ضياء نافععنوان القصة مثير جدا للقارئ الروسي، وغير الروسي ايضا، اذ ان القارئ (اي قارئ) يتوقع ان يجد هناك (احداثا ذات نكهة باريسيّة طريفة !)، والاحداث الباريسية دائما (تثير!) الخيال ضمن الأجواء الذاتية، والخيال الباريسي يعطّ طبعا بكل تلك المغامرات، وهو (اي الخيال) مثل النفس (الامّارة بالسوء!)، رغم ان هذا السوء (جميل ورومانتيكي !!!)، الا ان قصة تشيخوف القصيرة (الى باريس) لا تتضمن ابدا احداثا باريسية ورومانتيكية من هذا القبيل لا من قريب ولا من بعيد، بل هي قصة ترسم صورة ساخرة (وقاتمة ومؤلمة جدا في نفس الوقت، ولكن ليس بشكل مباشر وصريح) للواقع الروسي المرير آنذاك ليس الا (وهو واقع لم يتغيّر كثيرا بمسيرة الزمن، ولازالت سماته وخصائصه واضحة المعالم الى يومنا الحالي)، وفي هذه النقطة بالذات تكمن روعة تشيخوف، وسرّ ديمومة ابداعاته الفنية لحد الآن في روسيا اولا، وخارج روسيا ايضا، بما فيها عالمنا العربي طبعا، وهذا ما نحاول الكلام عنه بايجاز في سطور مقالتنا هذه عن قصة تشيخوف القصيرة – (الى باريس).

نشر تشيخوف قصته – (الى باريس) عام 1886، وكان عمره حينئذ 26 سنة ليس الا، وقد تخرّج لتوّه في كلية الطب بجامعة موسكو . لم ينشر تشيخوف هذه القصة باسمه الصريح، بل باسم مستعار هو (تشيخونتيه)، وقد ظهرت القصة في مجلة روسية فكاهية من الدرجة الثانية (ان صح التعبير) اسمها (اسكولكي) اي (الشظايا)، والتي أطلق عليها أحد الطلبة العراقيين المرحين في كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين تسمية عراقية طريفة جدا، وهي  - (واحدة من المجلات القرندلية في الامبراطورية الروسية !) .

ترتبط هذه القصة بحدثين تاريخيين محددين، الحدث الاول روسي بحت، والثاني عالمي بحت، وهذا شئ نادر جدا جدا في مسيرة تشيخوف وابداعه، اذ ان نتاجاته عموما تتناول عادة احداثا اعتيادية جدا، والتي تجري في مسيرة الحياة الانسانية اليومية بغض النظر حتى عن الانتماء القومي للانسان . الحدث الروسي في تلك القصة هو ما اعلنه عضو الاكاديمية الروسية (غروت) حول كتابة بعض الحروف باللغة الروسية ، هذا الاعلان الذي أثار ضجة وردود فعل مختلفة في الاوساط الروسية، وكان تشيخوف (ومعظم المثقفين الروس آنذاك) ضد ذلك الاعلان، اما الحدث العالمي، فهو افتتاح المعهد الخاص بعلاج داء الكلب في باريس، والذي يرتبط باسم العالم الفرنسي الشهير لوي باستور . لقد ذكر تشيخوف هذين الحدثين باسلوب غير مباشر(و دون ان يركّز عليهما بشكل خاص)، ولكنه مع ذلك، أشار اليهما معا في قصته المشار اليها في هذه المقالة، دون ان يلاحظ القارئ الاعتيادي حتى تلك الاشارة الدقيقة، ولا زالت قصة تشيخوف هذه تذكّر القارئ الروسي بهذين الحدثين، رغم ان من المفروض ان يكون الامر عكس ذلك تماما، وفي هذه النقطة طبعا يكمن دور الفن واهميته في مسيرة المجتمع الروسي وغير الروسي ايضا .

مضمون القصة بسيط جدا (مثل معظم نتاجات تشيخوف)، فهناك اثنان يعودان الى البيت ذات مساء وهما في حالة سكر، احدهما معلم، وكان يتحدث لصديقه بشكل تفصيلي عن كيفية كتابة نهاية الاسماء في حالة المضاف اليه حسب المقترحات الجديدة لكتابة حروف الهجاء الروسية، وكان الثاني لا يستمع لهذا الحديث، لانه كان مشغولا بمراقبة مجموعة كلاب تعوي في الشارع، واراد ان يطردها، فعضوا اصبعه، وكذلك مؤخرة المعلم نفسه، وفي اليوم التالي نصحهم أحد معارفهم ان يعالجوا انفسهم من عضة الكلب في باريس بالمعهد الخاص بداء الكلب، وهكذا قررا السفر بالقطار الى باريس، ولكن شاهدوا احدهم وقد رجع بعد يوم فقط، وأخبرهم، انهما توقفا في مدينة كورسك، ووجدا ان المطعم غالي، فذهبا الى مكان ارخص، وهناك شربا حتى الثمالة، ونفذت نقودهما، وهكذا رجع الاول الى البيت، كي يرسل للثاني نقودا ليرجع هو ايضا الى البيت.  وهذا كل مضمون تلك القصة .

قال تشيخوف مرّة، انه يكتب (للقارئ الذكي)، الذي (تكفيه الاشارة !) كما يؤكد مثلنا المعروف، وقد اطلعت على تعليقات أحد القراء  حول هذه القصة، ومن الواضح انه ليس ضمن القراء الاذكياء(ولا ارغب ان اسميّه بشكل آخر !)، ويقول هذا القارئ، ان القصة (التي تقع بصفحتين !) لا تستحق القراءة بتاتا، لانها ترسم صورة لاثنين من التافهين، وان الحياة بالنسبة لهما تكمن بالادمان على الكحول ليس الا، وتذكرت قول مكسيم غوركي، الذي كتب ما معناه، ان التفاهة في المجتمع هي العدو الاكبر لابداع تشيخوف .

قصة تشيخوف (التي تقع بصفحتين !) ترسم لنا التفاهة فعلا، وتجعلنا نضحك عليها، والضحك هو شجب للتفاهة، قصة تشيخوف  تجعلنا (نضحك!) على التفاهة، وتجعلنا في نفس الوقت (نلطم !) ايضا، لان التفاهة موجودة في حياتنا اليومية ......

 

أ.د. ضياء نافع

 

فيصل عبدالوهابجرت مناقشة رسالة الماجستير بالأدب الانكليزي المعنونة "أحداث الحادي عشر من أيلول لدى الشعراء الأمريكيين المعاصرين" للباحثة زينة يونس خلف في كلية التربية للبنات\جامعة تكريت في 13\10\2021. وقد ابتدأت المناقشة د. ردينة عبد الرزاق بالقول أن الرسالة تحتوي على موضوع واسع يتناول مسائل سياسية واجتماعية وتاريخية  ويحتاج إلى جهد كبير كالذي قامت به الباحثة في هذه الرسالة. وانتقدت ملخص الرسالة كونه ضعيفا ولا يشتمل على شروط كتابته. وانتقدت المقدمة كذلك لطولها واحتوائها على موضوع سياسي فقط. كذلك انتقدت الباحثة لأنها لم تبد رأيا في الرسالة ومع أي اتجاه تقف. وهي تقصد بذلك الاتجاه الذي يقول بأن أحداث الحادي عشر من أيلول سنة 2001 سببتها جماعة إرهابية حسب الرواية الرسمية للحكومة الأمريكية آنذاك، والاتجاه الآخر الذي يدعى بنظرية المؤامرة والذي يقول أن الأحداث وقعت بعلم الحكومة الأمريكية أو أنها سمحت بوقوعها لتنفيذ مخططاتها في احتلال أفغانستان والعراق. وقالت أنه باعتبارنا عربا ومسلمين ينبغي أن نساند اتجاه الشاعر أميري بركة الذي يؤمن بنظرية المؤامرة لأنها تمثل وجهة نظرنا أيضا كما ينبغي على الباحثة أن تركز على هذا الشاعر لا أن تعده مساويا للشعراء الآخرين.

وأشادت الأستاذة انتصار رشيد بلغة البحث والانتقال المرن من فقرة إلى فقرة في الكتابة، كما أن كمية المقتبسات كانت بقدر مناسب ولكنها اعترضت على صيغة العنوان واقترحت أن يكون "حادثة الحادي عشر من أيلول في أعمال الشعراء الأمريكيين المعاصرين" وليس "لدى الشعراء الأمريكيين المعاصرين". كما اقترحت أن تضاف كلمة "جدلي" على العنوان باعتبار أن هناك وجهتي نظر متقابلتين أو جدليتين في الدراسة. واعترضت أيضا على المقدمة الطويلة لأنها احتوت على سرد تاريخي للمؤامرات السياسية في العالم لفترة طويلة. ثم سألت الباحثة عن ماهية المفاهيم التي تعزز فكرتها عن نظرية المؤامرة ومنهم هؤلاء الذين نظّروا لهذه النظرية؟  واعترضت الأستاذة انتصار رشيد على كون الدراسة في معظمها تشكل دراسة سياسية وليست أدبية. وقالت أنها تفضل لو كانت الدراسة عن "تروما" أو الصدمة التي سببتها أحداث الحادي عشر من أيلول وانعكاسها في الشعر الأمريكي المعاصر أو دراسة "البارانويا" أو "الشعور بالاضطهاد" وأثرها في تشكيل نظرية المؤامرة في الشعر الأمريكي المعاصر.

كما اقترحت د. أنسام رياض، رئيس اللجنة، على الباحثة أنها لو درست تلك الأحداث ضمن مفهوم أدب ما بعد الحداثة أو تثبيت عبارة دراسة مضامين أو أفكار في العنوان على الأقل. وقالت ان العنوان يخلو من المنهج. واتفقت مع ما قالته الأستاذة انتصار في أنه ينبغي أن تدرس الأحداث كفكرة مؤامرة وليس نظرية. وقالت أيضا انه كان على الباحثة أن تعتمد المصادر الأدبية وليس السياسية في دراسة الموضوع. ثم كررت ما قالته الأستاذتان قبلها بخصوص التساؤل عن السبب في عدم ابداء الباحثة لرأيها في مساندة أي من الاتجاهين. وقالت نحن متهمون كعرب ومسلمين بالإرهاب من قبل الغرب فينبغي على الباحثة أن تدفع عنا هذه التهمة في هذه الدراسة.

ثم اختتمت الجلسة بملاحظات المشرف على الرسالة وهو كاتب هذه السطور حيث قال أنه ينبغي أن تكون الدراسة الأكاديمية موضوعية تدرس وجهات النظر المختلفة دون الانحياز إلى أي منها مثلما يحصل في المقالات أو الدراسات السياسية المحضة. كما أن الشاعر أميري بركة يعبر ضمنيا عما نحسه كعرب ومسلمين، باعتباره مسلما، عن الأحداث التي ساهمت بها أيادٍ خفية. وقال أيضا أن الدراسة ليست سياسية أصلا وإنما هي دراسة كيفية انعكاس أحداث الحادي عشر من أيلول في الشعر الأمريكي المعاصر أو كيفية تناول هؤلاء الشعراء للأحداث في شعرهم. كما أن مصطلح "نظرية المؤامرة" لا وجود له أصلا بمعنى "النظرية" بمفهومها العلمي وإنما هو مصطلح جرى استخدامه مجازا، وبهذا فإن عناصر المؤامرة متوفرة وأوردتها الاقتباسات في الرسالة كدرجة حرارة انصهار معدن هيكل البناية المستهدفة والتي لا يمكن الوصول إليها بالطريقة التي اتبعت في الهجوم وسقوط البناية بشكل رأسي أو عمودي وليس على أحد الجوانب والمتفجرات التي وضعت في أسفل البناية والمصورين الجاهزين للتصوير قبل الحادثة والسكان اليهود الذين منحوا إجازة في يوم الحادثة. أما عن المقترحات التي طرحتها الأستاذات فقال أنه لا ينبغي أن نقترح دراسة أخرى للباحثة وإنما ربما تصلح كمقترحات لدراسات أخرى يتبناها الباحثون الآخرون.

 

د. فيصل عبد الوهاب

 

نبيل عرابيعندما يسمو الإنسان فوق شرطه المادّي الذي لا يمكن له أن ينفصل عنه دون أن يفنى، يصعد في مراقي الروح ويكتشف عوالم أين منها عالم التراب اللاصق به. تصفو نفسه وتتفتّح له الآفاق ويدرك ببصيرته ما لا يراه ببصره.*

مهما كنتَ متمرّساً في الكتابة، أيّاً كان نوعها، فإنّكَ ستشعر أحياناً كثيرة بأنّكَ بحاجة إلى وميضٍ ما، أو كلمةٍ ما تكونُ مفتاحاً أو مُفتتحاً لسيلٍ يتدفّق من الحبر، راسماً أشكالاً متفاوتة التعرّجات والاستقامات والإنحناءات تتراصفُ فوق أسطرٍ وهمية حيناً، ومُتخيّلةٍ حيناً آخر، تحملُ أثقالاً من المعاني والتأويلات المشعّة، كانعكاس رسائل الشمس فوق ماء راكد، أو غائرة بدرجات متفاوتة  كمحطّات الانتظار عند كلّ توقّف لقطارٍ ما، انطلق برحلة محدّدة لكنّه لا يستطيع أن يُدرك سلفاً ما ستدوّنه صفحات السجلّات الموَثِّقة ما بين كلّ إقلاع وعودة.

وعندما تقع عيناك على ضالّتك.. لن تضيّع الوقت في رفع الصوت عالياً: "وجدتها..وجدتها"، بل ستسارع إلى الإنصياع لأمر دماغي إبداعي صدر بسرعة الضوء، فإذا بكلّ كيانك ينفصل بشكل أثيريّ عمّا حولك، فتنهمك في تنفيذ الأمر ، دون أن تَرِدَ في مُعجم ذهنك عبارة: "ثم اعترض"، لأن الحوار الداخليّ سيكون قد بدأ بالتداعي طليقاً، وبثّ الإشارات المتتالية قد سلك الموجة غير المرئية بنسبة عالية من النقاء، وأما تفاصيل الوجه فهي ترجمة فورية لكلّ حركات اليراع المتواترة، المتأثّرة بالخلايا الحيّة التي تتدافع سريعاً، فتختلط بالمداد المتقطّر، وتمتزج بأدقّ تفاصيل البوح والاعتراف، على امتداد مساحة محدودة الأطراف والزوايا بالعرف الرياضي المتداول، لكنّها أبعد من تلويحة أفق، وأطول من جذع نخلة تقاوم الريح بانحناء طوعي، كلّما ناءت بحِملها ثماراً وسنواتٍ عجافا.

 

نبيل عرابي

......................

* هيا طارق زيادة، مقطع من مقدمة ديوانها (أحمل في أوراقي الدعاء)، دار الجديد، بيروت، لبنان، 1999.

سناء ابوشرارللسعادة معنى واحد

وللألم معاني كثيرة

السعادة تلميذة

والألم معلم قدير

لو كان لنا الخيار بين الألم والسعادة لاخترنا جميعاً السعادة، لو كان لنا الخيار بين أن نتعلم الكثير على يد الألم المعلم القدير أو نمشي بمتعة مع التلميذة المرحة لاخترنا جميعاً أن نمشي مع هذه الطفلة المدللة.

ولكننا وحين نواجه الحقائق ندرك أن الألم هو من يكشف خفايا الأشياء والأشخاص ويكشف كذلك ما تعاني منه أجسادنا وعقولنا وأرواحنا، هذا المعلم الكبير لا يمر بحياتنا دون هدف ولا معنى، ويأتي دائماً في الوقت المناسب بالنسبة له لا بالنسبة لنا؛ وحين ندرك ونفكر عميقاً بحكمة الله تعلى في الابتلاء فلابد لنا من احترام هذا الألم لأنه لم يأتِ إلينا فقط ليجعلنا نعاني وتصبح الحياة معه لا تُطاق، هذا المعلم لا يهتم بما نشعر به من ألم بل يهتم بما سيعلمه لنا، وإن كنا سنستمع لما يقوله لنا.

تمضي السنوات ونتمتع بصحة جيدة وحين يأتي المرض نغضب ونتذمر ولا نتحمل الألم الذي يحمله المرض وننسى وبسرعة أننا تمتعنا ولسنوات بالصحة والحركة والحيوية، فيأتي الألم ليُذكرنا بنعمة الصحة التي نسيناها مع طول العافية. نعيش مع من نحب سنوات من السعادة ثم تتسلل الخيانة أو الشك أو الغضب أو الملل ليُفسد تلك الشبكة الوردية التي تمددنا بين خيوطها بأمن معتقدين أنها ستدوم إلى الأبد، فيأتي الألم ليقول لنا أنه لا شيء يدوم وأن كل ما حولنا يتغير حتى ذواتنا.

نمنح الثقة للآخرين ونعطيهم كل أسرارنا معتقدين أنهم خزنة حصينة وعصية على الفتح ولكنها قد تفتح دون كسر، فننصدم بالخيانة ونغضب لأن الألم أزاح تلك الستارة الكثيفة التي منعتنا عن رؤية حقيقة الآخر، فمنا من يبكي ومنا من يشتم ومنا من يحقد والقلة القليلة فقط من ينظر عبر النافذة ويشكر لأن الستارة الداكنة فُتحت وانكشف ما خلفها.

أحياناً كثيرة يقبع خلف السعادة الوهم، وأحياناً كثيرة يقبع خلف الوجوه المبتسمة الحقد والحسد وأحياناً كثيراً يقبع خلف الثراء اللؤم، فالسعادة في أحوال كثيرة مُضللة لأنه جزء من شعورنا بها وحاجتنا إليها هو إغفال الحقيقة والحياة مع الوهم، فالإنسان بطبيعته يقبل أن يحتال حتى على نفسه لأجل شيء من السعادة، وهو ما يبرر بجزء ما الإدمان على أشياء ضارة في الحياة.

لكن الألم لا يمكن أن يلبس القناع، فهو صادق، مجرد وبريء، لأنه يأتي كما هو بلا احتيال ودون مواربة ويجبرنا على التعامل معه بصدق لأننا لا نحتاج له، بل هو أكثر ما لا نريد في هذه الحياة. ولكن لكي نفهم الألم لابد أن نسأل من تعرضوا له لفتراتٍ ما من حياتهم وأي الدروس تعلموا من هذا الألم سواء جسدي أو معنوي وسوف يقولون لنا ولو بعد سنوات أن أفضل ما حدث لهم هو هذا الألم لأنهم تعلموا الكثير منه وأنه كشفوا الكثير معه.

بالطبع لا يتمنى أحد منا أن يعيش الألم ونتمنى جميعاً أن نحيا حياة سعيدة، ولكن من المهم أن يكون هناك زاوية ما في صدورنا تتقبل الألم إن أتى، لابد أن نستقبل هذا المعلم القدير بما يليق به من الاحترام، وأن الله تعالى بحكمته العليا لم يرسله عبثاً؛ واحترام الألم هو الصبر على هذا العطاء، فحتى إن لم نستقبله بما يستحق من التقدير والصبر لن يدوم فقط بل سيكون أكثر صعوبةً وأبعد من أن يزول. الألم يقودنا نحو الحقيقة، الألم يُسقط جميع الأقنعة، الألم دائماً بداية لشيء جديد في الحياة لأن ما كان لم يعد صالحاً للاستمرار، الألم يُجبرك على الاعتناء بجسدك، يجعلك ترى الحياة بطرق متنوعة ويعطيك عشرات الخيارات بدل الخيار الوحيد مع السعادة، وأعظم ما في الألم أنه يجعلنا نعرف القيمة الحقيقية للسعادة التي قد تتحول لروتين مع طول مدتها فلا نقدر ما نمتلك ولا الأشخاص الذين نعيش معهم، حتى ان الشعوب التي عانت من الألم هي الشعوب التي ازدهرت بعد تلك المعاناة.

لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:

" إن عِظَمَ الجزاء مع عِظَمَ البلاء، وإن الله عز وجل إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضيَ فله الرضى، ومن سخطَ فله السُخطُ".

 

د. سناء أبو شرار

  

ثامر الحاج امينالموروث الشعبي ثروة كبيرة من الآداب والفنون والقيم والعادات والتقاليد والمعتقدات والمعارف الشعبية الذي يقوم المخيال الجمعي بحفظه وتسويقه من جيل الى آخر عبر التداول الشفاهي للحكايات او عن طريق توظيفه الفني، ويعتبر الموروث الشعبي جزءا هاما من الهوية الوطنية لأي شعب ويستحوذ على مساحة ليست بالقليلة من تاريخ وثقافة الشعوب، فذاكرة المدن زاخرة بالحكايات والمعتقدات الشعبية والطقوس الفلكلورية ومنها مدينة الديوانية التي لا تختلف عن سواها من المدن في هذا الحقل الانساني فقد شهدنا وعشنا في ستينيات القرن الماضي جانباً من طقوسها الفلكلورية ومنها أحياء يوماً اطلقوا عليه  (الشنبه سوري) حيث حرصت شريحة واسعة من الديوانيين على التجمع في هذا اليوم عند مقام النبي ايوب ــ الذي يتوسط منطقة (أهل الشط) ــ في جو من المحبة والفرح تسوده الإلفة والمشاركة الشعبية العفوية ويزدان المكان بالبالونات الملونة وتنطلق عاليا أصوات المزامير والدبكات الشعبية ممزوجة بنداءات الباعة وعرباتهم المزينة بالدمى والاشرطة الزاهية اضافة الى ضحكات الصبيان وهي تتقافز فوق ألسنة النيران حيث تصبح أجواء هذا الكرنفال الشعبي اشبه بيوم المولد عند الأخوة المصريين . والغريب ان السلطة الحاكمة أنذاك لم تمنع او تتدخل في اقامة هذا الكرنفال الذي يكون اشعال النيران فيه واحدة من أبرز طقوسه بالرغم من جذوره الفارسية، اذ يحتفل الايرانيون بيوم الأربعاء الأخير من السنة الفارسية ويطلقون عليه (جهار شنبه سوري ) الذي يعتبر احد الايام المقدسة عند الفرس حيث يمثل وداع آخر شمس في السنة الشمسية واعلان قدوم الربيع، ففي هذا اليوم يتوجه الايرانيون الى اشعال النيران في الحدائق وفي الريف والشوارع والقفز فوقها، وترمز هذه الحركة لسحب كل ما هو سلبي من جسد المرء وروحه الى اللهب ونيل الدفء والنور بدلا منه، والطريف ان " فرح ديبا " زوجة الرئيس الايراني الأسبق محمد رضا بهلوي واثناء وجودها في المنفى بعد الاطاحة بحكومة زوجها عام 1979 تشير في مذكراتها الى انها في مثل هذا اليوم من كل عام حريصة على اشعال شمعة والقفز فوقها حيث تَعتبر هذا التقليد جزءا من هويتها، ومن الطبيعي ان تشترك المجتمعات المتجاورة بعدد غير قليل من العادات والتقاليد والطقوس، وذلك بفعل الاحتكاك الاجتماعي والثقافي والتجاري الذي تفرضه حاجات اقتصادية وجغرافية و عوامل اخرى.

 

ثامر الحاج امين

عمار عبدالكريم البغداديشهرزاد: هل تعتقد أن الحماس الذي يثيره رجل ناجح كفيل بتغيير مصائر الناس،أو تبديل مسارات حياتهم،او على اقل تقدير تغيير مرارة الفشل بحلاوة الإنتصار؟

شهريار: ان تلك الكلمات الصحيحة الطيبة، المُثنية على أسباب النجاح، الداعمة لمعاني الإصلاح، لم تكن مجرد كلمة مثيرة للحماس، فهي،كما عرفنا آنفا، حصيلة استحضار للنورانية ولطاقة المحبة، وتغيير إيجابي في تصوراتنا عن الآخرين، ومصارحة للذات وتغيير للقناعات السلبية البالية، وإصلاح للنفس ومانتج عنه بالمثابرة من إبتسامة صادقة، مع مراعاة تنوع المفاهيم المترسخة في عقول الناس، ثم جاءت الكلمة الهادفة المعبرة عن ذات طموحة قادرة على زرع السعادة في قلوب الناس،فكيف لا تكون ذات تاثير سحري يبدل الأحوال الى أحسن حال ؟ .

الشواهد في حياة كل واحد منا كثيرة، وربما نغفل عن أسباب تغيّر عجيب في سلوك أحد أفراد الأسرة، أو صديق عزيز، أو قريب حميم، أو حبيب في القلب مقيم، ونعجب كل العجب،ونتساءل كل يوم:كيف أصبح ذلك الإنسان في غاية النشاط بعد أن كان خاملا؟ !، وكيف أمسى فلان مفعما بالإرادة بعد ان كان كسولا ؟ !، وكيف أضحى زيد شجاعا جريئا بعد ان كان خجولا ؟ !، وكيف تحول عَمْر الى كاتب بارع بعد أن كان طالبا فاشلا ؟ !.

ولو بحثنا عن الأسباب لوجدنا الغالبية العظمى من تلك التحولات نتيجة لكلمات طيبات بالغات الأثر جعلت ما كان بالأمس محالا واقعا ملموسا .

ولنأخذ شهادة أحد المشاهير كدليل عملي، فقد كتب بوب غرين الصحفي المعروف في جريدة (Chicago tribune): إن الكلمات الإيجابيات يمكن أن يكون لها تأثير بالغ قد يستمر مدى الحياة، ويخبرنا عن كاتب محترف كان خجولا،ويفتقر الى الثقة في طفولته، لكن شيئا ما حدث في درس اللغة الإنجليزية بالمدرسة الثانوية غيّر مجرى حياته .

كانت المعلمة تطلب من الفصل من وقت الى آخر كتابة موضوع إنشاء،وكاتبنا لا يتذكر ماهي الدرجات التي كانت تعطيها له، لكنه يتذكر بالفعل الكلمات الأربع التي تكتبها (أسلوب جميل في الكتابة ) .

أحب الكاتب في شبابه الكتابة والتأليف، وكثير ماكان يحلم بتأليف قصة قصيرة ، لكن الثقة تنقصه حتى جاء ذلك اليوم، فملاحظة معلمته البسيطة هذه جعلته يفكر بشكل مختلف في قدراته وإمكانياته، وكانت هذه نقطة البداية للنجاح في عالم الكتابة والتأليف، والى يومنا هذا يعتقد الكاتب، أنه: لولا تلك الكلمات الأربع التي تكتبها المعلمة في هامش الصفحة لما حقق هذا النجاح .

شهرزاد: ربما يكون ذلك ناجحا على المستوى الفردي لكنك تتحدث عن كلمات تغير مصائر شعب كامل!.

شهريار: ولِمَ العجب ؟ ألم تكن الكلمات الخالدة لـ(ونستون تشرشل) في الحرب العالمية الثانية سببا في تحويل هزيمة بريطانيا الى نصر ساحق على هتلر؟، لقد أثبت رئيس الحكومة البريطانية قدرته الفريدة على دفع اللغة الإنجليزية الى ساحة المعركة،واستنهاض إرداة الشعب الى أقصاها حين دعا كل البريطانيين الى،أن" يجعلوا تلك الساعة أجمل ساعة في حياتهم ".. انها ساعة النصر او الموت بكرامة .

إنها كلمات تشحن العواطف وتصنع الأفعال العظيمة، وتغيّر مصائر الشعوب، هاهو باتريك هنري يقف أمام المندوبين ليقول " لست أعرف السبيل الذي يتخذه الآخرون،أمّا بالنسبة لي فاعطني الحرية او الموت "، لقد كان لتلك الكلمات وقع الهشيم في حاويات الوقود لتتفجر حرب الإستقلال الأميركية .

شهرزاد:لكن ألا تتفق معي على وجود كلمات مدمرات في المقابل؟، لاسيما اذا انسابت الى الصدور بمكر كسم الأفعى ترتجف منه القلوب والأبدان .

شهريار: هو ذاك ..فمهما حصرنا دائرة الإهتمام بمقربين،وزدنا من قدرتنا على التاثير، فأننا نتأثر بطبيعة الحال حينما يمتلك الماكر،أوالحقود،أو الحسود اسلوبا زئبقيا ينفذ منه الى قرارة نفوسنا ليصيب وترا حساسا،أو عمقا لا واعيا يخزن تلك الكلمات المسمومات، فتنعكس على سلوكنا وأفكارنا وحتى مصائرنا .

وربما تسألينني ياشهرزاد عن الحل لتجنب خزن الرسائل السلبية،والعبارات النابية، والقاذورات الفكرية،وإنني على يقين بأن مقياس( الألم، واللذة ) جدير بالحفاظ على نظافة مدخلاتنا بأكبر قدر ممكن، فمهما كانت الأساليب الملتوية والماكرة ذات قدرة على النفاذ، فإن مجرد الإحساس بالألم كفيل بجعل الأذن اليمنى طريقا للكلام السلبي قبل خروجه من اليسرى، أمّا مايشعرنا باللذة فهو محفز لأوامر صادرة من المخ بخزن المفردات الإيجابية في عقلنا اللاواعي،وظهورها في حديثنا اليوم وتأثيرها الى سلوكياتنا وأفكارنا النيّرة .

ولا أدعي إن مقياس (الألم واللذة) متساوٍ عند جميع الناس، لكن على قدر النورانية ونقاء السريرة نميّز بين الطيب والخبيث، فنمسك بالأول ونقذف بالثاني خارج فضاءاتنا.

وقد يزيد الطرح السلس الفعال للمؤلف الأميركي المشهور زيج زيجلار من تصدينا بطاقة أكبر للحديث السيئ حيث يقول: هل تسمح لشخص ما أن يدخل بيتك،ويفرغ حقيبة كبيرة من القمامة في غرفة المعيشة ؟!، اذا كنت لا تسمح لأحد بأن يفعل ذلك، فلماذا اذا تدع الآخرين يملأون عقلك بالنفايات ؟!".

ويؤكد زيجلار: "إن مجرد إعطاء مزيد من الإهتمام لمدخلاتنا يمكننا أن نحجب الكثير من الأشياء السلبية، يمكننا أن نغير محطات الإذاعة والتلفاز،وأن نغلق الكتب والمجلات الرديئة والهابطة، ويمكننا أن نتجنب الى حد ما البقاء مع أشخاص الذي يحبطوننا بمحادثاتهم الكئيبة،وهكذا يمكننا حجب الكثير من المدخلات السلبية ".

ويعلمنا القران الكريم درسا بليغا لحفظ المدخلات اذ يقول رب العزة:( وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا") .

إذاً ياشهرزاد .. نحن قادرون على الأختيار حتى في أصعب الأوقات للحفاظ على مدخلاتنا وأفكارنا ومفرداتنا، وتجنب السيء وانتقاء الطيب.

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

......................

* من وحي شهريار وشهرزاد (31)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

صادق السامرائيعلي بن ولي بن حمزة المغربي، الجزائري، الملقب بالنسّاب  (؟ - 1611)، يُذكر إنه عاش (48) سنة.

عالم رياضي جزائري، من علماء القرن السادس عشر الميلادي، ولد في الجزائر من أب جزائري وأم تركية.

إشتهر بالنسّاب لأنه كان ينسب كل مقالة وبحث لصاحبه، تعبيرا عن صدقه ونزاهته العلمية، وأمانته في النقل، فلا ينتحل أو ينسب لنفسه ما ليس له.

مؤلف ومترجم ومولع بعلم الحساب، وعمل في البلاط العثماني زمن مراد الثالث بن سليم الثاني (1574 - 1595)، كخبير في الحسابات في ديوان المال.

عاد إلى الجزائر بعد وفاة والده لرعاية والدته، ومن ثم غادر معها إلى مكة، ودرّس الحساب للحجاج، وعندما ذاعت شهرته، بعد حل المسألة المكية، عمل في ديوان المال خمسة عشر عاما.

تطور ولعه بعلم الحساب، ودرس المتواليات العددية والهندسية وحاول الربط بينها، فتوصل إلى وضع أسس علم اللوغاريتمات.

"إن الأساس لأي حد من حدود متوالية هندسية تبدأ بالواحد الصحيح يساوي أسس الحدين الذين حاصل ضربهما يساوي الحد المذكور ناقصا واحد"

مؤلفاته:

تحفة الأعداد لذوي الرشد والسداد، تحفة الأعداد في الحساب، وبرع وإشتهر بالمسألة المكية، وهي معضلة حسابية متعلقة بالإرث.

كان يتحرى الدقة في نسب كل عمل لصاحبه، فأزال الغبار عن العديد من العلماء وعرفنا بجهودهم، ومنهم: سنان بن الفتح، علي الصفدي المصري، عماد الدين الكاشي، نصير الدين الطوسي، أبو الحسن النسوي، أبي العباس إبن الهائم، أبي عبدالله بن غازي المكانسي.

وقد طُمِسَ حقه، ففي الكتب يُنسب علم اللوغاريتمات لجون نابيير (1550 -1617)، وهنري بريكس (1560 - 1632)، وجوست بورجي (1550 - 1632) ، بينما إبن حمزة قد سبقهم بأكثر من عقدين.

لم أجد بحثا أو دراسة عنه للأخوة الجزائريين، وهل يعرفونه، ولديهم ما يشير إليه، لكنه عالم عربي جزائري، وضع الأسس الأولية لعلم اللوغاريتمات قبل غيره الذين جاؤوا من بعده، وربما إطلعوا على أفكاره ونظرياته، وإدّعوا بأنهم الذين أوجدوا علم اللوغاريتمات.

فهل من دراسات وبحوث عن جهبذنا الرياضي الفريد الإبداع؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

"ضع حياتك على خطّ النار، ورافق أولئك الذين يـُبقون تلك النار مشتعلة"، هكذا تحدث جلال الدين الرومي، وهذا هو ما فعله شمس الدين التبريزي، حينما التقى بالرومي. فقد أضرم الشيخ الصوفي النار في قلب العالم الكبير، وحافظ على النار مُشتعلة ليظل ضوؤها يُستنار به حتى بعد رحيل كليهما بمئات السنين عبر مؤلفات وأشعار.

كان للقاء الفقيه جلال الدين الرومي بالشيخ الصوفي شمس الدين التبريزي أعظم الأثر في عقله وفي أدبه، فقد وفد شمس الدين في تجواله على مدينة "قُوْنِيَا" بتركيا سنة 642هـ، وفيها التقى جلال الدين الرومي فأصبح له عليه سلطان عظيم، هو سلطان المحبة... حاول الرومي تحطيم جدار سجن الدنيا واليأس، لينطلق في سماء العشق والحرية، فهو كما يَنصح يقول "لديك أجنحة، تعلم كيفية استخدامها وحلق"... كانت الأجنحة التي مكنت جلال الدين الرومي من التحليق هي وجود شمس التبريزي. كان كل منهما صديقا للثاني ...وكانت صداقتهما صداقة التقت فيها الروح بالروح.

الصديق ليس بالضرورة الشخص الذي زاولت معه التعليم بالمدرسة نفسها...وليس هو من تشترك معه في ذات الخلفية الثقافية والاجتماعية... الصديق هو من جمعتك به الصدفة أو مصلحة حينية...تحولت من مجرد صدفة أو مصلحة إلى الاشتراك في الشعور بوجود قواسم مشتركة... صداقة قد تتوطد مع تراكم المواقف وتتالي الأيام وبذلك يصبح الصديق هو من تتقاسم معه حلو الأوقات ومرها فتكون ممتلئا بمحبّته وممتنا لوجوده في حياتك. و حين تبذل كل ما في وسعك لدعم صديقك يحدث أن يبادلك الاهتمام باهتمام والحرص بحرص والشغف بشغف ...ولكن يحدث أن تقوم بكل ما يتطلبه الحفاظ على أواصر الصداقة و يُقابَل ذلك باللاشيء من طرف الآخر / الصديق لأنك في الحقيقة لست سوى واحد من المعارف بالنسبة إليه ولست صديقا...

قد يقوم "صديق"، لأنه يعرف مكانته عندك، بإدارة عواطفك فيستعملك وسيلة بحجة الصداقة كأن يطلب منك شيئا أو خدمة ويستند على أنك طيب القلب وخدوم ولن تتوانى عن العطاء في سبيله...كذلك يمكن لصديق أن يواكبك ويتواصل معك بشكل يومي ومستمر ليس لأنك تحتاجه ولكن لأنه، حينها، هو من يحتاج إلى من يتواصل معه ولا فرق لديه في أن تكون أنت أو غيرك...

هذه ليست صداقة إنه تقمص لدور الصديق من أجل الحصول على مصلحة معنوية أو مادية...وكم هو مثير للاشمئزاز أن تستعمل الصداقة لغاية قضاء الحوائج فتصبح هذه العلاقة السامية مجرد وسيلة لتحقيق غايات نفعية...

إن الصداقات الجيدة هي التي يتوفر فيها التوازن والدعم بين الأصدقاء وبالتالي فإن هذا الدعم لا يتوقف عند أحد منهم بل يكون متبادلا وبصورة تلقائية...الصديق الحقيقي لا يشكرك كما يَشكر المعارف والغرباء بعضهم البعض ولا ينتظر منك شكرا...عرفانه يكون اهتماما وتعبيره عن المحبة يكون حرصا ومبالاة ...يفعل كل ذلك دون سؤال...الصديق الحقيقي هو من لا يخذلك وإن قصر ولا يبيعك وإن اختلف معك.

الصديق الحقيقي يسمح لك بأن تكون على طبيعتك دون أن تكون مضطرا إلى التغيير أو إخفاء شخصيتك، من كان صديقا حقيقيا لا يؤذيك ولا يضغط عليك حتى تكون شخصا آخر... الصديق الحقيقي هو من يدعمك لتكون أفضل وأكثر سعادة وصحة، أن تكون "نفسك". قد ينقدك ولكن بمحبة وقد يؤنبك ولكن بحرص من يريد لك الأفضل، قد يخالفك صديقك الرأي لأنه يهتم بمصلحتك بصدق ولكنه لا يتركك أبدا...في الصداقة هناك شيء شبيه بحنو الأم على ابنها...مشاعر صادقة لا يعكرها أي كدر.

مجرد المعارف قد يتملقونك وقد تتملقهم لأن أحدكما لا يعتبر الآخر سوى مجرد معرفة ...ولكن الصديق الفعلي هو من يصل إليك حاملا في روحه شيئا من روحك كما يقول جلال الدين الرومي...أن يحمل إليك صديق شيئا من روحه هو أن يكون بينك وبينه رابط خفي، غير مصرح به يفترض أن يكون لا فقط مؤمنا بك بل أيضا مؤمن بصدقه تجاهك ...

ما من زيف يستطيع الاستمرار إلى مالا نهاية...وكذا الشأن في الصداقات المزيفة...في الأصدقاء المخاتلين...لا تستمر الصداقة غير الحقيقية حتى وإن تجاهلنا وعفونا...وهربنا من الحقيقة الصادمة، حقيقة أن الصداقة ليست سوى من جانب واحد...

كم لدينا من الاصدقاء لانتذوق طعم الحياة بدونهم...وكم من الأصدقاء، نتذكرهم أو نلمحهم أو حتى يعترضون طريقنا بالصدفة، فنقول بإحساس صادق: هؤلاء أصدقاؤنا الذين ماتوا...

 

درصاف بندحر - تونس

.......................

* المرجع: رواية قواعد العشق الأربعون لإيليف شافاق.

 

المولدي فروجهل استطاعت قصيدة النّثر وقد فات عمرها السّبعين أن تفرض نفسها كجنس أدبيّ متكامل ومتناسق؟

وسعيا منّا إلى الإجابة عن السؤال بموضوعيّة، حاولنا ان نتخلّص من كلّ أحكام مسبقة فلم نجاهر بمحبّة لهذا الصّنف أو بعداوة لذاك. وقمنا بجرد للشّعراء التّونسيّين لتوفّرهم بين أيدينا.وقرأنا ثلاثة كتب تناولت قصيدة النثر بالتحليل والدراسة: كتاب المهدي بن عثمان قصيدة النثر في تونس وكتاب أحمد عبد المعطي حجازي قصيدة النثر أو القصيدة الخرساء وكتاب نور الدين بوجلبان قصيدة النثر وانبناء الشعرية. وقد تنوعت هذه الكتب بين الموقف الانطباعي وبين الانحياز وبين الموقف الموضوعي المبني على حجج.

 وبعد هذه الرحلة بين الشخوص والنصوص ثبتت عندنا ملاحظات عديدة منها:

ـ ثلاثة أرباع الشّعراء يكتبون الشّعر الموزون (العمودي وشعر التفعيلة).

ـ  تخلّي العديد من شعراء التّسعينات عن قصيدة النّثر والتحاقهم بشعر التّفعيلة.

ـ ظهور جيل من الشعراء الشّبّان خرّيجيّ الجامعة يكتبون الشّعر العمودي. ومردّ هذا ان دراسة العروض سحبتْ من برامج التّعليم الثّانوي واقتصرت على طلاب الجامعة وبالتّالي فإنّنا سنرى مستقبلا نوعين من الشّعراء: واحدا بمستوى تعليمي متواضع يجهل أسباب الشّعر وشروطه وثانيا أكاديميّا يشرح الشّعر ويكتبه (مسألة للمتابعة). ولكن هذا لا يفسّر تخلّف قصيدة النّثر لذلك سنحاول البحث عن الأسباب منذ نشأة قصيدة النثر.

ولعلّ السّبب الرئيسي في خيبة قصيدة النّثر يعود إلى بداياتها فقد لبست جلباب الخاطرة بل امتصّتها وصار كتّاب الخاطرة يقدّمون إنتاجهم على أساس انّه شعر يستحقّ الدّعوة إلى الأمسيّات الشّعرية فأصبحنا لا نقرأ ولا نسمع خاطرة واحدة.أليست الخاطرة في ظاهرها من النثر وفي باطنها من الشّعر؟

سبب آخر عطّل نموّ قصيدة النّثر هو مبادرة روّادها بإعلان عداوة لما سبق وإهدار طاقات البحث في حرب وهميّة شعارها ضرورة قتل الأب وهو في اعتقادي خطأ قاتل ارتكبته قصيدة النثر فمشت مباشرة إلى هدم ديوان العرب متمثلا في القصيدة العمودية، النمطية، الكلاسيكية، القديمة، الرجعية، المتخلّفة، الساكنة، الصمّاء. وكلها تُهم لم تنجح قصيدة النثر لا في إثباتها ولا في إقناع العرب بها. وقد بيّن نور الدين بوجلبان هذه المسألة وناقشها مع أنسي الحاج في كتابه"لن". حيث يضع الحاج الهدم شرطا أساسيا لقصيدة النّثر.وما كل هدم يفضي إلى بناء.وهنا نطرح سؤالا جوهريا: لماذا سعت قصيدة النّثر بكلّ غباء، إلى هدم قصيدة التفعيلة وهي تعرف مسبقا أن العرب لن يسلّموا ديوانهم بهذه البساطة؟ ألم تكن قادرة لوحدها على أن تنحت كيانها وتفرض نفسها بالاعتماد على نفسها؟ ألم تحمل كفنها على أكتافها مكان الفأس الذي ستحفر به قبر شقيقتها.

أما القول بأن قصيدة النثر مشروع ثوريّ ينتصر للشّعوب الكادحة فهو كلام ساذج يجعل من القصيدة حزبا سياسيّا يقوم على نفي الأحزاب الأخرى لا على برنامج خاص. فكانت النتيجة ان النّكبات التي عاشها الوطن العربي حملت الشّعراء إلى تحديث مجالات الكتابة وتغيير مواضيعها فبرز درويش والبرغوثي الأب والابن، الجخ، الوهايبي، أولاد أحمد وكثيرون آخرون. ولم يبرز في الشقّ الدّعائي إلا نفر قليل جدّا.

وتدعي قصيدة النثر أنها حرّرت الشّعراء من القيود التي تكبّل قصيدة التّفعيلة، وفي الحقيقة أن قيد الوزن وهمي لأن عدد البحور الــ 128 (ولا 16 فقط وقد وضّح ذلك الدكتور مدحت الجيّار) يبيح حرّيات كثيرة لا حرية اختيار بحر واحد. أما الشّروط الأخرى التي تفرضها اللغة من إعراب وصرف ونحو فهي شروط مشتركة تهمّ كل الكتابة بل يمكن القول ان القيود المفروضة على قصيدة النثر أكثر من تلك المفروضة على قصيدة التفعيلة لأنه يجوز لكاتب هذه الأخيرة ما لا يجوز لكاتب النثر.ولعلّ الشروط الأربعة (الوحدة العضوية، الإيجاز، التوهج، المجانية) التي حدّدها أنسي الحاج في كتابه "لن" عصيّة على أغلب شعراء قصيدة النثر. بل لم يستطع أن يوفّرها واضِعُها في كتابه حسب ما أورد نور الدين بوجلبان بالحجة في كتابه قصيدة النثر وانبناء الشعرية.

ومثلما الحلال بيّن والحرام بيّن فإن الشّعر واضح بصوره وبمعانيه لا بشكله.لأنّ الشعر أنماط لا يمكن حصرها إذا ما نظرنا إليه من باطنه.ولأن الشعر أكبر من أن يحبس نفسه في تعريف يتيم.

 

المولدي فرّوج

 

 

نيرمين ماجد البورنولقد قرأت في علم النفس أن هناك قوانين إذا فهمتها وبدأت بتطبيقها ستتغير حياتك كليا، كقانون الراحة النفسية والذكاء العقلي والاستغناء والتحدي وغيرهم من القوانين، فهل النظريات والمواقف والقوانين باتت مسارا نحكم به حياتنا ومشاعرنا وتصرفاتنا! وهل الكلمات التي تلامس أرواحنا ونفوسنا تغرقنا وتنقذنا وتجعلنا نطير وتتسع آفاقنا، لقد قيل من لم يكن نورا لنفسه لن يضيئه كل أنوار الكون، فهل نحن بحاجة لذلك النور وللرأفة ببعضنا البعض كالرأفة في الحديث وفي التمسك وفي الفعل وحتى في التغاضي والتخلي!

من المؤلم أن تعاشر أناسا فرضت عليك الحياة وجودهم في حياتك، محيطك، دائرتك، أناس يتمنون لك الخير بشرط أن هذا الخير لا يجعلك أفضل منهم، طيبون لكن بوقاحة، أناس يحسدونك لأفكارك، لعلمك، لجمالك، لأخلاقك، لإبداعك، لتميزك، لاختلافك، حتى لمجرّد ضحكتك، ينتقصونك عمدا بحقد لمجرد أنك مختلف ولا ترتضي لنفسك أن تكون نسخه مكررة، يكرهون حتى محبة الناس لك وهناك من يموت قهرا وحقدا بسببك، وهناك من يستكثر عليك النعم، يحيطك بطاقته السلبية المريضة ويحاول تكرارا كسر فرحتك، إطفاء ابتسامتك وتعطيل سعادتك، هؤلاء البعد عنهم غنيمة وسكينة، والحذر منهم واجب، عِجاف القُلوب لن ينفع معهم ودّ ولا تودّد، حتى لو زرعتَ لهم سبع سنين سنابلَ حب.

فيا من ابتُليت بهكذا أصناف من البشر انخرطت في حياتك دونما استأذان، خُذ عنّي زادا يُواسيك:  

الحياة فيها الحلو والمر وكليهما لا يدوم لأنهما متغيران متعاقبان، ولأن كل مُر سيمُر، سينطوي، سينتهي وسيرحل وكأنه لم يكن يوما، وسيطرق الفرح باب قلبك، لكن عليك أن تحيا الحياة كما يجب أن تكون خذ وقت حزنك، ولكن لا تبالغ فيه وعش وقت مرحك وفرحك وبالغ فيه حتى تعشّش السعادة في قلبك، وستعود كما كنت ذلك الشخص القوي المُعافى. ستقابل أشخاصا أفضل وأنقي، وكن على يقين أنك ستضيئ من تلقاء نفسك، فأنت النور لنفسك ولمن يحبونك من حولك، فلا تنتظر النور من أحد أصنعه، اكتشفه بداخلك، جاور من يفتحون نوافذ وشبابيك الأمل والسعادة كل يوم يتنفسون الخير والجمال، وكن على يقين بأن الطريق الطويل المنهك سينتهي يوما ما، وأن الألم سيزول حتما وأن هذه الأيام ستمضي ولن تعود والكسر الذي ينهش قلبك وظهرك سيجبره الله، فكن مع الله ولا تبالي، وإياك أن تبتسم لمآسي الآخرين وانكسارهم، كن انسانا أو مُت وأنت تحاول.. لأن أرقي الناس هم الذين يخافون من أثر كلماتهم ووقعها في قلوب غيرهم، وفي النهاية لن يبقي معك إلا من رأى الجمال في روحك ومُحيّاك، أما المنبهرون بالظاهر والمظاهر، عُبّادُ الأموال والنجاحات والمناصب سيرحلون تباعا، وسيبقي الود والحب هو قيمة كل زمان لذلك أحسنوا الاختيار، الحياة تحتاج بعض التجاهل لبعض الأشخاص والأفعال والأقوال والأحداث والتواريخ لتستمر.

وإنما البشر معادن وأصناف يا سامعي، منهم الأصيل الذي لا يتغير ولا يتبدل، ومنهم المراوغ الذي يتلوَّن كالأفاعي، ومنهم من خلف الأقنعة يستتر، كي يخطط ويُدبِّر، ومعادن الناس تتكشف وقت الشدّة، وقت المشاكل، وقت الخلاف، وقت حقي وحقك، وقت الخصام، وقت الحزن، وقت المرض، وقت السعادة، وقت الدَّيْن، وقت الفراق، وقت الحاجة، فلا تحكموا على الناس أنهم أصدقاء ومعارف وإخوة لمجرد أنهم ضحكوا معكم ومدحوكم ونفخوكم وخرجوا معكم وأطربوا مسامعكم بمعسول الكلام. ولكن وقت الشدة يطفو على السطح كل ما بدواخلهم من حقد وغل وحسد وغيظ، فالشدة حرفيًّا كشفت القريب قبل الغريب، ولابدّ أن نستوعب أن العتاب ليس هو الحل على الدوام، فلا مجال له إطلاقا في حالات كالكذب وقلة التقدير والتجاهل والكلام وقت الفراغ.

من قال أنّ الكلمات لا تفعل شيئا، فهناك كلمة تعين وكلمة تهين فاحذر أن تجرح أحد وتخدشه بكلمة لأن جرح الكلام لا شفاء له، هناك في يسار الصدر كدمات وندبات وألم يعتصر القلب ويزيده إيلاما، وهناك غباء مبرَّر بحجة الحب والود والعشرة نخترعه لكي نلتمس الاعذار السبعين لمن نحبهم ونصون ودهم، وهناك شيب يزحف مسرعا يغطي سواد الشعر يغطي الأوجاع والآلام الذي خلّفته الأيام والسنين، كل شيء يهون إلا كسرة القلب والخاطر. فلا تكن سببا في قهر أحد فيظل طوال عمره كلما مرت سيرتك يردد حسبي الله ونعم الوكيل. كسر الخواطر بمثابة خطأ طبّي، الاعتذار عنه لا يعيد لك عافيتك، كن لطيفاً بحديثك ‏فبعضهم يعاني من ألم الحياة، وكن دقيقا في انتقاء كلماتك، وانتقيها مثلما تنتقي ملابسك وعطرك فالفرق بين أن تجرحني أو تحرجني هو موضع النقطة، فعلاً لا يتغير أحد عن فراغ وإنّما الصدمات هي من تصنع التغيير والمواقف كفيلة بذلك.

فقبل أن تؤذي أحدا باستذكار جميلك السابق، وتستعرض فيه مهارات لسانك اللاذع، وتتشرّط وتَمُنَّ عليه بخيرك ووجودك الكئيب في حياته، تذكّر ألوانا من المعروف صنعها معك ولأجلك، فالقلوب التي تقدر المعروف والمواساة وقت الضعف و الحزن هي أجمل القلوب وألينها وأحنها، فأعط بسخاء ولين، أعط عطاءا غير مشروط ولا محدود، وكن صاحب القلب الجميل الذي لا ينساه أحد، فالحياة قاسية بما يكفي وكل إنسان فيه ما يكفيه وينهكه، فكن طيب الأصل كريم الخلق، فسلاما لبسطاء الروح الذين يختارون وينتقون أحاديثهم برحمة ولطف الذين يراعون اختلاف الطباع، سلاما لكل من يملك كلمة طيبة تكون سببا في ابتسامة أو جبر خاطر، سلاما لمن يحترم صمت غيره، سلاما لمن يربت على كتف أخيه وسلاما لأولاد الأصول اللذين  تربّوا التربية الصح في زمن المغلوطات وبات التنمر والسخرية والاستهزاء بمشاعر الآخرين خفّة ظل وقلة الذوق فن وإبداع.

كن أصيلا وتذكّر ألَّا تتفنّن في جلد ذاتك بالمقابل، فعندما تتجاهل مكالمة تزعجك فأنت لست سيء، وعندما تبتُر علاقة سامة ببلوك عقلي فأنت لست سيء، وعندما تقطع علاقة تسبب لك الحزن، فأنت لست سيء، وعندما تغادر مكانا لأنه ينهشك فأنت لست سيء، وعندما تغلق سماعة هاتف لأنها تزعجك فأنت لست سيء، وعندما تصنع لنفسك عالما يريحك فأنت لست سيء... أنت لست سيء عندما تختار راحتك واستقرارك النفسي وطمأنينة قلبك وسكينة روحك وراحة بالك، فيا رب أزرع كل طرقاتنا أفئدة هيّنة ليّنة تحفظ العِشرة، تصون الودّ، وتُراعي القلوب، ثم اجعلنا سائرين في خلقك بِطيبِ الكلام والمُحَيَّا وجَبْرِ الخواطر.

 

د. نيرمين ماجد

 

عمار عبدالكريم البغداديشهرزاد: هل يكفي أن نرسم صورة طيبة للناس من حولنا، ونطبع على وجوههم إبتسامة حالمة؟، أم أن تلك الأحوال المبهجة بحاجة الى طاقة مستدامة لنصل بمن نحب الى مقاييس السعادة؟

شهريار: هي الكلمة ياشهرزاد تدواي وتجرح، تُحزن وتُفْرِح، ترفعنا الى عنان السماء او تلقي بنا في وادٍ سحيق، هي كنسمة باردة في موسم صيف لاهب، أو كريح عاتية في شتاء قارس، هي آنّات في يوم حزن شديد، أو ضحكات بعد وجع أليم، هي الأنوار التي تتفتح لها بصائرنا، او الظلمات التي تعمي أبصارنا، هي بداية النهاية، او نهاية الركود، هي مفتاح لحياة جديدة، او مقبرة لكل الآمال .

ولو تفكرنا بهذه المعاني لما تحدثنا قبل أن نزن الكلام بميزان الذهب، دقة ومعنى وأثرا .

لقد استجمعنا في دواخلنا كل معاني الخير،  الإبتسامة الصادقة،والنظرة الطيبة، وتهاوت الأنا المتعجرفة تحت أنوار المحبة، وتجسد أمام أبصارنا هدف واحد: أنْ نَسعَدَ ونُسعِدَ من حولنا، ومن باب أولى ان تكون كل الكلمات المنطلقة من ألسنتنا،في تلك السويعة، كلمات هادفات باعثات للأمل والتفاؤل والتقدير والإحترام، لكن الأمر لا يخلو من حماسة زائدة تتدفق معها كلمات ذوات أثر سيء.

 حقا نحن في حالة صفاء ذهني، ونعيش في ظل طاقة محبة انتشر عبيرها على الحاضرين،لكانها أثارت إعجابهم،  فتحركت (الأنا المتفاخرة ) من جديد لتصيب،في لحظة غفلة منا، مسامع أحدهم بما يكره.

تلك الحماسة ياشهرزاد لابد أن تبقى تحت السيطرة، وأن لا ننسى أن مدارك الناس مراتب، وأن للكلمة الواحدة معاني كثيرة تختلف في وقعها،وأثرها من شخص الى آخر .

خذي مثلا كلمة (الآخر)، التي طالما مر ذكرها في كلامنا،ولم نقصد فيها ولو لمرة واحدة إلا المعنى الأسمى، وهو المتلقي الموقر لدينا بعقله وسلوكه ومفاهيمه وإنْ اختلف معنا كل الإختلاف، لكن لهذه الكلمة معاني أخرى، ومنها ما يأخذ معنى النظرة الفوقية فهو بحسب هذا المعنى المذموم (الشخص الأدنى منا) علما ومعرفة وحقا في الحياة، ويتداول هذا  المعنى الجبابرة والغارقون في الملايين وأصحاب السلطة (ألا من رحم ربي)، وتعني عامة بهذا المفهوم الطبقة الشعبية الفقيرة وهي خارج حسابات السلاطين .

أمّا المعنى الثالث فهو أكثر تطرفا، فإن الاخر تعني (من يخالفني بالراي فهو عدوي)، وياله من معنى مبطن يستخدمه المتطرفون بنظرة عدوانية لا تخلو من نية إشعال الفتنة على اختلاف مسمياتها .

شهرزاد: عجبا اذا كانت كلمة واحدة قد تعني الصديق والعدو والأدنى في وقت واحد فكيف الحال ونحن نسطر جملا لاحصر لها في جلسة واحدة؟!.

-لا أخفي عليك سرا إنْ قلتُ: أن الخطا وارد في الحالات كلها، فان معاني الكلمات التي يدركها كل إنسان مرتبطة بالبيئة التي عاش فيها،والمفاهيم التي تربى عليها، وتصوري أننا أطلقنا هذه الكلمة ( الآخر) في تلك الأمسية الحالمة،  ومن بين الحاضرين من يفهمها بالمعنى الودي فيبتسم متفهما ويستمع الى بقية الكلام،ومن بينهم أيضا من يفهمها كنظرة استعلاء عليه، فيتجهم وجهه وتنتفخ أوداجه، ولو حلف المتحدث ألف مرة بأنه لا يقصد هذا المعنى لما صدقه أبدا .

وأقول جازما: لو كان في جعبتنا كل قواميس الأضداد والمترادفات وحفظنا معاني كل الكلمات ما نجونا من اللبس في المعنى المفهوم، ربما نستطيع حصر معاني الكلمات، لكننا أبدا غير قادرين على جمع  المفهوم الذي يصل الى عقول الناس، ومن هنا جاء علم البيان  ليفصح عن المعاني التي نريدها،وتبلغ أعمق نقطة في روح السماع وقلبه .

يقول الميداني" البيان اجتماع الفصاحة والبلاغة وذكاء القلب مع اللسان، وإنما شبه بالسحر لحدة عمله في سامعه، وسرعة قبول القلب له،يضرب في استحسان المنطق، وإيراد الحجة البالغة".

اذا علم البيان حجة لنا لا حجة علينا وله اثر (السحر الطيب) في النفوس، والفعل المنير في العقول، والطاقة الخلاقة في الأبدان .

شهرزاد: لكن ألا ترى أن الامر لا يخلو من مهادنة او كذب ومبالغة ؟، فيستغل المتحدث فصاحته،ويسحر الناس بمنطق مكذوب، ليصل الى غايات دنيئة او شريرة؟!.

- لاتخلو أحوال المتحدثين من هذه النوايا، وهو الجانب المنهي عنه في تفسير قول الهادي البشير (ص): "إن من البيان لسحرا"، فسحر البيان ممدوح ومذموم على أساس النوايا والصدق والكذب .

ولا تنسي ياشهرزاد طاقة المحبة والإبتسامة الصادقة،والتصور الذهني الطيب الذي انطلقنا منه، ونحن نحدث الناس في ذلك المجلس .

يقول الفيلسوف الإسباني جوزيه اورتيجا جاسين:  "ربما كانت التعابير المجازية أكثر ما ابتدعه الإنسان قوة، فمفعولها يصل الى درجة السحر، إنها الأداة الخلاقة التي غرسها الله في أحد مخلوقاته عند خلقه".

حقا ياشهرزاد إنها الاداة الخلاّقة في كل واحد منا إنْ أحسن استخدامها للتعبير عمّا يريد، بل إنها الإرادة الأقوى القادرة على الإقناع والتحفيز والوصول الى قلوب الناس، واستنهاض معاني الخير والنجاح والمحبة فيهم، إنها تعابير تختصر الأزمان والمسافات، وهي كالإشعاع الممتد الى اللانهاية ينير النفوس، ويبلغ سر الأرواح .

لقد جاء القرآن الكريم متحديا لأكثر ما يجيده العرب وهو فصاحة اللسان وسحر البيان، فأسكت الشعراء، وأعيى الأدباء الذين عجزوا عن الاتيان ولو بآية واحدة من مثله، وأن للبلاغة القرآنية أعمق الاثر بإستحضار الخير في النفوس (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) .

ولنأخذ تشبيها رائعا للكلمة الطيبة وأنوارها والكلمة الخبيثة وآثارها، قوله تعالى:" أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ  تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ " .

وعلى إختلاف ماذهب إليه المفسرون لمعنى الكلمة الطيبة الوارد ذكرها في هذه الآيات الكريمات، فقد شبه رب العزة الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة التي يمتد أثرها الى عنان السماء، هي ذابتة راسخة، لها أطيب الأثر في النفوس،وهي مثمرة في كل حين،بخلاف الكلمة الخبيثة التي لا تثمر إلا فعلا خبيثا، وتتهاوى أدراج الرياح (مالها من قرار) .

بالكلمة الطيبة النابعة من القلوب نحيا ياشهرزاد، وننعش آمال الخير والمحبة في قلوب الناس وقلوبنا، حينما نستحضر معاني الخير في نفوسنا تنطلق ألسنتنا بأجمل المعاني، ونبلغ أعلى الأوصاف، ذلك أننا نستلهم الإبداع من المعاني السامية التي  لا يمكنها بكل الأحوال إلا ان تزدان بطيب مقاصدها .

لقد  أعطيتك ياشهرزاد قواعد لاغبار عليها، حاولي تطبيقها في أي مكان شئتِ، وسترين الأثر السحري للمعاني البليغة على قناعات الناس وأفعالها.

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

.........................

* من وحي شهريار وشهرزاد (30)

 مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

امان السيد إنه القلق ينهش مطمئنا بالله، تنازعه روحه بين التعلق بما في الدنيا من جمال أخبر أنه ممنوع، وبين لهاثه حول الحق في طلب غفرانه من سطوة دنيا بمفرزات لا تقاوم، ولا يملك تجاهها إلا الإقرار بحيرته ومناشدته الربّ صفحا وغفرانا!

السؤال الأبدي مذ خلق الإنسان، حول المحرم والمحلل، يطفو بالمرء المؤمن بالتحديد، واللامؤمن بغير التحديد في حضرة ذلك الألق الذي يجذبه إلى محيطه، فينغمس في التلذذ بجمال الخالق في خلقه، فمن ذا الذي يستطيع أن يقاوم مهما أوتي من القدرة عيونا تسلب العقل، وقدودا تسبي الفؤاد، وما يستجلبه من انغماس في الاستمتاع بلذة حدّدت أطرها، ثم ينهال فيض محرمات يختلط فيه ما يعقل بما لا يعقل، وإذ بالإنسان يستدرك التشتت بالصبر والتصبر، يقتات عليهما، ويعلن استيقاظه من غفلة تسحبه إلى الإقرار بالخضوع لله، والتذلل طلبا للعفو، ثم إنه لا يلبث أن يقع صريع ذاك الانتشاء، ويغرق في لهاث لا ينتهي..

إغراق في الوجدانية يطفو بالموسيقار الكبير رياض السنباطي فيتعطر بخمرة إلهية تنتشي بالخالق وما أبدع من جمال يتنقل بين سفح، وجبل، ورياض وزهور، وما تدحرج فوق البسيطة من بهجة تأسر الروح قبل النظر، أم هو ذاك السرحان اللامتناهي في الكون المخلوق بقدرة مدهشة، فلا تتوقف عن الإحساس!

إنه التناغم في الانسجام بين الظل والمستظل، بين الذي يتهيأ لك ثابتا، وبين ما تخترقه عيناك مُجذّفا.. الذات في تناغمها كذرة في هذا الرحب تسعى بلا كلل في ندائها ما يسبح حولها من مثيل.. إنه الحرمان الذي يعيشه الواهب نفسه لله، يقيده ثم يغريه بإفلات الطوق للتمتع، ثم هو يستدعيه مرات معلنا العصيان!

أي الخضوع ذاك، خضوع المحب في توسّله فرصة للتلذذ لا تتعدى الغد فقط، وليَمت بعدها بما اكترى من الذنوب، وأي التذلل المرهف ذاك، ونحن نعلن أن كل ذنوبنا الانتماء إلى بني البشر، ويا لروعة ذاك المحبوب الذي إليه نلجأ، ونحن في أوهن حالاتنا أمام العشق طالبين الصفح..

إنه العشق الإلهي الذي انشدت إليه رابعة العدوية، والبسطامي، والخيام، والرومي، ونظراؤهم من إنس وجان..

مسك ختام بعض من تلك الابتهالة "إله الكون/ سامحني أنا حيران/ جلال الخوف يقربني من الغفران/ و سحر الكون يشاورلي على الحرمان/ وأنا إنسان يا ربي أنا إنسان".

 

أمان السيد

 

 

 

شفق حسنقبل سنوات من الان كنت مسافرة الى ايران في رحلة سياحية، وكانت وجهتي الى مدن شمال طهران التي تطل على بحر قزوين.. ولمن لا يعرف فأن ايران تمتلك شريطا ساحليا طويلا على بحر قزوين تمتد على طوله عدة مدن تتميز بجمال طبيعتها من جبال وانهار وشلالات وينابيع كبريتية بالاضافة الى المرافق السياحية وقبلها ساحل البحر نفسه..

وان تلك المدن تشكل قبلة سياحية هامة في ايران خصوصا لمن يعرف الوقت المناسب لشد الرحال اليها. فالمدن الساحلية تتميز عادة بأجواءها الحارة الخانقة صيفا بسبب ارتفاع الرطوبة فيها والتي تعمل على حبس الحرارة وزيادتها، لذلك تعتبر نهاية الصيف وبداية الخريف افضل اوقات السفر اليها.

وبالعودة لذلك الساحل فهو ليس مفتوحا للناظر باستمرار، وقد يسير الراكب في السيارة لمسافة طويلة احيانا دون ان يلمح البحر الذي يقع على يمينه او يساره -حسب وجهة سيره- وذلك لان الشريط الساحلي مملوك لسكان المدن المطلة عليه وتم بناء بيوت وفلل وبنايات تغطي البحر والساحل المنخفض عن مستوى الناظر..مع ذلك يسهل الوصل الى ساحل البحر من خلال طرق تقع بين هذه البيوت والابنية الساحلية.

في تلك المرة كنت اسكن في مدينة ساحلية اسمها نشتارود اظنها تابعة لمدينة او محافظة اكبر، وتتميز هذه المدينة بهدوئها وبعدها عن الاسواق والاماكن السياحية المكتضة بالناس. كما ان بيوتها توحي ان سكانها من الميسورين او من طبقة المتعلمين والمثقفين، وكانت تظم جامعة تقع غير بعيد عن الساحل.

في تلك الايام لم تكن ايران تعاني حصارا وتدهورا في قيمة عملتها، وكانت السياحة فيها تعتبر مكلفة نوعا ما بالنسبة للقادم من العراق حيث ان المائة دولار كانت تحول الى تسعين او خمسة وتسعين الف تومان ايراني، وهذا المبلغ يسد تكاليف سكن وطعام وتنقل سائح واحد لمدة يومين..

ولاني كنت احتفظ بالمال المخصص للسفرة بشكل دولارات كان عليّ ان اقوم بالتحويل الى العملة الايرانية كل ثلاث او اربعة ايام.. لكن نشتارود لم يكن فيها محل صرافة فمثل هذه المحلات ليست منتشرة هناك كما هي عندنا في العراق، وكان عليّ الذهاب الى مدينة "تنكابن" التي تبعد عن نشتارود مسافةِ ربع ساعة تقريبا بالسيارة وعلى نفس الشريط الساحلي، حيث يقع محل الصرافة قرب ساحة وسطها ومجاور لسوق شعبي كبير فيها.

كنت قد ذهبت الى سوق تنكابن هذا مرات عدة لغرض التسوق وشراء الطعام والخبز، وهو سوق مكتظ بالمتسوقين والناس والسيارات ويحتوي عددا كبيرا ومتنوعا من المحلات التي تعرض كل انواع البضائع، غير ان زياراتي للسوق كانت تاتي بعد المغرب حين اكون عائدة من احدى رحلاتي الى مدن الساحل الاخرى..

وذات مساء وحين كنت عائدة من رامسار التي تعد واحدة من اجمل مدن ساحل بحر قزوين، كنت قد استنفذت كل العملة الايرانية ولأن الوقت كان متأخرا قررت الذهاب الى تنكابن صباح اليوم التالي لشراء العملة..

وهكذا انطلقت في الصباح الباكر على طول الطريق الساحلي المفتوح امام السيارات فوصلت تنكابن بحدود السابعة والنصف صباحا، وعندها عرفت ان عليّ الانتظار ساعة اخرى فمكتب الصرافة يفتح بحدود الثامنة والنصف ، ولاني لم اكن املك مالا يغريني بقضاء وقت الانتظار في سوق المدينة قررت ان اتجه الى ساحل البحر الذي لا يبعد عن ساحة تنكابن اكثر من عشرة دقائق سيرا على الاقدام .

اخذت طريقا جانبيا خاليا بين البيوت رحت اسير فيه وحدي ببطئ مستمتعتا بجمال الاشجار ونباتات الحدائق التي كانت تفيض من فوق جدران البيوت الخارجية وتطغى على المساحات الطينية الصغيرة امام البيوت.. وبالحقيقة ان جُل المنظر بين تلك البيوت كان مغطاً بالاخضر وان اول انطباع للناظر ان الطبيعة هناك لا تجهد كثيرا في التغلب على كل ما هو من صنع البشر. فبعض البيوت تكاد لا تبان جدرانها بسبب كثافة اوراق المتسلقات عليها، وحتى تلك المساحات القريبة من اقدام المارة او عوامل الطبيعة الاقوى لم تسلم من تسلق الطحالب والحلزونات الصغيرة .

لكن تلك اللوحة الخلابة التي شهدتها ذلك الصباح لن تكتمل عند المتلقي ان اغفلت ذكر البرودة المعتدلة لذلك الصباح الخريفي، حيث اشعة الشمس لم تنتشر بعد وهذا ما جعل الشارع مضاءا بذلك الضوء الصباحي البارد..

غير ان ذلك المنظر لم يكن ليصبح فريدا- فكل مدن ساحل بحر قزوين وشوارعها تعجّ بمناظر الطبيعة الطاغية- لولا شجرة ياسمين في وسط بيوت ذلك الشارع..

كانت قد تسلقت جدار البيت المزروعة في حديقته وفاضت باغصانها واوراقها وازهارها البيضاء نحو الشارع، وصار يكفي اي مار ان يجلس على الرصيف تحتها لتمطره بزهور وبتلات بيضاء معطرة ...

جلست تحت اغصان تلك الياسمية  ورحت اجمع ازهارها المتناثرة على الارض وكأنها كانت تلقي سحرا فوقي يلاشي الزمان والمكان وينقلني الى عوالم احلامي وخيالاتي التي بدأت ادرك في ذلك الوقت بعدها واستحالتها.. الضوء والالوان ورائحة البحر الممتزجة براحة الياسمين تظافرت في تلك اللحظات لتمنحني سعادة روحية غير مشروطة، وذكرى تضيء لي بين الحين والاخر غياهب الندم والحسرات..

اكملت الطريق نحو البحر لاكتشف انه ينتهي بجرف صخري اصطناعي تم انشاءوه ليبنى فوقه احد البيوت وكان هناك مساحة صخرية كافية بين سياج البيت الخارجي وبين الماء تكفي للجلوس فأكملت تلك المتعة البصرية بالجلوس امام البحر، وكان للقائي بتلك الروح الزرقاء الهائلة في ذلك الصباح شعورا اعظم من ان يوصف، اما البحر فله قصة عشق اخرى تشبه قصص الخيال ربما ارويها يوما ما..!!

 

شفق حسن

 

فيصل عبدالوهابجرت مناقشة رسالة الماجستير المعنونة "صور الحيوانات والطبيعة في قصائد تيد هيوز المختارة" للباحثة لجين اسماعيل مصطفى في كلية التربية للبنات-جامعة تكريت في 5\10\2021، حيث ابتدأت الأستاذة انتصار رشيد بالسؤال عما يريد الشاعر أن يقول في شعره فأجابت الباحثة أنه كان يريد أن يبرهن على انحدار المجتمع المعاصر. وركزت الأستاذة انتصار على ثلاثة أسئلة: هل أن الشاعر حداثي؟ هل هو من شعراء "الحركة The Movement"؟ وهل هو شاعر رومانسي؟ فأجابت الباحثة بأنه شاعر حداثي لأنه استخدم الأساليب الشعرية الحديثة وأنه كان من شعراء الحركة في البداية ثم تركها وأنه لم يكن شاعرا رومانسيا. ثم تساءلت الأستاذة انتصار: لمّا لم يكن شاعرا رومانسيا لماذا خصصت الباحثة فصلا كاملا عن الرومانسية؟ هل هو من أنصار الرومانسية الجديدة؟ وإذا كان كذلك أليس من الأفضل لو أجرت الباحثة مقارنة بين الشاعر الرومانسي وليم وردزورث الذي يجعل من الطبيعة محرابا يتعبد فيه وبين تيد هيوز الذي يرى الطبيعة بمنظار واقعي على الرغم من وجود لمحات اتصال روحي بينهما هنا وهناك؟ كما أن الأستاذة انتصار اقترحت لو أن الباحثة قد اتخذت من مدرسة "النقد البيئي Eco-criticism" منهجا لها في دراسة شعر هذا الشاعر بدلا من دراسة صوره الشعرية المذكورة في العنوان.

ثم انتقدت د. أنسام رياض المنهج الذي اتبعته الباحثة في دراستها بحيث أنها لم تتخذ منهجا معينا تسير عليه. كما أنها انتقدت افتقاد الرسالة للسؤال الذي يفترض أن تجيب عليه الباحثة في رسالتها. فأجابت الباحثة بأن السؤال هو كيف استخدم الشاعر صوره الشعرية عن الحيوانات والطبيعة وكيف ساعدته في تكوين شعره. ولكن الدكتورة أكدت أنه ينبغي تثبيت ذلك في متن الرسالة. ثم أضافت أنها قد أعجبت بتحليل الباحثة لقصائد الشاعر وأنها لو اتخذت من "النقد البيئي" منهجا لها في الدراسة أو دراسة خاصية العنف في قصائد هذا الشاعر لبدت الرسالة بشكل أفضل. كما انتقدت كسابقتها إدراج فصل كامل عن الرومانسية في الرسالة دون مبرر لذلك. وحيث أن الشاعر لم يكن رومانسيا لذلك ينبغي حذف هذا الفصل أو المقدمة التي تتحدث عن تاريخ الرومانسية على الأقل.

وقد اتفق رئيس اللجنة د. حمدي حميد مع معظم ما جاءت به الأستاذتان من أطروحات حول الرسالة ما عدا اقتراح تغيير عنوان الفصل الثالث إلى "النقد البيئي" حيث اقترح أن يكون "تيد هيوز والطبيعة المتوحشة" بدلا من ذلك. كما انتقد الباحثة في استخدامها كلمات أو عبارات غير ملائمة تجنبا للانتحال عند إعادة صياغة ما تقتبسه من النقاد الذين كتبوا عن الشاعر. ثم أردف أن هذه مشكلة عامة يعاني منها معظم طلاب الدراسات العليا والباحثون. وعلّق على مسألة انتماء الشاعر الى "الحركة" وقال أن هذه الحركة لا تحبذ توظيف الفلسفة في الشعر وتركز على انكليزية الموضوعات وقد انضوى الشاعر في ظلها في البداية ثم تخلى عنها. وفي موضوع الخرافة علّق بأن هناك من هو أهم من إيسوب اليوناني ألا وهو لقمان الحكيم حيث أنه يلخص مغزى الخرافة في نهايتها. كذلك ذكر الشاعر أحمد شوقي الذي اهتم بهذا النوع الأدبي في شعره. وانتقد د. حمدي كثرة القصائد الملحدة التي اقتبستها الباحثة في الرسالة وقال ينبغي أن تعلّق عليها وتفندها. كما انتقد ، مثل سابقتيه ، الباحثة في أننا لا نجد رأيا خاصا بها في الرسالة ، ولم تكن الرسالة سوى مجرد اقتباسات من النقاد والباحثين الذين سبقوها.

ثم جاء دور المشرف على الرسالة وهو كاتب هذه السطور للتعليق على ملاحظات الأساتذة في اللجنة فقال أن جوهر فكر الرومانسية يتمحور حول الطبيعة لذلك كان عنوان الفصل الثالث غير منفصل عن موضوع الطبيعة لدى الشاعر ويؤخذ من وجهة نظر أكثر اتساعا وشمولا. كما علّق على مسألة تفنيد أفكار الشاعر الإلحادية بالقول ينبغي أن لا نحاكم ثقافة الآخر بمقاييس ثقافتنا وإنما ندرس الشاعر طبقا لثقافته وبيئته التي عاش فيها. أما مسألة تكوين رأي للباحثة خاص بها فقال بما معناه انه لا يفترض بباحثي هذه المرحلة أن يكون لهم رأي أصيل مثلما لو كانت دراسة الدكتوراه التي تستلزم ذلك.

 

د. فيصل عبد الوهاب

 

 

 

يحيى السماويأحبتي الأعزة : طابت أيامكم وتطيّبت ببهائكم الأيام ..

قد تتذكرون الأسماء المستعارة لبعض صغار النفوس الذين تم افتضاحهم من قبل هيأة التحرير ـ أقصد الأسماء التي يكتب بها فلان أو فلان تعليقات على نفسه ـ وآخرها كان " أحمد ـ صاحب محل خياطة " ..

اليوم كتب نفس الشخص تعليقا حذفته هيأة التحرير ـ وكنت أتمنى عدم حذفه لأنشر اسمه الصريح (حتى يكون فرجة للناس ..) .

جاء في تعليقه المتشنج :

(أن مهرجان الشعر لجامعتي بغداد والمستنصرية قد فاز به عبد الإله الياسري ) ..

*

أتوقع أن الأخ والصديق عبد الإله الياسري سيقرأ مداخلتي الان ، وله القول الفصل:

عبد الإله الياسري يسبقني بسنة دراسية واحدة، هو في جامعة بغداد وأنا في المستنصرية ـ لكننا نداوم في بناية واحدة وكنا نلتقي كثيرا ..

عبد الإله شارك في حفل التعارف السنوي الذي تقيمه كلية الآداب ـ وكان من بين المشاركين الشعراء: حميد الخاقاني ونبيل ياسين.. قرأ عبد الإله قصيدة رائية مضمومة ـ وأعتقد كانت من بحر البسيط أو الكامل على ما أتذكر.. وأما الشاعر حسن الموزاني فلم يشارك ولم ألتقه مطلقا لأنه كان أقدم مني ومن الأخ عبد الإله دراسيا ..

*

مهرجان الجامعتين كان برعاية وزير الإعلام وقتذاك ـ شفيق الكمالي ـ وكان من بين المشاركين فيه صديقنا خزعل الماجدي وصديقنا جواد غلوم ـ وكلاهما حيان يرزقان ولهما مديد العمر بإذنه تعالى ـ ولم يشارك فيه الأخ عبد الإله الياسري ولا الموزاني صاحب قصيدة " أنا وليلى واشطبوا أسماءكم " والتي فاز بها بمهرجان كلية آداب جامعة بغداد (ولم أكن وقتذاك قد دخلت الجامعة) .

مهرجان الجامعتين عقد في قاعة كولبنكيان في جامعة المستنصرية ـ وأنا الذي فزت بجائزة الشعر الأولى ..

أرسل الان الى الأخ ماجد الغرباوي صورة وزير الإعلام شفيق الكمالي وهو يسلمني الجائزة الأولى وبجانبه رئيس قسم اللغة العربية د. هادي الحمداني رحمه الله.. أتمنى على الأخ الغرباوي نشرها مع مداخلتي هذه ..2887 يحيى السماوي والجائزة

المهرجان السنوي الثاني كان برعاية وزير الشباب كريم محمود شنتاف أو كريم الملا ـ لا أتذكر الإسم تحديدا ـ وأيضا فزت بجائزته الأولى وسأنشر الصورة حيث يظهر الوزير وهو يقلدني درع المهرجان .

*

همسة في الأذن السليمة: الكأس كأسك، فمن حقك أن تشرب فيه نميرا عذبا أو قيحا وصديدا .. رحم الله توفيق الدقن الذ كان يردد جملة مشهورة في بعض أفلامه " خليك من اللي ما يستحوش ، ده مالهموش قيمة " .

 

أرجو من الأعزة في هيأة التحرير نشر مداخلتي هذه ـ كما أتمنى على الأخ ماجد الغرباوي نشر الصورة حيث سأبعثها اليه الان على بريده الخاص مع جزيل شكري .

 

يحيى السماوي

 

 

 

ابو الخير الناصري1/ ودعت الساحة الثقافية بالمغرب صباح الجمعة الفاتح من أكتوبر 2021م الأديب والباحث الدكتور محمدا البغوري رحمه الله وأحسن إليه.

وقد عرفته محاورا للأدباء من مختلف بلدان العرب. قرأت اسمه، أول مرة، على صفحات "العَلم الثقافي"، في حوار له مع الروائي فؤاد التكرلي منشور في عدد السبت 30 من أبريل 2005م. وحينما تحقق اللقاء المباشر بالرجل كنت قرأت حوارات عديدة له في منابر أخرى، حوارات جمع عددا منها بين دفتي كتابه "عطر القراءة وإكسير الكتابة" (2014) الذي قدم من خلاله "رؤية بانورامية عن راهن الحراك الأدبي والثقافي في مغرب النصف الثاني من القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة" كما ورد في تقديم د.محمد المسعودي للعمل.

فكّر أديبنا، بعد باكورته الحوارية، في صيغ مغايرة للعمل، فكان من ذلك كتاباه: "شجون الأدب وشؤون النقد: حوارات في القصة القصيرة جدا بالمغرب" (2019) الذي شرفت بتقديمه، وفيه يجمع بين محاورة كتاب القصة القصيرة جدا ونقادها في إشارة منه إلى ضرورة الحوار بين هؤلاء وهؤلاء، وأهميته في تجويد المنجز القصصي وتطوير الدراسات النقدية حوله.

ثم أتبع عمله ذاك بمحاورة مفيدة مع الأديب حسن الرموتي صدرت في كتابه "ولولات الرياح لا تزعج النوارس في الصويرة" (2020)، وكان من حظي الإسهام في تقديمه مساء 29 من يونيو 2021 بمؤسسة الحسن اليوسي بطنجة.

ولم تضم الكتب الثلاثة جميع ما للراحل من حوارات، فلطالما حدثني عن حوارات له منشورة ومخطوطة كان يخطط لجمعها في كتب، وإن نخبة من أدباء المغرب ونقاده يحتفظون برسائل منه تضم أسئلة حوارية طمح الفقيد لاستلام أجوبتها وإعدادها للنشر.

هذا الإلحاح على الحوار في المسير الثقافي للرجل مرآة كاشفة لفضيلة من فضائله؛ فقد عاش يقتطع من وقته ليُعرف بإخوانه من الأدباء والباحثين، وليُطلع الساحة الأدبية والعلمية على أعمالهم، وآرائهم، وتوجهاتهم الفكرية. ولم يكن عمله هذا لينأى عن فضيلة أخرى هي رفع الغبن عن نفوس كثير من المثقفين الذين يعانون التهميش وعدم الاهتمام بما يكتبون وما ينشرون، وكأنما كان يسعى – رحمه الله – لصناعة واقع ثقافي بديل لهذا الذي استهجنه صاحب "مرآة المحاسن"؛ واقع لا يُدفن فيه المثقف في قبور الإهمال واللامبالاة.

2/ إلى استمساكه بعروة الحوار  الفضلى كان صديقنا محمد نبع كرم لا ينضب. ومما أذكره هنا أني كنت في طنجة مساء 15 من يوليوز الماضي أتابع أشغال توقيع "الخطاب الإبداعي للمرأة" لصديقنا الأديب حسن بيريش. وقبيل نهاية اللقاء الذي احتضنته المكتبة الوسائطية اتصل صديقي محمد، وطلب أن نلتقي قبل الرجوع إلى أصيلا، فكان اللقاء في مقهى قريب من منزله. تجاذبنا أطراف الحديث قليلا، وكان يُعد العدة يومئذ للقاء ثقافي في يومين بالعرائش وطنجة يُكرَّم فيه عدد من الأدباء والمبدعين. وحين هممت بركوب سيارتي ودعني العزيز محمد وابنه حسام وهو يهديني كتابين للأستاذين عبد الهادي المهادي ونجيب الخمليشي كنا ذكرناهما عرَضا في بعض أحاديثنا، وعَلِم هو أني لم أكن اطلعت عليهما بعد.

هكذا كان في تعامله معي؛ كلما علم أني لم أطلع على كتاب ما فاجأني بنسخة منه هديةً دالة على كرمه، أو إعارة مُخبرةً بحرصه على إفادة صديقه ونفعه. في مكتبتي كتب ومجلات من إهدائه شاهدة على كرمه، وحسن رعايته لصداقتنا، واهتمامه الصادق بمضمون ما كان بيننا من أحاديث في شؤون الأدب والفكر.

3/ أمر آخر كان لافتا للانتباه في شخصية العزيز الراحل، وهو أبوته الحانية، وصداقته الرائعة مع ابنه اللطيف الودود حسام الذي اتخذه صديقا ورفيقا دائما له في جولاته، وأسفاره، وجلساته مع أصدقائه، ولقاءاته الثقافية العديدة.

هكذا جال حسام مدن الغرب وقراه، وحضر أمسيات ومهرجانات ثقافية، ونسج صداقات مع كثير من الأدباء؛ فأثمر ذلك كله ثمارا طيبة، من أبرزها عشق البغوري الابن للعربية، وشغفه بالقراءة، وولعه بالقصة القصيرة، وسعيه للانتساب إلى شجرة أنساب الأدباء.

ولكم فرحت وأنا أحادث هذا الفتى الوسيم بالفصحى أو أتابع أحاديثه الفصيحة مع أبيه في جلساتنا بأصيلا وطنجة والقصر الكبير.

ولكم عظمت فرحتي يوم أخبرني الفقيد أن لابنه مجموعة قصصية، وأنه يعدها للطباعة والنشر. ومن أسفٍ أن أخانا العزيز مات دون أن تكتحل عيناه بصدور مجموعة ابنه التي سعدت بكتابة تقديم لها تحفيزا له وتشجيعا لغيره من الأطفال على الكتابة.

4/ وصديقنا البغوري، أيضا، عاشق كبير لمدينة أصيلا، تعرفه دروبها، وشوارعها، وساحاتها، وحدائقها، ومقاهيها، ومطاعمها، وناسها.

ما أكثر ما كان يزور المحروسة مصحوبا بأصدقائه مرات، وبأسرته الصغيرة أغلب المرات. يأتي لارتشاف لحظات من  سكينة النفس، مثلما يأتي لمجالسة إخوان وخلان أصيليين يشاركونه المشي في دروب الكلمة: عبد السلام الجباري، زهير الخراز، أسامة الزكاري، عبد المالك عليوي، مصطفى البعليش، شفيق الزكاري، فاطمة الزهراء المرابط، حسن الوسيني، صخر المهيف، حكيم غيلان، أبو الخير الناصري...ما من أحد من هؤلاء وسواهم إلا جمعته به جلسة  ومحادثة في مقهى، أو شارع، أو ساحة،أو قاعة..صديق الجميع هو، يعانق الناس كافة بقلبه الكبير الودود.

ومن رحم عشقه للمدينة كان حرصه على تنظيم "ملتقى أصيلة الثالث للقصة القصيرة" الذي دعا إليه كتاب القصة من مختلف المراكز والهوامش الثقافية. كان في مكنته أن ينظم الملتقى في طنجة حيث مستقره، أو في العرائش حيث نخبة من إخوانه وخلانه، غير أن "الهوى الزيلاشي" غلاب..

ومن دلائل غلبة الهوى الزيلاشي أن عزيزنا الراحل أفرد عشيقته أصيلا بكتاب جمع فيه ما خطه عنها على امتداد أعوام، وقد دعاني مرة إلى مشاركته التفكير في عنوان مناسب لمحتويات الكتاب المتنوعة، ثم أخبرني ونحن جلوس بمقهى الأميرة، ذات مساء، أن رأيه استقر على العنوان: "أصيلة: العندلة المشتهاة".

رحل صديقنا محمد البغوري دون أن يصدر كتابه عن أصيلا، وكتاب ابنه حسام، وكتابا عن التصوف المغربي، وأطروحته لنيل الدكتوراه، وكتابا يضم الرسائل المتبادلة بينه وبين الأدباء، وغير ذلك من الأعمال التي كان يحدثني عنها بكثير من الحبّ والشوق لرؤيتها منشورة متداولة...

رحمك الله أيها الصديق العزيز، وأسكنك فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

أبو الخير الناصري

أصيلا في 04 من أكتوبر 2021م.

 

صادق السامرائيإبن النديم محمد بن إسحاق المعتزلي المتوفي (384) هجرية ويُقال عاش (90) سنة، مؤرخ وكاتب سيرة ومصنف وجامع فهارس، ولد في بغداد، وهو أول المصنفين في العالم، والذي أدخل كلمة (الفهرست).

كان ورّاقا في بغداد وقد ورثها عن أبيه، وعاش في القرن الرابع الهجري، الذي شهد نهضة علمية وحركة ثقافية وأدبية واسعة، وكثر فيه العلماء والمشايخ وطلبة العلم، وكان لمهنته الأثر الكبير في توجيهه نحو الإشتغال بالعلم.

أساتذته: أبي سعيد السيرافي، أبي فرج الأصفهاني، أبي عبدالله المرزباني، إسماعيل الصفار، الحسن بن سوار بن الخمار البغدادي، علي بن هارون المنظم، أبو سليمان المنطقي، وغيرهم.

مؤلفاته: الفهرست، التشبيهات.

الفهرست كتاب جمع فيه إبن النديم كل ما صدر من كتب ومقالات عربية في زمنه، وكتب الأديان والفقه والقانون، وعن مشاهير الملوك والشعراء والعلماء والمفكرين، وعدد صفحاته (1976)، وهو في ثلاثة أجزاء.

وعمل على تأليفه قبل وفاته بثمان سنوات (377 - 384) هجرية، وترك فيه بياضات كثيرة أتمها الوزير المغربي عام (418) هجرية .

وقد أحصى إبن النديم (8360) كتابا، و (2238) مؤلفا، منهم (22) إمرأة، و(65) مترجما.

الكتاب مقسم إلى عشرة مقالات وهي : "اللغات والكتب المقدسة وعلوم القرآن، اللغة والنحو، الأخبار والأنساب، الشعر، علم الكلام، الحديث والفقه، الفلسفات، الأسماء والخرافات، الإعتقادات، الكيمياء أو الصنعة".

وقال عن كتابه:  "جامع لكل ما صدر من الكتب العربية وغير العربية"

و" النفوس تشرئب إلى النتائج دون المقدمات، وترتاح إلى الغرض المقصود دون التطويل في العبارات، فلذلك إقتصرنا على هذه الكلمات في صدر كتابنا، هذا إذا كانت دالة على ما قصدنا من تأليفه"

إبن النديم سبّاق الدنيا في الفهرسة والتصنيف، ولم تسبقه سوى كتب تصنيف الشعر والشعراء، وتسمى الطبقات، أما هو فقد وضع الأسس المنهجية الصحيحة لهذا العلم.

 

د. صادق السامرائي

 

صالح الطائي(إضاءة بمناسبة تهكير مواقع التواصل)

بالأمس القريب كانت أمهاتنا وجداتنا يتواصلن مع صويحباتهن من خلال رفع العقيرة، حيث يصل الصوت إلى سابع جار وكأنه رسالة مشتركة أرسلت بدون عنوان لتحفز باقي الأمهات والجدات على المشاركة في الحديث والتفاعل مع الحدث، ومن كانت منهن بعيدة ولا يصلها الصوت، تحمل حاكية الهاتف الأرضي صباحا وتتصل بالتي هي الأقرب لها من غيرها، ويبدأ حديث الساعة الذي يبدو وكأنه لا نهاية له؛ لسرد الوقائع اللحظوية ابتداء من قصة قِدر البامية المطبوخ بضلوع الضأن، وصولا إلى طهور الملائكة لابن أم غانم الذي ولد قبل ساعات، وكنة بيت أم حمودي الوقحة التي لا تسمع نصائح أم زوجها، والشاي المغشوش، ووصول أقلام حُمرة شفاه جديدة إلى الأسواق، وربما يتحدثن عن التغيير الوزاري المحتمل.

لم تكن تلك الأصوات تسبب التلوث الضوضائي البيئي أبدا، ولم يكن استخدام الهاتف لساعة وساعتين يخرم طبلة الأذن مطلقا، بل كانا أدلة على عمق التواصل الروحي بين الناس، فانت تشعر بحميمية غريبة حينما تسمع صوت صديق يتصل بك مستفسرا عن أحوالك، وأنتِ تشعرين بالفرح حينما تسمعين صوت أمك تتصل بك مطمئنة عليك وعلى ولدك الرضيع، وأنت أيها الأب الشيخ العجوز تشعر أن تعب عمرك لم يضع هباء حينما تستمع إلى نبرات صوت ولدك المليئة بالحنان والتقدير وهو يسألك إن كنت محتاجا لأي شيء لكي يوفره لك.

إن ما يسبب الفجيعة ويخرم حبال المودة هو أن تضيع كل هذه العواطف ويختفي وهج نبرات الصوت خلف قناع (الرسائل النصية) الزائف؛ التي تحرم الآخر من الاستمتاع بالتفاعل مع شيء حي لا مع جماد أبكم لا روح فيه. فالعواطف حتى وهي في أشد حالات ضعفها لا تموت، وتبقى نابضة ما دام التفاعل المباشر موجودا والأيادي تتلامس بود، أما وسائل التواصل ذات الذراع الواحدة التي لا تجد أمامها يدا تتواصل معها، فتزحف بكسل نحو الأذن، وتسقط منها عند أبسط حركة، فهي عرضة للموت والزوال حتى على يد طفل صيني عابث، ومعها تموت جميع الرسائل النصية، وتخبو نار العواطف، ومعها أيضا تكثر الشماتة بشيء ظنه البعض خالدا فإذا هو ينهار نتيجة عبث طفل صغير.

 

الدكتور صالح الطائي

 

محمد العباسياللغة الإنجليزية تُصنّف اليوم كإحدى أكثر اللغات انتشاراً، من حيث عدد المتحدثين بها أو من منطلق اعتمادها كركيزة أولى لتسيير الأعمال في أغلب الوظائف المحلية، أو للتعامل التجاري والاقتصادي مع دول العالم.. فللغة الإنجليزية موقع خاص سواء كانت اللغة الأساسية (اللغة الأم)، أو كلغة ثانوية (لغة ثانية لبعض الأمم) أو كلغة أجنبية تُستخدم في أغلب المجالات العامة.  فقد باتت اللغة الإنجليزية أداة لا غنى لنا عنها وتُساهم في توفير العديد من الفرص للأفراد، مثل مساعدتهم في الحصول على فرص التوظيف وفرص الترقي في العمل والدراسة.. إذ أن أغلب المقابلات الوظيفية في الكثير من الدول باتت تعتمد على الإلمام باللغة الإنجليزية كشرط أساسي في قبول الباحث عن العمل في الوظيفة التي قد يتقدم لها.. وقد باتت اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية للعديد من أنواع المجالات الدراسية الجامعية، كالعلوم والطب والهندسة والاقتصاد وإدارة الأعمال، وغيرها من المجالات التعليمية الأُخرى التي يسعى العديد من الطلبة الجامعيين لدراستها والتخصص فيها.. وعلينا الاعتراف بأن اللغة الإنجليزية اليوم باتت الأداة الأكثر شيوعاً وضروريةً حيث تُساعد في زيادةِ القدرة على التحصيل المعرفي من خلال قراءة الكتب والمطبوعات والمنشورات الثقافية والمجلات المتخصصة وأغلب الأبحاث المنشورة الحديثة، والتي تدعم تنمية العلم والمعرفة والثقافة الشخصية عند المتعلمين والدارسين حيثما يكونون حول العالم.

بل وتقدم اللغةُ الإنجليزية مجموعةً من وسائل الاتصال بين الشعوب المختلفة، مما يساهم في التواصل بين الشعوب والتعرّف على العادات والتراث والتقاليد الشعبية العالمية.. ونجد اليوم كيف يتم استخدام اللغة الإنجليزيّة بشكلٍ كبير جداً للخوض في المواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت؛ حيث أن تعلمها بات كأداة ضرورية تساهم في مساعدة الأفراد في التعرّف على طبيعة المواقع الإلكترونية، والولوج في أغوارها وتصفح المحتويات المنشورة في صفحات مواقعها المختلفة (موقع موضوع الإلكتروني).

لقد كتبت في مجالات متعددة واصفاً اللغة الإنجليزية بأنها لم تعد مُلكاً للإنجليز، بل أنها باتت لغة عالمية يتحدث بها ويستخدمها القاصي والداني وبشكل يومي.. وأن كل ملة من شعوب الأرض قد أضافت لها وعليها وجعلتها خاصة بها.. فنجد مثلاً شعوب شبه القارة الهندية يتحدثون بها كلغة مميزة بهم ويستخدمون مصطلحاتها بحكم نطقهم وبتأثير لغاتهم الأصلية ومخارج الألفاظ واللكنات، وحتى القواعد اللغوية الخاصة بلغاتهم الأصلية.. وكذلك تفعل كل شعوب شرق آسيا بشكل عام.. وللفرس إنجليزيتهم الخاصة بهم، كما للعرب طرقهم في لفظ الأصوات وتراكيب الجُمل الغريبة التي ربما تعتمد في أحيان عديدة على الترجمة الحرفية والخلط بين القواعد اللغوية.. ولشعوب أوروبا لكناتهم الخاصة بهم بحكم مخارج ألفاظهم ونطقهم للأصوات.. لكن الجميع أصبحوا يتفاهمون فيما بينهم ويتواصلون بهذه اللغة العالمية الموحدة في تجاراتهم ودراساتهم ومراسلاتهم ونشر علومهم ومعلوماتهم حول العالم.

فنحن العرب رغم طول سنوات تبنينا للغة الإنجليزية لا نزال نعاني من مشاكلنا الخاصة مع أبسط القواعد اللغوية، حتى بين المحسوبين علينا من الدارسين في الدول الناطقة باللغة الإنجليزية، أو من بين الخريجين من المدارس الخاصة المحلية التي تعتمد على اللغة الإنجليزية بشكل شبه كامل.. ففي دول الخليج العربي تكمن مشاكلنا اللفظية مع بعض الأصوات ونعجز عن التفريق بينها بالذات مع (P) و(B)، وأيضاً بين (V) و(F).. وفي دول الشام والمغرب العربي تكمن مشكلتهم الأساسية في نطق (Ch) و(Sh-).. أما بين أخوتنا في مصر والسودان فيتميزون بمشاكلهم مع (Th-) سواء كانت تنطق (ذ) أو (ث) فينطقونها (ز) أو (س).. وأخوتنا المصريين يميلون لإضافة أصوات حروف العلة الإنجليزية بين الأصوات الساكنة المتعاقبة والمسماة (Clusters)، وكمثال واحد فقط، يميلون إلى نطق كلمة (World) بإضافة حرف علة لتصبح الكلمة وكأنها (Worled).

أغلب الهنود مثلاً يصرون على نطق الحروف الصامتة في بعض الكلمات الإنجليزية لأنها مكتوبة أصلاً في تلك الكلمات، مثل كلمة (Bomb) المنطوقة بدون حرف الـ(b) في آخر الكلمة، فينطقونها (بومب)، وكثيرة هي الكلمات التي تحتوي على الحروف الصامتة.  والفرنسيين أيضا يقتطعون بعض الأصوات بحكم لغتهم الفرنسية عند التحدث بالإنجليزية أو ينطقونها بحكم لغتهم ومخارج ألفاظهم، لتصبح كلمة (Happy) وكأنها تنطق (Appe).. ومشكلتهم الواضحة الأخرى هي مع حرف الـ(R) فينطقونها (غ).. ولن ننسى هنا مشكلتهم الأساسية في نطق (Ch-) و(Sh-) والتي انتقلت منهم لتصبح مشكلة في دول الشام والمغرب العربي كما أسلفنا سابقاً.. أما في أغلب دول شرق آسيا فهي تواجه معضلة التفريق بين الصوتين (L) و (R)، لتصبح كلمة مثل (Rice) وكأنها (Lice)، بل وكثيراً يختفي في النطق الصوت الأخير لنسمع (Rice) وكأنها (Lie).. أما في الفلبين فمشاكلهم تكمن في التفريق بين الصوتين (S) و (Z)، ويخلطون بين المذكر (He) والمؤنث (She) والحاضر والماضي وبين المفرد والجمع.. والحديث سيطول لو تطرقنا للغة الإنجليزية في كافة أرجاء أفريقيا، وبالذات مع شعوب دولتي جنوب أفريقيا ونيجيريا، وغيرها!

وكثيرة هي الملاحظات حول اختلافات النطق وتركيب الجمل واستخدام المصطلحات بين كل دول العالم، ولكل تلك العوامل تأثيراتها الواضحة على مستخدمي اللغة الإنجليزية من غير الناطقين بها.. بل وحتى شعوب الدول الناطقة باللغة الإنجليزية أصبح لكل منها لكناتها الخاصة بها مثل أستراليا وأمريكا وكندا، وغيرها.. وحتى في بريطانيا نفسها نجد اختلافات واضحة المعالم في نطق اللغة الإنجليزية الدارجة بين الشمال والجنوب، وبين اسكتلندا وايرلندا وانجلترا و ويلز.. وكذلك الوضع بين الولايات الجنوبية والشرقية والغربية في الولايات المتحدة، وحتى بين أستراليا وجارتها نيوزيلندا.

وقد كتبت كثيراً في هذا الشأن بحكم تخصصي في علم دراسة اللغات وسيكولوجية تعلم اللغات، بأننا لو قبلنا بأهمية اللغة الإنجليزية واعتبرناها اللغة العالمية الأولى فيجب علينا أن نقبل بكل اللكنات واللهجات والمؤثرات الدخيلة عليها من منطلق الواقع المفروض بأن اللغة الإنجليزية لم تعد حكراً على الناطقين الأصليين بها.. قد يسيسها البعض وينسب انتشار الإنجليزية للتاريخ الاستعماري في بلدانهم، أو قد يصفها البعض بأنها تحمل في طياتها شروراً ونوايا خبيثة للتأثير والسيطرة على الثقافات الأخرى، بل لزعزعة الوازع الديني واللغوي والثقافي، وغير ذلك من مشاعر التقوقع المجتمعي الذي يخشى التغريب والأجندات الخفية.. وفي الحقيقة لا يمكن أن ننكر أنه ربما من أحد أهم أسباب الانتشار الواسع للغة الإنجليزية قد يكون بسبب الرقعة الشاسعة للمستعمرات الإنجليزية حتى منتصف القرن الماضي من أقصى شرق آسيا حتى أمريكا الشمالية.. لكن حاجة العالم اليوم لتوفر لغة عالمية توحدهم وتسهل عليهم التواصل وتبادل الخبرات جعلت من اللغة الإنجليزية "نعمة" (إذا صح التعبير) جاءت للعالم على صحن من ذهب.. وربما يصح الظن بأن دولة عظمى جديدة وناطقة باللغة الإنجليزية مثل الولايات الأمريكية قد تبوأت هذا الدور بشكل مباشر أو غير مباشر في تعزيز عالمية اللغة الإنجليزية عبر كونها مصدراً أساسياً للعلوم والتقنيات ووسائل التواصل لتحل محل القوة الاستعمارية القديمة في ثوب جديد!!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

رنا خالديعتبر دور السينما في المجتمعات العربية والغربية كبير، وهي من أكثر القطاعات تأثيرا في المجتمعات المعاصرة حيث تنقل الرسائل المباشرة والضمنية وتحفزنا على الاثارة النفسية التي من خلالها نرى الكون من منظور مختلف، وكل فيلم يتم إعداده وتطويره ضمن قصة وثقافة معينة، ومع استمرار نهوض التكنولوجيا الحديثة أصبحت بعض الأفلام جزءا مما يسمى بالحرب الباردة، لما تحتويه من احداث عميقة لها مغزى معلوم.

ما دفعني للكتابة عن السينما ليس التحول من ناحية المضمون فقط. وانما وجود الخيال المبالغ به الذي قد يثير الاشمئزاز ويلغي المتعة، لاسيما أن متعة مشاهدة الأفلام لا تفوقها متعة، فسواء إن كنا نشاهد الفيلم في السينما أو في البيت على التلفزيون أو عبر الإنترنت، حيث المشاهدة لها أهمية ويختبئ فيها جزءا من تفاصيل حياتنا ويومياتنا ومشكلاتنا الصغيرة والكبيرة احيانا.

ربما اتناقض مع كثيرين في كتابة رأيي هذا وأقول: ان لكل جيل ذائقة نقدية تتبلور بمرور الزمن، ومن خلال مشاهدتي لفلم (Mystic Pizza) الفلم رومانسي كوميدي أميركي أنتج عام 1988 للمخرج دونالد بيتري بطولة الممثلة المفضلة لدي (جوليا روبرتس) تدور احداثه حول ثلاث فتيات مراهقات متخرجات من المدرسة الثانوية، ويعملن في منتجع (ميستيك) في صالة استقبال مطعم بيتزا، وكل واحده منهن لديها طموح تتمنى تحقيقه، ويحاولن الوصول لأهدافهن، منها الذهاب للجامعة، وقبل ذلك أي في العطلة الصيفية عملن ليتعلمن تجارب أكثر عن الحياة.

وجدت ان من عام 1988-2020 هناك نقله نوعية كبيرة واضحة في انتاج واخراج الأفلام السينمائية، حيث شعرت في احداث الفلم (Mystic Pizza) شيء من الالفة والمودة في مشاهدته في القصة واخراجها وحتى الملابس والديكورات ربما الحوار ايضا، احسست ان هذه الأجواء قريبة أكثر الى جيلي من ناحية الاحساس والتفكير، اما في عصرنا الحاضر فشتان بين هذا وذاك، انا لست ضد التحضر لكن ضد تهميش ذائقة المشاهد، حتى ولو صنفنا الأفلام من رعب الى action، animation ورومانسية درامية، لوجدنا حتى الأخيرة لا تخلو من الرعب واتحدث هنا عن السينما الأمريكية (أفلام هوليوود).

ومن باب المعلومة وعند قراءتي الأخيرة على موقع (hollywoodreporter.com) فان السينما الصينية تفوقت بشكل كبير على نظيرتها الامريكية وبدا واضحا خلال فترة انتشار جائحة كورونا حيث شباك التذاكر الأمريكي يتفوق دوما على غيره ، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان فأثناء تخبط صناعة السينما الأمريكية ومن ثم الانهيار والإغلاق وتأجيل طرح اهم اضخم الأفلام، هنا استطاعت السينما الصينية الوصول إلى ذروة الأرباح، حيث أصبحت الصين موطنا لأكبر شباك تذاكر في العالم، وذلك بعدما قفزت مبيعات تذاكر السينما في الصين لعام 2020 إلى 1.988 مليار دولار اواخر اكتوبر الماضي، متجاوزة إجمالي إيرادات شباك التذاكر في امريكا الشمالية التي بلغت 1.937 مليار دولار.

ولا يوجد شيء يبقى دون تغيير ممكن ان تختلف هذه النسب بين فترة وأخرى لاسيما بعد عودة الأمور نوعا ما الى طبيعتها او التأقلم مع هذا الفيروس اللعين.. وكما تعودنا في السنوات السابقة تتصدر الولايات المتحدة الامريكية وكندا قائمة الدول الأكثر كسبا من صناعة الأفلام السينمائية، تليهما الصين وبريطانيا، ثم اليابان والهند.

ومن هنا أقول قد يستهين البعض بقوة السينما واثارها الاجتماعية، والاقتصادية، والفكرية، الا أنها تعد من أكثر الصناعات التي تدر الربح على مستوى العالم.

 

كتبت: رنا خالد