. يرتبط كلاهما ارتباطًا وثيقًا بمفاهيمه عن العقلانية والفعل التواصلي. يوضح هابرماس أنه في العالم الحديث لم تعد المجتمعات مندمجة في التقاليد القوية والمعتقدات الدينية بل أصبحت تعددية بشكل متزايد. ما يربطهم ببعضهم البعض هو المُثُل المتجسدة في عملية الوصول إلى التوافق من خلال التواصل العقلاني والقبول الواسع لإجراءات الحجة هذه. لذلك فإن مفهوم الديمقراطية متأصل في الممارسات التواصلية للمجتمع الغربي الحديث. يجب بعد ذلك ترجمة هذا المفهوم العام للاتصال العقلاني إلى مؤسسات سياسية لخلق نموذج عملي للديمقراطية.

تجمع الديمقراطية التداولية، بحسب تفسير هابرماس، بين عناصر كل من الليبرالية والجمهورية.تتطلب الديمقراطية التداولية مثل الديمقراطية الليبرالية، إطارًا مؤسسيًا لحماية المناقشة الحرة بين المواطنين المتساوين. ومثل الجمهورية، ترى التداول الديمقراطي خير في حد ذاته. إنها لا تفترض، بالنظر إلى أسسها في أخلاقيات الخطاب عند هابرماس،[7] كما تفترض النظرية الجمهورية أن مثل هذا النقاش يهدف بالضرورة إلى إقناع الآخرين بوجهة نظر مختلفة.[8] يؤكد هابرماس أن "نظرية الخطاب '' لا تعتمد على نجاح السياسة التداولية على المواطنين العاملين بشكل جماعي بل على إضفاء الطابع المؤسسي على إجراءات وشروط الاتصال المقابلة".[9] قد يكون النقد العملي الذي يطالب به هابرماس فيما يخص الحياد في التداول الديمقراطي صعبًا للغاية. وقد يؤدي عدم القدرة على الاتفاق على معنى الحياد إلى الفشل في التغلب على الخلافات الأولية مثل تلك التي قد تؤدي إلى عدم الرضا عن الديمقراطية. ربما يتخلى هابرماس، في أتخاذ مسار التداول، عن إحدى نقاط القوة في الديمقراطية الليبرالية وهي قدرتها على الوصول إلى تسوية غير عنيفة بشأن المشكلات التي لا يحصل الإجماع حولها.

تعد مسألة الترويج للديمقراطية أحد اهتمامات ريتشارد رورتي الرئيسة. فقد  أشتهر بأنه فيلسوف ما بعد الحداثة الذي يدافع عن احتمالية كل ادعاءات المعرفة. ولذلك فهو متشكك في إمكانية تقديم مبررات فلسفية للمؤسسات والممارسات الديمقراطية أو الحاجة إليها، ناهيك عن أي تبرير شامل. تضعه نقطة البداية هذه في صراع مباشر مع هابرماس وراولز على وجه الخصوص، اللذين يركزان على مشاكل التبرير. يدعي رورتي أنه إذا كانت الديمقراطية تعزز مجتمعًا مسالمًا ومتسامحًا، فإنها تقدم مبرراتها الخاصة بها. ويعتقد أن الفلسفة هي مشروع خاص وليست عام، وأن النقاش الفلسفي ليس قادرًا على توفير أساس للديمقراطية فقط ، ولكنه أيضًا يصرف الانتباه عن الأهداف السياسية العملية. فيركز على الحاجة إلى إجراءات تجعل المحادثة ممكنة. ويقر بأنه مدين لهابرماس ويتبنى حجته بأنه ينبغي قبول القرارات إذا كانت نتيجة تواصل غير مشوه. ويتبنى رورتي أيضًا مفهوم راولز للتوازن الانعكاسي- أيً عملية التعديل المتبادل للمبادئ والأحكام - للإشارة إلى نوع الإجراء اللازم للتوصل إلى القرارات. ويشارك راولز في الالتزام بالمبادئ الليبرالية مثل التسامح والميل إلى قبول المؤسسات الأمريكيةأيضًا. علاوة على ذلك، يدعي في مقالته "أولوية الديمقراطية للفلسفة"  أتفاقه مع راولز في اعتماده الواضح على ثقافته وقيمه الموروثة. كما أنه يجسد الادعاء القائل بإمكانية الجمع بين الراديكالية الفلسفية والليبرالية السياسية التقليدية. ونخلص إلى أنه على الرغم من كل تطور نظرية المعرفة الراديكالية المناهضة للتأسيسية، فإن نظريته الديمقراطية غير متطورة. وهي تقوم على عدد من الافتراضات غير المستدامة حول الاختلاف بين المجالين العام والخاص ويهمل قضايا مهمة تتعلق بالسلطة السياسية.

انتقادات راديكالية للسلطة والهيمنة في الديمقراطية الليبرالية

الراديكالية الفلسفية متحالفة مع راديكالية سياسية لا هوادة فيها في أعمال ميشيل فوك ، آخر منظّر تم تناوله في هذا الكتاب. لا تقتصر أسئلة فوكو على تعميم التفكير فحسب، بل تشمل أيضًا النظريات الاجتماعية العامة مثل الماركسية التي تحاول شرح المجتمع ككل. قدم عمله في الجنون والعقاب والجنس نقدًا حيويًا ومؤثرًا لعقلانية التنوير والقيم والمعتقدات الليبرالية حول التقدم. يشير فحوى كتاباته إلى أن الأفراد في المجتمعات الليبرالية  بعيدًا عن كونهم أحرارًا، يخضعون لأشكال خفية من الانضباط تفرضها المفاهيم السائدة للشيء العادي. على الرغم من أن فوكو يقدم نقدًا أساسيًا للديمقراطية الليبرالية، وهناك من يعتبره اعاق أو تقديم صياغة إيجابية للنظرية الديمقراطية.  الأً أنه ينبغي تعديل هذا الاستنتاج في اتجاهين.  على الرغم من الآثار المتشائمة لتحليله ألأ أنه  ألهم  بالألتزام بالتغيير الجذري. علاوة على ذلك، يقدم عمله اللاحق حول "أخلاقيات الذات" مجالًا أكبر لاستقلالية الفرد وأيضًا للتغيير الاجتماعي. يشير فوكو في بعض احتجاجاته السياسية إلى احتمال مقاومة إساءة استخدام السلطة. نفحصكيف بدأ منظرو الديمقراطية الراديكالية، وبالتحديد شانتال موف وإرنستو لاكلاو، من فهم فوكو للسلطة، ونوضح كيف أثر عمله الأخير على الذات على مفهوم وليام كونولي عن الديمقراطية. على الرغم من هذه الجهود، نجادل  بأن هناك صعوبات مفاهيمية كبيرة في استخدام فوكو لتطوير نظرية ديمقراطية. فبينما يتصور جميع المنظرين الآخرين في هذا الكتاب أشكالًا بناءة للسلطة تتحدى الهيمنة، فإن تأكيد فوكو على الطبيعة التأديبية الأنضباطية للسلطة يمنعه من الاعتراف بإمكانية التغيير السياسي داخل الأنظمة الديمقراطية.

قضايا معاصرة للديمقراطية الليبرالية

يشير النقاش أعلاه إلى عدد من المشاكل المترابطة التي ستستمر في مواجهة الديمقراطية الليبرالية. فلا للديموقراطية الليبرالية ونقادها تجنب التعامل مع: (أ) التوترات بين الادعاءات بالاعتراف بالاختلاف والحفاظ على الوحدة داخل مجتمع كبير، والتي يتم التعبير عنها في النقاش حول النطاق العالمي والخصوصي أيضًا؛ (ب) الخلافات حول العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، والتي يتم التعبير عنها في المناقشات حول الفضيلة المدنية، ورأس المال الاجتماعي، والديمقراطية النقابية؛ (ج) أسئلة حول المتطلبات العملية للديمقراطية التداولية والمزيد من الخلافات الأساسية حول أسسها النظرية. و (د) المطالب المختلفة للمبادئ والمؤسسات الوطنية والدولية، المعبر عنها في المناقشات حول الديمقراطية العالمية والمواطنة العالمية.

سياسة الهوية والاختلاف

تعتبر قضايا الهيمنة والسلطة مركزية لسياسة الهوية أو الاختلاف واضحة في الحركات السياسية للنسوية والحقوق العرقية. هيمنت الادعاءات العرقية على السياسة بطرق مدمرة للغاية لمبادئ الليبرالية، بما في ذلك مبادئ التسامح ومتطلبات الإصلاح بالوسائل السلمية. غالبًا ما يكون الدافع الرئيس هو البحث عن الاعتراف والتعبير عن هوية عزيزة أو مهملة مما يستلزم صراعًا على السلطة المؤسسية أو الرمزية أيضًا. قد تتخذ هذه السياسة شكلاً يسعى النشطاء فيه إما إلى الاعتراف الثقافي والموارد الاقتصادية وأشكال محدودة من الاستقلال السياسي داخل دولة قومية، أو آخر يسعى فيه اتباع استراتيجيات أكثر راديكالية لتقرير المصير أو الانفصال وإنشاء دول منفصلة.[10]

غالبًا ما يطالب أولئك الذين يسعون إلى الاعتراف في إطار الديمقراطية الليبرالية بالحقوق الثقافية المتنوعة وتوفير الدولة للغات وديانات مختلفة.[11] قد يشمل هذا الشكل من السياسة مطالبات بدعم وقبول المجموعات المحددة باختلاف كبير أيضًا، مثل الجنس والتفضيل الجنسي.  لقد أثار الاتجاه نحو مجتمع متنوع بشكل متزايد يعترف بحقوق المجموعات الخاصة قلق بعض المنظرين السياسيين.[12] إن أحد مخاوفهم هو أن الهوية الجماعية ستقوض أي شعور بالانتماء إلى نظام حكم مشترك وبالتالي تقوض شروط الديمقراطية الفعالة. ومن دواعي القلق في هذا الأطار هو يمكن ان تعزز المطالبات بحقوق الجماعات التعصب الأيديولوجي بين مختلف قطاعات السكان. ويمكن  أن تعززسياسات الهوية، بعيدًا عن أساس المساواة للتداول العقلاني التنافر والعنف السياسي.[13]

عندما لا تنطوي سياسات الهوية والاختلاف على الاستقلال السياسي أو الانفصال، فإنها تمثل نوعًا جذريًا من التعددية عمومًا. تصور المفهوم السابق للتعددية الليبرالية المنافسة التأثير على السياسة الحكومية التي تحدث بين جماعات الضغط القوية، مثل نقابات الأعمال والنقابات. ومع ذلك، تشير التعددية في سياسات الهوية والاختلاف إلى ادعاءات ودعوات  الجماعات المضطهدة التي لم يكن لديها الكثير من السلطة في السابق. غالبًا ما تكون مطالبهم بالاعتراف لهذا السبب أكثر إثارة للقلق تجاه المبادئ الليبرالية السائدة سابقًا بشأن المساواة في المعاملة للأفراد واختيار ولاء وطني واحد. على الرغم من أن النقاد مثل شيلدون وولين ليسوا غير متعاطفين مع "التعددية الجديدة للاختلاف الثقافي"، فإنهم يشيرون إلى ميلها لتقويض افتراضات "القواسم المشتركة" التي يجب أن تستأنفها سياسات الاختلاف حتماً.[14] بعبارة أخرى، لا يشرح دعاة سياسة الاختلاف بشكل مرضٍ كيف يمكن لنظرياتهم الاستغناء عن العالمية التي انتقدوها في الآخرين. علاوة على ذلك، من الصعب تحديد الادعاءات بالهوية والاختلاف التي يجب الاعتراف بها وأيها يجب رفضها من دون اللجوء إلى المبادئ العامة. يثير الاعتراف بالاختلافات مخاوف أخرى تتجاوز حماية الحقوق وحسن سير المؤسسات الديمقراطية. إنها تتعلق بمشاكل الحفاظ على التكامل السياسي وتجد تعبيرًا عنها في نوع آخر من التعددية القائمة على الأنشطة التطوعية التعاونية في مجال المجتمع المدني.

المجتمع المدني والديمقراطية النقابية

استفزت الصراعات العميقة الناشئة عن القومية العرقية العنيفة في العديد من المجتمعات الديمقراطية، وخيبة الأمل الواسعة النطاق من الديمقراطيات الليبرالية القائمة في أماكن أخرى، المنظرين لتقديم نظرة مشتركة إلى ما وراء المؤسسات السياسية الرسمية. إن إحدى القضايا المهمة هنا هي كيفية تعزيز أو الحفاظ على حد أدنى من الوحدة والالتزام بالديمقراطية بين المجموعات المتنوعة. يُعتقد أن الحل هو تعزيز المواطنة بطرق مختلفة.[15] لذا كان من الأمور المركزية في أعمال عدد من المنظرين الليبراليين والاشتراكيين التركيز على المواطنين الديمقراطيين والهوية المدنية الوطنية. ومع ذلك، فإن ما يوحد عددًا من نظريات المواطنة المتباينة هذه هو تأكيدها على المجتمع المدني والديمقراطية النقابية، حيث يسعى أولئك الذين يعتبرون المجتمع المدني كأساس للمواطنة الديمقراطية إلى إقامة أو تقوية الثقافة السياسية الديمقراطية من خلال المؤسسات التطوعية.[16]

هناك اختلافات كبيرة في التركيز بين منظري المجتمع المدني. فقد بدا الليبراليون، على سبيل المثال،  الذين أعربوا عن شكوكهم حول قدرة معاملات السوق على تشجيع الفضائل الديمقراطية المتمثلة في الكياسة وضبط النفس والثقة مشاركين في الدور التشكيلي للجمعيات التطوعية. ويزعم مفكرين مثل روبرت بوتنام أن قوة الحكومة الجيدة والديمقراطية يمكن قياسها من خلال مستويات المشاركة في المنظمات مثل الجمعيات والنوادي والتعاونيات.[17] حيث يجادل بأنه عندما تكون مخزونات "رأس المال الاجتماعي" منخفضة ، يكون الالتزام بالمشاركة الديمقراطية والحكومة الجيدة ضعيفًا أيضًا.

يعترف الأشتراكيون الديمقراطيون، ولا سيما كوهين وروجرز وبول هيرست، بالدور التربوي للجمعيات الطوعية أو "الثانوية"، لكنهم يميلون إلى أعتبارها كوسيلة للتمكين الديمقراطي الذي يعطي قوة سياسية أكبر لفكرة التعددية.[18] يتمثل دور الديمقراطية النقابية، بالنسبة لهيرست في "استكمال وتوسيع" الديمقراطية التمثيلية.[19] ويعتبر فالزر المشاركة في الجمعيات التطوعية أمرًا ضروريًا، ولكن لأنه يدرك أيضًا أنه يمكن أن يكون المشاركين فيها ضيقي الأفق ومهتمين بمصالحهم الشخصية، فيقترح ما يسميه "الترابطية النقدية" التي تسمح للأعضاء بإصلاح وجهات نظرهم ومنظماتهم.[20]

تقترح كل من الصيغتين الليبرالية والاشتراكية لـ "سياسة المجتمع المدني" وسيلة لتوسيع المشاركة الديمقراطية إلى ما وراء المؤسسات السياسية الرسمية، ولكن بطريقة تؤكد على الاختيار الفردي. يرى هؤلاء المنظرون أن مثل هذه المشاركة تعطي حياة أكبر للجسد السياسي.[21] تبقى مشكلة تحديد العلاقة المثلى بين الجمعيات التطوعية والدولة. يبدو أن الديمقراطية النقابية، بين الاشتراكيين، تتطلب دولة قوية يمكنها إحداث تدخل اقتصادي في الأسواق وتنفيذ سياسات إعادة التوزيع التي من شأنها تفعيل المطالب المشروعة للجمعيات. وستكون هناك حاجة إلى حكومة قوية لحماية حقوق كل من أعضاء الجمعيات وأولئك الذين قد يتعرضون للتهديد من قبلهم بالنسبة لليبراليين أيضًا.[22] علاوة على ذلك، حيث كان يُعتقد أن إحدى ميزات سياسات المجتمع المدني هي قدرتها على تعزيز المواطنة والحد الأدنى من الوحدة المدنية ، فقد تكون النتائج العملية عكس ذلك. كما أن احتمالات ترسيخ الانقسامات التي تمت مواجهتها أعلاه مع "سياسات الاختلاف" تواجه الديمقراطية النقابية أيضًا. يمكن أن يؤدي السعي وراء مصالح قطاعية ضيقة إلى صراع سياسي معطل بدون بعض التأثير المجهد. تتمثل إحدى الردود المقترحة في دمج قيم وإجراءات الديمقراطية التداولية ليس فقط في النشاط النقابي ولكن أيضًا في المؤسسات السياسية الأكثر رسمية.

الديمقراطية التداولية

المطلوب أن نتساءل عما إذا كانت هناك أي أرضية مشتركة للمناقشات الديمقراطية غير الصراعية أو العنيفة والقرار بين المجموعات بالنظر إلى إمكانية التشرذم السياسي والصراع المتأصل في سياسات الهوية والتعددية القوية لسياسات المجتمع المدني. هذا هو المكان الذي تقدم فيه نظرية هابرماس للديمقراطية التداولية بديلاً مبتكرًا. تهدف الديمقراطية التداولية إلى توفير مبرر للديمقراطية ومجموعة من الإجراءات التي تشجع "القدرات العقلانية والأخلاقية للتوصل إلى اتفاق".[23] وتتمثل السمة المميزة لها في اشتراط أن القواعد والإجراءات الديمقراطية تهدف إلى حماية وتعزيز التداول الديمقراطي كخير في حد ذاته وليس مجرد وسيلة لترتيب التفضيلات الفردية والدفاع عنها وانتقادها.

لذلك تختلف الديمقراطية التداولية عن الديمقراطية الليبرالية، حيث يكون لإجراءات التصويت والتمثيل وحماية الحقوق إلى حد كبير قيمة مفيدة تعتمد على قدرتها على إنتاج الحكومات وتغييرها، أو الحد من سلطاتها، أو تسهيل المشاركة السياسية. يرفض المفهوم التداولي أيضا؛ النظرية الليبرالية الكلاسيكية التي تفسر المجتمع من منظور علاقات السوق البحتة وتفهم السياسة كتجميع للمصالح الفردية التي تتحقق من خلال عمل الدولة. ومع ذلك، لا تقبل النظرية الديمقراطية التداولية فقط - الافتراضات الليبرالية للتعددية داخل المجتمعات والتأكيد على أهمية الإجراءات، ولكنها تعترف أيضًا بأن السياسة الأداتية هي جزء من الديمقراطية.[24]

إن الديمقراطية التداولية قريبة أيضًا من المثل الجمهوري الأعلى، حيث يفترض كلاهما مسبقًا المواطنة المستقلة والاستعمال العمومي للعقل. إنه يأخذ من الجمهورية افتراض أن العملية الديمقراطية نفسها لها قيمة جوهرية، ولكن بمعنى أضعف مما يوحي به الجمهوريون. يبتعد هابرماس عن الجمهورية برفضه لتأكيد روسو على الفضيلة المدنية وهدف الإجماع القائم على مجتمع توافقي، وبالتالي النزعة الجمهورية المعاصرة لرؤية الخطاب العام من منظور "الفهم الذاتي الأخلاقي الجماعي''.

هناك نوعان رئيسيان من النقد يمكن توجيههما إلى هابرماس. إحداها أنه يقبل إلى حد كبير المؤسسات القائمة للديمقراطية الليبرالية ولا يقدم أي إرشادات عملية حول كيفية إعطاء مضمون مؤسسي للقيم المتضمنة في عمله. ومع ذلك، فإن بعض مؤيدي الديمقراطية التداولية، مثل جيمس فيشكين، يقدمون مقترحات محددة لإضفاء الطابع المؤسسي على مداولات المواطنين الدائمين.[25] يركز الثاني على ادعاء هابرماس بأن الديمقراطية التداولية تقوم على مبادئ عالمية تحدد شروط المناقشة العقلانية. يتساءل النقاد د، مثل يونغ وفالزر، عن كل من إمكانية و جودة العالمية أو الشمولية والتركيز الحصري على العقلانية. لقد جادلت لين ساندرز بقوة أن مطلب النظرية الديمقراطية التداولية للمناقشة "العقلانية والمعتدلة وغير الأنانية" يستثني المواطنين العاديين من المشاركة الذين لا يمتلكون هذه المهارات أو القدرات للأستجابةلمطلب هذه النظرية .[26]  السؤال الأكثر جوهرية هو ما إذا كان النموذج التداولي في شكل معدل ما يتوافق (كما تدعي يونغ) مع سياسات الهوية والاختلاف.

الديمقراطية عبر الوطنية والمواطنة العالمية

أصبحت هذه القضايا النظرية والعملية بارزة في المناقشات حول المشاكل الدولية والعالمية. مثلما لم تعد أهمية المبادئ الديمقراطية مقتصرة على المؤسسات السياسية التمثيلية الوطنية أو دون الوطنية، كذلك يمكن القول بأن الإجراءات الديمقراطية تمتد إلى ما وراء الحدود الوطنية. أعاد عدد من المنظرين الديمقراطيين، استجابة لتصورات العولمة المتزايدة ، التأكيد على المسؤوليات الأخلاقية والسياسية التي تتجاوز الدولة القومية. فعلى الرغم من أن مفهوم "العولمة" مثير للجدل، ويتم تطبيقه على العديد من الأشياء المختلفة، إلا أنه يستخدم بشكل شائع لوصف العمليات العالمية للتكامل الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي.[27] وتتمثل إحدى خصائصه الرئيسة في نمو المؤشرات العالمية وإضعاف سيطرة الدول القومية على اقتصاداتها.[28] يمكن اعتبار المُثُل العليا للاقتصاد الليبرالي، المتمثلة في حرية حركة رأس المال والعمالة، على أنها تحدد منطق اقتصاد السوق العالمي.[29] ومع ذلك، فإن المنطق الاقتصادي من هذا النوع له تداعيات خطيرة على قدرات الدول الديمقراطية على ممارسة السيطرة على السياسات والمؤسسات العمومية الرئيسة. إن المدى الذي تبدو فيه العولمة تقوض السلطة الديمقراطية داخل الدولة قد دفع إلى ظهور اصوات تدعواتخاذ تدابير لإضفاء الطابع المؤسسي على ضوابط الديمقراطية العالمية الجديدة على السوق والقوى البيئية.

وقد شجعت نزعات العولمة هذه على برنامجين متصلين بالتحقيق. الأول يعيدنا إلى مشكلة الأسس المحتملة للفكر الكوني، بينما يأخذ الثاني العمومية الشاملة على أنها معطاة ويستكشف فكرة المواطنة العالمية. فقد تم انتقاد نظرية راولز للعدالة، على سبيل المثال، لفشلها في متابعة منطق حججها بشكل كافٍ وعدم توسيع مفهومه للعدالة إلى العالم ككل.[30]يميل العديد من المنظرين في هذا الكتاب نحو الشعور الكوزموبوليتاني بالمسؤولية الأخلاقية والسياسية على الرغم من الاتجاه المعاصر لرفض الشمولية.

يتم توفير سياق مشترك لمثل هذه الميول من خلال مشاكل العنصرية وكراهية الأجانب المتزايدة والحاجة إلى معالجة الظلم العالمي. هذا هو حال بيتمان، على سبيل المثال، الذي تناولت قضية العولمة ومشاكل تعريف المواطنة من منظور قومي بحت.[31] يتطرق هابرماس أيضًا إلى المثل الأعلى النهائي لـ "المواطنة العالمية" في مناقشة كل من المفهوم غير القومي للمواطنة المتجسد في الجمهورية في أواخر القرن الثامن عشر وآفاق المواطنة الأوروبية داخل الاتحاد الأوروبي.[32] .

استنتاج

أدى مدى وسرعة التحول الديمقراطي في أوروبا  في أوائل عام 1989 إلى قيام فرانسيس فوكوياما بإعلان "نهاية التاريخ" الذي يمثل – وفقًا لتصوره- "نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية وتعميم الديمقراطية الليبرالية باعتبارها الشكل النهائي للحكومة البشرية".[33] يمكن الآن أن نرى بشكل أوضح طبقا للدراسات الواردة في هذا الكتاب كيف بالغ فوكوياما في القضية. يستمر الجدل حول طبيعة الديمقراطية الليبرالية ومبادئها المميزة وأشكالها المؤسسية المتنوعة والأسس المناسبة للدفاع عنها. ساهم المنظرون الذين تم تناول طروحاتهم  في هذا الكتاب ونقادهم بدرجات متفاوتة في تجديد النظرية الديمقراطية. وبناءً على ذلك، من المهم الاعتراف بأن الصراعات الإيديولوجية حول النظرية والممارسة الديمقراطية لم تنتهِ. مثلما تزدهر السياسة الديمقراطية في النقد القوي والنقاش والحوار والمفاوضة، كذلك تزدهر النظرية الديمقراطية. إن البحث عن خيارات ديمقراطية أمر حيوي في الديمقراطيات الليبرالية، حيث لا تزال توفر الواقعية الديمقراطية الافتراضات الأساسية للممارسات السياسية النخبوية الموجهة في المقام الأول إلى الانتخابات وإدارة الصراع السياسي. عندما لا يتمتع الناس بحقوق الإنسان الأساسية وأمن سيادة القانون، أو القدرة على التصويت وتغيير الحكومات بالوسائل السلمية، فإن المتطلبات السياسية للموقف تختلف إلى حد ما. وحتى الصيغ "الواقعية" النخبوية للديمقراطية قد تبدو طوباوية بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في ظل الدكتاتورية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................

* مقدمة (كتاب الاسس الفلسفية للديمقراطية الليبرالية)

[1] Barry Hindess, 'Democracy and disenchantment', Australian Journal o f Political Science, 32: 1 (1997), 79-92.

[2] على الرغم من أن تايلور وفالزر غالبًا ما يصنفان على أنهما  مجتمعان، إلا أن كلاهما غير راضٍ عن التسمية. يجادل تايلور بأن مثل هذا التمييز يستند إلى تباين مفرط في التبسيط بين الفردية والجماعية.

[3] أثرت حجج أرنت في كتاب بنيامين باربر "الديمقراطية القوية" الذي يحدد رؤية جمهورية لبديل ديمقراطي للأيديولوجيا والمؤسسات الليبرالية.

Benjamin Barber, Strong Democracy, Berkeley, CA, University of California Press, 1984.

[4] حول النسوية والديمقراطية ، انظر :

Anne Phillips, 'Must feminists give up on liberal democracy?', in D. Held (ed.), Prospects for Democracy (Cambridge, Polity, 1993), pp. 93-111,

Susan Mendus, 'Losing the faith: Feminism and democracy', in Dunn, Democracy, pp. 207-19.

[5] C. Pateman, 'Citizen male', Australian Left Review, 137 (1992), 30-3.

[6] I. M. Young, 'Polity and group difference: A critique of the ideal of universal citizenship', Ethics, 99 (1989), 250-74.

[7] Seyla Benhabib, 'Towards a deliberative model of democratic legitimacy', in S. Benhabib (ed,), Democracy and Difference (Princeton, NJ, Princeton University Press, 1996), p. 70

[8] Joshua Cohen, 'Procedure and substance in democratic theory', in Benhabib, Democracy and Difference, p. 100.

[9] Jurgen Habermas, 'Three normative models of democracy', in Benhabib, Democracy and Difference, p. 27.

[10] أنظر:

Geoffrey Stokes, 'Introduction', in Geoffrey Stokes (ed.), The Politics of Identity in Australia (Melbourne, Cambridge University Press, 1997), p. 8.

[11] قامت يونغ وتايلور ، من بين آخرين ، باستكشاف الحجج والآثار المترتبة على الاعتراف بادعاءات الجماعات للحفاظ على هويتهم الثقافية المختلفة والمشاكل التي تطرحها للنظرية الليبرالية. انظر أيضا  دراسات أخرى في:

I. Shapiro and W. Kymlicka (eds), Ethnicity and Group Rights, NOMOS XXXIX (New York, New York University Press, 1997).

[12] أنظر على سبيل المثال  نقد كوكاثاس:

C. Kukathas, 'Are there any cultural rights?', Political Theory, 20:1 (1992), 105-39 and W. Kymlicka, 'The rights of minority cultures: Reply to Kukathas', Political Theory, 20: 1 (1992), 140-6.

[13] J. B. Elshtain, Democracy on Trial (New York, Basic Books, 1995), see eh. 3 'The politics of difference'.

[14] S.S. Wolin, 'Democracy, difference and re-cognition', Political Theory, 21:3 (1993), 464-83.

[15] للحصول على لمحة عامة عن الاهتمام المتجدد بالمواطنة انظر:

W. Kymlicka and W. Norman, 'Return of the citizen: A survey of recent work on citizen- ship theory', Ethics, 104 (1994), 352-81.

[16] L. Diamond, 'Rethinking civil society: Towards democratic con- solidation', journal of Democracy, 5:3 (1994), 4-17.

[17] Robert D. Putnam, 'What makes democracy work?', IPA Review, 47: 1 (1994), 31-4.

[18] أنظر:

Joshua Cohen and Joel Rogers, Associations and Democracy, London, Verso, 1995.

[19] Paul Hirst, 'Associational democracy', in Held, Prospects for Democracy, ‎ Polity Press (21 Jan. 1993), pp. 112-35,

[20] أنظر:

Michael Walzer, 'The civil society argument', in C. Mouffe (ed.), Dimensions of Radical Democracy: Pluralism, Citizenship, Community (London, Verso, 1992), pp. 89-107.

M. Walzer, 'The concept of civil society', in M. Walzer (ed.), Toward a Global Civil Society (Providence, RI, Berghahn, 1995), pp. 1-27.

[21] M. Krygier, 'The sources of civil society', Quad- rant (October 1996), 12-22 and (November 1996), 26-32.

[22] أنظر:

Kymlicka and Norman, 'Return of the citizen', p. 364.

[23] Nancy Rosenblum, 'Democratic character and community: The logic of congruence', The journal of Political Philosophy, 2:1 (1994), 67-97, esp. p. 93.

[24] Habermas, 'Three normative models of democracy', p. 24.

[25] J. S. Fishkin, Democracy and Deliberation: New Direction for Democratic Reform (New Haven, CT, Yale University Press, 1991).

[26] Lynn Sanders, 'Against deliberation', Political Theory, 25:3 (1997), 347-76.

[27] أنظر:

R. Robertson, Globalization (London, Sage, 1992).

[28]:   للحصول على وجهة نظر متشككة في حتمية العولمة انظر

P. Hirst and G. Thompson, Globalization in Question: The International Economy and the Possibilities of Governance (Cambridge, Polity, 1996).

[29] O. O'Neill, 'Transnational justice', in D. Held (ed.), Political Theory Today (Cambridge, Polity, 1991), pp. 276-304.

[30] Charles Beitz, Political Theory and International Relations (Princeton, NJ, Princeton University Press, 1979), pp. 128-76.

[31] C. Pateman, 'Democracy and democratization', International Political Science Review, 17:1 (1996), 5-12.

[32] Habermas, 'Citizenship and national identity: Some reflections on the future of Europe', Praxis International, 12:1 (1992), 1-19.

[33] أنر فوكوياما، فرانسيس ، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، مركز الانماء القومي، بيروت،1993.

 

 

سامي عبد العاللعلّنا نُلاحظ فلسفياً أنَّ (بنية) الدين و(بنية) السياسة متشابهتان، بل متداخلتان لدرجة القرابة من جهة التصورات وطرائق العمل والتأثير. فهناك تراتب وظيفي في الدين أو بالأحرى التدين (الإله – البشر، الإمام- المأموم)، وكذلك هناك تراتب وظيفي في السياسة (الحاكم- المحكوم، الراعي - الرعية). وهناك فعل اعتقاد في مضمار الدين (الإيمان والتسليم)، وهو ذاته فعل الإعتقاد الذي يخلق اشباحاً بين الناس على أثر أفعال السياسة (الثقة وربط الآمال بالأشخاص والأنظمة الحاكمة). وهناك يقين وحُب في دائرة الدين، وكذلك يوجد القبول الساذج والإتفاق التلقائي داخل أعمال السياسة (الخلط بين الغريزة والعقل). وهناك أسرار في مجال الدين بحكم الميتافيزيقا والغيب، وكذلك تُوجد أسرار في مضمار السياسة نتيجة خفاء السلطة وحضور المجهول. وهناك فكرة المصير وتحولات الأقدار في الدين، وبالمثل تظهر هناك ظلال المصير وتغير المسارات في السياسة.

ولذلك يمكن النظر إلى تبريرات الكذب دينياً وسياسياً بصيغة: كيف تتكون إمكانية الكذب في هذين المجالين؟ وبالتالي سيكون من الضروري تقديم فكرة مختلفة لمعرفة طبيعة الدين والسياسة على نحو جديدٍ، وما إذا كان مجال كل منهما منطواً على إمكانية التبرير لفكرة الكذب أم لا.

رابعاً: مجال الدين

هل يمنح الدين مبرراً للكذب؟ قطعاً الإجابة بالنفي، وقد لا يرد إطلاق مثل هذا السؤال لدى المؤمنين في أفق الأديان. إذن: كيف نفهم فلسفياً مشروعية الكذب باسم الدين؟ القضية لو نلاحظ في كون الدين يعطي أصحابه (وهذا من زاوية الممارسة والتطبيق) مبرراً وظيفياً للتحدث باسم الدين، للقول عنه، أي أنَّه يعطيهم قوة استعماله عبر أنشطة المجتمعات. فالدين تاريخياً مع أنشطة الحياة المتباينة يتحول إلى مشروعية (اعتقاد وممارسة) تستهدف التأثير والإنجاز. وهو دوماً إيمان ينزع إلى إرادة عمليةٍ، وبخاصة أن الإيمان عقيدة يجب أن يصدقها الفعلُّ (بعبارة الحديث النبوي: الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل)؟

لكننا سنُلاحظ أنَّ أصحاب الخطاب الديني لا يستطيعون بلوغاً لهذا الهدف العملي بطريقة ذاتية خالصةٍ. أي أنه بالاعتماد على قدراتهم الذاتية يصعب ترجمة ما وقرَ في القلب بكل مصداقية إلى واقعٍ. لا من طريق الدين ولا من طريق خاص بهم، بل اللافت تباعاً أنهم فهموا عدم إتمام ذلك دون (إرادة جمعية) تتبنى مقولات الدين وأفكاره وطقوسه داخل المجتمعات. ولكي تكتمل الدائرة بين (الذاتية والجمعية)، كان لابد من توسيع نطاق المعتقدات من جهةٍ، وكان لابد من (التدخل البشري) جمعياً لحمل لواء الدين من جهةٍ أخرى.

هكذا، فإن أصحاب الخطاب الديني لا ينجزون ذلك دون مدى كبير للتأثير الكلي في المجتمع، أو ما يطلقون عليه (أسلمة المجتمع). وهذا لا يتأتى بفضل وجودهم فقط، إنما استناداً إلى رابطة الإيمان الديني بين أصحابه. فيجب أن يوجد هذا التقارب المنتظر عن بعد بين" الإيمانات " الفردية (جمع إيمان). وهو التقارب الذي يضمن التصديق المتبادل بينها، وبالقطع سيتفاعل رُجوعاً إلى مرجعيةٍ قوةٍ عليا، مرجعية مقدسة هو نظام الإعتقاد. جيث يفترضون إستناداً إليه - عن طريق نصوص وعلامات الدين- التدخل غير المباشر في الحياة. ولئن جاءت الوقائع الملموسة معاندةً لهذا التصور، سيكون التأويل (إذ يجعل الوقائع واقفة بجوار المؤمن) هو نفسه الذي يبرر تحاشيها إياه أحياناً. أي أنَّ المبرر يقف مع إمكانية الإيمان كتأويل وأيضاً يقف معانداً له كنقيض فعلي. فالاعتقاد بوقوف الإرادة العليا لمرجعية الدين (الإرادة الإلهية) بجوار المؤمن هو ذاته الذي يبرر تخليها عنه أحياناً في مواقف أخرى بمقدار إلتزام المؤمن بتعاليم الدين.

لا يعبر ذلك عن شيء بقدر ما ينقل اكتمال دائرة الإيمان مع دائرة التفكير تمهيداً للفعل. وليس ثمة تناقض فيها، لأنَّ ما يظهر متعارضاً في جانب سرعان ما يوافقه التأويل مع بعضه بدلالة المقدس ووجود القوة العليا (الإرادة الإلهية) في جوانب أخرى. فدائرة الإيمان ترفع التناقض أو تجد له تأويلاً، ولكنها لا تلغيه من الأساس. ولعلَّ الإيمان في هذا الاتجاه يحمل صيغة "مع وضد"، شريطة أن يقع داخل نطاق عمل الإرادة الإلهية. تلك التي تفسر: لماذا مع هذا ولماذا ضد ذاك في الوقت عينه. ومجال التفسير الخاص بهذا التناقض هو أعمال الإنسان، توافقاً معها وتقصيراً في فهمها أيضاً. بعبارة واضحة أنَّ أحوال الإنسان، حياته، وأنظمته المتعددة، هي أشياء مُريدة لذاتها ولغيرها حين تسير تبعاً لإرادة عليا.

بهذا يحاول الخطاب الديني العمل على تأكيد اليقين الجمعي باسم اليقين الفردي (تطبيق الشريعة وتديين الحياة). لأن الطرفين يقعان على نطاق واسع في دائرة: "مع وضد". هذا التناقض الإيماني أوسع من حركة المجتمع، وحتى أبعد من تاريخه المحدود الآن. إنه يوفر شعوراً- مع الطابع الشفاهي للخطاب- بالبعد والقرب، بالاختلاف والتماثل معاً. وتلك مسائل يصعب حلها، إي يستحيل إنهاء تناقضها، وإلاَّ لتفكك الإنسان معها. والأحرى سيصبح عرضة للتحلل نفسياً في آخرة دنيوية عاجلة. وتظل حركة "مع وضد" تشكل كل تصرفات المؤمن طاويةً التجارب والمفاهيم وصور الأفراد المحيطين به. ولا يوجد غير احتمالين لحلحلة التناقض. أولهما: التوحد بالإرادة العليا ولا يجرى ذلك عادةً إلاَّ باتباع خطى النص أو تطبيق الأحكام الشرعية. ومن هنا يظل الخطاب الديني مطالباً بحاكمية إلهية ليس إمامه بلوغها إلاَّ بالدنيا. وهذا قمة اليقين الفردي والجمعي حاال تطابق الأقوال والأفعال في المجتمعات.

ثانيهما، البحث عن اليقين الجمعي حيث يحتوي ضمناً "الإيمانات" الفردية. في تلك الحالة ليس المهم: ما إذا كانت المشروعية لأي عمل صحيحةً أم لا؟ لكن الأهم ايجاد سقف عام يجمعها ويُصدّق على الجزئيات النوعية بختم الاعتقاد، حيث يُنتظر أن يغطي هذا السقف أي تباين بالداخل. وبالتالي فإن ما سيصح على التصور، سيغدو صحيحاً بالمثل على الواقع والحياة. وتلك الخطوة ستعطى دفعة لانتهاك حدود اليقين نفسه والإغارة على مصداقيته بسبب أنه ليس كذلك وأنه لن يختفي" الضد والنقيض" (الخير والشر، الحسنات والسيئات، الخطيئة والتوبة) من حياة الإنسان.

أي ستكون ثمة حالات ترفض هذا السقف العام من واقع أفعال الإنسان المزدوجة والمتناقضة ذاتياً. فلو كان هناك فعل معين موجود نتيجة الإيمان بناء على نصٍ ما، فكيف يتحقق على وجه الحقيقة. أي كيف يتحول الإيمان إلى نظام اجتماعي وسياسي وقيمي وثقافي. الكيفية هنا تسلب أية كيفية أخرى من المواقف وتستغل بعضها البعض لفرض نمط وجودها الخاص. وتلك هي الثغرة التي يستغلها بعض مراوغي الدين والمتربحين من سلطته لصالح منافعهم الخاصة. ومن ثم يكون الكذب من جملة الحيل المطلوبة لتمرير تلك الحالة.

سيكون الأمر بتلك الطريقة (ظلاً موفُوراً) للحقيقة الناتجةِ عن الإيمان. ظل وجودها وتداعياتها ناهيك عن الارتباط بالتعبير عنها خارج وجودها لا في ذاتها. إذا أردنا عبارة واضحة، فالوفرة هنا وفرة المحاولة تلو المحاولة لامتلاك الحقيقة والإدعاء باسمها، لا وفرة الحقيقة نفسها. فمَنْ مِنْ المؤمنين لا يرى امتلاكاً لحقيقة الإعتقاد؟ بل مَنْ لا يشعر بسريانه مثلما تسري الطاقة بأنحاء جسده؟ بل بالنسبة لمجال الدين يراه المؤمنون جارياً عبر جميع الأفكار والأفعال والظواهر والحياة.

وهذا ما يجعل منظري الخطاب الديني على ثقة مفرطة بالمستقبل مهما تطورت الحياة أو لم تتطور. كما جاء بالقرآن قوله:" إن غداً لناظره قريب"، إذ تم تأويل القول في بعض الأحيان لصالح التفلت من الإلتزام والتخلق بالآداب العامة. ذلك حين يفعل الإنسان ما عنَّ له من أفعال ثم عند مطالبته بالتزام الأخلاق يقول (إن شاء الله). وهو الأمر المؤجل إلى الغد وإن ظل الإنسان منتظراً إياه طوال الحياة. لأنَّ غداً لا ينقطع عن الوجود مثلما لا تنقطع حقيقةُ الإيمان من وفرةٍ ذاتية.

إذن هناك درجة كبيرة من وفرة الحقيقة على صعيدي التصديق والتحقق اللذين لم يأتيا بعد. بمعنى أننا نترقب الأمر بصيغة: ها هي الحقيقة ستأتي، كأننا نحصل عليها تواً رغم استمرار لحظتها الغائمة تلك دون نهاية. هي ستمثل حينئذ وعداً مطروحاً مع الكلمات والعبارات بمجرد التلقي. لكن أين وكيف بالضبط؟ إنه سؤال عن أشياء غير محددة. ومن ثم فإن التنغيم واللحن في التعبيرات مع الخطابة الدينية أمران يتحينان وفرة المعاني. وهما آليتان صوتيتان لإشباع المستمع بالفيض اللغوي، لاستحضار العالم المعبر عنه. كأنَّ المدلولات ستحضُر حقاً لا مجازاً. وليس من شك لدى صائغ الخطاب في إبلاغ المضمون الوفير للكلمات. فهو يتعامل مع الصوت كمادة طبيعية معرفية ذات حضور ميتافيزيقي كلي. إن مهمته تشبه عملية الخلق للمعاني بطقس الإلقاء كما في الحكايات والسرديات القديمة. فيكون الصوت الجهور والنبرات المشددة والترديد المتواصل أشياء مفهومة بالمغزى السابق. فإذا أعملنا عقلنا نقدياً، سنعرف كم كان الواقع مغايراً لما يُقال. نظراً للقفز الاعتقادي على مقتضى الحال الذي هو السياق.

يعنى هذا أنَّ خطاباً دينياً من هذا الصنف هو" اغراق السياق " بمعانٍ فضفاضة دون حدودٍ. ليست معبرة إلاَّ داخل النطق فقط. هل ذلك نوع من الكذب؟ أليس تناقض الكلام مع الفعل بُعداً عن الحقيقة؟ الإجابة -بحكم تلك الأفكار- لن تكون إثباتاً، إنما ستحمل الفرد على تكرار الحالة. هذا ما اتضح كثيراً في خطابات الجماعات الدينية بعد الربيع العربي. لقد ظل اغراق السياق في ميادين التظاهر هو السمة الغالبة تأثيراً على المتلقين. وباتت المعايير التي نعرف بها  (الصح من الخطأ) غير واضحةٍ. كما لا تستند لغة الخطاب إلى أي شيء سوى زخم الإحداثيات الطارئة على الأرض.

من زاويةٍ أخرى، هناك في خلفية الخطاب الديني قوة استباق للواقع قفزاً عليه أو تجاوزاً له أو اسقاطه من الأساس. وحين يمتلك الخطاب وفرة سلطة، فليس للواقع أدنى وزن، بل ذلك سبب كاف لاجتياح أي واقع مختلف مها يكن. وتلك القوة ذات الطابع المقدس محصنة ذاتياً ضد المساءلة أو التوقيف أو حتى المراقبة. فإمكانيتها – كما يتصور الخطاب- أكبر من أية إمكانية غيرها. بالتالي يعدُّ الواقع مجرد طريق لا أكثر نحو ما يريد الخطاب. وهذا يحول القوة إلى عنفٍ لا يرى أمامه ولا يميز المواقف. وقد يقع الخطاب في محاذير التعدي على الحقوق وحرق المراحل واقتناص الفرص. يُسمى في بعض الأحيان الغلبة والغنيمة والغزوة (كما قيل مع الانتخابات غزوة الديمقراطية). لكنه يقوم بعملية رسم لخريطة الصراع وفقاً لما يخبأه من مآرب. فإذا بنا نخرجها في الوقت المناسب بعد تمكن أصحابه من مواقعهم. ولسان الحال يردد كما قال الشاعر:

ما نيل المطالبِ بالتمني :: ولكن تُؤخذ الدُّنيا غِلاباً.

أما منطق الخطاب الديني عندئذ، فيقول لا مناص من الاستحواذ على الواقع، ضرورة السيطرة عليه قبل أن يلتهمه الآخرون. فالحياة غالب ومغلوب. وإذا كان المؤمنون هم أولى الناس بها، فإنِّ ضمان الإيمان كفيل بإتمام المهمة بالقوة. وهذا المنطق يقول إن التفكير- أدنى تفكير- يمسح أي خطأ بمجرد خطوة إلى الأمام. هو بلا شك سيُغطى بكم من القفزات تجاه الأهداف. حتى إذا سُئل الفاعل لماذا تم ذلك؟ سيقول بسبب امتلاكي للحقيقة كل الحقيقة وهذا سبب. أما السبب الآخر، فأنا أحق وليس أولى فقط من غيري. والدليل أنني موعود بهذا اليقين على نحو كامل. فالدين في أساسه وعد بالغلبة للمؤمنين.

حتى أنَّ الكلمات تتمتع بواقع ذاتي قابل للحركة والسعي من تلقاء نفسه. فهي تتشبث به كما لو كانت حصراً له. هكذا تغدو المعاني أفعالاً لا شيء غيرها. بينما المدلولات (المعاني) -كما نوهنا- فائضة إلى درجة الطوفان عن الدوال (الكلمات والنصوص). القضية أنَّ هذا الاستباق لا يجعل الخطاب محدداً في إمكانيته. أهو يسير بخطوات وئيده أم أنه سيبدل أهدافه كلما سنحت الفرصة؟! الخروج من تلك الأرجوحة لا يتم إلاَّ بالعيش في الحياة. العيش بحسب تجربة واقعية تحول الاعتقاد إلى مجال مفتوحٍ للاختلاف. وهذا الشيء نادراً ما يحدث.

في الوقت ذاته يمنح الخطاب أفقاً للتفلت من مشروعية المجتمع ، بل لا يستند إلى أية مشروعية مقبولة إجمالاً. على أساس كون المشروعية الأهم مأخوذةً من الله مباشرة، فكيف يمكننا انتظار مشروعية أية كيان سواه؟! ولكن يتناسى الخطاب بهذا أنه سيعبر بطريقة أو أخرى عن (مشروعية إنسانية)، حتى لو آمن بمشروعية عليا. الفكرة أنه لم يستطع الوعي بتلك النقطة. ولو وعاها لاستطاع فهم تجارب الآخرين ولتمكن من التدرج في الحياة بحسب مقاصد الشرع.

وهذا الاستباق يُوقِع صاحبة في وهم امتلاك المصير والحقيقة والقوة غير المنظورة. أي سيأتي بالأمور من نهاياتها القصوى. فهو بدلاً عن السير مع الزمن يضع نفسه لاشعورياً عند نهايته. يقول: ما بالنا بأن الخطوات تلو الخطوات بطيئة ولا تتفق وضرورة" التمكين" المنتظر. هذا المصطلح الذي اشتهرت به الجماعات الإسلامية ولا سيما الاخوان المسلمون. كأنَّ السلطة تحديداً هي الوعد الإلهي لهم، فكان نهمهم التاريخي للحكم بلا حدود. صحيح ليس للتمكين زمن معين، غير أنَّه يحمل مصيراً ما. والمصير يعبر عن نهاية معروفة من جانب أصحاب التمكين بالنسبة إلى أطراف النظام السياسي. فإذا كان أحدها سيمكن من السلطة، إذن سيكون مصير الآخرين التهميش والإقصاء. وتلك النتيجة ستخرج من الغلبة التي تحكم قواعد اللعب.

وتباعاً ينتقل الاستباق إلى امتلاك الحياة ذاتها. فالخطاب الديني – لا الدين- يتحدث بنبرة ابتلاع دلالات الحياة، بشراً وحركةً ونظاماً وزمناً ومصيراً في جميع المجالات. أيضاً تحت مبرر أن أصحابه هم الأجدر- دون فهم الحياة- بالسيادة عليها. ستكون حركتهم في أي مجال من المجالات بطريقة المزاحمة، حتى فيما لا يمتلكون قدرات التواجد فيه والأهلية له. مع أن نظرة بسيطة تعرفنا أن هناك نتاجاً علمياً وفكرياً وحضارياً ينبغي تجاوزه كي يستحق المطالبون بالمكانة هنا أو هناك أن ينالوها. من ثم كانت معاني الخطاب الديني ضحمة جداً بينما فحواها ضئيل التكوين والتأثير جداً. من هنا نشأت أفكار التكفير والتفسيق والتبديع والاقصاء في هذا الخطاب، فالحياة حين لا تخضع لهم، يذهبون إلى ملاحقة الآخرين والأغيار بالتكفير.

إنَّ أمراً كهذا أدي بالخطاب الديني إلى تهويم الآخر في معناه الشمولي. فالآخر يقع دوماً في مرمى القناص (صاحب الخطاب). وإذا سنحت الفرصة لن يفلت من الاصابة المباشرة بمعاني السيطرة وممارسة العنف. ويأتي التهويم من كون الخطاب الديني إذ يتحدث عن امتلاك الحياة يجد نفسه محصوراً في زاوية ضيقة منها. لأن الحياة الإنسانية لها قوانينها الصارمة التي لا تسير اعتباطاً نحو هذا الاتجاه أو ذاك. وقد استطاعت الحضارات فهمها ووضع آليات التعامل معها، فأبدعت وانتجت، بينما القول بالهيمنة عليها لم يبلغ إلا مسامع أصحابه فقط.

والكلام سيتوجه إلى أهداف غائمة بقدر العجز عن فهم القوانين وإبداع عالم يعبر عنها ويتفق مع مرجعية الخطاب. لا يمكن التمييز في تلك الحالة بين الخداع والحقيقة إذا أردنا تعبيراً واضحاً عن المقصود. فالمعاني ستكون نوعاً القطع الحاسم تجاه الأشياء والتي لا يمكن القطع فيها ولم تفهم آلياتها. وأحيانا يفسر نصوص الدين خطأ مثل قول القرآن:" ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين". فالقرآن هنا يخاطب المؤمنين دون سواهم، ولكن ما هو الإيمان كمعيار للكلام؟ إنه هذا التدفق الداخلي للشعور بالوجود الإلهي وكتبه ورسله وأقداره وأمور الآخرة وأحوالها. إذن العلو بهذا المضمون ليس له معيار إلاَّ صاحبه، فلم يخترع الناس ترمومتراً لقياس الإيمان.

إنَّ العلو المقصود يأتي للمؤمن من إخلاصه لربه ومن التزامه بذلك التنسك قدر طاقته وإيمانه، وبقدر ما يتم اتصاله بمسببات العلُّو في الواقع. فالتدفق الشعوري ما لم يسنده عملٌّ، يتحول إلى مجرد رصيد نفسي ميتافيزيقي ليس أكثر. كما أن الآية تقول" إنْ كنتم مؤمنين".. وهذا لا يقطع بكون الموصوفين بالإيمان كذلك حتمياً. فـــحرف "إنْ" السابق على كنتم يعطي إحساساً بعدم تملك الإيمان كما نتملك الأشياء المادية ولا التمكن منه تمام التمكن دون ريب. وذلك أولى بالعناية لأنه يفتح باباً للاستزادة والتيقن دون أنْ يمنحهما كاعتماد فوري لكل مؤمن.

يترتب على ذلك: إنّه لو كان الكلام تطييباً لنفوس المؤمنين، فهو دافع للتمسك بالإيمان. التمسك به بوصفه معياراً داخلياً إذا احتكمنا إلى واقع متأرجح وإذا كان مصدراً للحزن والهم والوهن. إذن لفتة القرآن الطريفة هي: عدم القدرة على امتلاك الحياة بقدر ما نمتلك إيماناً. ويصبح الإيمان تعويضاً، بل دافعاً للمحاولة تلو المحاولة لبلوغ ذلك الهدف. وهذا يختلف عن الزعم بأعلويتنا في الحياة لكوننا مؤمنين وحسب. والآية جاءت قصداً بطرح الحزن والوهن في مقابل بقاء الإنسان قوياً بإيمانه حتى تظهر المفارقة. ومن جانب آخر، لا تترتب عليه نتيجة حتمية إلاَّ ضمن واقع معيش يؤكده، ويجعل حرف "إن" قابلاً للإثبات باستمرار. فليس شرطاً إذا كنت مؤمناً أنْ تعلو في الحياة وعليها. في الوقت ذاته يمكن لمَنْ لا يمتلك رصيد إيمانك (أنت المؤمن) العلو في الحياة بحسب قوانينها المادية. في الوضع الأول، أنَّ القرآن استخدم العلو في الإيمان مقابلاً للحزن والوهن. بالتالي مقابلهما سيكونان (الفرح والقوة). وهاتان الكلمتان تأتيان في القرآن بمعانٍ سلبيةٍ، فذكر القرآن: أن الله لا يحب الفرحين، ولا تمشي في الأرض مرحاً. والقوة مرتبطة كذلك بالطغيان والجبروت وادعاء الألوهية سواء أكانت بالنسبة لفرعون أم قارون أم النمرود.

لفظ العلو يأتي مع الجانب الإيماني أو الإحساس بالجليل المقدس. أمّا الحياة، فيرد بشأنها القوة والغلبة. والخلط بين الاثنين تبعاً لمعيار أحدهما ولا سيما الإيمان يدفع بالخطاب الديني إلى التحدث تهويماً عما لا يعلم. يتحدث بلغة مَنْ يتيقن أنَّه يعلم كلَّ شيءٍ بينما هو عكس ذلك تماماً ... ماذا يُسمى حينئذ؟

هناك سمة أخيرة: توقُّع الخير. إذ نجد أن الخطاب الديني يتحدث عن الخير باستمرار طالما أن مصدر الأشياء هو الله. ولو وجد شر مثل الموت والزلازل والبراكين والأمراض والأوبئة، فيُحمل في غايته الخفية على أنه خير أيضاً. وهذه الحالات الطبيعية تسحب على أفعال الإنسان وتصرفاته. معنى هذا أحد احتمالين: إمَّا أن وجود الخير موجود فعلاً، وإما أن هناك مسخاً للخير حتى يتجسد شراً. المشكلة في أن هذه الرؤية تمثل مبرراً لخيرية الشر إذا جاء من طرف أصحاب الخطاب الديني. فقد يكون هناك عمل عنيف وهو شر. لكن منطقه كالتالي: أن هذا الشر شر مؤقت من أجل خير دائم فيما بعد. ونظراً لأنَّ هدف كل شر مؤقت الوصول إلى الخير. إذن لا مناص من الشر بلوغاً إلى الهدف الأسمى. ولهذا نرى القتل المادي والاغتيال الرمزي اللذين تمارسهما الجماعات الدينية واردين بإسم الخير، وباسم الخوف على المقدسات والمعتقدات والقيم من الانحراف في المجتمعات. وإذا سُئل الفاعل: لم فعلت ذلك العنف؟، سيقول إنما لم أفعل ما فعلته إلاَّ بالخير الذي أحمله للآخرين!!

هكذا يتعين التوقع السابق بنقيض الخير لا من طريقه تحديداً. لأن الغاية الخيرة (كما يراها صاحبها) تخترق أي فعل نوعي ولو كان شراً. وهذا سبب آخر يضاف إلى إعتبار الشرور في طريق الخير خيراً أيضاً. بل تعتبر امتحاناً لتحمل الصعاب ولتمحيص معادن الرجال في طريق الهداية كما يقال. وهذا معناه أن مشروعية الكلام الديني المخالف للواقع هي معقودة سلفاً ولا تحتاج إلى فحص ولا إلى تأكيد. لأن جواز مرورها النافذ كامن فيها. فالتوقع من هذا الصنف هو يقين مؤكد ذاتياً، مخزونه الشعوري الخاص ضامن لوجوده. تماماً كما يترك مخزونه التبريري المُمالئ بقعاً من الشك التي قد تتقرح في تكوين الخطاب والفكر.

إذن إختصاراً لا يوجد كذب في نطاق التدين بهذا المفهوم العام في مجالات أخرى. بل الكذب هنا يمسح نفسه أول بأول كمنظف ومطهر ذاتي لما يرتكب أصحابه من أقوال وأفعال. وعليه لا يوجد خطأ واضح تمام الوضوح. هناك آلية خاصة تتخطى السلبيات. صحيحة كانت أم غير ذلك، فليست تلك هي القضية إنما المهم أنه لن توجد هناك آثار لما يحدث من نتائج ولن يتم محاسبة أحد عليها من حيث المبدأ.

خامساً: مجال السياسة

السياسة هي أقرب المجالات من حيث التشابه والتكوين إلى الدين كما ذكرت، إن لم تكن هي ترجمة حرفية للخطاب الديني. وشاءوا أم أبوا، سينزلق رجال السياسة وراء دلالة النبرة الدينية تأسيساً وتخريجاً، لأنها أحد مفردات الهيمنة على الشعوب. والسياسة من تلك الجهة هي (إلباس الدين) بتكتم وسرية (لباس اللادين). فلابد للسياسي أنْ يحول الدين إلى سياسةٍ. وتشكل المسألة على المدى الدين وضعاً مقلوباً. الإله بالأرض والشعب في السماء، عملية قلب للعالم ولصندوق الاعتقاد تبعاً لوضعية السلطة. فإذا بفتحة هذا الصندوق السري إلى الأسفل وقاعدته بالأعلى. أي أنَّ الشعوب تجأر من الظلم إلى الله وتحلق في السماوات والأكوان بحثاً عن خلاص بينما يستولي الطغاة الكذابون على الأرض كآلهة من طين!!

تعتبر السياسة من ثمَّ تقديساً أرضياً بلغة الدنيا. هي (دنيوية الدين) في طابعه الجذري الذي يحدد ماهية الأشياء وعلاقة الإنسان بها. وما لم نأخذ هذا التحول أساساً في فهم عمليات الكذب، لن ندرك لماذا يتشابه الخطابان الديني والسياسي. يتماثلان من زاوية طرح المعنى بضمان (الغيب السياسي) في الثاني و(الغيب الديني) في الأول. وهو نفسه الضمان الذي يبرر أي قول دون أهمية التحقق، أو يمرر تسويفاً دون أجل محدد. وإنه الضمان الذي يوقّع "هول التخيل" لدى المتعامل مع هذين الخطابين. ويطرح الخطابان الديني والسياسي بهذه الصيغة المزدوجة انتظاراً لرود الفعل المؤيدة والداعية إلى الإلتزام بهما. كأنهما يصران على تلقى ردود الفعل المقبولة كما يريدان وكما يبغيان.

وهذا هو الباب الواسع للكذب وإطلاق سراح الشائعات في السياسة، فلا ينتظر رجال السياسة من الشعوب متابعة أفعالهم وأقولهم، ذلك بموجب التغطي بعباءة السلطة المغلظة بالعنف تجاه المخالفين. ولو تدخل أحدهم، فسيكون عُرضة للبطش والتنكيل كما رأينا في التاريخ القريب والبعيد للأنظمة العربية الحاكمة. وكأن السياسي يردد: المواطنين يجب أن يُساءلوا، وينبغي أن يخضعوا للنقد والأمر والنهي، أما رجال السياسة فلا يخضعون لذلك الشأن إطلاقاً. وذلك الأمر جزء لا يتجزأ من تقديس الحكام ومن بقايا الأساطير التي تسكن أدمغتنا حتى اللحظة.

إن الأكاذيب تنبت في السياسة بين الفينة والأخرى، لكونها مجال (المحظور البديل) من توسيع قاعدة السلطة ونتيجة الإختباء غير الواضح بها. وهذا هو ما يجعل البذور لكل كذبة كبري موجوده بالقوة ضمن هذا المتن القابل للتكرار بحسب درجات الحرية وتكوين المجتمعات واختلاف السياق ونمط السلطة النافذ لدى الأفراد والجماعات.

الحاكم في نظمنا السياسية الحاكمة (نصف إله)، وأحياناً كثيرة (إله كامل) لا يُصدّق ولا يكذّب، كلامه خارج هذه المعايير الخاصة بالشعوب. يقول ما يريد القول، يزعم ما عنَّ له الزعم، يرددُ ما نفذ الترديد إلى مداه .. كلُّ ذلك بلا أدنى إمكانية للمراجعة ولا المساءلة ولا محاولة التحقق مما يقول. دائما يطلق العبارة المحذرة من الإقتراب من وجوده، يرى نفسه فوق القانون وعلى أكتاف الشعوب.

ولذلك تعدُّ الشفافية Transparency أول قاعدة للديمقراطية، ولا يجب أن تتأخر عن مكانتها تلك كأنها أداة من أدوات الحكم. فليست هناك ديمقراطية ولا توجد إمكانية للتعبير عنها وتدعيمها بخلاف الشفافية. لأن الشفافية هي الدائرة الأكبر من الإجراءات والأنظمة والقوانين والإجراءات السياسية. حتى أنها تعتبر أوسع من نظام الحكم ذاته، نظراً لإرتباطها بحق المعرفة وحق التنوع وحق الفهم وحق الحياة المشتركة وحق الحرية تجاه السلطة وعسف القوانين.

والشفافية هي قدرتنا معاً على أنْ نعيش (بوضوح وحرية واعتراف) داخل المجال العام الذي يلتزم فيه المواطنون بمعرفة كل شيء وإطلاع الآخرين على كل شيء. وليس (من حق) النظام الحاكم إخفاء أية تفاصيل ولا خلفيات الأحداث والأعمال والسياسات عن المواطنين. وهذا الوضوح يحتاج أشياء كثيرة لا تقل عن تغيير طبائع الثقافة ونمط العيش وطرائق التفكير وجوهر السياسة وفكرة السلطة ووجود الآخر المتنوع.

إن الأنظمة السياسية التي تتسربل بالأسرار وتتزي بالغموض سيكون مصيرها السقوط عاجلاً أم آجلاً. لأنَّ انعدام الشفافية سينتهك جدار الثقة المفترض وسيفتح باباً لجحيم الأكاذيب التي لا تنتهي، حتى أن النظام الحاكم نفسه قد يتحول بين ليلة وضحاها إلى كذبة مهولة بحجم الدولة. وللأسف لن تنفثئ هذه الكذبة من انتفاخها المذهل بسهولة، إنما ستنفجر مدوية بطول التاريخ وعرضه. وسيصعب التخلص من روث الأكاذيب السياسية إلاَّ بتنظيف الأدمغة وتطهير الممارسات وتقوية إجراءات وقيم الديمقراطية، مما سيأخذ عُقوداً من إعمال مبادئ الشفافية والصراحة بين المواطنين والمؤسسات في المجال العام.

 

سامي عبد العال

 

حاتم حميد محسنكل دولة مستقلة ذات كيان سياسي تتألف من أربع خصائص رئيسية؟:

1- حكومة او نظام  لخلق وفرض القوانين.

2- مجموعة من السكان تقطن مساحة محددة مع ما تشهده من تغيرات في نسب الولادة والوفيات والهجرة والنزوح.

3- الاقليم او المنطقة الجغرافية التي تدّعي بها الدولة.

4- السيادة او السلطة النهائية للدولة التي تحكم بها نفسها بدون تدخّل خارجي من قوى او حكومات.

مفردة القطر او الدولة عادة تُستعمل بشكل متبادل ولها نفس المعنى العام. لكن حتى لو كانت الامة والقطر ايضا يُستعملان بشكل متبادل، لكنهما في الحقيقة مختلفان في المعنى ويجب ان لايحصل بهما أي التباس. الامة هي مجموعة من الناس لها نفس الثقافة والدين والتقاليد واللغة. احيانا الامة تصبح دولة تشكّل دولة قومية. مثال على ذلك فرنسا واليابان. بعض الامم لا تمتلك اقليما ذو سيادة. فمثلا، الكرد وهم جماعة أثنية كبيرة تعيش في أجزاء من تركيا وايران والعراق وارمينيا وسوريا، لايمتلكون سيادة على اقليم خاص بهم. لهم وطن تقليدي لكن ذلك الوطن مشتت بين تلك الدول الخمس، وهم يعيشون طبقا لقوانين تلك البلدان وليس القوانين الخاصة بهم.

أصل الحكومات

هناك أربع نظريات رئيسية في أصل الحكومة:

1- النظرية التطورية evolutionary theory

وطبقا لهذه النظرية فان الحكومة نشأت بالأصل من عائلة او هيكل مرتبط بعشيرة، يمكن ان يوضح أول الهياكل السياسية في العالم. هذه الحكومات المبكرة والمتكونة بشكل رخو كانت نتيجة الإنتقال من مجتمعات الصيد وجمع البذور الى مجتمعات زراعية أكثر استقرارا. وعندما اتّحدت العوائل لتكوّن عشائر وهذه العشائر اتّحدت لتكوّن قرى، عندئذ برزت الحاجة الى قادة وهيكل تنظيمي مركزي للمساعدة في تقرير كيفية معالجة القضايا الجديدة الغير مألوفة مثل حق المياه في ري المحاصيل وتوزيع الموارد الاخرى. هؤلاء القادة ايضا يوفرون احساسا متزايدا بالأمن والآمان للمجتمع. في العديد من المجتمعات القديمة، برزت أول الدول التي طورت ملكيات ذات حكم مرتكز على العضوية في عائلة حاكمة. في العصور الحديثة، استمرت بعض الحكومات لتُقاد بسلسلة متعاقبة من الأعضاء من نفس العائلة. فمثلا، في المملكة السعودية، بقي الملك الذي ينحدر من عائلة السعود منذ عام 1744.

2- نظرية القوة:

وهي الفكرة بأن الحكومة تنشأ من إحكام السيطرة على الدولة بالقوة وهي عادة ما توجد في الدكتاتوريات – وهو نوع من الحكومة يتميز بحكم شخص واحد او حزب سلطوي واحد. تاريخيا، هذا تحقق في بعض الحالات من خلال الغزو العسكري او الفساد عندما يسيطر الناس او الدولة الأكثر هيمنة  على النظام السياسي للناس او الدولة الأقل قوة، يفرضون نظام حكومتهم على تلك الجماعة. الحكومات الجديدة يمكنها ايضا ان تتكون بالقوة من خلال الثورات او الانقلابات العسكرية . الانقلاب هو اطاحة بالحكومة القائمة، والقائد الجديد او الدكتاتور عادة يكون شخصية عسكرية. مثال على ذلك حدث في كوبا عام 1959 عندما هزم فيديل كاسترو ومعه قوة صغيرة من العصابات الجيش الوطني وسيطروا على الحكومة. في بعض الحالات، تأخذ الحكومات المتكونة بالقوة خصائص الملكية، مع سلطة حكومة تنتقل نزولا ضمن عائلة الدكتاتور. مثال على ذلك نظام كم في شما كوريا وبعض الأنظمة العربية.

3- نظرية الحق الالهي:

وفيها تنشأ الحكومة بسلطة مخولة للفرد من الله. وبشكل عام، الحكومات من هذا النوع هي الحكومات التي يقودها الملوك. هذه النظرية جرى اتّباعها في الأزمنة القديمة بما في ذلك المصريين والمايا. فكرة الحق الالهي شهدت انبعاثا في اوربا الغربية في القرنين السادس عشر والثامن عشر الميلاديين، عندما زعم الملك جيمس الاول في انجلترا  والعديد من الملوك الفرنسيين وحكام آخرين  ان سلطاتهم جاءت من الله وبهذا لايمكن تحدّيها. قياصرة روسيا مثل (بيتر الأكبر) اعتقدوا ان سلطاتهم معطاة من الله وانهم استخدموا سلطاتهم للحصول على الاقاليم وتمويل الحروب وفرض الضرائب على رعاياهم.

4- نظرية العقد الاجتماعي:

 وهذه كانت نتيجة قرون من الإحباط تجاه سلطة الملوك المتزمتة. وفق هذه النظرية تُعتبر الحكومة  نوعا من العقد فيه اولئك الذين في السلطة لهم مسؤولية تجاه المحكومين، والمحكومين يحترمون سلطة الافراد الحاكمين. هناك عدة نسخ من نظرية العقد الاجتماعي تتراوح من التأكيد على الحفاظ على النظام الاجتماعي السلمي الى التركيز على استخدام رغبة الافراد الحرة في تقرير ما هو أفضل للصالح العام، او ما يفيد كل المجتمع. ومع ان نظرية العقد الاجتماعي فيها اختلافات كبيرة، لكن في جوهرها هي الفكرة بان الحكومة عبارة عن اتفاق بين المحكومين وحكامهم. مؤسسو الولايات المتحدة اعتمدوا بقوة على نظرية العقد الاجتماعي في بناء كل من إعلان الاستقلال والدستور.

تبريرات الديمقراطية:

المناصرون للديمقراطية يعتمدون على عدد من الاسباب والمبررات كالتالي:

1- الشرعية: طبقا لنظرية العقد الاجتماعي فان شرعية الحكومة ترتكز على موافقة المحكومين،اي، الانتخابات، وان القرارات السياسية يجب ان تعكس الرغبة العامة.

2- السلام الديمقراطي: حيث ان الدول الديمقراطية نادرا ما تدخل في حروب مع بعضها.

3- النجاح الاقتصادي، حيث يزعمون ان الأنظمة الديمقراطية لا تضع قيودا على السوق ولا تشجع الاحتكار على حساب التحطيم البنّاء الضروري لإدامة النمو الاقتصادي.

بدايات النظرية

قارن ارسطو حكم الكثرة (ديمقراطية/تيموكراسي) مع حكم الأقلية (اوليغارشي/ارستوغراسي)، ومع حكم الفرد الواحد (المستبد او اليوم اوتوقراطي/ملكية مطلقة). هو ايضا اعتقد ان هناك حسنات وعيوب في كل نظام ( هو اعتبر الديمقراطية تيموكراسية متفسخة). اما لدى منظّري النهضة الجمهوريين كانت الرؤية ان الديمقراطية تحيا في الجماعات السياسية الصغيرة. لافتين الإنتباه الى تحوّل الجمهوريات الرومانية الى الملكية عندما اصبحت أكبر حجما، هؤلاء المنظّرون الجمهوريون يرون ان توسّع الأقاليم ونمو السكان يقودان حتما الى الاستبداد. ولذلك،كانت الديمقراطية شديدة الهشاشة ونادرة تاريخيا لأنها يمكن ان تتلائم فقط مع الوحدات الصغيرة التي بسبب حجمها الصغير تكون حساسة للغزو من الوحدات السياسية الأكبر. مونتسكيو ذكر " اذا كانت الجمهورية صغيرة فسوف تتحطم بقوى خارجية، واذا كانت كبيرة فانها ستتحطم بعيوب داخلية. روسو زعم ايضا "لذلك فان الخاصية الطبيعية للدول الصغيرة ان تُحكم كدول تخضع لملك، اما الامبراطوريات الكبيرة فتقبل بحكم أمير مستبد".

أنواع الديمقراطيات:

هناك ثلاثة انواع من الديمقراطية وهي الديمقراطية التجميعية والديمقراطية التداولية والديمقراطية الثورية.

الديمقراطية التجميعية: Aggregative democracy وتدّعي ان الهدف من العملية الديمقراطية هو معرفة أفضليات المواطنين ثم تجميعها مع بعضها ليقرروا نوع السياسات الاجتماعية التي يجب تبنّيها. ولهذا، فان أنصار هذه الرؤية يرون ان المشاركة الديمقراطية يجب ان تركز اساسا على التصويت، حيث يتم تنفيذ السياسة الحائزة على أعلى الاصوات. عيوب هذه الديمقراطية هي ان الحكومات تميل لصنع قوانين وسياسات قريبة من رؤى متوسط الناخبين حيث يكون نصفهم الى اليمين والنصف الآخر الى اليسار. وهذه ليست حصيلة مرغوبة لأنها تمثل فعل النخب السياسية ذات المصلحة الذاتية والغير مسؤولة في المنافسة على الأصوات. (انتوني داونس) يقترح ان الاحزاب الايديولوجية السياسية ضرورية للعمل كوسيط بين الفرد والحكومة، اوضح ذلك في كتابه (النظرية الاقتصادية للديمقراطية، 1957).

2- الديمقراطية التشاورية Deliberative democracy

وترتكز على فكرة ان الديمقراطية تُحكم بالمشاورات. على عكس الديمقراطية التجميعية، ترى الديمقراطية التداولية انه لكي يكون القرار الديمقراطي شرعيا، يجب ان تسبقه مشاورات حقيقية، ليس فقط تجميع للأفضليات التي تحدث في التصويت. المشاورات الحقيقية هي مشاورات بين أصحاب القرار والتي تكون متحررة من تشوهات القوى السياسية غير المتساوية، مثل السلطة التي يحصل عليها صناع القرار خلال النمو الاقتصادي او دعم جماعات المصالح. اذا لم يتوصل صناع القرار الى إجماع بعد المشاورات الحقيقية،عندئذ يتم التصويت على المقترحات باستعمال قاعدة الأغلبية.

3- الديمقراطية الثورية:

وترتكز على فكرة ان هناك علاقات قوة قمعية وهيراركية توجد في المجتمع. دور الديمقراطية هو كشف تلك العلاقات والتصدي لها عبر السماح للاختلافات وصنع قرارات مضادة.

الانتقادات

جوبهت الديمقراطية ولاتزال بالعديد من الانتقادات سنورد قسما منها:

1- عدم التماسك incoherency

الديمقراطية منطقيا فكرة غير متماسكة: وفق نظرية ارو (Arrow’s theorem) هناك ثلاثة معايير منصفة لديمقراطية القرار، جميعها متضادة بطبيعتها وهي:

اولا: اذا كان كل ناخب يفضل الخيار(س) على الخيار (ص)، عندئذ فان المجموعة ايضا تفضل (س) على (ص).

ثانيا: عندما تبقى أفضليات كل ناخب بين (س) و (ص) ثابتة بدون تغيير، فان أفضليات المجموعة بين (س) و (ص) سوف تبقى ايضا ثابتة دون تغيير.

ثالثا: ان لا وجود لديكتاتور: لا صوت منفرد لديه القوة في تقرير أفضلية الجماعة.

وفق هذه النظرية، يؤكد كينيث ارو "ان لا وجود لطريقة تصويت عادلة"، وان جميع طرق التصويت الترتيبية فاشلة وان الطريقة الوحيدة غير المعيبة هي الدكتاتورية".

2-عدم الفاعلية: بعض الاقتصاديين انتقدوا فاعلية الديمقراطية على اساس عدم عقلانية الناخب او ان الناخب الذي يتخذ القرار لا تتوفر لديه جميع الحقائق والمعلومات الضرورية لعمل قرار صائب حقا. الديمقراطية حسب رأيهم تبطئ العملية السياسية بسبب كمية المدخلات الكثيرة والمشاركة المطلوبة لإتخاذ القرار. مثال على ذلك التطور الاقتصادي العالي الذي انجزته الصين اللاديمقراطية مقارنة بالهند الديمقراطية. نقص المشاركة الديمقراطية في الصين سمح بنمو اقتصادي غير مقيد(1).

3- جهل العامة: اعتقد سقراط ان الديمقراطية بدون جماهير متعلمة (متعلمة بالمعنى الأوسع في كونها واعية وعقلانية) سوف يقود الى الشعبوية كمعيار في انتخاب القائد وليس الكفاءة. هذا بالنهاية يقود الى زوال المجتمع. نفس الفكرة عرضها افلاطون في الجزء العاشر من كتاب الجمهورية في حديث سقراط مع ادمنتس. سقراط يرى ان حق التصويت يجب ان لا يكون عشوائيا (بالولادة او المواطنة) وانما يجب ان يُعطى فقط للناس الذي يفكرون بما يكفي في إختياراتهم. في التأكيد على المظهر الزائف للشعبوية جادل المفكر الايطالي باريتو ومعه موسكا ان الديمقراطية ليست الاّ وهما، ذلك ان النخبة الاوليغارشية هي القانون الصارم للطبيعة الانسانية نتيجة لـ اللامبالاة وانقسام الجماهير مقابل وحدة النخب ذات التحفيز والمبادرة العالية، وان المؤسسات الديمقراطية سوف لن تحقق اكثر من نقل السلطة من الاضطهاد الى الاستغلال." نحن قد نمتلك ديمقراطية او نمتلك ثروة متركزة بيد القلة، ولكن ليس الاثنين معا.

4- عدم الاستقرار السياسي: نظرا للانتخاب المتكرر للحكومات ذهابا وايابا، سيكون هناك ميل لتغيرات مستمرة بسياسة الدول الديمقراطية على الصعيدين الداخلي والخارجي. وحتى عندما يحافظ الحزب السياسي على السلطة ، فان الاحتجاجات الصاخبة التي تتصدر عناوين الصحف، والانتقادات اللاذعة من وسائل الاعلام الشعبية عادة تكفي لفرض تغيير سياسي مفاجئ وغير متوقع، ولهذا يرى العديد من الناس ان الديمقراطية غير مرغوبة في الدول النامية التي تكون الأفضلية الاولى فيها لمكافحة الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي.

5- الانهيارات المفاجئة: بعض الحكومات الديمقراطية شهدت انهيارا مفاجئا وتغيير في النظام الى شكل من الحكومة اللاديمقراطية عادة يتخذ شكل انقلاب عسكري او تمرد. امثلة على ذلك الحرب الاهلية الاسبانية وانقلاب 9 نوفمبر عام 1799 لنابليون بونابرت الذي أنهى اول جمهورية فرنسية. بعض الانقلابات العسكرية حصلت على الدعم من الخارج مثل انقلاب عام 1954 في غوانتيمالا وانقلاب عام 1953 في ايران. وهناك انواع اخرى من التغيير المفاجئ يشمل الغزو الخارجي مثل غزو المانيا لتشوكسلفاكيا وسقوط فيتنام الجنوبية، او انقلاب داخلي يقوم به قائد الحكومة بالاستحواذ غير القانوني على كامل السلطة عبر تعليق الدستور او انقلاب انتخابي ذاتي يستعمل الغش للحصول على إعادة الانتخاب للحكومة السابقة او للحزب السياسي.

 

حاتم حميد محسن

....................

الهوامش

(1) طبقا لبيت الحرية Freedom House، في عام 2007 كان هناك 123 ديمقراطية انتخابية (صعودا من 40 عام 1972). وحسب بيانات المنتدى العالمي فان عدد الديموقراطيات الآن يمثل 120 دولة من مجموع 192 وتشكل 58.2% من مجموع سكان العالم. في نفس الوقت، الديمقراطيات الليبرالية (التي تحترم حقوق الانسان الاساسية وحكم القانون) عددها 85 دولة وتشكل 38% من سكان العالم. يؤكد بيت الحرية انه بدءاً من عام 2005،كان هناك هبوط متتالي طوال 11 سنة في الحقوق السياسية والحريات المدنية في كل العالم مقارنة بالتحسينات المتحققة، وذلك بسبب صعود الشعبوية والقوى السياسية القومية في كل مكان بدءا من بولندا (في ظل قانون حزب العدالة) وحتى الفليبين تحت حكم الرئيس رودريغو دوتيرتي. وبدءا من عام 2010 اتضح ان تراجع الديمقراطيات كان بسبب اللامساواة الاقتصادية والسخط الاجتماعي ، والشخصنة وسوء الادارة اثناء جائحة كورونا بالاضافة الى عوامل اخرى مثل استغلال الحكومة للمجتمع المدني والاستقطاب الحاد وحملات التضليل الاعلامي الاجنبية، والعنصرية والقومية والسلطات التنفيذية المفرطة وانخفاض قوة المعارضة.

 

 

 

سامي عبد العالطالما أنَّ الكذبَ لا مشروعيةَ له، فإنه يشكِّل (كتلةً) من التبريرات الواحدةَ وراء الأخرى. وقد لا يُطلقها الكاذب أمام الآخرين كمَنْ يطلقُ مجموعةً من الطيور المقيّدة من بين يديه، بل ليس شرطاً أنْ يمْسك هذا الإنسان تبريراته بدقةٍ، لأنه سيكون خلال لحظةٍ كهذه مأخُوذاً بما (يقول ويفعل). ولكن قد يُملي عليه الموقفُ مزيداً من المراوغات (بعيدةً وقريبةً) حتى لا يستوقفه أحدٌ. ولذلك ستتجمد أيةُ مشروعية ممكنة لديه - أي الكاذب- مستفيداً من التلاعب بكل القيم والمرجعيات. وهنا سيُظهر بوضوح أن الأكاذيب هي (تبرير المشروعية لنفسها)، سواء أكان التبرير تبريراً ذاتياً (الرغبات والغرائز والإنغماس في الواقع وانعكاساته) أم كان تبريراً خارجياً مثل التعلُّل بالظروف ومجاراة الأحوال وتقلب الصراعات والتوازنات ومغالبة الآخرين.

هناك سؤال جوهري: إلى أي مجالٍّ تنتمي هذه (المشروعية التبريرية أو تلك) التي يتعلق بها الكاذب؟ بمعنى أنه دائما ما يؤول كلَّ مشروعيةٍ من وجهة نظر المآرب والمصالح الضيقة، وقد تجده يلوي عنق القوانين والتقاليد والنصوص والأفكار المتعلقة بالصدق والشفافية والحقيقة. ولذلك تمثل (رأس الكاذب) كهفاً لعربدة فوضى الأكاذيب والآليات الدفاعية عما يقول، إنها خليط من المجالات التي تلتقي خبط عشواء في دماغه اللعوب.

ومع ذلك ليست تلك هي كل القضية فلسفياً، إنما الموضوع برمته يكمن في كيفية خطف وتوظيف الخطاب الذي يتبناه. إذ أنَّ المسألة الكذوبة تضع نفسها على مفترق طرق متباينةٍ. جميعها طرق مؤدية إلى تغذية حالة الكذب القائمة على المبررات الوظيفية. على الأقل من جهة صانع الخطاب حيث يرى الفرصة مواتية لقصف وعي المتلقين. ولتغييب المعنى وراء التعبيرات واقتناص الموقف الخاطف داخل كذبةٍ ما صغرت أم كبُرت. وهذا الموقف يمتد إلى جملة من المجالات التي يمسها الكاذب ويعمد أفعاله وآثاره داخلها. وسأحاول توضيح أبعادها رؤيةً من الداخل وكيف يتحصن الكذب داخلها، وبأية طريقة يبرر وجوده، وإلى أي مدى سيكون ذلك الموقف بلا أساس في النهاية.

أولاً: مجال الأخلاق

قد تتقمص فكرة (المشروعية الخاصة المبرَّرة) إهاب السلوك الأخلاقي على نحو سلبي. أي تنطوي الأكاذيب على طقوس أخلاقية خاصة بالشكل وأساليب الطرح والمظاهر الخادعة التي تُقرنها هذا المجال. لأن مبررها يبدو مشيراً إلى عمل من قبيل التمسح بالقيم السائدة وادعاء حسن الطوية مع كم وافر من التقدير الظاهري للأخلاق (المظهر غير الجوهر). ذلك على الرغم من معرفة الكاذب أن أقواله تطوي صفحة الأخلاق طياً لا رجعة فيه.

أهي عندئذ حالة من العودة إلى معايير معينة؟ بالقطع لا، لكنها عملية تمويه بإسم المعايير الأخلاقية. فإذا كان قبول الآخر لوناً من الادعاء، فإنه سيتم بمجرد انتهاء الموقف المعلّن عنه. وربما يتحول الكذب في هذه الحالة إلى سلوك سرّي. فقبول الآخر كعمل متظاهر به يصبح مبرراً جديداً (من حيث إعلانه) كي يتم مخالفته بشكل غير علني. ويحدث أن يدعو العمل (صاحبه الكاذب) إلى الإمعان في تصفية الآخر.

ونظراً لأنَّ السلوك الأخلاقي بمعناه الحقيقي غير واضح، فإنه يأخذ خفاء دوافعه بالمثل. وهذا هو المنزلق الذي قد ينخدع بسببه الإنسان أمام الكاذب. فحين يوجد سلوك غير صادق، فإننا عادة لا نستطيع أن نميزه عن غيره، كما لا توجد معايير ظاهرة ودقيقة لهذا الأمر. وإن وجدت بعض المؤشرات سرعان ما تخضع لتمويه الفعل الكاذب ذاته، لأن المشروعية لن نتمكن منها، بل هي تسيّر السوك كما لو كان صحيحاً بينما هو عكس ذلك تماماً.

ولا يأتي الوازع الأخلاقي على مائدة أولويات الكاذب إلاَّ تمهيداً لإلتهامه والعصف به، وإلاّ لما بادر بالكذب ومضغ آثاره كأنَّ شيئاً لم يكن. وبخاصة أن ثقافتنا العربية تخلط خلطاً معيباً بين الأخلاق والتقاليد والعادات الجارية والموروثة، فمن يريد أنْ يتخلق، فإنه متروك (بلا إرادة) إلى تقاليد بعينها تتولاه بالرعاية شريطة أن يترك نفسه طوع المجتمع ورهن الجموع والرهط.

والملاحظ أنَّ تلك التقاليد لا تشترط بدورها الإرادة الحرة، بل تحتم السمع والطاعة، لأنها تقاليد مسكونة بإكراهات المجتمع وأنياب السلطة. كأن أول خطوات الأخلاق هي مغادرة الذات دون رجعة والأخذ بما يجعل الإنسان عبداً مستلقياً لا واقفاً على قدميه في المجال العام. والذي لا يدركه المجتمع وتجهله الأنظمة الحاكمة أن تفريغ الإنسان من إرادته الحرة هو درجة من درجات موت الإنسان، هو أول الكوارث التي قد تصيب الإنسان في مقتل، وهو فقدان الذات على الأصالة.

وليس يكذب الكاذبُ إلاَّ لكونه غير حر بالأساس، لأن مسئولية القول والفعل ليست موجودة لدية من حيث المدأ. ولذلك فإن ذلك أدهى وأمر بالنسبة للحكام والمسئولين عندما يكذبون ويراوغون، لأنَّ هذا دليل حاسم على فراغهم من أدنى حرية قادرة على تحمل الوعود والخيال والعمل المشترك لأجل بناء المجتمعات.

وغياب الحرية أمر خطير، لأنه بمثابة تحول الكائن إلى قدرة خالية من المعنى ومن شخصية الإنسانية داخله. فإيمانويل كانط إعتبر أنَّ الأخلاق هي الفعل الذي يستحضر الإنسانية في أي سلوك تجاه الآخر مهما يكن. أي يتخلق بحرية طليقة كأنه يفعل من أجل كل الناس في وقت واحدٍ لا من أجل نفسه. والكذب من تلك الجهة غير أخلاقي بالمرةِ، لأنه عملٌ فارغ من جوهر الإنسانية التي ما كانت لتوجد مع عملية المراوغة وإخفاء الحقيقة. ففي الكذب هناك انحسار إلى الأنا وغرائز الاستحواذ ونهم الفردية للتكسب والتربح وخطف المآرب والمنافع. وذلك كله يتناقض مع إنسانية كلية خارج الذوات أو داخلها, وستنقطع تلك المساحة الواصلة أخلاقياً عندما يتحول البشر إلى كائنات كذوبة تتبادل الخداع.

إذن حين ترتهن الأخلاق بالعادة والتقليد، تنتج الثقافات هذه الكائنات المراوغة والزلقة، لأن الحرَّ لا يكذب، وبخاصة أنَّ الأخلاق قائمة على الثقة والإيمان والحب وهذه العناصر هي جوهر الإعتقاد الديني. وكما ورد في الحديث المتداول أن النبي نفى الكذب مع الإيمان. عن عبد الله بن جراد، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، هل يزني المؤمن؟ قال: قد يكون من ذلك، قال: يا رسول الله، هل يسرق المؤمن؟ قال: قد يكون من ذلك، قال: يا نبي الله هل يكذب المؤمن؟ قال: لا، ثم أتبعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذه الكلمة: إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون".

والدلالة في الثقافة العربية سواء أكانت بين الإيمان أم الأخلاق لا يعوزها الوضوح، فالإيمان والصدق والثقة تحتاج إلى اليقين والتصرف بمسئولية وانتظار المجهول وإثارة الخيال والحقيقة التي لا ينازعها زيف، وهي الموضوعات التي لا تلقى وزناً لدى الكاذب، لكونه لا يحمل حاسية التخلُّق بها مثلما لا يعود المؤمن مؤمناً حين يفقدها ويفقد قابلية الصدق واليقين بعالم الغيب والشهادة.

ولا يعني ذلك أن غير المؤمنين أو الملحدين بالأديان كاذبون على الدوام، لكن المقصود أن (حرية الإيمان) تؤدي إلى الصدق مهما تكن النتائج والعواقب، مثلما أن الكذب يعني إنعدام أثر الإيمان ولا يتسق الإثنان مع بعضهما البعض (الكذب والإيمان). أي أن الإيمان حرية في جوهره كما أشرت، والحديث السابق يهمه تلك النقطة دون سواها من خطاب الدين لا خطاب التكفير. أما غير المؤمنين، فإن الحرية كفيلة بتحري الصدق وقول الحقيقة والشفافية وإلاَّ لما تحمل الفرد مسئولية (عدم الإيمان) هي الأخرى أو تحمل مسئولية عدم اعتبار الإيمان (مسئولية).. وتلك القضية مختلفة عن سواها. ولذلك ربط الإسلام قضية الإيمان بحرية الإنسان وجوداً وعدماً (من شاءَ فليؤمن ومن شاء فليكفر).

ثانياً: مجال الثقافة

لا تبدو مشروعية الكذب منفصلة عن حال الثقافة العامة واستراتيجياتها في مثل هذه الحالات. لأنَّ بعضاً من جوانب الثقافة عبارة عن مجموعة من الحيل والاستعارات والمراوغات التي تُسكِّن بؤر ودروب وحفر الصراع في المجتمع. الثقافة بتلك الأساليب تخلق سياقاً للتفلُّت من المراقبة وتسمح بإعادة تسديد الأهداف كما يريد الأفراد. وقد تمارس وجودها القابل للتملك بالنسبة لهم في بعض المواقف، مع أنها قد تكون عصية على ذلك طوال الوقت. وليس هذا لسبب موضوعي خاص بهذه الثقافة أو تلك، لكن لأنه ستكون لدى الآخرين الحيل نفسها وربما أكثر. فهم نتاج الثقافة وهم قاطنون داخلها حد الإمتلاء والشبع بالتاريخ عبر مراوغاتها وأساليب التنكر للآخر.

لعل جوانب الثقافة بهذا تحجب الأشياء في الواقع أكثر مما تظهر. وتمثل جراباً كجراب الساحر، فتخرج منه الألعاب تلو الأخرى مثل إخراج الأرانب والطيور من القبعات على خشبة المسرح. وعندئذ يحاول الأفراد بث غاياتهم الملتوية عن طريق ذات الجراب في سيرك الحياة الاجتماعية. حيث يكون الجميع (لاعبون ومتفرجون) حاضرين على مسرح واحد بعضهم إزاء البعض. وفي هذا لا تخذل الثقافة أيَّ فردٍ يستطيع اتيان ما لا يستطيع غيره. ولا تنكص عن محاولة ابهاره فتسبقه بكافة المخزون والمواد التي تهيء له تأدية دوره بنجاح. فهي بإمكانها توفير (مساعدة مزدوجةً) لمن يريد ولمن لا يريد. اللاعب الثقافي يمتح منها ما تعوزه المواقف واللعب الاجتماعي والسياسي. وهي أيضاً توفر الأرضية النفسية والعاطفية لدى الجمهور لتسهيل مهمته بنجاح. في تلك اللحظة قد نرى ثمة تواطئاً بين الخطاب العام والثقافة الجارية. لكن صاحبة في جميع الأحوال يستثمر الموقف خير استثمار مقتنصاً غاياته القريبة. وهذا يوجد باستمرار في مجالات الدين والسياسة والعادات والأخلاق وحتى المعرفة والإقتصاد.

ربما كان "سقراط والسفسطائيون" المثال الأبرز على أهمية الثقافة من تلك الزاوية. فالسفسطائيون كانوا هم الحاذقين في صياغة أفكارهم طبقاً لألاعيب ثقافية واسعة الإنتشار في المجتمع اليوناني. فلقب سفسطائي sophist كان يطلق على الماهر والحاذق في فنه وهو فن البائع للمعرفة والأفكار. ولكن ماذا كان الفن سوى بلوغ درجة الاتقان في الأعمال. وهذه الأخيرة نتاج ثقافي في دلالتها وأهميتها. أما الفن الأخطر الذي اشتهرت به السفسطائية فهو" فن القول". طرحوا خطاباً إزاء سيطرة فلسفة أفلاطون والجمود العقلي الذي سببه عالم المثل. فهو عالم خاص بأفلاطون استطاع صاحبه أن يصادر إرادة الإنسان منه مقابل رسم صورة للمجتمع والتاريخ والحقيقة والذاكرة والسياسة. فكيف سيرفضه الفرد اليوناني المهموم بالتعبير عن نفسه في أجورا ووسط الأحداث والظواهر المتلاطمة. كان السفسطائيون واعين بتلك الحيلة الأفلاطونية وأنه لم يكف عن آلية الهيمنة على مجريات الواقع.

لم يكن كلام السفسطائي سوى أساليب بلاغية غير معهودة ثقافياً. كثيراً ما لجأ إليها لخلخلة نمط التفكير الأفلاطوني. فهذا النمط يضع العقل بين رحى طرفين متنافرين، المثال والواقع كما نوهنا. لكنه يحسم الصراع لصالح المثال لا لشيء إنما لأجل إعادة التمكن من الواقع. إنه انهاء للجدل في صورة طرف متفرد، قطب وحيد. ونفهم ذلك حين نعرف أن عالم المثل له باب أفلاطوني واحد، أفلاطون نفسه هو من يمسك به. وهو من يمتلك فتحه وكشف أسراره. في مقابل زيف الأشياء، أي كذب الواقع. بل الأخير على ما يصفه عالم الأشباح غير الحقيقية.

إذن المشروعية في تكذيب الواقع مشروعية ميتافيزيقية. وهي الحكم عليه بكونه غير حقيقي. لأنه لم يكن أصلياً إنما كان يُحاكي المثال. ولذلك خرج الواقع مشوهاً، كذوباً ومزيفاً كما أراد أفلاطون. ثم اُعلّنت سيادة المثال على كافة الموجودات الأخرى، فكان الزيف والكذب مصير الأخيرة.

كان السفسطائيون مناوئين لهذه السيادة وبخاصة كون فلسفة أفلاطون أصبحت مذهباً للمجتمع وكان صاحبها فيلسوفاً للدولة. ألم يطرح كافة القضايا من الذاكرة إلى الجمهورية السياسية والهندسة الاجتماعية وتشكيل المستقبل في هيمنة عالم المثل؟ وكأنَّه يقرر في محاوراته: كيف يعيش اليونانيون وكيف يفكرون وإلى أين تذهب آمالهم في الزمن. والأهم كما أشرنا أنه قد فرض نمط من الحقيقة على وعى الأفراد. ويبدو من قوة فلسفة أفلاطون أنها وسمت- لو ضمنيا- كل سفسطائي بالمغالطة والمماحكة. ونظراً لكون اللغة بمثابة الصيغ التي يتطابق معناها مع الحقيقة، فإن أي تلاعب بتلك الصيغ معناه تلاعب بقوة الحقائق.

هذا وقد طرد أفلاطون السفسطائيين من دلالة اللغة الصادقة عن الحقيقة كما يراها. معتبراً إياهم مجادلين بغير صدق لا مجرد حقيقة فقط. هم مزيفون من حيث تزييف اليقين الأفلاطوني. ونظرية الحقيقة بهذا المعنى ظلت تحاذر السفسطائيين عبر تاريخ المعجم اللاتيني ومعاجم اللغات الأوروبية. فما زالت القضية من وجهة نظر أفلاطون قضية امتلاك اللغة. لأنه حين عرف أن العلاقة بين الاسم والمسمى علاقة غير اصطلاحية، أدرك ضرورة الهيمنة على نظام الدلالة السائد. وبذلك تكون مشروعية الصدق والحقيقة هي مشروعية تكذيب الآخرين وجعلهم نموذجاً للجدال غير الهادف.

ليس أقرب إلى فكرة أفلاطون تلك من احتفاظ اللغة الانجليزية واللغات الأوروبية بدلالة التضليل لمصطلح السفسطائية. فالسفسطة sophism تعني قياساً فاسداً. بالمثل تعني مغالطة لا طائل من ورائها سوى المراوغة. وتدل على التكلف في طرح الآراء. أما القائم بذلك العمل، فشخص متكلف أو محنكsophisticated هو الآخر ولا رجاء من استقامة لسانه ولا منطقه. ومع أنه رفيع الثقافة (السوفسطائي حاذق ومطلع)، إلاَّ أن الوصمة الأفلاطونية مازالت موجوده في جذور اللغة، فهو الشخص الذي يحرف المعاني والذي يُعقِّد الأشياء مضيعاً بساطتها وتلقائيتها.

لنرى ماذا قال أندرية لالاند في هذا المجال حتى نعرف أبعاد الفكرة. أشار مبدئياً إلى السفسطائي بوصفه ذلك الحاذق والمتمتع بمهارات كما لدى الصانع الماهر. ودون قصد سُوقي تشير الـــsophiste إلى ذلك الذي يحترف الحكمة والمهارة (صوفيا). وهو المتمكن من فنه في محاورة الآخرين. بل قال بروتاجوراس – على لسان أفلاطون- السفسطة فن جعل الناس أرفع كعباً مما كانوا عليه، فن تنشئة بشر أرفع (أندرية لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، المجلد الثالث  (R-Z)ترجمة خليل أحمد خليل، اشراف أحمد عويدات، منشورات عويدات، باريس- بيروت، الطبعة الثانية، 2001، ص 1316.).

لكن مع تحول (الفلسفة الأفلاطونية) إلى مشروع سياسي اقصائي عنيف، اعتبرت السفسطائية سُبة ولحقت بها دلالات سُوقية. فأفلاطون كان يريد إزاحة من يفكر بخلاف مذهبه الفلسفي. ليست المشكلة في السفسطائية، لكنها في خطاب شمولي وحيد الاتجاه كان يتربص بالجميع. يؤكد لالاند " اعتباراً من عصر أفلاطون وبالأخص أرسطو، صارت تستعمل الكلمة بمعنى ذميم واضح، فالسوفسطائي هو ذلك الذي يستعمل مغالطات على نحو عادي" (المرجع السابق ص 1316). ونحن نعرف أن أرسطو أكمل مسيرة أفلاطون إن لم تكن في الجانب الفلسفي فعلى الصعيد السياسي.

المهم قد تكون مشروعية الكذب بإيعاز من الثقافة السائدة. وهو ليس كذلك بالمعنى المعروف تحديداً. فالكذب الفلسفي سواء أكان سفسطائياً أم أفلاطونياً إنما يمثل صراعاً حول امتلاك المجال العام. ومن هنا أخذ سقراط أهميته ولقى حتفه مسموماً أيضاً. كانت تهمته إفساد عقول الشباب!! كيف يمكنه تبوؤ مكانة المعلم ورجل الفضيلة وأب الأثينيين كما أطلق عليه افلاطون ومن أين له بإفساد العقول؟! تكمن القضية برمتها في مشروعية الكلام السقراطي قياساً إلى المعتقدات العامة.

فرغم اعتماده طريقة "التهكم والتوليد" في الحوار، إلا أنَّه وقع ضحية المجال العام. هذا المجال الذي أغرقه (أفلاطون) بسلطة المحرم فلسفياً. لقد أوجد سلطة خارج الأفراد، تجسدت المشروعية في مفاهيم مملوكة للمجتمع. وهي كذلك من حيث تعيش في كنف الوعي الجمعي وتدافع عن نفسها بقوته وسيطرته. وتهب فجأة في وجه من يحاول المساس بها متهمة إياه بالخروج عن النموذج. بحيث لا يستطيع فيلسوف الاقتراب دون اتهامه بسرقة المشروعية. خاصة وإن تحدث كلاماً لتغيير الرؤى كما فعل سقراط. إذ سيتهم بالكذب (والتكذيب) معاً. كذب على الناس لأنهم مازالوا مقيدين بمثال الحياة العامة (جمهورية أفلاطون) ومازالوا في دائرة التفكير وفقاً للمقدس (الأساطير والآلهة). والتكذيب لكونه يمس معتقدات لا تتزحزح. وهو حين يعرضها للمناقشة كمن يحاول تكذيب كلام الآخرين ودحض إيمانهم.

وهذا بصدد الخطاب الديني والخطاب السياسي أكثر بروزاً. حين يكذب أصحابهما في شؤون الحياة العامة تعللاً بالتحدث باسم مشروعية المعتقد أو السلطة والحفاظ على النظام العام، وأنه في النهاية سيؤدي إلى مصالح عامة من جنس ما يدافعون عنه. ويكذبون غيرهم خوفاً على تلك المصالح وخوفاً على المجتمع من الانحراف.

ثالثاً: مجال القانون

طبعاً القانون عبارة عن صيغ منضبطة دلالياً للتعبير عن معايير وقيم وآليات المجال العام. أي هو صيغ ضد التلاعب بهذه المساحة المشتركة واستغلالها والإضرار بشؤونها، مؤسسات كانت أم نصوصاً أم رموزاً أم كيانات مادية ومعنوية. فالقانون لا يعطي مبرراً لأحد للكذب باسمه ولا باسم غيره، إنه معنى بتلك المسألة إلى حد العمل الصارم عليها باستمرار. فما أن يخرج الأفراد إلى خارج ذواتهم إلاَّ وهم في حضرة هذا القانون. إذا مارس فردٌ كذباً بين المجموع، فقد ارتكب خمسة أفعال في وقت واحد: أولاها الفعل الذي يقع على ذاته مباشرةً وينسب إليه (أي يوصف بالكاذب). والفعل الثاني يحدث إزاء الأخرين وتضليل مواقفهم والتسبب بالحاق الأذي بهم. أما الفعل الثالث، فيقع على دلالة الصيغ العامة للقانون (التلاعب بالقانون). الفعل الرابع هو ترك أثار الكذب للأجيال القادمة واعتبره أمراً مسموحاً به لغيره من الناس. والفعل الأخير هو انتهاك قيم المجتمع وإيقاع الضرر غير المباشر على كيانه الثقافي والتاريخي.

أي أن الكذب في تلك الحالة أكثر من مزدوج، بل وقابل للأزدواج عن طريق انتهاكه لتلك المشروعية. أي يأخذ قوته من تبريرات مشروعية خاصة متجاوزاً ومنتهكاً المشروعية الجمعية. ولهذا سيبقى أثر الكذب عالقاً في الحياة العامة بأثر القانون وتنبيهه لمراكز الوعي لدى الأفراد. من جهة وجود فرد، بحيثيته أيا كانت، قد انتهك مجاله المشروع. حيث سيقال أن فرداً قد انتهك هذا النطاق العام داخل نطاقه الإقليمي (الفردي). أما الشيء الواضح فهو أن القانون لا يمتلك إلاَّ مشروعيته حصرياً، تلك المعبرة عن المشترك الجمعي. ولا يسمح لأحدٍ بامتلاكها سواء على نحو خاص أو عام. بالتالي سيقع الكذب تحت طائلة القانون آجلاً أم عاجلاً. لأنَّه سيغتصب مشروعية ليست له. والطائلة هي القوة التي توفر له المساءلة والتحري. من ثم سيفتح باباً للأسئلة تلو الأخرى بحثاً عن الفاعل وحدود فعله و ردود أفعال المجتمع.

لكن لماذا يتم الكذب في هذا المجال؟ هذا السؤال قد لا يعدُّ دقيقاً ولاسيما إذا فُهِم كأنَّ هناك كذباً يتماشى مع القانون. لهذا يعدل إلى الصيغة التالية: لماذا يُمرّر الكذب؟

قد يكون ذلك التمرير بتأويل معين للقانون، وهذا يعني وجود أوجه متنوعة لفهم الصيغ القانونية. ولا يتم ذلك اعتباطاً إنما بالتأكيد وفقاً لحيثيات القانون ذاته. فإقامة الحجج ومناقشة الآراء والقضايا والملابسات والقرارات وكشف التضمينات أمور ملازمة لتلك العلاقة بين القانون والأفراد. والتأويل قوة فهم لا مجرد تلقي سلبي لموضوع عام. هي قوة تنقل المؤول إلى استعمال القانون لصالحه في المواقف الملتبسة. يكاد المؤول يقول: إذا كان القانون في هذه الحالة سيضعني تحت طائلته، فأنا سأجد مخرجاً قانونياً منه. أي عن طريق القانون سأهرب من القانون. والمشروعية المستثمرة وراء عمله مشروعية قائمة بموجب تلك الحيلة القابلة للتبرير.

وهي حيلة صعبة التوصيف. هل القانون يسمح بذلك رغم كونه ظاهرياً لا يتيح تلك الإمكانية؟ أم أنه صِيغ بدرجات متفاوتة ليتمكن الخاضع له من فهم إمكانياته؟ أتوجد ثغرات في الصياغة، وبالتالي تُرحل المشكلة كلها إلى اللغة؟. ربما تستعمل عبارات نفعية من قبيل "التكييف القانوني". وهي عبارة تقال حين يخضع القانون للمصالح كي يتماشى معها. فإذا عُرفت الأخيرة، يبحث صاحبها عن صيغة ملائمة للتوافق مع القانون.

وقد يُمرّر الكذب عن طريق تغييب القانون وعدم مراقبة القائمين عليه للأفعال والأقوال. لكن هذا يحتاج قوة تعادل وضع القانون وتنتهكه. وإذا حدث ذلك فعادةً ما يكون القانون هامشياً في الحياة السياسية والاجتماعية. ولا ينتظَّر من وجوده سوى أن يصبح أكثر تهميشاً كما يحدث مع أكاذيب الأنظمة الحاكمة في غياب المساءلة والنقد. فسيادة القانون غير موجودة من الأساس في مثل هذه الأوضاع إلاَّ بشكل تجزيئي. وأية مقايسة عليها لن تكون إلاَّ في جانب منتهيك القانون. والتغييب قد يأخذ معنى الحجب، أي لا يطبق في حالات قادرة على الاطاحة به (عدم إنفاذ القوانين والتلاعب بها).

ولذلك تُقاس ديمقراطية المجتمع عادة بمدى فعالية القانون ونفاذ سيادته لا تعطيلهما. ونحن نعرف كون القانون حق من لا حق له مباشرة. أي هو حق المجتمع. وإلى وصل الإنسان إلى مفهوم الحق المعنوي هذا قطعت المجتمعات مراحل من الصراع والمقاومة لكافة صنوف الاستبداد وما زالت. لأنه يجسد مشروعية غير قابلة للاغتصاب ولا للتزييف.

ولو تصورنا عكس نفاذ القانون كما في بعض المجتمعات الشرقية، فإن مشروعية الكذب وتبريراته تطغى على أية سيادة أخرى. حتى غدا الكذب أرشيفاً سرياً ومنقوشاً بحرفية خطابية في صحائف الحياة اليومية، في أغلب الأحاديث السياسية والأعمال والعلاقات والعبارات المتداولة. وصولاً إلى أبسط الشئون المشتركة بين الناس، وقد يقال عنه: مجاملة بينما هو مقاتلة، يقال عنه: تسامح وهو ذبح بغير سكين، يقال عنه: خجل بينما يعد فضحاً ضمنياً لبنية التفكير، يقال عنه: مداراةً بينما هو تصريح بالمراوغة، يُقال عنه: قبول بالأمر الواقع بينما هو اسهام في تدميره وتدمير قوام الحياة. عندنا في المجتمعات العربية، تراكم الكذبُ إلى درجة مهولة حتى أكل أدمغة فاعلي الثقافة، وأسس وجوده المراوغ مع المفاهيم السائدة وأنماط الحقائق الاجتماعية. بحيث لا يمكننا فهم شيء دون أخذ الكذب أسلوباً احتياطياً دلالياً كحال احتياطي النفط. والكذب هنا يجري كشيء لصيق باستعمال اللغة، في الخطاب السياسي و الخطاب الديني و الخطاب الاجتماعي... وهلم جرا!!

تدريجياً باتت مشروعية الكذب تزاحم أية مشروعية أخرى، للقانون والحقائق والمؤسسات والأفكار والمعتقدات. ببساطة لأن تلك الأشياء لا توجد دون وجود الكذب في المجال العام، إنه يمنحها زخمها وآلية وجودها. وإن انكشف الإنسان عارياً داخل مجتمعه الحديث كما ينكشف سلفه الأول متوحشاً في الغابة، فما الجديد، ما معنى هذا التراكم، كيف ينتقل من عصر إلى آخر بكل سهولة؟! أتصور أن هذا السؤال لهو سؤال المجتمع والإنسان، استفهام كيانهما وماهيتهما معاً.

 

د. سامي عبد العال

 

 

 

محمد كريم الساعديإنَّ للتاريخ تحديدات مختلفة هي من جعلت التمايز في النظرة اليه تستند الى اختلاف الرؤى الفكرية والفلسفية وغيرها التي نظّرت له، ومن ضمن الرؤى التي خاضت فيه هي رؤية (أبن خلدون) الذي عرفه في مقدمته بأنه: " خبرٌ عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، وما ينشأ عن ذلك من المُلك والدول، ومراتبه، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وما سوى ذلك "(1). إنَّ هذا التجمع الإنساني وعمران العالم والتدوينات الأجتماعية والسياسية والمعاشية وصنائع البشر هي رؤية عامة للتاريخ، وكأن (أبن خلدون) في هذا التحديد للتاريخ يريد أن يوضح أن كل شيء يقع ويدوّن على شكل أخبار وغيرها يسمى تاريخاً سواء أكان خاصاً بدولة،أو مُلك ، أو حالة معيشية معينة، أي أن كل الأشياء الكبيرة على مستوى الدول والملوك هي تاريخ، والأشياء اليومية وتفاصيلها من معيشه وصنائع وغيرها هي أيضاً تاريخ، وما بينهما من علوم وفنون وغيرها هي أيضاً تاريخ، حتى وأن أختلف حجمها وما تقدمه من أحداث قد تكون مهمة،أو غير مهمة، ولكن بشرط أن تدوّن على شكل معلومات منقولة بشكل مباشر،أو غير مباشر، ولكن الضمان الوحيد أن تنتقل الى المستقبل على شكل أخبار. وفي تصور أخر لـ(أبن خلدون) عن التاريخ  يراه بأنه فن " من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال، وهو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأولى، تنمو فيها الأقوال، وتضرب بها الأمثلة، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، وأتسع للدول فيها النطاق والمجال،وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق "(2). ويتسع استغلال فهم التاريخ عند (أبن خلدون) في هذا التحديد الثاني، ويدخل في مجالات أوسع من تدوين الأخبار فقط، بل حتى يدخل في روايته في الأندية ذات الأحتفالات التي يروى فيها التاريخ بوصفه رواية من أجل الابتسامة،أو العبرة المستخلصة من حال الأمم والشعوب الماضية، وشؤون الخلائق وكيفية تقلبها وأتساع حجم الدول، ويدخل فيه أيضاً مجال التحقيق والتعليل في الكائنات وعلم بالكيفيات والوقائع. فالتاريخ حسب رأي (أبن خلدون) يأخذ مدى أوسع من حيث الإستخدام التقليدي،فهو (خبر، رواية، متعة، تحقيق، تعليل، عبرة، وحكمة) وغيرها مما يقدمه للاإنسانية عامة.

أما (توينبي) يرى بأن التاريخ يشير الى ما دوّن في حياة الأمم، أي يعنى بـ " تاريخ الأمم وغيرها هو ذكر نشأتها وتطورها وآثارها، فهو العلم الذي يبحث في حياة الأمم والمجتمعات والعلاقات التي تقوم بينها"(3).ويرى التاريخ بأنه العلم الذي يبحث في حياة الأمم، وليس تدوين لأحداثها فقط، وكأن تعريفه يشير الى هذا التدوين أضافة الى القراءة لهذا التدوين والبحث فيه ويقع ضمن دائرة التاريخ،فذكر الأمم ونشأتها وتطورها وآثارها،فكل هذه التفاصيل تدخل في إطار العملية التاريخية بما في ذلك المفهوم المقابل لهذه العملية، لا بل عملية تحويل البحث في هذا المجال الى علم يهدف الى كشف ما دوّن عن حياة الأمم.

أما (عبد الله العروي) يرى بأن التاريخ " مجموع عوارض الماضي حاضرة بأخبارها (آثارها) وفحص تلك الأخبار عملية تنجز دائماً في الحاضر. التاريخ حاضر بمعنيين، بشواهده وفي ذهن المؤرخ. كثيراً ما نقرأ: لا بد من مقارنة الماضي بالحاضر والحاضر بالماضي، ولا نتعجب. ونستخلص منها أن معرفة الماضي دائماً نسبية، وإذا تستجيب لمتطلبات الوضع القائم، وأنها دائماً عملية،إذ تجيب عن أسئلة حالية، لكن المقولة التي نحن بصددها تذهب أبعد من هذا. معناها أن الماضي التاريخي هو عالم ذهني، يستنبط في كل لحظة من الآثار القائمة،أو بعبارة أخرى: موضوع التاريخ هو الماضي الذي هو حاضر. المقصود هنا ليس تمام الماضي وإنما الماضي التاريخي، أو ما أسميناه بالتاريخ المحفوظ "(4).

إنَّ رؤية (العروي) تشير الى معنى التاريخ فيها عدد من النقاط المهمة تميزه عن غيره من الاختصاصات الأخرى،على أعتبار أن الماضي هو الحاضر وكذلك العكس، وهذه النقاط هي:

* ليس كل ما يقع في الماضي من أحداث يومية مكررة ومملة تدخل في مجال التاريخ، بل التاريخ مجموعة العوارض الماضية التي تؤثر بآثارها المهمة، وآثارها من تشكل الوعي في أثناء حدوثها واستمراريتها، وتعطي لحضورية الماضي في الحاضر أنطباعاً خاصاَ عن الحوادث.

* إنَّ من مميزات حضور الماضي في الحاضر هي المقارنة التي من الممكن أن تستدعي أي حادثة، أو موقف من الماضي يتطلب وجوده في الحاضر، كون الحاضر مقارب للماضي من حيث القيمة البنائية في تشكيل الحدث الذي يتطلب أتخاذ المواقف نفسها، أو ما يقاربها لحل قضية ما، أو أتخاذ من الطريقة التي تم فيها أدارة هذه القضية في مجال نسقها الدلالي المقارب للماضي وأحداثه.

* لا توجد حادثة عامة تغطي كل التاريخ البشري، لكن كل الحوادث والعوارض نسبية من الممكن أن تقع قياساً لفئة ما، أو شعب ما، أو أمة ما  تضم مجموعة شعوب في قارة واحدة أو قارتين. والحادثة قد تقع في زمن ما لا يمكن أن يستمر الى مالا نهاية، بل الحادثة تقع في زمان ومكان محددين، والحوادث النسبية تدخل في قضايا نسبية أيضاً من الممكن أن تتكرر بنسبيتها أيضاً في المستقبل،لذلك فهي تبقى على نسبيتها سواء أكانت في الماضي، أو في الحاضر.

* يرى (عبد الله العروي) أن الماضي عالم ذهني، والذهنية قائمة على استنباط الماضي وأحداثه في الحاضر، أي من الممكن أن يستثمر  الماضي الذي هو حاضر بذهنية من يريد أن يأخذ منه لأجل المقارنة،أو المقاربة بحادثة ما، أو موقف ما، وهذا المحفوظ الذي ليس فقط في المدونات الورقية، أو التقنية (الالكترونية) كما في الوقت الحاضر، ولكن الوعي الذي يستدعيه له حضوريته أيضاً في تقديم المقارنة أو المقاربة من خلال حضورية الماضي أيضاً.

كذلك يأتي التاريخ بمعنى أخر قد يكون مكمل للتعاريف السابقة أذا اتفقت الرؤية بين المفكرين والفلاسفة، أو يأتي بمعنى مغاير للمعنى الأول، وكل اختلاف يعطي مساحة أوسع من التفكير بهذه المفردة المهمة التي تبتلع في داخلها كل حدث يحدث أو واقعة مهما كان حجمها وأهميتها. فالتاريخ يعد من المجالات التي يجب أن تأخذ معناها في الدراسات كون مفردة التاريخ تعطينا الأستمرارية في الفهم للأبعاد الإنسانية والتجارب كافة، ويعد " التاريخ أيضاً علم يبحث في الوقائع والحوادث الماضية (...) إلا أن بعض المؤرخين يقتصر على ذكر الأخبار والوقائع من دون أن يذكر أسبابها، وبعضهم الآخر يأبى الاقتصار على التعريف بالحوادث الماضية، فيمحص الأخبار، ويعلل الوقائع، ويستبدل بالتسلسل الزماني ترتيباً سببياً يرجع فيه الحوادث الى أسبابها، والوقائع الى أحوالها. فإذا جعل المؤرخ همه تمحيص الاخبار، ونقد الوثائق والآثار، كان تاريخه انتقادياً، وإذا أستخرج من ذكر الأحوال الماضية عبرة تتم بها فائدة الاقتداء لمن يروم ذلك في تربية النشء كان تاريخه أخلاقياً، وإذا عني بأخبار الدول وعلاقاتها بعضها ببعض للإفادة منها في تدبير الدولة كان تاريخه سياسياً، وإذا تجاوز ذلك كله الى تعليل الوقائع، لمعرفة كيفية حدوثها، وأسباب نشوئها، كان تاريخه فلسفياً "(5).

أما في التصور الفلسفي للتاريخ، يرى الدكتور (جميل صليبا) بأن التاريخ ما يقع في وقته وينتهي بغايته، وهنا يشير الى الوقائع التي تمتد لغاية معينة على الرغم من أن الغاية قد تستمر أكثر وقت من زمنها الفعلي من حيث تحقق غايتها التي لا تلتزم بوقت محدد وخصوصاً إذا كان الحدث أكبر من أن يخص جانب معين، ومثال ذلك الثورات الكبرى في التاريخ التي امتدت الى أبعد من زمنها وكان تأثيرها أوسع من لحظة وقوعها وانتهائها، مثل الثورة الفرنسية، وغيرها من الأحداث الأخرى.

الدكتور (جميل صليبا) يعطينا أربعة أشكال من التاريخ وكل وحد منهم حسب نوعية العمل الذي يقوم به المؤرخ، وكالآتي:

1- التاريخ الانتقادي: قائم على تمحيص الأخبار وتعليلها والبحث في سببيتها، ونقد وثائقها، ويبحث في ترتيبها السببي حتى يصل الى نقد مهم ومعبر للفترة الزمنية التي وقعت فيها الأحداث ونقد أثارها.

2- التاريخ الأخلاقي: قائم على الأهتمام بأحداث نستنتج منها العبر وتفيد الأجيال وتربيتها من خلال الحصول على القيم الأخلاقية من هذا التاريخ.

3- التاريخ السياسي: قائم على الأهتمام بالأخبار التي تهم الدول وعلاقاتها على المستويات الخاصة على وفق مصالحها السياسية، والعمل على تفحص العلاقات السياسية بين الدول.

4- التاريخ الفلسفي: قائم على البحث في علل حدوث الوقائع التاريخية وأسباب نشوئها، من أجل الوقوف على مسبباتها ودراستها، أي أرجاع كل حدث الى أسبابه في طور البحث في ماورائيات الأحداث.

ينطلق التساؤل على وفق هذه الأنواع الأربعة وهو: ألا يمكن أن نظيف أيضاً أنواع أخرى مثل التاريخ الاقتصادي، من خلال البحث في الوقائع الاقتصادية الماضية وتطورها وتنوع أسبابها التي أدت الى ظهورها وتأثيرها فيما بعد على الحركة الأقتصادية في أمكان من العالم ؟. أو نقول أن هناك تاريخ علمي في مجال التخصصات الطبية، أو الهندسية،أو الرياضيات وغيرها مثلما أصبح لكل اختصاص تاريخ معين يبحث في مجال التخصص ووقائعه؟. أو نقول أن في مجال السياسة نفسها يوجد تاريخ يتناول البعد السياسي للرأسمالية، وآخر يتناول التاريخ الماركسي.

إنَّ هذه التساؤلات وغيرها التي تفتح المجال أمام البحث في مجالات مختلفة على المستوى الأكاديمي والدرس العلمي في الجامعات، حتى أن هناك تخصصات في التاريخ ذاته، مثلاً هناك من يدرس التاريخ القديم، أو الحديث في مجالاته وميادينه المختلفة،  لكن يبقى هدف الدكتور (جميل صليبا) هو في وضع أسس على وفق معجمه الفلسفي لتعريف كلمة تاريخ وأهم الأنواع التي من الممكن أن يدرس من خلالها في مجالات أربعة نستطيع أن ندخل في مداخلها أنواع أخرى من التاريخ المعني بهذا التخصص،أو ذاك.

 

أ. د. محمد كريم الساعدي

........................

المصادر

1- د. عبد المنعم الحفني: المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، القاهرة: مكتبة مدبولي، 2000،ص 176.

2- د. زينب محمد الخضري: فلسفة التاريخ عند أبن خلدون،بيروت: دار الفارابي، 2009،ص 54.

3- د. عبد المنعم الحفني: نفسه،ص 176.

4- عبد الله العروي: مفهوم التاريخ، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط4، 2005، ص38.

5- د. جميل صليبا: المعجم الفلسفي، بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1978، ص 227.

 

وظيفةُ الظواهر الثقافية في الوجود الإنساني هي إقامةُ العلاقات الاجتماعية على القواعد الأخلاقية، وتوظيفُ عناصر ذاكرة المجتمع من أجل تأسيس التوازن بين الذات الفردية والذات الجماعية، مِمَّا يَدفع باتِّجاه استثمار الخبرات الحياتية في تحليلِ الشعور الإنساني، وإنتاجِ فلسفة عملية تُساهم في تحقيق الذات، وصناعةِ آلِيَّات معرفية ديناميكية تتعامل مع الواقع كمفهوم إبداعي، وتتعامل مع الحقيقة كإطار مرجعي، وهذا يُساهم في تفسير السُّلوك الإنساني ظاهريًّا وباطنيًّا، والانتقال مِن كِيان الشخص إلى تَكوين الشخصية، باعتبارها القُوَّة الضاربة والدافعة لتشييد وَعْي الإنسان بذاته في عَالَم يتشظَّى، ويفقد كَينونته الأخلاقية تدريجيًّا تحت ضغط الأنماط الاستهلاكية المُتوحِّشة. وغرقُ العَالَم في أعماق اللامعنى المُوحِشة ناتجٌ عن انطماسِ الفِطْرَة الأُولَى وانكسارِ البراءة الأصلية، فصارَ التاريخُ مشروعًا تجاريًّا، وصارت الجُغرافيا شريعةً استغلالية، وراحَ الإنسانُ يبحث عن نَفْسِه خارج نَفْسِه، وأخذت الحضارةُ تَبْني شرعيتها على أنقاض الحضارات الأُخرى، بسبب القناعة المغلوطة بأنَّ إثبات الحاضر لا يكون إلا بِنَفْي الماضي. وهذه الأوهامُ في بُنية التفكير تحوَّلت إلى قُوَّة مُحرِّكة لفلسفة نهاية التاريخ، والإنسانُ لا يستطيع أن يَحكم على التاريخ بالانتهاء،لأن التاريخ بدأ قبل الإنسان، ولَن يكون الإنسانُ موجودًا عندما ينتهي التاريخُ. والإنسانُ ضَيف على التاريخ، ولَيس العكس. والضَّيْفُ لا يتحكَّم بصاحب البَيت.

2

مسارُ العلاقات الاجتماعية الأخلاقية يتكوَّن مِن الوُجودِ (القاعدة الجَوهرية الحاملة لشرعية الذات الإنسانية وسُلطة المعرفة)، والشُّعورِ (التَّصَوُّر الداخلي الذي يَستخدم المعنى الرمزي لصياغة تفاصيل الحياة اليومية)، والسُّلوكِ (الوعاء الحاضن للفاعلية المعنوية والدافعية المادية والشُّروط الحياتية والوظيفة الغائيَّة). ومُهمةُ الأنساق الفكرية في المجتمع هي منعُ التَّشَظِّي في هذا المسار،والحفاظُ على وحدة عناصره المُتجانسة، وبناءُ تجارب معرفية واعية تُحلِّل التأثيرات التي تتركها الظواهرُ الثقافية على دوافع الأفراد الداخلية، وضمانُ التراتبيَّة في القِيَم الخيالية والمعايير الواقعية، من أجل تحقيق المنفعة الخاصَّة والمصلحة العامَّة. وهذه المُهمة الوجودية تُنتج خِطَابَها التفسيري الخاص بها، والقادر على كشفِ منطق التاريخ الحقيقي لا المُتَخَيَّل، وبيانِ دَور العناصر الفاعلة والمُؤثِّرة في مَجرى أحداثه. وإذا تَكَرَّسَ التاريخُ في علامات الماضي وإشارات الحاضر ورموز المُستقبل، فإن الثقافة ستملك القُدرةَ على تحديد إفرازات ذاكرة المجتمع في وجودِ الإنسان، وحَيويةِ المعنى الإبداعي، ومركزيةِ الدَّلالة المعرفية، مِمَّا يَقُود إلى تفكيكِ بَصمة المعنى الاجتماعي على جسد اللغة، وتحليلِ مُكوِّنات الخريطة اللغوية في بُنية العلاقات الاجتماعية. وهذا يعني وصول المجتمع إلى حالة التوازن بين مركزية المعنى الاجتماعي ورمزيةِ المعنى اللغوي. وكُل حالة توازن هي بالضَّرورة مرحلة من مراحل السلام الداخلي، والتصالح مع الذات.

3

الإشكاليةُ التي يُعاني مِنها الإنسانُ الضائع في مَتَاهة الحضارة، هي عدم تفريقه بين الدَّال (صورة الوجود التي تدل عليه) والمَدلولِ (التَّصَوُّر الذهني للوجود المَعْنِيِّ)، فالإنسان - أثناء لُهاثه اليومي في الحياة - يَنسى أن يَعيش، فتُصبح حياته ضِدَّ معنى الحياة، وتَصير ذِكرياته انقلابًا على ذاكرته. وبسبب تركيز الإنسان على توفير مُتطلباته اليوميَّة، وحِرصه على تَلبية حاجاته الحياتيَّة، نَسِيَ ماهيَّةَ الزمان، ومركزيةَ المكان، وفلسفةَ الحياة، ولَم يعد يَشعر بمُكوِّنات ذاته، وعناصرِ الطبيعة المُحيطة به. والمفروض أن الإنسان يُسافر مِن بيئته الظاهرية إلى ذاته الباطنية لاكتشاف أبعادها ومعرفة أسرارها، لأن الوجود الحقيقي هو سَفَر باتجاه الذات، وغَوص في أعماقِ الوَعْي، وتنقيب في داخل الشُّعور. أمَّا الهُروبُ من الذات إلى العناصر الخارجية المُحيطة بها، فهو وُجودٌ زائف يُنتج الاغترابَ (الانفصال عن الذات والآخرين)، وحياةٌ وهمية تُنتج الاستلابَ (كَبْت أحلام الفرد وخَنْق طُموحات المُجتمع).

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

علي محمد اليوسفتمهيد: بهذه السطوراقوم بنقد منهج الجدل بشقيه المثالي الذي ابتدعه هيجل او الجدل بمعناه المادي الذي اخترعه ماركس. من حيث كلا المنهجين لا يمتلكان التحققات العلمية التجريبية الحادث حصولها على صعيدي المادة والتاريخ أو التحققات غير الفلسفية من عدم حدوثها.

فالحتمية الضرورة هي تصورات نظرية فلسفية واحكام تلزم التاريخ بها كقانون وهي ليست من حركة التاريخ بشيء. ليس مهما بنظري البحث عن هل التطور الذي يحكم الحياة البشرية موزّعة على تطور الظواهر المادية وتطور مسار التاريخ تتم في منهج مثالي إعتمده هيجل أو منهج مادي إعتمده ماركس بقدر أهمية الجواب على التساؤل: هل الجدل حقيقة قائمة تاريخيا حصلت وتحصل أم هي أوهام نظرية إبتدعتها ايديولوجيا اليسار والفلسفتين المثالية والمادية على السواء.

من المسائل العديدة الواجب الوقوف عندها هي كيف نجزم حصول الجدل بقوانينه الديالكتيكية الثابتة التي قادت التطور التاريخي عبر العصور، خير مثال يعزز أن قوانين الجدل تبقى تقديرات نظرية تتطلب منهج التحقق الحصولي المادي لها هو أن الراسمالية تطورت ووصلت مرحلة العولمة في نهاية التاريخ ولم تعتبر الجدل سوى منهج غير واقعي وهمي يهم المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي القديم. وليس معنى هذا النفي الاختلافي أن النظام الراسمالي يمتلك نظرية منهجية للتاريخ قادت الى مراحل الديمقراطية الليبرالية وتحسين ظروف العمل حيث كانت تنبؤات هربرت ماركوزة وغيره من فلاسفة أنه لم يعد هناك تنازع مصالح طبقات بالنظم الراسمالية تتصارع بين مصالح الطبقة العمالية وطبقة الراسماليين بعد تحديد الاجور وساعات العمل وتامين الضمان الصحي والتقاعد للعمال والشغيلة وغيرها من مكاسب وامتيازات اذابت جبل الجليد الفاصل بين الطبقات الكادحة المحرومة من الحياة الكريمة والطبقات الراسمالية التي تمتلك كل رفاهية الحياة وتوريثها لابنائها من بعدها.

كان ماركوزة وعديدين غيره تنبؤهم صحيحا حين ظلت الراسمالية واقفة على قدميها قبل وبعد انحلال وتفكك الاتحاد السوفييتي، ولا أعني بهذا أن قمة النظام الراسمالي المعولم الديمقراطي الليبرالي لا يعيش ازمات تعصف به وتهز اركانه اليوم وأنه على طريق زوال محتوم.

ما ارغب تاكيده هنا أن التاريخ هو مجموعة من المتلاحقات العشوائية القائمة على الفعل ورد الفعل وأن التاريخ لايتقبل منهجا يستوعبه. وقبل طرح تفاصيل وجهة نظري أن التاريخ غير غائي ولا يستوعبه منهج ولا تحكمه ضرورة نظرية أمهّد قليلا بالتالي بعد اسطر. لكني ارغب الاستدراك أن حاجة حماية بقاء الجنس البشري من الانقراض المحتوم هو بالعودة الى نظم اشتراكية منهجية تؤمن مستقبل اجيال البشرية في توفير الغذاء والقضاء على الفقر وتوفير كرامة الحياة للجميع.

ولا يشترط ان يكون هناك الغاءا ولا ارتباطا في الاستفادة من التجارب الاشتراكية القديمة واعتماد اكثر المناهج الاشتراكية مقبولية انسجامية مع المعاصرة التي يعيشها العالم المحتاج الى يسار غير تقليدي غير راديكالي يحتذي التجربة الصينية كنموذج يحمل الكثير جدا من مستقبلية انسانية داحضة تماما لمفاهيم عولمة الراسمالية الزائلة لا محال حتى لو عاشت فترات تاريخية طويلة.

العلة والمعلول السبب والنتيجة

العلة هو ما اطلق عليه لايبنتيز السبب الكافي الذي يقرر كل ما هو موجود او كل ما يمكن ان يوجد تكون له (علة ) سبب توضح لماذا كان الموجود على هذا النحو دون أن يكون على نحو آخر1. هذا يشبه الى حد كبير مقولة هيدجر البائسة لماذا كان الوجود ولم يكن العدم؟

هذا المعنى في السببية أنكره بشدة ديفيد هيوم وعديد من الفلاسفة، بأن مظهر وجود أي شيء معيّن لا يسبقه سبب أو علة، فالسبب والنتيجة هما تكرار ترابطي يحكم ظاهرتين بنوع من التلازم الذي لا تغييرفيه ولا نهاية له، ما من شأنه ترسيخ الوهم بالذهن معنى ما نسميه (العادة) المكتسبة في خلاصنا من خرافة العلة والمعلول حسب هيوم..نستنتج بضوء فكرة ديفيد هيوم أن إعتباطية كل موجود في وجوده لا تسبقه علة أو سبب في انتظام ما نطلق عليه ارتباط السبب بالنتيجة. وفي انتفاء هذه العلاقة بين السبب وموجوديته بصيغة معينة أو ظاهرة معينة ما، إنما يكون وجودا إعتباطيا يأخذ نظاميته الموهومة من إنعدام السببية الموجدة له.

وهذا الطرح يحمل الكثير من الاعتراض لأن التكرار النمطي الذي يوحي لنا ترابطا سببيا مع نتيجة متغيرة غير ثابتة بها ينعدم الحكم في كل الاحوال أن وجود الاشياء يسبقها علة أو علل عديدة موجدة لها وسببا لحدوثها، وعليه يكون ليس شرطا أن يكون الاحتراق سببه إشتعال النارمثلا وهكذا.

التناقض الجدلي وهم الحقيقة

يرى هيجل أن الواقع في حقيقته الوجودية (جدليا) لأن العقل نفسه الذي يدركه ذو طبيعة جدلية – هنا يقصد هيجل بالعقل هو الفكر -  بخلافه ارجع ماركس جدلية الفكر الى جدلية الواقع الذي نعيش فيه2. هذا الخطأ الذي وقع به هيجل إعتباره جدل الواقع لأن العقل ذاته ذو طبيعة جدلية فهو أخذ بسببية هيوم على صعيد جدل الفكر في تجريديته غير الانفصالية عن جدل الواقع. الشيء الاكثر اهمية في خطأ هيجل ان جدل الواقع لا يداخل جدل الفكر. وهذا ما شكل ركيزة غاية بالاهمية اعتمدها ماركس ان الجدل يتم بموضوعية واقعية لاعلاقة لها برغائب الانسان ولا قدرة لجدل الفكر تسيير جدل الواقع ولا جدل التاريخ.

لتوضيح هذا الاختلاف الذي تم وصفه بالاختلاف المنهجي المثالي بالضد من المنهج المادي حول الجدل أو الديالكتيك يرى هيجل فيه أن الوجود الواقعي – الاجتماعي إنما يستمد (وجوده) من الذات المدركة له الذات العارفة.

خطأ هيجل في هذا التعبير هو في خلطه بين ادراك الشيء في موجوديته الطبيعية المستقلة عن ادراك موجوديته الجدلية مع الذات التي تدركه وبغير ذلك اي بغير وجود الذات المدركة لا يكون هناك للاشياء وجودا مستقلا سواء ادركته الذات ام لم تدركه حسب مثالية هيجل ومن بعده. الوجود الشيئي بالواقع لا يحدده الادراك له.

الذات لا تدخل جدلا ديالكتيكيا مع الواقع بسبب انتفاء المجانسة النوعية بينهما، وحتى لو قلنا أن الفكر يدخل بجدل ديالكتيكي مع المادة فهذا لا يغّير من حقيقة الامر شيئا في إنعدام المجانسة النوعية مع المادة في وحدة الماهية والصفات بينهما.

من هذا الخطأ الفلسفي الذي إعتبره ماركس مثاليا لا حقيقة له في الواقع الذي يراه ماركس وجودا موضوعيا مستقلا ولا يستمد موجوديته من ادراكية الذات له. واذا ما ترجمت هذه المقولة اسقاطيا على حركة التطور التاريخي، نجد ماركس محقا قوله " وعي الانسان لا يخلق الواقع، بل الواقع يصنع الوعي"3. ويعتبر بعض الفلاسفة والمفكرين ان مقولة ماركس تلك كانت ثورة لا تقل اهمية وتاثيرا عن ثورات كل من سقراط، بيكون ، هيجل. ومن السخرية أن نجد المثاليين ينكرون هذه الحقيقة قولهم لا وجود مادي خارجي لا يدركه العقل. الملاحظة التي برأيي تم غفلها أن ماركس لم يقل وعي الانسان يخلق جدل الواقع. فالجدل في حال التحقق من حدوثه على صعيدي المادة والتاريخ فهو جدل وقانون طبيعي يعمل بمعزل عن وعي الانسان له وبمعزل عن تلبية رغائبه.

ملاحظات تعقيبية:

- اصبح اليوم مراجعة دراسة كيف تطور التاريخ ليس مهما اسبقية المادة على الفكر أو بالعكس؟ بل الاهم مراجعتنا هل جدل المادية التاريخية هو التفسير العلمي الوحيد الذي نادت به الماركسية صحيحا؟ لا توجد براهين ثبوتية لا على صعيد المادة ولا على صعيد التطور التاريخي تثبت لنا أن قوانين المادية التاريخية الكلاسيكية الثلاث التي وضعها ماركس وانجلز(قانون وحدة وصراع الاضداد ، وقانون تحول الكم الى كيفيات، والثالث قانون نفي النفي) هي قوانين جدل اكتسب علميته بالتجربة الميدانية الحقيقية اجتماعيا وعلى ارض الواقع بالحياة التي نعيشها وعاشها آخرين من قبلنا على مر العصور. ربما تكون حقيقة تحول التراكم الكمي الى تراكم نوعي صحيحا لكنه لا يكون ولا يمتلك بمفرده إحداث جدل على مستوى التاريخ يمكن التحقق منه، انما تصح هذه التحولات من كمية الى كيفية أن تكون واحدة من قوانين الطبيعة التي لا يدركها الانسان مباشرة وتحدث ليس في توليد جدلي بل في توليد (سببي).

- الجدل المثالي او المادي على السواء الذي بحسب المنادين به والادعياء له والذي بضوئه نعرف تطورات المادة وتطورات التاريخ لا يقوم على اساس من تناقض نوعي تجانسي في الماهية والصفات يجمعهما داخل الظاهرة الواحدة. فانت لكي تجد جدلا ديالكتيكيا يجمع بين الفكر والمادة في تعالقهما التخارجي لا بد من اشتراكهما في مجانسة نوعية واحدة تشمل وحدة الماهية مع وحدة الصفات لكليهما في تعالق جدلي يجمع نقيضين متضادين ينتج عنهما إستحداث الظاهرة الجديدة أو ما يسمى المركب الثالث.

فالواقع بكل موجوداته وتنوعاته الذي يشكل مصدرا للوعي يمتلك مجانسة نوعية في كل ظاهرة فيه تختلف عن غيرها بعيدا عن مدركات الفكر لهذا التناقض الداخلي في وحدة المجانسة النوعية.

بمعنى كل ظاهرة لكي يحصل جدلا داخلها منفردة لوحدها لا بد أن تمتلك النقيضين المتضادين فيها مجانسة نوعية واحدة التي هي الماهية والصفات التي تجمعهما في وحدة كليّة، وعندما لا يمتلك الواقع بظواهره المجانسة النوعية في داخل ظواهره لا يحصل جدلا داخلها بمعزل عن الفكر أو بتداخل تخارجي للفكر معه. الشيء الذي اراه مهما أن لا نقع في خطأ إعتبار الجدل في المادة مرادفا لا فرق بينه وبين إعتبار علاقة الفكر بالمادة علاقة (معرفية) تكاملية وليست جدلا ديالكتيكيا يقود بالحتم إستحداث ظاهرة جديدة أو مركب ثالث.

- ليس مهما صحة أو عدم صحة مقولة هيجل أن الوجود ذاتي يستمد موجوديته من الذات المدركة أو العارفة. التي رغم وصمها بالمثالية الفكرية الا انها تشير الى منهج (مادي) في حقيقتها. وبغير هذه العلاقة التي اشار لها هيجل لا يبقى معنى للواقع أن يكون مؤثرا بالوعي، ولا معنى للوعي أن يكون نتاجا للواقع حسب ماركس. هنا نجد هيجل يؤكد على أن الوجود هو ادراك ذاتي لذات عارفة وهو منطق فلسفي سليم لا علاقة ترابطية له مع الجدل الواقعي الموضوعي الذي يجري خارج ادراك الذات لحصوله..علاقة الذات مع مدركاتها المادية علاقة تخارجية تكاملية معرفية بينهما وليست علاقة جدلية.

- عندما يرى ماركس العكس من ذلك أن الوعي هو ناتج ادراك الواقع المادي الذي نعيشه في اسبقيته على تفكيرنا، فهذا ليس معناه ضرورة ربط المادة بالفكر على مستوى تناقض جدلي يجمعهما يقود لناتج حصول متغيرات جديدة وإنما هنا الاختلاف بين هيجل وماركس على مستوى (وعي) و (معرفي) للواقع وليس على مستوى الجدل بينهما.

- الجدل المزعوم بين الواقع والفكر هو وهم غير قائم للاسباب:

1- الواقع والفكر ليسا قطبي تناقض تجمعهما مجانسة ماهوية واحدة تدخلهما في تناقض جدلي بمعزل عن ارادة الانسان. فالجدل في حال اثباته قانونا طبيعيا ثابتا كمثل قوانين الطبيعة الاخرى فهو يعمل باستقلالية تامة عن ارادة الانسان وإدراك الذات. وحضور العوامل الموضوعية كعامل مساعد في عملية جدل ديالكتيكي هي الاخرى تكون فاعليتها ليست مستمدة من رغبة انسانية سابقة عليها بل من حاجة جدلية تتطلبها.

2- قوانين الجدل في حال جرت البرهنة عليها على صعيدي المادة والتاريخ. عندها تصبح وقائعا يتم الجدل فيها خارج ارادة الانسان، ولا معنى لتخارج الوعي المعرفي مع الواقع في خلق الجدل. حينما يعبر هيجل " الجدل وعي ذاتي " فهو كان يرغب خلق جدل فكري غير متأكد من إمكانية حصوله ماديا أو تاريخيا. لتوضيح سبب رجحان مثالية تفكير هيجل أن الجدل يحصل بالفكر فهو ربما كان يدرك أو لا يدرك هيجل أن الفكر لا يجانس المادة بالماهية والصفات كي يرتبطان بعلاقة جدلية وليس بعلاقة تخارج تكاملية معرفية.

3- الجدل يتسم بحقيقتين اثنتين هما أنه يحصل خارج الادراك الذاتي له، وأنه لا يحتاج الذات الانسانية في إستكماله عملية الجدل في داخله لإنتاج مركب ثالث أو ظاهرة جديدة.

لذا إدانة هيجل أن الفكر أو الوعي ليس بمقدوره تغيير الحقائق المادية على الارض هي في حقيقتها صحيحة تمثل قمة المادية وليس المثالية. وهي لا تعطي الجدل جواز مرور حينما لا تعتبره أي الجدل قائما حينما يكون هناك للذات إمكانية ادراك الاشياء والموجودات في العالم الخارجي.

4- لا يوجد مؤشر برهاني حقيقي تجريبي واقعي مدّعم برهانيا أن هناك جدلا يجري داخل ظواهر وقائع العالم الخارجي بغية وجوب تطورها، كما وليس هناك ما يدلل تجريبيا قاطعا، أن يكون هناك جدلا طبقيا يحكم التاريخ، وليس هناك علاقة جدلية تربط الفكر بالمادة أو بالتاريخ طالما الجدل قانونا طبيعيا موضوعيا يجري بمعزل عن الارادة الانسانية، وأن الجدل هو أحد القوانين العلمية والتاريخية المكتشفة بالطبيعة وليست المخترعة تنظيرا فلسفيا.

5- كما المحت سابقا مقولة هيجل التي مررنا عليها " الجدل وعي ذاتي" يمنحنا برهانا حقيقيا أن الجدل هو وهم افتراضي يحكمه التنظير الفلسفي، وهو ليس قانونا طبيعيا مثل بقية قوانين الطبيعة التي اكتشفها الانسان وبنى علها ثوابت علمية بعد تاكده من حصولها في الطبيعة وفي الكوني، وهذا مالا ينطبق على الجدل الذي بني عليه ماركس وانجلز تطورات التاريخ البشري بشكل إعتسافي لأنه كانت التنظيرات الفلسفية سابقة على قانون الجدل الموجود على صعيد الفكر فقط  كما قال هيجل وليس على صعيد تطور التاريخ الانثروبولوجي المادي كما اراد ماركس.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

............................

الهوامش:

1-3: الحداثة ما بعد الحداثة، د. طلعت عبد الحميد ود. عصام الدين هلال ود. محسن خضر

   

 

زهير الخويلديترجمة: د. زهير الخويلدي

"بين الطبيعية والإنسانية، في منتصف الطريق بين بيريك وأدورنو، يقترح ديدييه فاسين النظر في حياة البشر وفقًا لمتغير التقييم الممنوح لهم من البيئة الاجتماعية. ثم يتم استبدال أخلاق الرحمة بالمطالبة بالعدالة.

الحياة مشكلة قديمة، أعيد تعريفها في الفلسفة المعاصرة من قبل مؤلفين مثل أرندت، كانغيلام، فوكو، أو أغامبين بقدر ما أعيد تعريفها بواسطة الأنثروبولوجيا التي تتعامل مع هذا السؤال من خلال حشد منهجيات مختلفة. يقدم ديدييه فاسين في مقدمته وجهة نظر تركيبية لهذا التكوين المعرفي المميز بالتوتر بين مفهومين للحياة، يُنظر إليهما إما على أنهما ظاهرة بيولوجية "تجلب الإنسان إلى مجموعة كبيرة من الكائنات الحية"، أو كظاهرة تتعلق بالسيرة الذاتية، تصور الإنسان على أنه "كائن حي استثنائي من حيث أنه قادر على الوعي واللغة" في حين أن الفلاسفة القدامى والكلاسيكيين (أرسطو، لايبنيز ، ديكارت ، كانط) يقتربون من هذه الأبعاد من إطار مشترك ، يبدو أن النهج ثنائي التفرع ساد منذ القرن التاسع عشر ، لا سيما في العلوم الاجتماعية. يهتم عمل دراسات العلوم والتكنولوجيا بـ "الأحياء" بينما ينظر الآخرون إلى الوجود البشري كما يعيشون. يعمل مثل Vita. الحياة في منطقة هجر بقلم جيه بيل أو مواطنون بيولوجيون معرضون للحياة بعد تشيرنوبيل بقلم أ. تحاول بيترينا بالتأكيد الجمع بين مقاربتين وصفهما المؤلف بأنهما "طبيعي" و "إنساني"، ولكن لا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به لتطوير منهجية قادرة على فهم ظاهرة في واجهة الطبيعي والاجتماعي. يؤكد فاسن على الطابع الذي لا يمكن الاستغناء عنه للمسوحات التجريبية لاستكشاف السياقات الملموسة (السياسية والاقتصادية والاجتماعية) التي تتكشف فيها حياة الإنسان. من خلال وضع نفسه تحت رعاية بيريك وأدورنو ، فإن عالم الأنثروبولوجيا هذا ، الذي تدرب لأول مرة في الطب ، يطور وجهة نظره من المسوحات الميدانية التي أجراها في جنوب إفريقيا وفي فرنسا بين سكان "البدو الرحل" - مصطلح عام للمهاجرين واللاجئين ، طالبي اللجوء. تشير الإشارة إلى نمط الحياة للتوظيف إلى مشروع بيريك لبناء عمل مثل اللغز، وهو جهاز لالتقاط الواقع حيث تسلط كل قطعة الضوء على التفاصيل التي يعتمد معناها على الكل الذي يساهم في صنعه. وبالمثل، فإن الحالات التي درسها د. فاسين تهدف إلى زيادة العمومية، لا سيما من خلال الحوار مع الفلاسفة. العنوان الفرعي "تعليمات نقدية" هو تكريم لمدرسة فرانكفورت، ولا سيما الاخلاق الصغرى. مقال عن الحياة المشوهة لأدورنو ، وهو كتاب يضع فيه. بغض النظر عن الظروف - الكتاب يجمع "محاضرات أدورنو" التي ألقيت في فرانكفورت - فإن البعد النقدي للمدرسة الفكرية الألمانية يقع في قلب العمل الذي يهدف إلى تسليط الضوء على الفضيحة السياسية بقدر الفكري لعدم المساواة الحياة البشرية، وأكثرها حرمانًا من كونها عرضة للإقصاء والاغتراب أكثر من غيرها. يقترح الكاتب تسليط الضوء على هذه الظاهرة من خلال إعادة صياغة الأسئلة المتعلقة بالوجود البشري: السؤال الذي أطرحه ليس: كيف نعيش؟ أو: كيف نعيش؟ بل هو: ما هي القيمة التي نعطيها للحياة البشرية كمفهوم مجرد. ومرة أخرى: ما هو تقييمنا لحياة البشر باعتبارها حقائق ملموسة؟ إن أي انحراف، ومن باب أولى، أي تناقض بين تقدير الحياة بشكل عام واستهلاك بعض الأرواح خاصة، يصبح ذا أهمية للتوترات في الاقتصاد الأخلاقي للحياة في المجتمعات المعاصرة. أصالة النهج المعتمد هي تحديد كيف يحدد "الاقتصاد الأخلاقي للحياة" الإجراءات الفردية والجماعية. من خلال التأكيد على التكامل بين الخيارات الفلسفية والأنثروبولوجية دون إجبار المرء على الاختيار بينهما، يتم نشر الحجة حول ثلاثة مفاهيم رئيسية - أشكال الحياة وإيتيقا الحياة وسياسة الحياة - والتي تعمل كمدخلات تجريبية ("يقدم كل منهم حقيقة أنثروبولوجية عن الحياة"). في نهاية هذه الرحلة الاستنتاج هو أن "التقييم الفعال للحياة يتناقض مع التقييم المجرد للحياة، حيث أننا نعطي الوجود الإنساني معادلاً نقديًا متغيرًا وفقًا للفئات الاجتماعية وأننا نعتبر أن البعض يستحق أقل من البعض الآخر للعيش."

الترحال القسري كشكل من أشكال الحياة

عند تقاطع الأنثروبولوجيا والفلسفة، تحدد فكرة "أشكال الحياة" فضاء معرفيًا، أساسيًا للتفكير المعاصر، يتقاطع مع الانقسام المذكور أعلاه. من قراءات فيتجنشتاين ، وعلى نطاق أوسع ، الخيارات الأنثروبولوجية ، يمكن النظر إلى هذه الأشكال من منظور طبيعي أو إنساني ، اعتمادًا على ما إذا كان يُعتقد أنها تحدد سياقات ثقافية عالمية أو خاصة. إعادة قراءة كانغويلهيم وأغامبن يعقد هذا البديل، باتباع خط توتر ثلاثي يتخطى مفهوم شكل الحياة: عالمي / خاص؛ بيولوجي / سيرة ذاتية؛ تدريب قانونى. ولإعطاء مثال على ذلك، يقترح المؤلف إجراء تحقيق في "شكل من أشكال الحياة يطارد خيال المجتمعات المعاصرة: الرُحل غير المستقرون عبر الوطنيون - اللاجئون أو المهاجرون أو طالبو اللجوء أو الأجانب غير الشرعيين". غابة كاليه بين اللاجئين الشباب من سوريا أو أثبتت جنوب إفريقيا مع نساء مهاجرات من أصل زيمبابوي أنه على الرغم من الاختلافات، فإن هؤلاء الأشخاص "يشتركون في نفس شكل الحياة. هذا هو شكل الحياة للأجانب المتجولين ... ". حتى لو تم تحديد الأوضاع القانونية المختلفة رسميًا (طالبو اللجوء والمهاجرون والمهاجرون غير الموثقين) ، فإن الشهادات التي تم جمعها تكشف عن سمات مشتركة تحدد ملامح الحياة الضعيفة وغير المستقرة التي تشترك في تجارب مشتركة: الاضطهاد والنقص في البلدان الأصلية ، والاختلالات البيروقراطية والفساد والعنف في البلدان المضيفة. تعبر قصص الحياة عن كيف يتحد القلق اليومي بشأن بقاء الجسم البيولوجي مع طرق جديدة للتنشئة الاجتماعية - سواء داخل المجموعات البدوية أو في العلاقات المزورة مع المجتمعات المضيفة.

آداب الحياة وتقديرها كخير أسمى

يتم استخدام نفس الطريقة لإعادة تعريف المفهوم من خلال مواجهته بالحالات التجريبية للتفكير في مسألة الأخلاق. بدلاً من التساؤل عن ماهية الحياة الجيدة، يتساءل المؤلف "كيف أصبحت الحياة هي الخير الأسمى في المجتمعات المعاصرة". من أجل عدم البقاء محاصرين في التناقض بين أنثروبولوجيا النظم الأخلاقية وأنثروبولوجيا الموضوعات الأخلاقية، يقترح دراسة "الأسئلة الأخلاقية والقضايا الأخلاقية" بشكل ملموس والانتقال من التفكير في "الحياة الأخلاقية" إلى تأمل في "أخلاقيات الحياة"، أي الديناميكيات التاريخية والاجتماعية السياسية التي تشارك، بشكل ملموس، في تقييم حياة الإنسان. يكشف التحليل المقارن لتسوية أوضاع المرضى الأجانب في فرنسا وعلاج مرضى الإيدز في جنوب إفريقيا عن توتر قائم بين "بعدين للحياة، أحدهما اجتماعي وسياسي والآخر مادي وبيولوجي، والثاني يميل الآن أكثر فأكثر. غالبًا لتتغلب على الأول ". حقيقة أن معدل الاعتراف بوضع اللاجئ في فرنسا قد ارتفع في غضون عقود قليلة من 90٪ إلى 10٪ ، في حين أن عدد الأشخاص الذين تم تنظيمهم "لأسباب إنسانية" قد زاد بشكل كبير (وصل إلى 8000 شخص في عام 2005) يشير إلى أن " لقد حدث تحول في أخلاقيات الحياة. تنخفض قيمة الحياة كحقيقة اجتماعية وسياسية بينما تزداد قيمة الحياة كحقيقة طبيعية وبيولوجية “. في جنوب إفريقيا، يواجه الوضع المأساوي لوباء الإيدز وصعوبة توفير العلاج لجميع السكان أخلاقين، أخلاقيات النشطاء والأطباء الذين "تهم كل حياة" وأخلاقيات أولئك المسؤولين عن الصحة العامة الذين الجهد المبذول لبناء نظام طبي فعال، وإعطاء أهمية أكبر للصالح العام بدلاً من المنفعة الفردية: "كانت الضرورة النهائية، بالنسبة للبعض، تأكيد قيمة كل حياة، وبالنسبة للآخرين، الدفاع عن المساواة بين جميع الأرواح. ". إن اختيار إتاحة الأدوية للجميع دون أن يضمن، على مستوى النظام العام، متابعة العلاجات المقدمة يثبت أن هذا هو الخيار الأول الذي ساد.

وهكذا يتم تسليط الضوء على سمة مميزة للعالم المعاصر: "الشرعية البيولوجية"، أي "الاعتراف بالحياة باعتبارها الصالح الأعلى باسمه يمكن، في الحالة الأخيرة، تبرير أي فعل". لفهم الينابيع بشكل أفضل، يعكس د. تشرح أعمال طلال أسد وبنو برغو، على سبيل المثال، كيف يمكن أن تصبح الحياة - أي إمكانية سحبها - في بعض الحالات سلاحًا. تختتم نهاية الفصل بتحديد الطفرات في العمل في المجتمعات الحالية: المواطنة البيولوجية تقيد فضاء الحقوق الاجتماعية، الأهمية المتزايدة الممنوحة للحياة المادية كثيرًا ما تكون مصحوبة بتدهور في الحياة. أهمية الحياة السياسية، شرعية الطوارئ الإنسانية تقلل من قوة المطالبة بالعدالة الاجتماعية، التبرير الواضح لإنقاذ الأرواح يجعل معنى التضحية بحيات المرء من أجل قضية غير واردة.

سياسة الحياة والمعاملة غير المتكافئة لحياة البشر

يتمثل التحدي في الفصل الأخير في استكشاف الفجوات، وحتى التوترات، بين القيم التي تدافع عنها أخلاقيات الحياة الجديدة والتقييم الملموس لحياة الإنسان في "سياسات الحياة". يهدف هذا التعبير إلى تمييز نفسه عن الأساليب المتبعة في أعقاب السياسة الحيوية، وهي فكرة فوكو ينتقدها د. الهدف بعد ذلك هو وضع معايير، أكثر أو أقل وضوحًا، والتي تنظم على نطاق المجتمعات، والأنظمة التي يصبح فيها عدم المساواة مقبولًا، بل وحتى طبيعيًا. يوضح تفسير الأنساب كيف جاءت قيمة الحياة منه. إن التنمية المقنعة للغاية مكرسة لسعر الحياة وإنشاء أنظمة التكافؤ بين الوجود البشري والقيم النقدية في مخططات التأمين أو المؤسسات التي توزع التعويضات على فئات مختلفة من الضحايا. يكشف النهج الإثنوغرافي عن التسلسل الهرمي الأخلاقي في العمل في تقييم حياة الإنسان. صفحات جميلة جدا مكرسة للموت الاجتماعي ومتوسط العمر المتوقع. يوضحون أن التعامل مع الحياة الفردية يفترض دائمًا تنظيمًا اقتصاديًا وسياسيًا أوسع. بشكل متماثل، يجب أن تجعل قراءة الإحصاءات دائمًا من الممكن فك رموز المعاناة التي يعاني منها بعض السكان الذين يتم التعامل معهم بشكل غير متساوٍ - المصير المخصص للسكان الأمريكيين من أصل أفريقي في الولايات المتحدة يشكل مثالًا مثيرًا.

أنثروبولوجيا الحياة: مشروع مستحيل؟

في الختام، يعيد د. فاسين التأكيد على رغبته في كتابة "دليل مستخدم حاسم" من المرجح أن يوجه الإجراء: إن النظر في الحياة من منظور عدم المساواة يوفر بالتالي وضوحًا جديدًا للعالم الاجتماعي، ولكن أيضًا إمكانات جديدة. التدخل. إنه يسمح لنا بالانتقال من التعبير عن التعاطف إلى الاعتراف بالظلم. على المستوى النظري، يعد كتابه مساهمة حاسمة في مجال أنثروبولوجيا الحياة التي يعتبر د. مصطلحات سلبية للغاية لوصف مثل هذا المشروع المقارن الذي سيكون في نفس الوقت "غير محتمل"، "محكوم عليه بالفشل"، باختصار "مشروع مستحيل" فقط. ومع ذلك، يشهد عمله على أهمية التحقيقات التي تؤسس الروابط بين المفاهيم التي لدى البشر عن الحياة (مفاهيمهم ومفاهيم غير البشر) والسياقات الاجتماعية والتاريخية والسياسية. في هذا المسار، يبدو أنه من المشروع تمامًا، دون الانغماس في النزعة الثقافية، مقارنة مفاهيم الحياة السائدة في المجتمعات المتميزة للغاية، الغربية وغير الغربية، التقليدية وغير التقليدية. يمكننا بالتأكيد أن نتفق مع المؤلف في الحكم على عدم كفاية مشاريع أنثروبولوجيا الحياة المستوحاة من الظواهر (لكن ثروة المسوحات الإثنولوجية التي، على وجه التحديد، تحاول ربط نظريات الحياة بالمنظمات الاجتماعية والتقنية والسياسية، من جانبي، يبدو لي أنه من المشروع تمامًا الانخراط في مشروع الأنثروبولوجيا الاجتماعية للحياة - مع دعوة مقارنة: في الحوار الذي يجب أن يُقام بين العمل الذي يتم إجراؤه حول أشكال الحياة أو سياسات الحياة، من الضروري إذن تفعيل التحقيقات التي تُجرى في المجتمعات التقليدية. فوائد مثل هذا النهج ذات شقين. من ناحية أخرى، تعلم كيف يتم تصور الحقائق التجريبية التي تغطيها مفاهيم أشكال الحياة وأخلاقيات الحياة وسياسة الحياة خارج الغرب، ضمن منظمات اجتماعية متميزة للغاية؛ الأمر الذي يؤدي إلى التفكير في الطريقة التي تُفهم بها ظاهرة معقدة مثل الحياة من المفاهيم غير الغربية. من ناحية أخرى، من منظور أكثر ديناميكية وتاريخية، فإن مواجهة تنوع نظريات الحياة والسياقات الاجتماعية والسياسية تساعد على فهم أن البدو الرحل لا يعاملون فقط بشكل غير عادل: إنهم أناس يختبرون، في أجسادهم، طرق مختلفة لتصور حياتهم الفردية في تعددية المنظمات الاجتماعية التي يتعلمون العيش فيها." بقلم بيريج بيترو

 

كاتب فلسفي

.............................

المصدر

Didier Fassin, La vie. Mode d’emploi critique, Paris, Le Seuil. 2019,192 p.

الرابط

Perig Pitrou, « L’inégalité des vies humaines », La Vie des idées , 11 novembre 2019. ISSN : 2105-3030.

 URL: https://laviedesidees.fr/Didier-Fassin-La-vie-Mode-emploi-critique.html

 

 

سامي عبد العالهل يجوز القول بأنَّ الكذبَ نوعٌ من (أزمة ثقة) في المجتمعات أم شيء آخر؟! يبدو أنَّ الموضوع ليس هكذا بالضبط، لكنه تقريباً درجة من درجات التلاعب بهذه الثقة في المجال العام. أي أن الكاذب يخل مراوغاً بمبدأي "المصداقية" و"المسئولية" بناء على المكانة التي يُوضع فيها. والفارق كبير هنا: لأنَّ إنعدام الثقة يدعُونا مراراً إلى التّوجُس والتّرقُب وانتظار الشيء غير المرغوب. أما توافُر الثقة إلى حدٍ التسليم بها، فيعطي الخطاب إمكانيةَ التأثير إلى درجةٍ بعيدةٍ. وتتبلور نتائج الإخلال بها في أشكال مراوغة من الأفعال والأقوال، وبخاصة كون الثقةَ قد تُفترّض بشكل مجاني مع معاني الخطاب ومضامينه. مما يجعل تكرار انتهاك وجودها أمراً سهل المنال.

ويظهر ذلك جليّاً إذا كان الخطابُ الموثوق به دينياً أو سياسياً أو اجتماعياً، فالثقة في الخطاب الديني- على سبيل المثال- هي التقاء المتحدث والمتلقي معاً تحت ضمان أعلى، معنى أسمى هو (الله). كما يقال دوماً إنَّ الله مطّلع على النفوس والقلوب. حيث يتم الإنتباه إلى سريان الضمان الميتافيزيقي بموجب الكلام على سبيل التعبير، بغض النظر عن تحولاته. فيكون التلقي مبذولاً ومحبباً استجابةً لما يُقال دون مراجعةٍ كما يحدث في الخطابات الدعوية والوعظية. وفي مضمار السياسة، يغدو فائض السلطة وخيالها مجالين أثيرين لتجسيد الثقة بين المواطنين دون معايير أحياناً.

في تلك الحالة ليست الثقةُ مثالاً، لكنها وضعية معينة وموقفاً، أشياء يحملها الكلام الديني والسياسي ويطرحها كما لو كانت مواداً موضوعية. وقد تترسخ لدى (ذهنية المتلقي) مع علامات التحدث والسمات الخطابية وقدرات الحضور إزاء المتلقي. لهذا يتلقف الاعلام تلك الخاصية اللغوية التصويرية لينخرط في تشكيل الوعي وغسل الأدمغة brains washing. كان المقصود منها حشو خلفية الصور والمواد بآراء وتحيزات أيديولوجية. تحديداً جرى الاستحواذ على المُشاهد حتى من نفسه. فتجلّت الثقة كفضاءٍ أثيري ينقل المعنى بموجب التصديق المطروح إضماراً.

أبرز ما في الثقة: هذا الإحساس الذي يشعر به المتحدثُ، فيتجاوز حدود الحقيقة. عندئذ لن تكون الثقة خالصة إنما ستختلط بنوع من الاستجهال للمتلقي (اعتباره جاهلاً). مع الإطمئنان لكون الإنسان غير قادر على كشفه( أي يتم مغافلته/ استغفاله عن قصد). ولا يتم ذلك بالقطع إلاَّ تحت ألوان من الانحياز الضمني، سواء من المتحدث أم من المتلقي بحيث يغطي مساحة الثقة أو من كلاهما معاً لتنفيذ المعنى المُبرم سلفاً. ويستمر الكذب كأنهما( المتحدث والمتلقي) في مواجهة مع طرف ثالث مناوئ. ومع استمرار حالة الكذب، يظل هذا الطرف الثالث كياناً معنوياً ولا يخلو مقعد هذا المناوئ أبداً.

وبدوره ينجذب المتلقي إلى خطابٍ مغلَّف بالثقة المراوغة، حتى يمثل الخطاب مركز التصديق المباشر، فالكلمة الألمانية glaube كما ترد عند هيجل والقريبة من الاعتقاد belief تشير في معناها إلى الوُثوق بــشيءٍ ما، والاطمئنان إليه. أي القبول والتصديق معاً، وقد تدل على قبول الشيء بإعتباره حقاً. حتى يمثل في النهاية موضوعاً للاعتقاد. أي أن الثقة أضيق دلالة لدرجة القرابة مع اليقين، ولذلك فأنها ترفُد الكلام برصيد مفترض لقبوله

)John McCumber, the Company of Words, Hegel, Language, and Systematic Philosophy, North western University Press, 1993, PP98-99.(

هنا ينشأ الكذب، حيث يتعدى الكلام الكذوب إمكانية أنْ يحدث إلى كونه موجوداً بالفعل. وبالتالي لم تكن ثمة مُراوحة ولا تردد في قوله من عدمه. لقد وُجد فعلاً.. وغدا الوضع محلاً للمساومة على قبوله بكل الحيل الممكنة. كيف لا، والكلام ذاته حيلة لغوية تروم تأكيد ( مقتضى الحال ) إزاء الواقع بالفعل. هذا أقرب وصف للوسيط الإعلامي من خلال بلاغة الصورة، فقد انتقلت الحقيقة بجذورها إلى مستوى القالب المرئي المُبهر مع تقلب الأحوال والأحداث. ومثلت الحقيقة إغواء الإعتقاد والإيمان بحسب رأي هيجل.

كانت الثقة دليلاً يقودنا إلى ذهنية المتابع، حتى أصبحت لديه " قابلية الاعتقاد " belief ability إزاء ما يُشاهد. وهي تسبق التلقي وتشترط النظر تجاه موضوعها بالكيفية المؤدية إلى الهدف منه. وليس هذا الهدف واضحاً للمتابع في غالب الأحيان. إنَّه يسير وراء التغطية معتبراً الخطاب قد صيغ وفق قناعته. إلاَّ أن هذا الخطاب نوع من الهيمنة على وعيه. أي يصبح وعي المتابع وعياً منفعلاً لا فاعلاً، مستهلكاً لا منتجاً، مسلِّماً بما يقال لا ناقداً.

هل هناك مشروعية لهذا الفعل، فعل الكذب؟ أليس السؤال مصطنعاً في سياق لا يطرحه من الأساس؟ كيف تكون ثمة مشروعيةٌ لما لا مشروعية له معترف بها؟ بالعموم حين تُطلق المشروعية في مثل هذه الحالات، فهي غير مكتفيةٍ بذاتها. دوماً تجري وفقاً لمرجعية سواء أكانت قانوناً أم ثقافةً أم مجتمعاً أم قيماً وتقاليد. ونحن مع الكذب إزاء اكتفاء المشروعية بنفسها، بل إنَّ أي خروج واضح على المرجعية قد لا يُلتفت إليه. لأنه فعل قائم استناداً إلى مبررات خاصةٍ قد تتغاير من موقف لغيره. فالكاذب في مرة قد لا يلجأ إلى الكذب في مرة قادمةٍ تبعاً لما يريد الوصول إليه.

بهذا المعنى يعتبر الكذب فعلاً وظيفياً في سياقه. إي يُطرَّح من مرحلةٍ لأخرى حيث يوجد هدف قصير الأمد توطئةً لأهدافٍ تاليةٍ.  ومن ثم فالسر كلة يكمن في وظيفته، إنه فعل ما طرح إلاَّ لمأرب ما أو لممارسة نوع من التبرير. وحتى الوظيفة فليست جوهراً بقدر ما هي شكل للاعتقاد السابق. فالكذب يقول: لِمَ لا تُصدّق شيئاً ليس حقيقياً على أنه حقيقي. ويظل القول يطرح وجوده وتأثيراته جرياً على شكل الحقيقة، لاعباً على منوالها وزخمها. فنحن بذلك الوضع إزاء ثياب الصدق لا الصدق نفسه، وإزاء إهاب اليقين دون يقين، وإزاء صورة الشيء لا فحواه وحقيقته. فلا يوجد كذب يطرح نفسه مباشرة من أول وهلةٍ. لابد له من أنْ يترسم خطوات الحقيقة التي تصنعه. وهو لا يبدو مناقضاً لها فقط، لكنه يجادلها ليأخذ مكانها أيضاً، وإن لم يستطع الآن، فعلى الأقل سينتزع الإعتراف به طرفاً موازياً للمواجهة معها تباعاً.

وكجانبٍ من المعنى السابق، يمكن أنْ يعتبر الكذب تبريراً لموقف لا يُبرّر. إنّه موقف يتطلب الانكشاف، فإذا به سيكون غير ما يفترضه ذلك الوضع. ويأخذ في تورية حقيقته، لأنَّه يصطنع حقيقةً نوعية له ليمر أمام الفحص والتلقي. والتبرير (فن مراوغة ) المتلقي حتى لا يعتقد عكس ما يُطرح عليه. بعبارة شوبنهور" فن أنْ تكون دوماً على صواب" أو الجدال المرائي حيث يتشبث الكاذب بموقفه مدعيّاً أشياء قدر ما يقول. وهو قول مغلف بالمماحكات اللفظية والتلاعب بما ينتزع الثقة لدى المتلقين، لون من ألوان التداخل بين الأغراض والمآرب واستعمال اللغة.

بكلماتٍ أخرى، حين تسأل صاحب الكذب: لماذا كذبت؟ لِمَ لجأت إلى الكذب وبخاصة أنَّه يتنافى والمرجعية الدينية كما في حالتنا؟ لن يجد الكاذب تفسيراً سوى التأويل المتعسف لنصوص الدين أو الاصرار على الزعم بصدق الخطاب. عندئذ سنجد ( المشروعية ) لا تتجاوز الكذب ذاته. فهو عمل انتهازي حينئذ لقطف رضى الآخرين أو لنيل غرض قريب. غرض هو الأقرب من إمكانية تحقق معاني الكلام. فالخطاب لا يستطيع العودة من حيث أتى. كيف سيعتذر عما بدر منه؟ فالمسألة أنَّه أوقع حدث الكذب بمبررات غير مشروعة وسط مجال عام أكثر شرعية. حيث يستمد الأخير شرعيته من المجتمع. إذن ليكن الموضوع كذباً حتى النهاية.. هكذا قد يقال من قبل الكاذبين!!

في محاورة كراتيليوس رفض أفلاطون اعتبار الأسماء ( وهي صيغ لغوية ) ذات دلالة اصطلاحية. لأنه يرفض الرأي السوفسطائي القائل بإطلاق الأسماء بحسب اعتقاد الفرد الخاص. فإن كانت الأسماء صحيحة من وجهة  نظره جاءت صادقة وإذا كانت غير صحيحة من تلك الوجهة أيضاً فهي كاذبة. لكن إذا حللنا موقف أفلاطون، لوجدناه حريصاً على عدم ترك فكرة المصداقية( المشروعية- الحقيقة ) لأهواء الأفراد. حتى وإن كانوا يتحدثوا عن شيء يخصهم. أليس الاسم يحمله الفرد وحده؟ غير أن المسمى ينقل مشروعية الحقيقة والقبول والتلقي في الوقت نفسه خارج الأفراد. وبالتالي ليس من حق الفرد بذاته أن ينفرد بإطلاق الاسم ثم يؤدي إلى تلاعب بالمعنى. وكان صراع أفلاطون مع السوفسطائية على أشده بسبب خوفه من ضياع شرعية المجتمع والدولة والحقيقة. ربما لم يَقُل ذلك صراحةً لأن أفلاطون هو فيلسوف إخفاء المآرب والغايات على الأصالة. وكان الفيلسوف اليوناني يعلم أنَّ من يزيّف الأسماء بإمكانه التلاعب بالمسميات، فهذه مرهونة بتلك ارتهان التابع بالمتبوع. والمسميات في حال التلاعب بها لن تتجنب معتقدات المجتمع وسعية للإتفاق حول أشياءٍ بعينها.

فمُسمى الشيء يُنسب ضمنياً إلى واضع الاسم. لكن هذا الأخير قد يكون غير معروف، أي تعبر هذه التسمية عن غياب الواضع. ليس لأنَّه مجهول، بل قد يمثل شخصاً بعينه هو من أطلق اسماً على شيء ما، غير أن المُسمى لن ينسب إليه حصراً، بل إلى "مصداقية الدلالة " من حيث هي اتفاق عام. ليصبح لدينا واضعان وأكثر للإسم.  هناك- أولاً - مَنْ يمثل الذي قال بالاسم اتفاقاً وحقيقة، وهناك- ثانياً- من وضعه قبولاً بالحقيقة، لأنه أشار إلى صدقيته. وهناك – ثالثاً-  نظام اللغة الذي يدمج الاسم في فلك المسميات. سوى أن هذا التدرج يعبر عن مشروعية تنتهي إلى تأكيد سلطة (النظام الرمزي) للمجتمع. أي التعلق بقوة المعتقدات والتصورات التي تحدد دلالة الأسماء. ومن ثم إذا أطلقت أسماء تنافي تلك المصداقية، يرى أفلاطون أنها كلمات كاذبة. ليست المسألة مجرد ابستمولوجيا، لكنها تنتمي إلى سياسة الأسماء.

إذن يعتبر أفلاطون مشروعية القضايا الكاذبة إنما تستند إلى رؤية الفرد. الفرد من جهة كونه معياراً خاصاً لما يزعم. وتبدو التفرقة واضحة من وجهة نظره بين ما لا ينتمي إلى الأفراد و ما يتصرفون به في ضوء معاييرهم. والمعايير هي غير الحقيقة المفترض أن تكون مثالية وكلية وثابتة. فهذا الأمر الثنائي( بين الكذب والحقيقة ) قائم على تفرقة أصلية بين المشروعية وغير المشروعية، بين الحق والزيف، بين الأصل والصوره. لكن النقطة التي تحمل مثل هذه التفرقة هي المثال الذي يراه أفلاطون متجسداً فقط مع تطابق اللغة والأشياء.

مشروعة الكذب إذن هي مشروعية حاملة لنفسها، لا تستند إلى شيءٍ قدر استنادها إلى الأهداف المنتظرة منه. وإن استندت إلي هذا الشيء المعياري أو ذاك، فهي تعيد تأويله – أو مغافلته - من أجل تحقيق مصالحها. أي مشروعية تبرر نفسها بنفسها. وهي تأخذ الخطاب كوسيط ضروري لإقتناص ما تريد الوصول إليه. لاستعماله كما نستعمل المناديل الورقية، بكل ألوانه وأنسجته الرقيقة ومرونته وطبقاته الملتفة. وكذلك بإمكان الكذب صناعة مشروعيته الخاصة طالما يستطيع فاعلوه خطف المنطق التوظيفي للغة، ومادامت المواقف تُعاش كحالةٍ للهيمنة على عقول الآخرين.

 

سامي عبد العال