 أقلام ثقافية

تحت راية السجان !!

محمود الزهيريهناك من النصوص من تأسرك في سجن المعني، وتخضعك لشروطها في التفسير، ولاتستطيع أن تهرب منها حيث حريتك إلي براحات التأويل، وفي سبيلي إلي الوصول إلي محطة نص منها يأول الإنسان، ويأول واقعه وحياته، وثقافته السائدة، بما يعتريها من عادات وأعراف وتقاليد وموروثات دينية صارت في مرتبة أعلي وأعلي من مرتبة المعتقد الديني ذاته، ليكون رجال الكهنوت والرهبوت لهم السيادة العليا علي النص، والسيطرة علي معناه ومفهومه ومراده ليتم توظيفه حسب المصلحة لهؤلاء السفلة من أرباب الكهنوت والكهانة والرهبوت الديني، لدرجة صارت القسوة عقيدة، والقتل والدم دين، وأبسط طرائق التعذيب وأرحمها هي السجن والحبس والإعتقال في معابد الكهانة والرهبوت، ليتم ما أرادوه من تحويل الحياة ببراحاتها وأشجارها وعصافيرها وطيورها وأنهارها ومساكنها وحدائقها إلي سجن كبير بإتساع قدرة الكهنوت والرهبوت في السيطرة علي المكان والناس ليكون لهم الزمان ملكاً لهم،والوقت طيعاً لما يريدوه ويتغيوه من مرادات، فالديمومة والإستمرار ، يشتغلان علي إلغاء ومحو كينونة أي كائن سواء كانت كينونة الإنسان أو الموجودات الأخري بالكون والطبيعة والحياة، يريدوا أن يخضعوها لهم وحدهم ، فهذا وذاك وتلك وأولئك من الأوصياء علي الإنسان، جسداً وعقلاً وروحاً، أما جسداً فهم من يحددوا له شروط الأزياء والملابس، ومواصفتها، سواء كان للرجال أو للنساء، وهم من يحددوا واجب الستر والتغطية من الجسد برؤيتهم وحدهم سواء عن طريق الحجاب أو الخمار أو النقاب أو غيرهم من المسميات حسب إختلاف الأمكنة، وهم أنفسهم من يضعوا شروطاً لحرية حركة الإنسان في المكان، والإنتقال والسفر والثبات والسكون، أو السجون والمعتقلات، وهم كذلك من يحاكموا الأرواح ويجعلوها تهرب من الأجساد هلعاً ورهبة حال إستخدامهم القتل نحت مسمي تطبيق الحد وإقامة الشرع ، وسريان الشريعة ، ولذلك أراها وكأن قسمات وجهها وتعبيراته المحزونة المتضامة إلي بعضها بعضاً ويتحول الوجه البشوش الطيب الملائكي، إلي وجه عابس كمداً وحزناً، والتياعاً واشتيقاً إلي سبل الحرية والعزة والكرامة، التي يحول بينها وبينهم طغاة سفلة مستبدون، يلتحفوا بألحفة الدين، ويلبسوا له أقنعة عديدة، فلكل مناسبة من ورائها مصلحة لهم وحدهم يكون لها قناع، وهي مازالت حيري مأزومة من الوضعية التاريخية المحكومة بها من قبل الأدعياء للطهر والشرف والعفاف والكرامة، فتعبر عما يجيش بعقلها ويهتاج له الإحساس بالظلم والقهر :

ما عدت أعرف*

كم سجنا بنوه لنا

أنا الضعيفة

تحت راية السجان .

تاريخي ؟.... يا ويلي أنا

حمل ثقيل

من قهر ومن حرمان

وكأنها تتأوه حينما تعاودها الزكري تليها الزكري عن تاريج محشود بالقهر والحرمان، وكأنه حمل ثقيل يمثل عبء تنوء عن حمله قوة السواعد والأبدان، وهي تسامرها أحزان القلب، وتصادقها أوجاع الروح، وتكاد تختنق من رهبة الماضي ووحشته وكآبة وحشيته وقهره لها، فلم تكن تستطيع أن تعيش كما يعيش الناس في أماكن كثيرة مأهولة بالرحمة ومسكونة بالحب، ومنثور علي جانبي طرقها الزهور والورود والرياحين والأزاهير، فهذه حدائق غناء مثمرة، تعطي من أطايب الثمار، وتهب الراحة والطمأنينة والظلال، فلماذا لاتكون حياتنا كذلك، ولماذا لايرحل الأوصياء علي الروح والعقل والجسد، ولماذا يخوفوني بالنار والثعبان الشجاع الأقرع، وعذاب القبر ومنكر ونكير والمقامع التي هي من حديد ومن نحاس، ولماذا جعلوني أنا الأنثي من اهل النار ومن أكثر أهل النار كل من تنتمي إلي ومن أنتمي إليهن من النساء، وكأن الأنوثة عار وشنار، وكأن الأنوثة مذلة ومهانة، وكأن الأنثي ليست بروح مثلها مثل الذكر، وكأنها ليست لها عقل قد يفوق عقول الكثير من الذكور، وكأن جسد الأنثي هو المحرم، بل هو الحرام ذاته، فيباح للذكر أن يلبس ويتزيي بماشاء وكيف شاء، وأن يتطيب بأطايب العطور والطيب أينما شاء وكيفما شاء ووقتما شاء، ولأنه ذكر يباح له الخروج والدخول والسفر والإنتقال من مكان إلي مكان ومن وطن إلي وطن آخر بما شاء وكيف شاء، ولأنني أنثي، فكل هذا محرم علي، وحرام علي مخالفة قيد أنملة من الشروط التي وضعها الأوصياء الشياطين للنساء الضعفاء المهانات المقهورات بلا أدني سبب وبلا أي جرم ارتكبوه، فجعلوا من بيتي سكن دائم لي وكأنه سجن، وأحياناً حينما يعلم الإنسان أن مصيره السجن فقد يستكين للأمر لأنه يعلم أنه لامهرب ولا مفر، أما وأنا في بيت والدي صار خروجي مقيد ومشروط، وتغيبي عن المنزل مقيد ومشروط ومحسوب الدقيقة والثانية، حتي وإن كان عذر قهري لادخل لي فيه، فأعلم أنني سأتلقي الحساب واللوم والتعنيف، وأحياناً السباب والشتائم والإتهامات الأخلاقية بالعهر والفجور، وهذا من كل أفراد الأسرة بداية من الأم والأب والأشقاء الذكور، لتزداد قسوة الوقت، ورهابة الزمن، وضياع إنسانيتي عمداً وبلا سابق قصد لي، لأن هذه الجريمة موكول أمرها إلي التاريخ المحشود بتعاليم وأوامر ونواهي الأسرة الأبوية الذكورية، والتي تحيل حياتي منذ المهد وحتي اللحد إلي مآسي لاتنتهي، فمنذ الولادة يمارسوا ضدي الختان، وقطع جزء من جسدي بلا إرادة مني، مخافة العار، وكأن الشرف صار محله الأعضاء التناسلية، وكأن الشرف محله الجسد، وليس شرف العقل وكرامة العقل، وحينما يسير العمر بي بإتجاه البلوغ أجد النقد يزداد والتوبيخ يزداد قسوة، ولائحة الأوامر والنواهي تزداد بنودها، وتكثر أرقامها، لتصير الحياة كلها ممنوعات ومحرمات، فيكتمل الأمر بإرتداء الحجاب أو الخمار أو النقاب، وليس برغبة مني أو إرادة صادرة عني، حتي أتحمل نتائجها ومن ثم مسؤلياتي تجاهها، ولكن هم من فرضوا علي هذا الذي وهذا الثياب، وهم من اختاروا ألوانه ليكون بين البني المحروق والأسود، وأصير مابين ختان الجسد وختان العقل مفتقدة إرادتي واختياري، وكأنني دابة من دواب الأرض، أو حيوان من الحيوانات الداجنة، وأنا مازلت أعتقد أنني لست كذلك، فيزداد إصراري بالرغبة في الهروب من هذا الأسر، فتواجهني راية السجان حينما أيمم وجهي، وحينما تتجه إرادتي، ومازلت في نظرهم أنا العورة وأنا الحرام وأنا الحريم، وأنا مؤهلة لأكون مع أكثر أهل النار حينما أخالف لائحة الأوصياء في الأسرة أو في المدرسة ودار العبادة أو الجامعة، أو حتي في الشارع الذي يضع لي شروط حتي لا أثير غرائزه المهتاجة لمجرد رؤيتي أو رؤية أنثي أي أنثي، ومازالوا يمارسوا الكذب والبهتان بدعاوي الشرف والعفاف والطهر، بلوغاً إلي الغاية العظمي وهي الجنة حسب مسطرتهم، والتي لن ينالوها إلا بقهري وتعنيفي وتعذيبي وإذلال روحي، وقهر عقلي، والقسوة الواقعة علي كياني كله وجسدي، وهذا كله أدعوه أنه الإيمان، ومن أجل الإيمان،، ولكنهم :

جاءوا بإفك زوروه لنا

وقالوا :

قهرك غاية الإيمان *

*النص للشاعرة : هدي أمين

القراءة والترجمة النقدية للشاعر: محمود الزهيري

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4282 المصادف: 2018-05-27 04:04:55


Share on Myspace