 أقلام ثقافية

ناجي ظاهر: شبح كانترفيل.. المختلف

ناجي ظاهرتقدم نوفيللا (رواية قصيرة)، "شبح كانترفيل"، لكاتبها الانجليزي المعروف عالميا اوسكار وايلد(1854- 1900)، صورة مختلفة للشبح الذي تعارفنا على صورته منذ الطفولة، لهذا فان من يبحث عن الصورة التقليدية للشبح، لن يجدها في هذه الرواية التي قرأها الناس في معظم لغات العالم.

هذه هي الرواية الاولى لصاحبها، وقد نشرت عام 1887، فلفتت الانظار الى كاتبها الشاب منذ اللحظة الاولى، وقد صدرت بعد نشرها الاول في عدة طبعات، وتحولت إلى عدد من الافلام السينمائية والمسرحية، مشكلة بذلك مصدرًا غنيًا.. تُستمد منه الاعمال الادائية الابداعية، وقد قُيض لهذه الرواية القصيرة، لا يتجاوز عدد صفحاتها الخمسين الا بقليل، إلى لغتنا العربية اكثر من مرة، لعل اشهرها ترجمة الدكتور المرحوم لويس عوض، لها في الاربعينيات، واعيد اصدار هذه الترجمة في كتاب صدر عن دار المدى في سوريا عام 2001، وهذه هي الترجمة التي قرأتها وشكلت اساسًا لهذا الحديث عن الرواية.

تبدأ احداث الرواية بشراء الوزير الامريكي المفوض في البلاط الانجليزي، هيرام ب. اوتيس، لقصر كانترفيل، رغم اعلام صاحبه له بانه قصر مسكون بشبح كانترفيل، الذي قتل زوجته في زمن غابر، وتحول إلى شبح يتسبب بمقتل آخرين. الوزير الامريكي يشتري القصر ويقيم فيه مع عائلته ضاربًا بكلام صاحبه، عن وجود شبح فيه، عرض الحائط، كونه لا يؤمن بالخرافات والاشباح، وتشاركه زوجته وابناؤه افكاره هذه.

بعد ان يرى ابناء العائلة اثر الشبح في بقعة يعتقدون انه بإمكانهم ازالتها، يظهر الشبح في الليل للوزير، الذي يشفق عليه فيحاول ان يقدّم اليه الدواء ليشفي عينيه المرهقتين، ويختفي الشبح بعدها، ليزيل ابناء العائلة البقعة المذكرة، ولتعود لتظهر في صبيحة اليوم التالي وكأنما شيئًا لم يحدث. يظهر الشبح بعدها لأبناء العائلة الأمريكية تباعًا، ويعيش قارئ الرواية لحظات مستطرفة بصحبة الشبح، تكشف عن وجهه الانساني الضعيف، وتنتهي الرواية بأن يصطحب الشبح فرجينيا ابنة الوزير ولتقنعه هذه بدورها، بجانبه الانساني التائه، وهنا يعود الشبح إلى طبيعته على ما يبدو، ليختفي ويموت، وهكذا تعود الحياة إلى القصر لتستأنف سيرورتها المفقودة منذ ردح بعيد من الزمن.

الصورة التي تقدمها هذه الرواية للشبح، كما يرى بعض النقاد، لا تختلف كثيرًا عن تلك التي صورها الكتاب الانجليز في فترة كتابتها، إلا أنها واقعيًا تختلف في الجوهر، فهي تنطلق بالأساس من فكرة فلسفية ارادت على ما يبدو ان تسلّط الضوء على التعارض بين العقلية الامريكية "البرجماتية" للغيب، والرؤية الانجليزية المختلفة. يؤكد هذا ان الرواية تحفل بالحس الساخر، وتناقش قضية الشبح ووجوده بعمق يلامس حفاف الفكر الفلسفي.

كما يؤكد هذا، ان مؤلف هذه الرواية، اوسكار وايلد، عُرف بميوله السياسية الفلسفية، التي ستظهر فيما يلي، في العديد من الاعمال الادبية الروائية والمسرحية التي سينشغل بها العالم والناس منذ بداياتها الاولى حتى ايامنا هذه.

ملاحظة: اود ان الفت النظر إلى انني عندما اتحدث عن اثر اجنبي مترجم، ارمي بالأساس الى امرين، احدهما فتح النافذة على العالم، لنرى ما فيه من ثراء وجمال، والاخرى الاشارة إلى عمل ابداعي تمت ترجمته إلى لغتنا العربية، او وضع باللغة العربية، التي انتمي اليها واعتز بها، وارى انها احد الاسس الهامة في مكونات وجودنا، واشدد على ان معرفة الذات لا تنفي معرفة الآخر بقدر ما تؤكدها.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5491 المصادف: 2021-09-17 04:10:21


Share on Myspace