 أقلام ثقافية

ضياء نافع: بين غوغول وفيصل لعيبي

ضياء نافعهناك قصة طويلة عند غوغول نشرها في روسيا عنوانها (بورتريه)، ويترجمونها الى العربية بعنوان (اللوحة) او (الصورة)، وهي ترجمة صحيحة طبعا، اذ ان البورتريه تعني لوحة فنية لشخص ما، ولكن أغرب ما في ذلك النتاج الفني عند غوغول يكمن في ان الشخص المرسوم فيها يخرج حيّا من اطار تلك اللوحة ويتفاعل مع صاحب اللوحة ومشاكله في مسيرة حياته، وهي قصة فلسفية ورمزية عميقة جدا، الا اننا لا نهدف الى الحديث هنا عن جوانبها الفكرية، وانما نتوقف فقط عند حدثها الجوهري ليس الا، وهناك   لوحة جميلة رسمها الفنان التشكيلي العراقي المعاصر فيصل لعيبي لبائع فواكه عراقي، ولا يوجد اي رابط  بتاتا (لا من قريب ولا من بعيد) بين قصة غوغول في القرن التاسع عشر ولوحة الفنان العراقي في القرن الحادي والعشرين، ومن المؤكّد، ان غوغول لم يكن يفكّر ابدا بظهور فنان تشكيلي عراقي بعد قرنين من الزمان اسمه فيصل لعيبي، ومن المؤكّد ايضا، ان فيصل لعيبي لم يكن يتصوّر عندما رسم لوحته عن بائع الفواكه العراقي، ان مجموعة من العراقيين سيتحدثون يوما عن هذا البائع ويقارنونها بحدث من احداث ابداع غوغول، الا ان الخيال شطح بنا (ويعرف الخياليّون معنى ذلك !)، عندما كنّا نتأمّل صورا جميلة لمعرض فيصل لعيبي الاخير في الدوحه (الذي افتتح في تشرين الثاني / نوفمبر 2021)، حيث تم عرض لوحة مدهشة الجمال لبائع الفواكه العراقي وهو يرتدي  الجرّاوية والتي كانت نظيفة جدا، لأنه استعارها من ملك لكش نفسه بلحمه ودمه،  وكان يدخن النركيلة بهدوء وسكينة، وكأنه جالس باسترخاء في مقهى الزهاوي، فاشتهى أحدنا نوعا من انواع الفاكهة المرسومة بمهارة فنيّة عالية جدا في تلك اللوحة، وقال بحسرة – آه لو أستطيع ان (ألتهما الآن !)، فعلّق زميل آخر قائلا، ان بطل البورتريه عند غوغول قد خرج من اللوحة وأصبح عضوا فعّالا في المجتمع، وربما يمكن لك ان (تلتهم !) تلك الفاكهة، عندما تخرج هذه الفواكه من لوحة فيصل لعيبي وتصبح صالحة (للألتهام !)، كما حدث في لوحة غوغول . ضحكنا جميعا على هذا التعليق الغريب وغير الاعتيادي وغير المتوقع بتاتا، وهكذا بدأت حكاية هذه المقالة، او بالاحرى، الدردشة حول ذلك  التعليق (الواقعو – خيالي !!!) حسب سيل المصطلحات الجديدة لنقاد ما بعد الحداثة في الفنون والآداب.

قال ذاك الذي اشتهى الفاكهة، كيف استطاع غوغول ان يرسم هذا الخيال الغريب وهو (ابو الواقعية الانتقادية) كما أكّد لي مرارا وتكرارا الناقد الادبي العراقي المعروف فلان الفلاني؟ فأجاب الثاني موضّحا، لا تناقض بتاتا في ذلك، فأبو الواقعية الانتقادية كتب عن افكاره الموجودة في اعماق روحه، اي انه كتب عن (واقعيته) الموجودة في رأسه وعقله، لأنه (ابو الواقعية) . اعترض الثالث وقال، كيف يمكن اعتبار غوغول واقعيا، وهو يتحدّث عن شخص يخرج  من اللوحة ويبدأ بتقديم النصائح لصاحب اللوحة وحتى يمنحه النقود، ان غوغول – في رأيّ - هو (ابو الخيال)، وليس (ابو الواقعية)، وأضاف ضاحكا - الا اذا كانت لديه زوجتين اثنتين، واحدة ولدت له (واقعية) والثانية ولدت له (خيال)؟ فأيّد الاول (الذي اشتهى الفواكه وهو يتأمّل لوحة فيصل لعيبي) هذا الرأي، وقال – طبعا، طبعا، غوغول ليس واقعيا بالمرّة، وحتى نتاجاته،  التي يسمونها (واقعية) مليئة بخيال غريب جدا، اذ كيف يمكن، مثلا، لحلاق ان يجد أنف زبون له في قطعة الخبز؟  فسأل الثالث، وهل فيصل لعيبي واقعي وهو يرسم هذا البائع مرتديا جراويّة ملك لكش ويدخن النركيلة، ولا يهتم بتاتا بمن يريد شراء الفواكه؟ حتى (ابن كنّو) بسوق الامانة في بغداد لم يعمل ذلك مع ان نوري السعيد نفسه كان زبونه. ضحك الجميع، وعلّق أحدهم قائلا – طبعا لم يعمل ابن كنّو ذلك، لأن نوري السعيد كان يشتري (بالدين على راس الشهر)، ولهذا كان ابن كنّو حذرا منه، لأنه يعرف ألآعيب السياسيين العراقيين وأفعالهم، فقال الرابع، اتركوا السياسة رجاء ايها العراقيون النجباء، ودعونا نستمر بالحديث الممتع هذا عن غوغول وفيصل لعيبي، فهو موضوع جديد وطريف جدا بالنسبة لي، واريد ان أقول، بأني اؤيد ايضا رأي زميلي، بأن فيصل لعيبي ليس واقعيا، واود ان اضيف، اني معجب جدا بلوحة من لوحات هذا الفنان التشكيلي، ولا اذكر عنوانها، ولكنها تصوّر بغداد بألوان زاهية، حيث مزج فيها سينما روكسي وشربت زبيب حجي زباله وكعك السيد وسيارة ذات طابقين لمصلحة نقل الركاب مليئة بركاب عراقيين يمثلون كل طبقات مجتمعنا وكان هناك ايضا في تلك اللوحة مظاهرات الشعب وشعاراتها في الشارع، واعطانا فيصل لعيبي لوحة خيالية في غاية الجمال بمزجه الفنتازي الغريب لكل هذه العناصر، وكلها عناصر واقعية، اي انه مزج عناصر واقعية محددة، وخلق لوحة فنية خيالية تجسّد افكاره، لوحة خيالية مفهومة للمشاهد رغم كل خيالها الغريب، فعلق الآخر صارخا، نعم، نعم، هذا الكلام ينطبق فعلا على اسلوب غوغول يا جماعة، فغوغول ايضا يمزج عناصر واقعية مع بعضها البعض ويرسم لوحة خيالية مدهشة الجمال، ولكن اساسها يبقى واقعيا .

قلنا لبعضنا، لنتوقف عن هذه الدردشة، ولنبعث للفنان المبدع فيصل لعيبي شكرنا الجزيل لأنه يمنحنا الجمال في عصرنا القبيح.

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5571 المصادف: 2021-12-06 01:06:28


Share on Myspace