 أقلام ثقافية

عمار عبد الكريم: من وحي شهريار وشهرزاد (2)

عمار عبدالكريم البغداديالتواضع مفتاح مغاليق القلوب

قالت شهرزاد: ألا تجد صعوبة بوصف كل أنسان من حولنا بأنه غاية في الذكاء ؟

شهريار: دعيني أضرب لك مثلا في قصة يتناقلها العارفون بعلوم النفس البشرية، ففي احدى المدارس الغربية إرتأت الإدارة أن تجعل تلاميذها الناجحين الى مرحلة جديدة في صفين أحدهما  للاذكياء والآخر لمن تَعتقد أنهم من الأغبياء، وشاءت الأقدار بعد إختبارات روتينية أن يحصل خطأ في توثيق البيانات على الحاسوب، فكُتِب في أعلى قائمة الأذكياء (أغبياء) والعكس صحيح في القائمة الثانية، وعلى هذا الأساس تعامل المعلمون مع تلاميذ الصفين، فتراجعت درجات الأذكياء وارتقت معدلات (الأغبياء)، وبعد اكتشاف الخطأ قررت إدارة المدرسة إلغاء الإختبار ونتائجه واعتماد مبدأ (الجميع في منتهى الذكاء)، وماحصل أن المعلمين إنتقصوا من قدرات بشر يشهد لهم معلمون سابقون بأنهم من الأذكياء، وتعاملوا بتقدير مع قدرات آخرين كل ماكانوا يحتاجون إليه إنسان يعلم تماما أنهم اذكياء كبقية التلاميذ يستنهض طاقاتهم، ويعاملهم بمحبة واحترام، ليثبتوا قدرتهم الفطرية على الإبداع.

يقول الأديب والفيلسوف رالف والدو إمرسون: " إن كل إنسان ألتقي به هو أفضل مني بطريقة ما، ومن هنا أستطيع أن أتعلم منه".

واعرف يشهرزاد  انك تجدينه صعب التطبيق على أرض الواقع وهذا يدفعنا الى السر الاول في فتح مغاليق القلوب من حولنا، تلك هي صفة التواضع فان المعنى الذي وصل إليه إمرسون إنما اعتراف بالطاقات الهائلة في عقل ونفس كل إنسان مهما قل شانه بين الناس، ذلك التواضع هو صفة العلماء والعباقرة والمفكرين والملهَمين، وكل عظيم أدرك مكامن الأسرار المودعة في النفس البشرية، ولأنه يعرف قدره، ويقدِر صفاته، فقد امتلات نفسه بكل خير،ولم تعد في هرج ومرج بين الجسد والروح .. أثقلتها المحبة، ولجمت جماحها المعرفة، فانحنت بتواضع لكل الناس، فصار محبا محبوبا، وجميع هؤلاء كإمرسون يتعلمون من عامل النظافة،ويدرسون على يد البائع المتجول، وينحنون للفقير بقلوبهم قبل أيديهم ليضعوا بين يده مساعدة مالية، ويتعلموا من إبتسامته مزيدا من دروس العطاء والإنسانية.

وفي شعر الحكمة العربية:

 ملآى السنابل تنحني بتواضع .. والفارغات رؤوسهن شوامخ

غير أنني أدرك تماما أنه ليس كل من يُطلق عليه مسمى عالم، أو أكادمي كبير يكون متواضعا،بل إن الكثير منهم غير محبوبين بين الناس،،فإن المعرفة التي لا تلامس ثنايا النفس،وتبقى مخزونة في العقل الظاهر،ولا تنتقل الى عقلنا الباطن الذي يرسم خارطة سلوكنا، ويوقد الأنوار في قلوبنا، هي علم فارغ صَنع لصاحبه قلعة عاجية يقف في أعلاها لينظر الى الناس بفوقية  وهو يعتقد أن علمه أوصله الى أعلى المراتب حتى صار فوق الناس جميعا، وهو غير محتاج الى أي منهم، وقد يسعده أن الملتمسين لعلمه المزعوم ينظرون إليه بدونية، ولو رفع الغشاوة عن عينيه قليلا لأدرك أن تلك النظرة لأعلى القلعة لها بقية تفحص الى أسفلها، ويعلم علم اليقين أن في النظرة من الاعلى الى الاسفل دلالة ازدراء لامثيل لها، وأنهم  كانوا يبحثون عن مبعث نور في قلعة عاجية لا روح فيها، ولسان حالهم يقول:ماذا يمكن أن نتعلم من هذا وهو عاجز عن أن يعلم نفسه ؟!.

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

....................

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5358 المصادف: 2021-05-07 03:18:10


Share on Myspace