 أقلام ثقافية

ضياء نافع: تمثال جديد للقيصر الروسي الكساندر الثالث

ضياء نافعتستمر في روسيا الاتحادية ظاهرة اعادة قراءة التاريخ الروسي من وجهة نظر جديدة وموضوعية وهادئة، وهي ظاهرة واضحة المعالم بدأت واقعيا في الربع الاخير من القرن العشرين، عندما نضج المواطن الروسي الاعتيادي (او الطبقة الوسطى الروسية كما قال لي مرّة أحد ألاصدقاء الروس وهو يبتسم!)، وعندما اصبحت الشعارات المعلّبة الجاهزة عتيقة ومنسية، وقد شاهدت ذلك (بامّ عيني!) عند زيارتي لموسكو في نهاية التسعينيات، واستمعت – وبكل اندهاش – الى نقاشات الاساتذة الروس في الجامعات التي زرناها حول  ضرورة الحفاظ على معالم المدن ونُصبها وتماثيلها ورموزها المتنوعة (وعدم تكرار أخطاء الماضي المُخجلة ! كما قال أحدهم) بغض النظر عن المواقف السياسية المتناقضة جدا التي كانت سائدة بينهم آنذاك، مؤكدين، ان الذين حكموا روسيا قاطبة (من قياصرة وبلاشفة !) حاولوا، كل حسب مفهومه وافكاره واجتهاداته، ان يبني روسيا ويساهم بتطويرها، وبالتالي، فان الحفاظ على كل ما قام به هؤلاء الحكام هو دليل نضوج المواطن الروسي وعلامة صحيّة لا تقبل الشك لوطنيته واخلاصه لمفهوم المواطنة . لكن هذه العملية معقّدة جدا لأنها ظاهرة فكرية قبل كل شئ، وفي كل زمان ومكان، (ونحن في العراق نعرف حق المعرفة ماذا يعني ذلك!!!)، ولهذا فان هذه الظاهرة لا تسير بشكل سلس جدا وبسيط كما يبدو للبعض ظاهريا، اذ لا زالت هناك في روسيا عناصر معارِضة لتلك العملية تبرز هنا وهناك في دولة هائلة المساحة جغرافيا مثل روسيا ومتعددة التنوع في مكوناتها القومية رغم الاكثرية الروسية الساحقة، وتتكلم هذه العناصر عادة عن الادارة السيئة والفاسدة واعمالها المختلفة الرهيبة سواء في النظام القيصري او في النظام السوفيتي، الا ان هذه الاصوات – مع ذلك - اصبحت تمثّل الاقلية الضئيلة ليس الا، ولم تعد مؤثّرة ابدا على سير الاحداث اليومية في روسيا الاتحادية المعاصرة، ويمكن القول – وبكل ثقة – ان ظاهرة قراءة التاريخ في روسيا من جديد وبنظرة موضوعية هادئة قد انعكست بوضوح وسطوع عندما احتفلت روسيا عام 2017 في الذكرى المئوية الاولى لثورة اكتوبر 1917 الاشتراكية، والتي ادّت – كما هو معروف - الى تحويل دولة الامبراطورية الروسية الى دولة الاتحاد السوفيتي، ولا مجال هنا للحديث التفصيلي حول كل ذلك...

 الكساندر الثالث (الذي نود ان نكتب هنا قليلا عن تمثاله الجديد في روسيا حسب عنوان مقالتنا) هو القيصر ما قبل الاخير في تاريخ الامبراطورية الروسية، وقد جاء بعد القيصر الكساندر الثاني (والذي يسمونه القيصر المحرر لانه أصدر عام 1861 قانون الغاء حق القنانة (العبودية) للفلاحين الروس، وهي المسألة الكبرى في مسيرة روسيا وتاريخها)، والذي اغتالته حركة سياسية متطرّفة تسمى بالروسية (نارودنايا فوليا) اي (الارادة الشعبية) عام 1881، هذه الحركة التي كانت تعتقد (بشكل حازم وجازم وصارم ولا يقبل اي نقاش او اجتهاد!) ان اغتيال القيصر سيؤدي الى نهاية الخوف والتردد لدى الشعب، وبالتالي سيؤدي حتما الى انطلاق الجماهيرالمظلومة وتحقيق الثورة الشعبية العارمة، ولم يحدث ذلك بعد الاغتيال كما كانت تؤكّد وتجزم تلك الحركة السياسية في منشوراتها وأدبياتها، وانما جاء ابنه – ليس الا - وحلّ محله، وهو القيصر الكساندر الثالث، والذي حكم منذ عام 1881 والى حين وفاته عام 1894، واستطاع هذا القيصر ان يحافظ على السلام طوال الثلاث عشرة سنة، التي حكم فيها، ولذلك أطلقوا عليه تسمية – (حافظ السلام)، الا ان هذا القيصر قد حصل ايضا على تسمية اخرى بعدئذ، وهي - (القيصرالمنسي)، وقد جاءت هذه التسمية طبعا بعد مرور سنوات طويلة في تاريخ روسيا، اذ لم يعد يتذكره الناس وسط تلك الاحداث الجسام، التي مرّت منذ الحرب الروسية اليابانية 1904 وثورة عام 1905 والحرب العالمية الاولى عام 1914 وثورة شباط 1917 ثم ثورة اكتوبر الاشتراكية 1917، ثم المراحل المتنوعة لمسيرة الدولة السوفيتية في القرن العشرين من الصراع على السلطة ثم انتصار الستالينية ثم الحرب العالمية الثانية واحداثها الهائلة ثم مرحلة ذوبان الجليد ..و..و..و، وصولا الى عام 1991، عندما انهارت تلك الدولة...

التمثال الجديد للقيصر الكساندر الثالث جاء طبعا نتيجة القراءة الموضوعية الهادئة للتاريخ الروسي، والتي أشرنا اليها في مستهل هذه المقالة، وقد تم تدشين هذا التمثال في بداية شهر حزيران / يونيو من هذا العام (2021)، وافتتحه الرئيس الروسي بوتين نفسه في ضواحي بطرسبورغ، ووضع باقة من الزهور على منصته وهو جاثيا على ركبتيه امامه احتراما وتبجيلا (وهي حالة نادرة جدا جدا، وقلّما تحدث من قبل رؤساء الدول عندما يضعون باقات الزهور في مثل هذه المناسبات)، وعبّر بوتين عن اعجابه الشديد بالتمثال الهائل للقيصر (والذي كان جالسا وبشكل مهيب جداعلى كرسي العرش القيصري بزيّه العسكري)، وألقى الرئيس بوتين بعدئذ كلمة أشاد فيها بمكانة القيصر ألكساندر الثالث المتميّزة في التاريخ الروسي الحديث، وأشار الى حب هذا القيصر المتناهي لروسيا وعمله المخلص من اجل تطويرها والدفاع عن مصالحها وتعزيز مكانتها في اوروبا والعالم أجمع . 

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5435 المصادف: 2021-07-23 02:24:23


Share on Myspace