 أقلام ثقافية

عن الغناء واللغات

في عالم كلمات الأغاني الغربية نجد ما لا نجده في أغانينا الشرقية. فمهما ارتفعت حدّة مشاعرنا، ومهما سخنت، رضا وغضبا، حبّا وسخطا، فلن تتجاوز درجة الاعتدال التي ألفها ذوقنا و "تربيتنا" المشرقية التي لا ترتضي الشطط ولا الإسفاف في أيّ شيء.

صحيح أنّ الأمور تبدلت عندنا، لكنّه تبدل لا يمسّ المعالجة البناءة بل هو تبدّل في مقدار الإسفاف والضحالة.

تحضرني أغنية إسبانية تعود، تصوّروا، إلى الثمانينيات، تؤديها واحدة من كبريات مطربات إسبانيا هي (روثيّو خورادو)، وعنوانها "ذلك الرجل الذي ترينه هناك".

مهما تذكرنا من أغنيات العتاب والنقد والشكوى والتظلّم التي جادت بها قرائح شعرائنا الغنائيين وصدحت بها حناجر مطرباتنا على مرّ العصور والدهور، فلن نجد من بلغ عشر ما بلغته (روثيّو خورادو) وهي "تشرّح" و "تشرّط" و "تنشر" ذلك الرجل الواقف هناك "على الحبل" وتفضحه في ما يبدو لحبيبته الجديدة التي لا تعرفه بعد، وهي التي خبرته وجربته ورأت من ظلمه و سوء طباعه ما طفح به كيلها.

ساعات "يا ظالمني" و"حسيبك للزمن" و"بتسأل ليه عليّ" و" الناس المغرمين" و"اسألك روحك" و"للصبر حدود" و"حمّال الأسيّة" الخ الخ الخ. لا توازي بمجموعها وعصارتها ثلاث دقائق ونصف دقيقة من "مدفعيّة" خورادو في حق "ذلك الرجل الواقف هناك".

أكتفي هنا بنقل الكلام ولمن أراد أن يسمع هدير المدافع أن يفتح اليوتيوب على الرابط التالي:

https://www.youtube.com/watch?v=RyMznCrYyHE

 

ذلك الرجل الذي ترينه هناك

ذاك الذي يبدو لطيفا مهذبا

أنا أعرفه كما أعرف نفسي.

*

ذلك الرجل الذي ترينه هناك

ذاك الذي يبدو كائنا سماويا

حلو المعشر متدفق العواطف

إنّه لا يجيد إلا صنع المعاناة

*

هو أحمق كبير

غبي متبجح

أناني هوائي

مهرج مغرور

عديم الإحساس مغتر

مزيف قزم حاقد

عديم القلب

مسكون بالغيرة

من دون سبب ولا مناسبة

أهوج كالريح

مجرد من العاطفة

مهزوز

يصلح صديقا لكنّه لا يصلح حبيبا

*

ذلك الرجل الذي ترينه هناك

ذاك الذي يبدو لطيفا

كريما وظريفا

أعرفه كما أعرف نفسي

ولكي يكتسب ما كتبنا مداه أشير إلى استخدام "الأغاني" في دورات تعليم اللغة مادة ونشاطا جميلا من نشاطات تعلّم أية لغة:

تأمّلوا الكمّ الهائل من الصفات التي تستخرج من هذه الأغنية

وتأملوا الجهد القاموسي الذي يبذله الطالب للبحث عن معنى كلّ صفة ليضعها في مكانها الصحيح المناسب

وتأملوا الكم المضاعف الذي يشتغل عليه وهو يبحث عن الصفات المرادفة والمعاكسة

وتأملوا المتعة التي يشعر بها وهو يستمع إلى أغنية تمنحه كلّ هذا.

منجم في أغنية.

 

د. بسّام البزّاز

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4442 المصادف: 2018-11-03 02:17:45


Share on Myspace