 أقلام ثقافية

عمار عبد الكريم: المحبة في مواجهة العدوانية (2)

عمار عبدالكريم البغداديشهرزاد: قصصت علينا ياشهريار قصة مؤثرة في المرة السابقة، وهي تبعث الأمل في إمكانية إصلاح المزعجين، وإنْ كانت مؤلمة في تفاصيلها، لكن كيف لنا أن نميّز العدواني عن المزعج وهما يأخذان شكلا ظاهريا واحدا كما قلتَ أنت؟

- نعم .. فالعدواني أو العدائي عبوس قنوط يجد سعادته في إيذاء الآخرين ايضا، لكن المزعج يكتفي بالمقالب والمواقف التي تثير حفيظة الناس من حوله وصولا الى إهتمامهم به، أمّا العدواني فكاره لنفسه ابتداءً ويحمّل الناس - كل الناس- أسباب انطوائه وفشله في أمر ما، والظلم الذي تعرض إليه في يوم ما، والتهميش الذي يعاني منه وإنْ كان غير موجود أصلا، هو يكره الناس جميعا، ويشعر بفقدان الأمن الداخلي، وضياع الثقة بالنفس، وانحسار الآمال، واضطراب الأحوال، ولا يفسر قولا من الأقوال، او فعلا من الأفعال إلا بنية السوء، العدوانية لديه سجية، وإلحاق الأذى الفعلي بالآخرين غاية غاياته، هو يظن انه يبعد عن نفسه اذاهم - غير الموجود إلا في مخيلته – حينما يسبقهم بالهجوم، والتنكيل والتهديد والوعيد، ويتعدى ذلك الى الشتم والضرب، وسلب الحقوق المعنوية والمادية، ففي ذلك مُسكّنٌ مسموم لأوجاعه الدائمة، يهدئ من روعه لحين، لكنه يزيد من حجم الكراهية لديه، عنيف في الأحوال كلها حتى وهو يضحك، يلتمس الهيبة والخوف في عيون الناس، ولا يدري أن الناس يتحاشون بطشه ولا يهابونه، يجد سعادته المريضة في إحْزانِهم وإيلامهم، يعتقد جازما انه بإلحاق الضرر بالآخرين ينتصر لذاته المقهورة ويحقق آماله المندثرة، إطاره الفكري القديم يذكره دائما بأن "الناس، كل الناس، مسؤولون عمّا لحق به من قهر وإذلال، وتهميش وظلم في يوم من الأيام".

شهرزاد : حقا إن الفرق كبير.. لكن ماالذي وصل به إلى هذا الحجم من الكراهية والحقد؟، هل كان الظلم الذي تعرض إليه يوما كافيا لهذا الوصف المرعب؟

- كأنك غير مقتنعة بذلك وتشيرين الى طبيعة خَلقية لا صفة خُلقِية تقف وراء العدوانية؟، حسنا.. دعينا نستعرض الآراء على عجالة لنعرف إنْ كانت العدوانية صفة مكتسبة أم طبيعة مولودة مع الإنسان، ولو أخذنا ابتداءً ما يسمى بـ(النظرية الهيدروليكية) لكونراد لورانس الذي يدافع عن مفهوم : أن الشر هو التاريخ الطبيعي للعدوان، وأن العدوان دوما وعفويا يولد مع الانسان، وأن العدوانية تنمو باطّراد عندما لايكون هنالك مانع لها، وعندما يفتح الطريق أمامها، فإنها تندفع بذاتها خارجا، أمّا عندما تكون المخارج ضعيفة جدا او معدومة، فسوف يكون الإنفجار لتلك العدوانية المتراكمة محتملا، وإزاء ذلك لا يكون أمام الإنسان إلا بعض الوقت ليمارس أعمال العنف، ذلك إن القدرة العدوانية في داخله قد تراكمت وإنفجرت .

إن لورانس يشبه الإنسان هنا يا شهرزاد بقِدْرِ الماء على النار يغلي ويغلي حتى تتولد قوة الإنفجار التي تهوي بالغطاء وتجعله يتراقص بوحشية كلما زاد الماء سخونة بسبب قوة ضغط البخار .

وأجد أن لورانس قد نال إعجاب الناس لأنه يمنحهم العذر حين ممارستهم للعدوانية ضد الآخرين فهم - بحسب لورانس- مجبرون على تلك العدوانية المتراكمة في صدورهم وهم غير مسؤولين عن الحالة التي خلقوا عليها .

أمّا نظرية محرض نشوب العدوان لفرويد وكذلك النظرية القديمة لمحرض الموت فهما يؤكدان على الدافع الغرائزي للعدوان، وقد إفترض فرويد : أن كل إنسان وفي كل الخلايا المكونة من مادة حية ثمة محرضان للحياة والموت، ومحرض الموت يعبر عن نفسه بالإنعطاف للخارج وهذا يعني التدمير العام، او نحو الداخل وهذا يظهر كقوة لتحطيم الذات بالمرض أو الإنتحار، وعندما يكون مرتبطا بدافع جنسي، فانه يقود الى مايسمى بالإنحراف الجنسي، وهو محرض مولود مع الإنسان وليس محكوما بعوامل خارجية محيطة، وبالتالي فإن الإنسان أمام خيار وحيد يتمثل بتحطيم الآخرين او الموت .

وعامة ياشهرزاد فهنالك وجهتا نظر للعدوانية،  الأولى : أن الإنسان بفطرته مخرب سيء وهذا أساس قيام الحروب، وعليه فإن الإنسان يجب أن يبقى تحت السيطرة لمنع عدوانيته (الفطرية) .

والثانية: إن الانسان طيب بفطرته ويصير سيئا نتيجة للظروف الاجتماعية التي تحيط به واذا استطاع ان يغير تلك الظروف فهو قادر على تخفيف العدوانية والشر في نفسه او ان يزيلها تماما .

والرأي الثالث تبناه إيريش فروم وهو حل وسط بين الأمرين، فهو يرى إن (الانسان ميّال للتخريب، وأكثر شراسة من الحيوان والتاريخ البشري حافل بأعمال شنيعة لامثيل لها، وأعمالِ تخريب خارجةٍ عن الوصف، ومن وجهة النظر هذه فليس من حاجة أبدا للتقليل من قوة العدوانية، لكنه لا يعتقد أن جذور هذه العدوانية تقع في الغرائز، وإنما في الشروط الخاصة التي يعيشها الإنسان) .

في المرة المقبلة سنرد على أصحاب الآراء الثلاثة لنؤكد ان العدوانية خلقٌ مكتسب لم يخلق في النفوس البشرية .

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

...................

* من وحي شهريار وشهرزاد (16)

مقتبسات من مؤلفي : شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5414 المصادف: 2021-07-02 02:56:48


Share on Myspace