 أقلام ثقافية

محمود محمد علي: عيد الحب بين الحفاوة المصرية والرومانية (1)

محمود محمد عليلا نبالغ إذا قلنا أن تاريخ البشرية يعد من إحدى زوايا النظر إليه بانوراما للصراعات والحروب والعن ف، وبالرغم من ذلك، لو أجرينا مسحاً أوليًا لأنماط المفردات الرئيسة التي تكررت اكثر من غيرها عبر هذه العصور المضطربة لدى مختلف الأجناس في حياتهم اليومية وفي آثارهم المكتوبة، لوجدنا أن مفردة "الحب "، تقف على رأس قائمة هذه المفردات إلى جانب مفردة "الحرب" في تزاوج دراماتيكي محير يبرهن على سمو الإنسان وحماقته في الوقت ذاته . ومن هنا تنبع أهمية موضوع  "الحب" في إطارها العام، بوصفه ظاهرة مشتركة في كل العصور، وبين كل البشر : الأقوياء والمستضعفين، الأغنياء والفقراء، الأميين والعلماء، المحاربين والشعراء.

قصدت هذه المقدمة لأقول بأنه في الرابع عشر من شهر نوفمبر من كل عام، كان المصريون القدماء يحتفلون بعيد الحب في يوم مثل هذا اليوم، وكان يسمي هذا العيد بعيد العشاق، بينما كان يسمي عند الغربيين بعيد الفالنتين Valentine Day، ويعني عيد المودة والرحمة ومشاعر الحب بين الأبناء والآباء والأصدقاء والود بين الناس؛ وهو العيد الذي تحتفل فيه كافة بلدان العالم، حيث يتم فيه تبادل الهدايا المختلفة بما في ذلك الورود والشوكولاتة بأنواعها المختلفة بين المحبين والأهل والأصدقاء، وتتزين الشوارع باللون الأحمر وجميع المحال تقوم ببيع الهدايا الخاصة بعيد الفالنتاين ويخرج المحبين والعشاق إلى الشوارع للاحتفال بهذا اليوم، وأيضاً يقوم المحبون بالتعبير عن حبهم في هذا اليوم عن طريق إرسال بطاقات الحب لبعضهم البعض، أو إرسال الرسائل، والعبارات الجميلة، أو إرسال الحلوى وغيرها من الهدايا للتعبير عن حبهم . وفى يوم عيد الحب، تزدهر تجارة وبيع الزهور والورود في الأقصر، كما تزدحم محال بيع الهدايا بزبائنها من الشباب والزوجات والأزواج أيضا.

كذلك فإن عيد الحب يُعد عيد الحب يوماً يُعبِّر فيه المحبون عن عاطفتهم تجاه بعضهم، ويُعرف عيد الحب باسم عيد القديس فالنتاين، الذي يُصادف تاريخ الرابع عشر من شباط، وتأتي الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا على قائمة الدول التي تحتفل بهذا اليوم بالإضافة إلى دول أخرى مثل كوريا الجنوبية والمكسيك والأرجنتين، وفي دولة الفلبين أيضاً التي تتجسد فيها ذكرى عيد الحب بين الأزواج والأحبة والأقارب والأصدقاء

أما عن قصة عيد الحب فيقول البعض بأن الحضارة المصرية لم تكن حضارة حرب وتشييد وبناء الأهرامات فقط بل كانت حضارة إنسانية عرف ملوكها قصص عشق وحب جارف كتبوا فيها قصائد ونصوصا شعرية ونحتوا تماثيل تخليدا لها.

ولعيد الحب طابع خاص عند قدماء المصريين، إذ تسجل النقوش والرسوم على جدران معابدها ومقابرها وآثارها الفرعونية، الكثير من تفاصيل قصص الحب التي جمعت بين ملوك وملكات ونبلاء وأميرات، وآخرين من عامة الشعب في مصر القديمة.

ويتزامن عيد الحب هذا العام مع يوم الرابع من شهر فبراير في كل عام عيدا للحب، وذلك إحياء لذكرى اكتشاف مقبرة وكنوز الفرعون الذهبي الملك توت عنخ آمون، وهو الاكتشاف الذي جرى في يوم الرابع من نوفمبر من عام 1922 على يد الباحث الإنكليزي هوارد كارتر الذي صرخ بمجرد أن شاهد المقبرة الملكية قائلا “أجل، أشياء رائعة.. كل ما علينا فعله الآن هو أن نقّشر المقابر الملكية كما نقّشر البصلة، وسنكون بعد ذلك مع الملك نفسه.

وفي مدينة الأقصر توجد مقبرة الملكة نفرتاري التي شيدها لها محبوبها الملك رمسيس الثاني، وهي المقبرة التي تتجه لها القلوب، كونها تعد شاهدا على أجمل قصة حب ربطت بين قلبي رمسيس الثاني وزوجته نفرتاري في واحدة من أقدم قصص الحب التي خلدها التاريخ قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، حيث أقام الملك رمسيس تلك المقبرة لمحبوبته وزوجته بعد وفاتها ليؤكد إخلاصه وحبه الأبدي لجميلة الجميلات كما يطلق عليها حتى اليوم، ومعنى اسم نفرتاري “الصاحبة الجميلة” أو “جميلة جميلات الدنيا” أو “المحبوبة التي ليس لها مثيل”، أو إنها تشبه النجمة، تلك التي تظهر عند مطلع عام جديد. هي واحدة من أكثر الملكات المصريات شهرة ككليوباترا، وتزوجت رمسيس وكان عمرها 13 سنة.

وفي مدينة الأقصر أيضا توجد معالم معبد الملك امنحتب الثالث، الذي تحكي نقوشه تفاصيل قصة الحب التي جمعت الملك امنحتب الثالث بمحبوبته الملكة “تي” التي لم تكن تحمل دماء ملكية، ما دفع أمنحتب الثالث إلى اللجوء إلى كهنة الإله آمون الذين قدموا له العون الذي مكنه من الزواج من محبوبته عبر إقامة معبد لأمون إله طيبة وهو المعروف الآن بمعبد الأقصر، وبداخل هذا المعبد أقام حجرة للولادة الإلهية٬ وهنا جاءت رواية الكهنة بأن أمنحتب الثالث هو نتاج لمعاشرة أمون لأمه فصار ابن الإله٬ وتخطى عقبة أن أمه محظية لوالده ولم تكن سليلة العائلة الملكية، وأن عليه الزواج من أميرة تنتمي للعائلة الملكية. ولأنه صار ابن الإله فقد صار من حقه الزواج بمن يريد دون أن يهدد هذا الزواج عرشه الملكي.

وفي الأقصر أيضا لا تزال هناك الكثير من الشواهد التاريخية التي تحكي بعضا من تفاصيل قصة الحب التي جمعت بين قلبي الملك أمنحتب الرابع “إخناتون” وزوجته الملكة نفرتيتي بين ربوع الأقصر قبل آلاف السنين.

وفى مقابر “نخت” و”نفر” وغيرها من مقابر نبلاء وأشراف الفراعنة في جبل القرنة التاريخي بغرب مدينة الأقصر، لا يخلو جدار من مشاهد تجمع بين محبوبين أو زوجين، مثل سيدة تضع رأسها على كتف زوجها، وزوج يضع يده على كتف زوجته، وأخرى تضع يدها على ساق زوجها ويحيط بهما أفراد أسرتهما وهم يخرجون في رحلة صيد على ظهر مركب في وسط نهر النيل الخالد.

أما أغلب المؤرخين فيرجعون عيد الحب إلي الرومان، حيث يرون أنه بدأ في القرن الثاني الميلادي، حيث قام الإمبراطور الروماني أوريليان بسجن القديس "فالنتاين" بمدينة تورني في روما، لكنه وقع في غرام ابنة سجانه فأمر الإمبراطور بإعدامه في 14 فبراير.

وفي رواية أخرى قيل إن الإمبراطور منع الزواج في هذه الفترة ليتفرغ الشباب  للجيش ويدخرون طاقاتهم البدنية للقتال فسجن "فالنتاين" لمخالفته أمر الإمبراطور بتزويج المحبين سراً.

وعيد الحب يعود إلى أسطورة رومانية حدثت في قديم الزمان، وبالذات في القرن الثالث الميلادي، حيث تعرضت الإمبراطورية الرومانية للغزو من قبل القوط، وقد كان ذلك إلى جانب انتشار مرض الطاعون أو الجدري بين الناس مما أسفر عن وفاة 5 آلاف شخص يومياً، وقد كان من بينهم الجنود، وكان الاعتقاد أنّ أفضل من يدافع عن الإمبراطورية من القوط هم الجنود العزّاب، فما كان من الإمبراطور كلوديوس الثاني إلا أن حظر الزواج التقليدي على الجنود، وفي أثناء ذلك الوقت عمل هذا الإمبراطور على تأليه مجلس الشيوخ الروماني للإمبراطور غالينوس وجعله من المعابد التي تُعبد إلى جانب الآلهة الرومانية الأخرى، واعتبر الأشخاص الذين يرفضون هذه العبادة هم آلهة غير وطنيين، وتم استهداف المسيحيين على وجه الخصوص وإجبارهم بالتخلي عن معتقداتهم أو مواجهة الموت... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..................

الهوامش

1- علاوي، أبو الحجاج يوسف بن أحمد: عيد الحب الفالنتاين : أصله، شعائره، حكمه، صوت الأمة، الجامعة السلفية - دار التأليف والترجمة، مج46 ,ع2، 2014.

2- عيد، علي: الحب، التوحيد، جماعة أنصار السنة المحمدية، س 14 ,ع 3، 1986.

3- بن حليمه، إبراهيم: كلمة في عيد الحب، مجلة الإصلاح، دار الفضيلة للنشر والتوزيع، مج 5 ,ع 2، 2011.

4- إسلام جمال: قصة احتفال المصريين بعيد الحب 4 نوفمبر، مقال منشور بتاريخ الأحد، 04 نوفمبر 2018 09:17 ص.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5489 المصادف: 2021-09-15 04:56:01


Share on Myspace