 أقلام ثقافية

ظرفاء بغداد (1)

mohamad aldamiلقد تطورت بغداد في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية حتى غدت جوهرة المدائن، مدينة كونية Cosmopolitan، أشبه بنيويورك أو لندن اليوم في دورها العولمي، حسب معايير العصر الوسيط. ومرد ذلك هو تطور اقتصادات رأس المال والسوق الحرة التي أفرزت، من بين ظواهر أخرى الأثرياء والفقراء…

تفرز مجتمعات الحواضر ظواهر مثيرة وغريبة عدة، بسبب طبيعة المدينة إناءً اجتماعيًّا ضخمًا يمور بأنواع البشر والحرف والأسواق وقنوات التبادل والتفاعل الأخرى. وقد اشتهرت بغداد مذ تأسيسها على أيدي الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور بمثل هذه الظواهر التي تستحق الرصد والتحليل نظرًا لعكسها تعقيدات الحياة الاجتماعية وتدرجات السلم الطبقي داخل مجتمع المدينة.

لذا ذهب أغلب دارسي كتاب (ألف ليلة وليلة) إلى أن بغداد كانت، على أغلب الظن، هي مسرح حكايات (الليالي العربية)، كما يسمى الغربيون هذا الكنز التراثي المهم الذي لا تنضب مناجمه من الحكايات الطريفة.

ومذاك بقيت بغداد مدينة ولَّادة لأنواع الشواخص التي سجلها (ألف ليلة وليلة) ثم خلدها عبر حكاياته التي خيل لشهريار بأنها حلقات لا تنتهي من قصص الإثارة، كما اشتهرت من بين هذه الحكايات الطريفة الحكايات التي كان أبطالها من النوع النادر، والمضحك أحيانًا، لذا نستذكر هذه الشواخص والشخصيات حتى الآن، وهي شخصيات طريفة من نوع جحا، وأبي القاسم الطنبوري (صاحب أشهر حذاء في التاريخ، ربما)، ناهيك عن سواهم ممن لا يمكن أن يظفر بهم النسيان، ابتداءً من “الشاطر حسن”، وانتهاءً بــ”علاء الدين” و”علي بابا” و”كهرمانة”، من بين آخرين.

لقد تطورت بغداد في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية حتى غدت جوهرة المدائن، مدينة كونية Cosmopolitan، أشبه بنيويورك أو لندن اليوم في دورها العولمي، حسب معايير العصر الوسيط. ومرد ذلك هو تطور اقتصادات رأس المال والسوق الحرة التي أفرزت، من بين ظواهر أخرى الأثرياء والفقراء، بينما أدى هذا التمايز الطبقي إلى ظهور الشخصيات الطريفة أعلاه، وشخصيات أخرى من الذين فضلوا العيش على هامش المجتمع بسبب ما ابتلوا به من حاجة وعوز قادهم إلى استمراء الاستجداء وطلب العون ممن أغدق الله عليهم بالكثير من خيرات. وكان من هؤلاء “المتسولين” و”الشحاذين” عدد لا بأس به ممن حباهم الله بالذكاء الفطري، فكانوا “حكواتيين” ظرفاء كذلك، كما كان بعضهم “شعراء” جيدين، وهم هؤلاء الذين أطلقت تواريخ الأدب العربي عليهم عنوان “شعراء الجدية”، بمعنى الاستجداء، ومنهم ابن الهبارية الذي قال:

يقول أبو سعيد إذ رآني .. عفيفًا منذ عام ما شربتُ

على يد أي شيخ تبت قل لي .. فقلت على يد الإفلاس تبتُ

ويقول شاعر آخر:

لا تدخل السوق إن كنت مفلسًا.. تزداد همًّا يا قليل الدراهمِ

ويقول ابن دريد، كناية عن خيبة أمل له:

سمعت بذكر الناس هندًا ولم أزل .. أخا صبوةٍ حتى نظرت إلى هندِ

فلما أراني الله هندًا وزرتها .. تمنيت أن أزداد بعدًا على بعدِ

وهكذا، أثرى هؤلاء الظرفاء الحياة الاجتماعية الحضرية في العصر الوسيط، بإضافة شيء من الطرافة والسخرية على الوجود الحضري آنذاك، ناهيك عمّا ينطوي عليه هذا النوع من الشعر من بعد احتجاجي اجتماعي..

 

أ.د. محمد الدعمي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3917 المصادف: 2017-05-27 04:19:27


Share on Myspace