 أقلام ثقافية

ما هي مشكلة الحُكم؟

عزيز جاسمأحترنا في الخيار الأمثل لمن يحكمنا.. هذا ما تمخض بعد جهد جهيد عن مسرحية "براكسا او مشكلة الحكم" للكاتب الكبير توفيق الحكيم والتي صدرت في طبعتها الاولى عام 1939 والثانية في العام 1960 وهي واحدة من بين ثلاثيته – "براكسا او مشكلة الحكم" و"بيجماليون" و"الملك اوديب" - المستوحاة من التراث الاغريقي حيث مد الحكيم في ثلاثيته جسر الاسطورة بين الماضي والحاضر الذي كان يعيشه.

تبدأ احداث المسرحية في إنقلاب تعده النساء – تحت قيادة براكسا - على أزواجهنّ الذين يسيطرون على مفاصل الحكم في أثينا القديمة. لم يكنَّ راضيات عن الحكم الذكوري الذي قطّعهُنَّ إرباً بينما هُنَّ يمارسنَ الأعمال اليومية في الدار تحت مسمى "نساء"، المصطلح الذي لم يَجنينَّ منه سوى الكبت والاضطهاد. انتفضن غير راضيات وطمعن في استلام دفة الحكم لإثبات قدرتهن على الادارة خارج المنزل ونفض غبار القهر الذي كُنَّ يعِشنه.

في ليلة ظلماء تآمرت النساء على ازواجهن حيث منعنّهم من الخروج لممارسة اعمالهم اليومية كالعادة المتعارف عليها في المجتمعات الذكورية والتي تقضي بخروج الرجال للعمل في الوقت الذي تمكث فيه النساء في البيت لممارسة الأعمال المنزلية ورعاية الاطفال. ولكن كيف تمكنت النساء هذه المرة من التجرأ على ماكنة المجتمع الذكوري وتعطيلها عند الصباح؟

يتبادر هنا الى الأذهان السؤال عن الطريقة التي مكنتهنّ من تعطيل ازواجهنّ عن الذهاب الى العمل والبقاء في الدار مُكرهين على ذلك ومشلولين لا يقوون على الحركة التي اعتادوا عليها. ليس هذا فحسب بل لا يمكنهم حتى الخروج من غرفة النوم الى الغرفة المجاورة في المنزل نفسه! لكن للنساء كيد فاق ما يخطط له الرجل من طرق وبرامج تساعده في توفير الحرية الكاملة في التنقل في المجتمع الذي يعتبر نفسه الجزء الاساس في بناءه مستعينا بالمرأة كوسيلة لتحقيق غاياته. يكمن الكيد هذه المرة في المعنى الايجابي الذي يمكن المرأة من الدفاع عن نفسها حيث قمنّ بتجريد ازواجهن من ملابسهم التي تضفي على شخصياتهم الوجه الحسن وتمنحهم الحرية في التنقل ومزاولة اعمالهم. تلك الملابس التي غطت عيوبهم لتجعلهم يبدون بالشكل الانيق الذي من الممكن ان يخدع من ينظر الى المظهر الخارجي كوسيلة اساسية في إكتمال الشخصية. عندما قررن منعهم من الوصول الى ملابسهم للخروج الى العمل نجحن وبشكل كامل في تقييد حركتهم تماماً حيث وجدوا انفسهم عُراة في منازلهم وقد جردوا من كل الصلاحيات المتاحة لهم.

على كل حال، استطعن الوصول الى دفة الحكم وقمن بمزاولة العمل والرجال هذه المرة الحمل الوديع والمطيع لأوامر النساء التي اعتادت الاطاعة وتنفيذ الاوامر من قبل. لكن هنا تكمن المشكلة: هل ان الإدارة بتلك السهولة التي توقعنها؟ وهل بأمكانهن السيطرة الى درجة التحلي بالصبر الذي من الممكن ان يصل بهن الى بر الامان في نيل ما ابتغينه من الحرية والشعور بتحقيق الذات الذي فقدنهن لسنوات طوال؟ لم يكن ادائهُن بالمستوى الذي يرضي الشعب، حسب اقتراحات الكاتب، على الرغم من انهن لم يكن اقل شأناَ في الحكم من الرجال الذين سبقوهن. المشكلة إذاً لا تكمن في الحكم نفسه حسب تقديرات الكاتب وإنما في انطباع وهيكلة الشخصية بعد وصولها الى الحكم. لم تكن النساء اللواتي كن في البيت هن انفسهن اللواتي يمسكن الحكم. تغيرن الى درجة انهن لم يصدقن انفسهن. وبذلك يكون الحكم قد مسخهن الى كائن حي آخر له من العادات والأطباع الخاصة به والتي يجهلها الفرد السوي إلا من الذي يُمسخ اليها.

ماذا حدث هذه المرة؟

انتفض الشعب على النساء وبهذا انقلب السحر على الساحر ووجدن انفسهن في نفس الموقف الذي شاهدن به أزواجهن من قبل. رُمين في السجن لعدم كفائتهن وحل محلهن من كانوا عوناً لهن متظاهرين هُم هذه المرة بقدرتهم على إدارة الحكم بالشكل الصحيح. يستمر المسلسل في تولي الحكم على هذه الشاكلة من جيل الى آخر ويبقى السؤال ما هي مشكلة الحكم اذاَ؟ ذلك السؤال الذي يرد على لسان كل من يقرأ المسرحية ويتمعن في الاسلوب الذي وصف به توفيق الحكيم شخصياته والطريقة التي كانوا يتظاهرون بها أو تلك التي انقلبوا اليها بعد تقلدهم مناصب الحكم.

وكما ذكرت سابقا فالمشكلة هنا ليست في الحكم بقدر ما هي مشكلة الفرد النفسية بغض النظر عن جنسه لأننا جميعاً نطمح للتسلط ولا نحب ان يتسلط علينا احد. تكمن مشكلة الحكم في الطريقة التي يصل اليها الفرد الى الحكم والتي تُبنى على اساس المكيدة والتآمر والدس والتمتع بالاطاحة بالاخر. لا يبالِ المتآمر لما يجري من احداث ولا يخطط أبعد من انفه لأنه عندما بدأ بلحظة التخطيط نسي كل من حوله إلا نفسه وسعى في هدفه الى الراحة النفسية الشخصية التي تغطي على هدف المصلحة العامة والذي يدعي، قبل توليه الحكم، بأنه الهدف الأسمى. لا يولد العنف إلا المزيد من العنف، وبنفس المعول الذي اوسع به حفرته تزل قدمه يوماً ويجد نفسه غارقا فيه. ويبدأ بالعويل من أجل النجدة التي وضع القطن في اذنيه عندما سمعها من خصمه. لا يصل العنف أخيراً بصاحبه إلا بنقطة البداية التي طمح ان يرسم بها نهاية خصمه وبذلك يعود من حيث بدأ وينتهي به المطاف أخيراً بترجي خصمه ان يُجهز عليه. لكن هل ينتهي مسلل الحكم الجائر بعدها؟ "تلك هي المسالة"!

 

عزيز جاسم محمد

كلية الزهراء للبنات

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5037 المصادف: 2020-06-20 01:43:22


Share on Myspace