 أقلام ثقافية

محمود محمد علي: عيدٌ الأم.. بِأَيةِ حالٍ عدتَ يا عيدُ!

محمود محمد عليفي الحادي والعشرين من شهر مارس الجاري احتفلنا في مصر بعيد الأم،، حيث يلتف الأولاد حول "ست الحبايب" فى المنازل لتقديم الهدايا، فى انتظار دعوات خالصة من الأمهات، بالصحة والستر وراحة البال؛ وهذا المشهد المألوف فى جميع منازلنا المصرية، محرومة منه بعض السيدات، اللاتى يقبعن خلف أسوار السجون، بتهمة الفقر، سيدات يعرفن هناك بـ"الغارمات"، لم يقتلن أو يسرقن أو يتاجرن فى المخدرات، وإنما دفعتهن الحاجة و"العوز" إلى مد أيدهن للغير للاقتراض، والتوقيع على إيصالات أمانة بمبالغ أضعاف ما حصلن عليه، وما أن حل موعد السداد وعجزن على الإيفاء بالأموال، وجدن أنفسهن خلف أسوار السجون.

ولهذا العيد قصة، فقد جاءت أم تشكو عقوق ابنائها وقد مات زوجها وهم صغار وربتهم ولم يدركوا ما عانته في تربيتهم وكيف عملت في أكثر الأعمال الدنيا والبسيطة حتي تربيهم وظلت تحكي قصتها لأستاذنا علي أمين وتبكي، فقال لها سوف أكتب مقالاً أعنفهم فيه واشرح لهم كيف أن امهم تعبت معهم وانهم أبناء عاقون، سوف أكتب عنهم بالاسم ليعرف من حولهم عقوقهم وأنهم لا يستحقون الاحترام ولا التعاطف ولا الشهادات العالية والمهن الراقية التي يعملون بها فصرخت رافضة أن يذكر أسماءهم لأن ذلك سيفضحهم وهي لا تريد ذلك. وعندما طالبها بأن تقترح نوع العقاب.. فرفضت كل اشكال العقاب فقالت له أن ذلك مجرد "فضفضة" وأنها لا تريد منه أن يكتب عن أولادها ما يسئ إليهم. وبعد أن سمعت تلك الحكاية من الاستاذ علي أمين تعجبت من تضحية تلك الأم. وقد جاءت فكرة عيد الأم للأستاذ علي أمين وأن يكون أول أيام فصل الربيع حيث التفتح والعطاء في كل مظاهر الحياة .

وفكرة عيد الأم تعول علي أن الله تعالى كرَّم الوالدين تكريمًا خاصًّا باعتبارهما مظهرًا كونيًّا تتجلى فيه صفة الإيجاد والخلق للإنسان واستمرار وجوده، وعلى ذلك تقوم العلاقة بين الولد ووالديه على الإنسانية المَحْضَة، فلا يوجد نظامٌ اجتماعي عبر التاريخ لم يتمسك بهذه القيمة النبيلة، فضلًا عن أن تكون مسألةً تحث عليها الأديان والشرائع.

ولهذا أوجب اللهُ تعالى ورسولُهُ صلى الله عليه وسلم على الأبناء بِرَّ الوالدين وإظهار كل ما يصدق فيه الإحسان من الأقوال والأفعال والبذل والمواساة عند التعامل معهما بعد الأمر بإفراده بالعبادة وصدق التوجه إلى حضرة قدسه، فقال تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما . واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا) [الإسراء: 23-24].

عيد الأم يوم من الأيام التي تستأهل توقفا من جيل غابت عنه الفكرة، وأضاع المعني الكامن في الفكرة، واستهان باللفتة، وأشاح بوجهه لاهيا، وطفق يلهو ويتلهي، ونسي او تناسي أمه، قبر يلمه، ولم يجلس تحت قدميها، ولم يطعمها بيديه، ولم يقبل رأسها، ونسي نفسه ونسيها، صار نسيا منسيا، وأمه هي نفسه المعذبة التي تاهت منه في الزحام.

الأم، نبع دائم وفيض جارف من الرحمة، تعطي فتحسن، عطاء متميزاً لا يضاهيها فيه أحد، إنها الخير الذي لا ينقضي والنبع الذي لا ينضب، وهي التي إذا هزت مهد أبنها بيمينها فإنها تهز العالم بشمالها، فكل أم مهما كان شأنها اعطت وضحت وكانت أيامها مشقة وعناء في إعداد أجيال سوية صالحة، بدون انقطاع وحتى آخر يوم من حياتها يتواصل عطاؤها وتضحيتها دون نضوب ولا كلل، الأم قدوة جعل الله برها من أصول الفضائل وجعل حقها أوكد من حق الأب لما تحملته من مشاق الحمل والوضع والإرضاع والتربية.

إن قيام الأم بتربية أولادها وخدمة زوجها وإدارة شؤون البيت يرقيها إلى أعلى الدرجات وعملها الصالح يعادل جهاد الرجال في المعارك وثواب صلاة الجمعة في المساجد؛ فالأم رمز خالد لأن مشاعر الأمومة لا تتغير طبيعتها، ومهما كبر ابناؤها وتزوجوا وانجبوا لها الأحفاد تظل الأم أما وتبقى مشاعر الحنان والحب والإيثار والاهتمام مختزنة في صدرها، لا تؤثر عليها تراكمات السنين وثقل الشيخوخة  أو العوامل اليومية بتعقيداتها التي تمر بها فلن يكون عبئا على كاهلها إن هي سعت وبكل الطرق كي تقدم ما يمكنها تقديمه دون تردد ولوحت على حساب راحتها وسعادتها فقط من أجل أن تلمح الابتسامة مرسومة على محيا أبنائها فتسعد بذلك لسعادتها، لن يكون كثيرا عليها بذل ما تبقى لها من جهد أو طاقة أو مال، رغم ما قد يكون بها من خصاصة من أجل كفكة دموع أحدهم ومسح همومهم التي تعتري مسار رحلتهم في هذه الدنيا الواسعة، فيا لرحمة الله تعالى الذي أنساها متاعبها في الحمل بشوقها إلى رؤية وليدها بين ذراعيها، واستعذبت الأم الوسع رجاء أن تنعم مبن يدفئه صدرها وترعاه في رفق عيناها ولا يغيب لحظة عن قلبها هو منها وبها، تسهر لسهره سعيدة راضية ترعى منامه حانية قريرة العين، لا تمله وأن أملها أو أذاها ولا تضيق به وأن اتعبها وأشفاها، لأنها سر وجوده، نور حياته، جاور قلبها تسعة أشهر وعاش فيه ما قدر الله لها أن تعيش، يشغل يقظتها ومنامها، وهي نفسها من يتسع له صدرها إذا ضاقت به الدنيا، والمأوى الآمن إذا الدهر يوما عاداه، عاطفتها .

نعمة عظيمة لا يستنكف عن سكرها العظماء، وهي الجنة لا يحظى بها إلا الأبرار والسعداء، هي الأحق بالصحبة والرعاية، وهي الأولى بالرب والعناية وما طمع فيه الأبناء بالأمس من بالغ عطفها، وعامر حنانها ليس له مثيل سوى أن تصان حرمتها في كربها، يطلب رضاها الجميع، وبرها خير ما يتقرب به إلى المولى عز وجل، أن ابتسامة عند لقاء الأم، أو كلمة طيبة، تدخل السعادة إلى قلبها أو قبلة حانية تطبعها على جبينها ويديها أعمال جليلة عظيمة لا يحيط بثوابها إلا الله سبحانه وتعالى، كما لا يقدرها حق التقدير إلا كل بار يدرك أنه لولاها ما كان هو، ً ولولا رعايتها ما استوى، والذي يعي تمام الوعى أن الأم التي استهلكت شبابها ليسري وليدها شابا عفيا، استنفذت قواها ليقوى هو وتعبت هي ليستريح وسهرت الليالي لينام ومل تسعد إلا إذا سعد ولا تسبع إلا إذا شبع.

وما نود أن نؤكد عليه أن تكريم الأمومة والاحتفاء بها إنما هو بتكريم المعاني النبيلة التي تتمثل في كل أم فاضلة تسير علي هدي الفطرة الإنسانية السليمة وتقوم بواجباتها نحو أسرتها وأبنائها وتؤدي هذه الحق بأمانة وإخلاص.. ان عاطفة الأمومة هي أعمق العواطف وأسماها.. إنها فريدة في نقائها وعمقها وصفائها.. إنها أصل كل ما في الدنيا من خير وبر ورحمة.. إنها نهاية الكمال لأنها منزهة عن كل هوي.. إنها قوية كالحق ونقية كالخير.

جاء رجل إلي رسول الله فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحبتي؟

قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك.. قال: ثم من؟ قال: أمك.. قال: ثم من؟ قال أبوك.. وجاءه رجل يسأله عن بره بأمه وكيف أنه أدى مناسك الحج وهو يحملها على كتفيه هل يكون بذلك قد وفاها حقها فقال صلى الله عليه وسلم: لا ولو بطلقة من طلقات الولادة، وقد قيل قديما "الجنة تحت أقدام الأمهات" ولا يختلف أحد على ذلك لكن في زمننا هذا صار الاحتفال بعيد الأم تقليدًا نتبعه بعد أن أقرته الأعراف..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..........

1- د/ شوقى علام: يوم الأم.. مقال منشور .

2- نعم الباز: عيد الأم.. له حكاية.. مقال منشور.

3- حمدى رزق: عيدٌ الأم.. بِأَيةِ حالٍ عدتَ يا عيدُ.. مقال منشور.

4- محمود عبد الراضى: فكوا كرب الغارمات قبل عيد الأم.. مقال منشور.

5-صبحة بغورة: كل سنة وأنت طيبة يا أمي، الأمن والحياة، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، مج33 ,ع3، 2014، من 385-387.

6- محمد عمارة: عيد الأم.. تكريم للمعاني النبيلة.. مقال منشور.

7- محمود فتحى: مأساة عيد الأم.. مقال منشور.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5316 المصادف: 2021-03-26 03:14:12


Share on Myspace