صادق السامرائيإسحاق بن عمران، ويُقال أنه مولود في سامراء، المتوفي (294) هجرية، طبيب مشهور وعالم يُعرف بلقب (سم الساعة) .

وإن صح مولده في سامراء فأنه قد ولد بعد (222) هجرية.

ويعتبر من أوائل الذين وصفوا الحالات الإكتئابية البسيطة والمعقدة، ومن رواد أطباء النفس الذين إهتموا بدراسة الأحوال النفسية والعقلية، والذين أحدثوا تحولات حقيقية في الطب بالقيروان.

كان طبيبا حاذقا متميزا بتأليف الأدوية المركبة، بصيرا بتفرقة العلل، إشتهر بعلمه وجودة قريحته، واستوطن القيروان حينا.

ذكر إبن جلجل:

" إن إسحاق ين عمران مسلم النحلة بغدادي الأصل، رحل إلى أفريقيا في دولة زياد الله بن الأغلب التميمي (290 - 304) هجرية ..."

ويُذكر أن الأمير إبراهيم الثاني الأغلبي (235 - 289) هجرية .هو الذي إستقدمه لإفريقيا سنة (264) هجرية، وهذا أكثر قبولا فربما قدم أفريقيا في العقد الرابع من عمره.

قتله زياد الله بفصده في ذراعه فسال دمه حتى مات وصلبه لفترة بعد ذلك.

وكان عليه أن يتقي شر من أحسن إليه، وأن لا يقترب من الكراسي لأنها غادرة ملعونة مجنونة.

مؤلفتنه:

العروف بنزهة النفس، داء المالنخوليا، الفصد، النبض، الأدوية المفردة، العنصر والتمام في الطب، مقالة في الإستسقاء والقولنج، تدبير الأمراض الحادة، وكتاب في البول، وكتب ومقالات أخرى.

ويُذكر أنه المؤسس الأول للمدرسة الطبية في ربوع أفريقيا.

ومن تقييم سلوك زياد الله مع إسحاق بن عمران، أنه كان مصابا بداء الشك الشدسد، البرانويا، وما فطن إسحاق إلى ذلك فكان ضحية سهلة لهذا الأمير المثاب بلوثة عقلية.

تلاميذه:

علي بن إسحاق، زياد بن خلدون، إسحاق بن سليمان الوافد، أبا بكر محمد بن الجزار.

وقال عنه إبن أبي أصيبعة:

" وبه ظهر الطب في المغرب وعرفت الفلسفة، وكان طبيبا حاذقا متميزا بتاليف الأدوية المركبة، بصيرا بتفرقة العلل، أسبه الأوائب في عمله وجودة قريحته".

مسألتان

التقرب من السلطان والطمع من أخطر ما يواجه العقول المبدعة، لأن الكراسي فيها أسخاص غادرة وطائشة ومستبدة ولا ترحم، وذات أمزجة حادة لا تقبل العذر، وترى الأمور بمنظار الزور والشك الأثيم.

وتفسر السلوكيات وحتى النظرات وفقا لمنطوق المؤامرة والعدوان عليها.

وهذا ما أدى إلى النهاية المأساوية لإبنن عمران.

الطبيب النفسي

إبن عمران طبيب نفسي وضع الأسس لأمراض الإكتئاب والوسواس ومعالجاتها، وقد أخطأ في فهم نفسية قاتله، وما تحذر منه وتوقاه، وما فطن لمرضه وقسوته ونزقه لسفك الدماء.

فكان ضحية علمه وجهله من شدة علمه وتوهج ذكره.

 

د. صادق السامرائي

 

ضياء نافعاطلعت على بحث علمي (يتناول تاريخ الادب الروسي) بعنوان – (لقاءآت غوغول الايطالية مع اللاجئ غوركي)، وقد كتبته عام 2005 الباحثة الروسية بيلونوفا، الاستاذة المساعدة في جامعة نوفغورد السفلى (نيزني نوفغورد) الحكومية، والباحثة حاصلة على شهادة مرشح علوم فيلولوجية (اي شهادة دكتوراه فلسفة في علم اللغة وآدابها) . عنوان البحث غريب جدا (ومثير جدا ايضا)، ويمكن القول انه حتى لا يتناسب اصلا مع طبيعة عناوين البحوث العلمية (التي يجب ان تكون دائما دقيقة و محددة وصارمة، اي دون اضافات فنيّة مثلما نجد في النتاجات الابداعية).

النقطة الاولى، التي تثير دهشة القارئ بشأن هذا العنوان هي كلمة (لقاءآت)، اذ كيف يلتقي غوغول، الذي توفي عام 1852 في الامبراطورية الروسية، مع غوركي، الذي ولد في نفس تلك الامبراطورية عام 1870، اي بعد(18) سنة من وفاة غوغول ؟ النقطة الثانية هي لقاء اديبين كبيرين من روسيا في بلد اوربي بعيد جدا عنها هو ايطاليا، والنقطة الثالثة هي تسمية غوركي ب (اللاجئ غوركي). كل هذه النقاط (الغريبة !) تؤدي بالقارئ، بل وتدفعه الى الاسراع بقراءة هذا البحث طبعا وبكل دقّة، كي يجد الجواب الشافي عن تلك الاسئلة المثيرة، التي يطرحها عنوان هذا البحث غير الاعتيادي، وهذا ما فعلته أنا، وأظن، ان القارئ العربي المتابع لتاريخ الادب الروسي يريد (ويرغب ايضا) الاطلاع على تلك الآراء الجديدة في دنيا الادب الروسي، والتي تظهر في وطن هذا الادب نفسه (بعد كل التغيّرات الجذرية الهائلة التي حدثت هناك) ومن قبل الباحثين الروس انفسهم، وذلك، لأن الاطلاع على تلك الآراء و الافكار تعني اغناء المعرفة وتوسيع آفاقها حول الادب الروسي لدى القارئ العربي هذا، ومن نافل القول طبعا التذكير- مرة اخرى - هنا، الى ان الاطلاع على الافكار شئ، والموافقة عليها او مساندتها شئ آخر تماما.

لا يمكن (اختزال او تلخيص!) البحوث العلمية بشكل عام، اذ ان عملية الاختصار قد تشوّه الفكرة الاساسية في البحوث هذه، ولكن يمكن الحديث عن الانطباعات، التي تثيرها تلك البحوث العلمية لدى القراء، والانطباعات هذه ترتبط بطبيعة البحوث، اي انها (الانطباعات) تكون متناسقة ومتطابقة مع تلك الافكار في البحث المذكور . الانطباع الاول، الذي كان لديّ عند بداية قراءة البحث، جاء نتيجة تسمية غوركي ب (اللاجئ غوركي)، اذ اني توقعت (نتيجة لهذه التسمية) ان تقارن الباحثة الوضع الاقتصادي الصعب جدا لغوغول في ايطاليا (وهو لم يكن لاجئا !)، مع الوضع الباذخ جدا لغوركي هناك، رغم انه (لاجئ !) كما أسمته، وكنت أظن، ان الباحثة ستحاول هنا ان تتحدث سلبا عن غوركي، بل وكنت أخشى ان تتحول الى (منظّرة !)، وتصب (جام غضبها !) عليه، وانه قال كذا لفلان وأعلن كيت لفستان، الى آخر هذه التصريحات والثرثرات الباهتة (وما أكثرها مع الاسف في هذا الزمن الفيسبوكي !)، والتي تنطلق عادة من مواقف سياسية بحتة و مضادة للاتحاد السوفيتي وتاريخه بشكل عام، و بغض النظر عن كل شئ، وهو ما نجده طبعا عند البعض من الروس (وغير الروس ايضا)، الذين يكتبون عن الادب الروسي في المرحلة السوفيتية، ولكني وجدت منذ السطور الاولى لهذا البحث موقفا موضوعيا وعقلانيّا يختلف جدا عن كل توقعاتي تلك، اذ تكلمت بيلونوفا في بحثها هذا عن قضايا متنوعة ترتبط بغوغول وغوركي معا، بما فيها انطباعاتهما عن ايطاليا، ويجب القول انها استطاعت وبشكل ذكي جدا، ان تجد تفصيلات دقيقة (وحسب مصادر معتمدة ومحددة تشير اليها في البحث) بشأن موقع غوغول واهميته في فكر غوركي، واريد ان اتوقف هنا عند نقطة واحدة فقط (من بين تلك النقاط) التي أشارت اليها الباحثة، وهي نقطة مهمة جدا – حسب رأيّ الشخصي – في تاريخ الادب الروسي بعد انتصار ثورة اكتوبر 1917 في الامبراطورية الروسية، وتحوّل هذه الامبراطورية الى الاتحاد السوفيتي، نقطة رأيت حتى (بقايا !) آثارها و انعكاساتها في بداية وصولنا للدراسة في موسكو بستينيات القرن الماضي . ترتبط هذه النقطة بالنظرة السوفيتية، التي كانت سائدة في بدايات السلطة السوفيتية، وهي تقسيم مسيرة الادب الروسي الى (بوشكيني، اي نسبة الى بوشكين، وغوغولي، اي نسبة الى غوغول)، وكانت هذه النظرة السوفيتية تؤكد، ان الغوغولية (اي واقعية غوغول) هي التي (انتصرت !) على البوشكينية لاحقا .

ان تقسيم الادب الروسي الى بوشكيني وغوغولي، هو تقسيم مبسّط وساذج جدا، بل وحتى يمكن ان نعتبره غير صحيح بتاتا، و تبيّن بيلونوفا في بحثها المذكور، بعدم وجود اي علاقة لغوركي بهذه النظرة الساذجة، بل انها تثبت، ان غوركي لم يكن اصلا موافقا بشأنها، اذ كيف يمكن لغوركي ان يجد تنافرا وصراعا بين بوشكين وغوغول ؟

نعم، غوغول وغوركي التقيا فكريّا معا، في ايطاليا وفي روسيا، رغم تباعد سنين حياتهما، وأبقيا بصمات هذه اللقاءآت على الارض الروسية، وشكرا للباحثة بيلونوفا، التي اكتشفت هذه البصمات وذكّرتنا بها .....

 

أ.د. ضياء نافع

 

عمار عبدالكريم البغداديالتواضع مفتاح مغاليق القلوب

قالت شهرزاد: ألا تجد صعوبة بوصف كل أنسان من حولنا بأنه غاية في الذكاء ؟

شهريار: دعيني أضرب لك مثلا في قصة يتناقلها العارفون بعلوم النفس البشرية، ففي احدى المدارس الغربية إرتأت الإدارة أن تجعل تلاميذها الناجحين الى مرحلة جديدة في صفين أحدهما  للاذكياء والآخر لمن تَعتقد أنهم من الأغبياء، وشاءت الأقدار بعد إختبارات روتينية أن يحصل خطأ في توثيق البيانات على الحاسوب، فكُتِب في أعلى قائمة الأذكياء (أغبياء) والعكس صحيح في القائمة الثانية، وعلى هذا الأساس تعامل المعلمون مع تلاميذ الصفين، فتراجعت درجات الأذكياء وارتقت معدلات (الأغبياء)، وبعد اكتشاف الخطأ قررت إدارة المدرسة إلغاء الإختبار ونتائجه واعتماد مبدأ (الجميع في منتهى الذكاء)، وماحصل أن المعلمين إنتقصوا من قدرات بشر يشهد لهم معلمون سابقون بأنهم من الأذكياء، وتعاملوا بتقدير مع قدرات آخرين كل ماكانوا يحتاجون إليه إنسان يعلم تماما أنهم اذكياء كبقية التلاميذ يستنهض طاقاتهم، ويعاملهم بمحبة واحترام، ليثبتوا قدرتهم الفطرية على الإبداع.

يقول الأديب والفيلسوف رالف والدو إمرسون: " إن كل إنسان ألتقي به هو أفضل مني بطريقة ما، ومن هنا أستطيع أن أتعلم منه".

واعرف يشهرزاد  انك تجدينه صعب التطبيق على أرض الواقع وهذا يدفعنا الى السر الاول في فتح مغاليق القلوب من حولنا، تلك هي صفة التواضع فان المعنى الذي وصل إليه إمرسون إنما اعتراف بالطاقات الهائلة في عقل ونفس كل إنسان مهما قل شانه بين الناس، ذلك التواضع هو صفة العلماء والعباقرة والمفكرين والملهَمين، وكل عظيم أدرك مكامن الأسرار المودعة في النفس البشرية، ولأنه يعرف قدره، ويقدِر صفاته، فقد امتلات نفسه بكل خير،ولم تعد في هرج ومرج بين الجسد والروح .. أثقلتها المحبة، ولجمت جماحها المعرفة، فانحنت بتواضع لكل الناس، فصار محبا محبوبا، وجميع هؤلاء كإمرسون يتعلمون من عامل النظافة،ويدرسون على يد البائع المتجول، وينحنون للفقير بقلوبهم قبل أيديهم ليضعوا بين يده مساعدة مالية، ويتعلموا من إبتسامته مزيدا من دروس العطاء والإنسانية.

وفي شعر الحكمة العربية:

 ملآى السنابل تنحني بتواضع .. والفارغات رؤوسهن شوامخ

غير أنني أدرك تماما أنه ليس كل من يُطلق عليه مسمى عالم، أو أكادمي كبير يكون متواضعا،بل إن الكثير منهم غير محبوبين بين الناس،،فإن المعرفة التي لا تلامس ثنايا النفس،وتبقى مخزونة في العقل الظاهر،ولا تنتقل الى عقلنا الباطن الذي يرسم خارطة سلوكنا، ويوقد الأنوار في قلوبنا، هي علم فارغ صَنع لصاحبه قلعة عاجية يقف في أعلاها لينظر الى الناس بفوقية  وهو يعتقد أن علمه أوصله الى أعلى المراتب حتى صار فوق الناس جميعا، وهو غير محتاج الى أي منهم، وقد يسعده أن الملتمسين لعلمه المزعوم ينظرون إليه بدونية، ولو رفع الغشاوة عن عينيه قليلا لأدرك أن تلك النظرة لأعلى القلعة لها بقية تفحص الى أسفلها، ويعلم علم اليقين أن في النظرة من الاعلى الى الاسفل دلالة ازدراء لامثيل لها، وأنهم  كانوا يبحثون عن مبعث نور في قلعة عاجية لا روح فيها، ولسان حالهم يقول:ماذا يمكن أن نتعلم من هذا وهو عاجز عن أن يعلم نفسه ؟!.

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

....................

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

عدنان عويدأكثر من مرة وصديقي الفنان التشكيلي (عبد الجبار) يدعوني لزيارة مرسمه، وأنا أعده بهذه الزيارة التي لم تتحقق شروط قيامها لأكثر من سنتين، لا أقول أن السبب هو كثرة مشاغلي، ولكن لطبع سيئ عندي هو تقصيري بحق أصدقائي أحيانا، وربما هذا يعود لأسباب خاصة بي ليس هنا مجال للبوح بها.. فجأة قررت أن أزوره بعد أن لفتت نظري لوحة جميلة له معلقة على جدار غرفة الضيوف، قدمها لي منذ سنتين هديّة من باب الذكرى وطبعه الوفي لصداقتنا..

نظرت إلى اللوحة بتمعن شديد وكأني أراها لأول مرة... منظر طبيعي لجزيرة تقع في وسط نهر الفرات، جمعت في تكنيكها المدرسي بين الانطباعيّة والرومانسيّة، فجاءت ألوانها متناسقة في حرارتها وحياديتها وزهوها، حيث جاءت ألوانها مطابقة تماماً لألوان أشجار الجزيرة وتربتها والمياه المحيطة بها، وبالتالي في الوقت الذي غاب عنها التكلف في مزج وتنسيق ألوانها، إلا أنك تجد فيها حرفية عالية من حيث ضربات ريشته وانسيابيتها ودقتها في تصوير معالم المشهد، الأمر الذي يشعرك حقيقة وكأنك أمام لوحة فوتوغرافيّة... لقد أدهشتني اللوحة، وبعثت بداخلي شعورا لا يخلو من حمولة معرفيّة نبهتني إلى تلك القدرات الهائلة التي تكمن في عالم الإنسان الداخلي، وكيف تتجلي هذه الحمولة من خلال إنتاجه لخيراته الماديّة والروحيّة بشكل عام... هذه القدرات غير المحدودة في تحقيق إبداعات، تؤكد تلك القوّة التي يمتلكها الإنسان، ومن خلالها يقوم  بصناعة عالمه الذي يريده، وتكييفه مع حاجاته من جهة، ثم تفجير مكامن الحريّة التي في داخله وتصعيده لحالات إبداعيّة تتجلى بكل وضوح بما يقوم بإنتاجه أو إبداعه من جهة ثانية.

إن هذا الشعور الذي كونته عندي اللوحة جعلني اتلفن لصديقي مباشرة لأقول له:

- لقد أدهشتني  اليوم لوحتك فهزني الشوق لزيارتك...

سرّ كثيراً بشعوري هذا وقال بلهفة :

- أنا بانتظارك يا صديقي.

ارتديت ملابسي وحملت نفسي إلى منزله.. استقبلني بحفاوة وهو يقول لي:

- والله زمان يا صديقي، أين تحب أن نجلس.؟.

قلت: في المرسم يا صديق.

ضحك وقال:

- ليكن، فأنا أشتغل الآن على لوحة تعبيريّة لم تكتمل بعد، وأريد رأيك فيها.

دخلنا المرسم... كانت اللوحة معلقة على سلمها، لم تكتمل ملامحها بعد، ولكنها في نهاياتها، لوحة للجسر المعلق في دير الزور وقد تدمر الجزء الشماليّ منه.. شابُ في مقتبل العمر يقف في الطرف الجنوبي من الجسر وقد تجهم وجهه بطريقة غاب عنها التناسق الطبيعي لمفردات الوجه، بحيث يشعرك عدم تناسقها هذا وكأنك أمام تشوه أصاب مفردات هذا الوجه من عالمه الداخلي (الجيني) بغعل تاريخه المشبع بالقهر والظلم والاستلاب والتشيىء... أنف كبير، وشفتان صغيرتان غائرتان إلى حد ما في فم واسع امتلكته الدهشة التي تؤكدها عينان كبيرتان شاخصتان.. ويد طويلة تشير إلى الطرف المهزوم من الجسر... وتفاصيل جسد غير متناسقة الأعضاء أيضاً ما بين اليدين والقدمين والجذع حتى تشعر وكأنك أما إنسان من عالم آخر لا يمت لعالم الإنسان الطبيعي بصلة. أما ألوان اللوحة فأكثرها حياديّة وباردة كاللون البني والرمادي وقد صفت هذه الألوان على لوحته بطريقة فجة خارجة عن عالم التناسق والتناسج اللوني في فن الرسم، حيث تشعرك بكآبة المشهد كله.

طلبت من صديقي أن يتابع الرسم بعد أن أحضرت زوجته لنا الشاي وخرجت...أمسك ريشته بيده اليمنى وحاملة ألوانه بيده اليسرى، وراح ينظر إلى لوحته بعينين ثاقبتين كعيني صقر تبحت عن فريستها.. انحناءة بسيطة لرأسه نحو الشمال، بينما يده اليمنى قد ارتفعت قليلاً نحو الأعلى .. أحاسيسه ومشاعره وحركات جسده كلها انشدّت باتجاه لوحته وتحولت إلى قوة فجرتها حريته الداخليّة الراغبة في تجسيد تصورات عالمه الإنساني المشبع بالقهر والظلم... عالم حوصرت فيه حريّة الإنسان من قبل محيطه الخارجي، ولم يبق له فيه سوى حريته الداخليّة وأدواته المعرفيّة وأحاسيسه وعواطفه، التي يريد عبرها أن يجسّد قهره وظلمه وتشيئه واغترابه في لوحة يشعر بأنه قادر أن يقول لمن مارس عليه القهر والظلم والتشيىء والاغتراب من الخارج، أنا قادر على التحدي. بالرغم من أن هذا التحدي في حالته التي تكمن وراءه هذه الحريّة الداخليّة الفطريّة، حاصرها الخوف، فاضطرت أن تلجأ للرمز بأشكاله التعبيريّة أوالسورياليّة أوالعبثيّة .. الخ.

هكذا تتجلى حريّة الإنسان الداخليّة لدى الإنسان بشكل عام، ولدى المبدعين بشكل خاص، فلولا هذه الحريّة الداخليّة لما كان هناك إبداع، ولا ثورة على التقليد وحصار العقل والجسد، ولما كانت هناك ثورات سياسيّة لمقاومة الظلم، ولما كان هناك استمرار لهذا الإنسان ذاته في هذه الحياة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

 

 

صادق السامرائيالإيمان: التصديق، وهو مصدر آمن، الإعتقاد بالله ورسوله، "الذين أوتوا العلم والإيمان " الروم 56

"الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"

"الإيمان ما وقَرَ في القلب وصدّقه العمل"

"الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان"

الإيمان طاقة نفسية ذات تأثيرات روحية فائقة التعبير عن القدرات الخارقة، الكفيلة بإنجاز ما لا يمكن تحقيقه بدونه.

وهو العمود الفقري للوجود الحي، فبدون قوة الإيمان تنتفي مسيرة الحياة، وتتعطل إرادة الوجود الفاعلة في الكينونات الترابية الساعية فوق التراب.

وكل مخلوق يمر بأزمات حرجة قد يواجه فيها مصيره المحتوم، وفي أثنائها لابد أن يتدرع بالإيمان ويستحضر عناصره، ويتفاعل مع آلياته المعززة للروح والمؤازرة للنفس، فتتوفر عنده طاقة المقاومة والتحدي والإصرار على ديمومة الحياة.

والحياة بجوهرها لا تستقيم إذا تجرّدت من الإيمان، ولهذا فهو ضرورة جوهرية وحاجة حتمية، يتوجب على المخلوق العاقل التمسك بها والبحث عنها، والتفاعل بها لتوطيد أركان صيرورته الإنسانية، وإطلاق ما فيه من كوامن الطيبات والساميات، ليكون في تواشج مع علياء الوجود المطلق.

والذين يفقدون الإيمان يعيشون حالة الخوار والتيهان والضياع المدمر لكينونتهم الإنسانية، ومصيرهم الترابي المعلوم، فالإيمان يمنح الحياة معانيها، ويحببها إلى الخلائق الساعية فيها، والجارية كالأمواج في تيار المصير.

فالعلاقة بين الحياة والإيمان لها أبعادها التفاعلية الإيجابية، الآخذة إلى آفاق النبل والعزة والكرامة، والقدرة على تأكيد الذات والتواصل الواعي مع الموضوع.

وفي لحظات المواجهة الجادة مع إرادة الموت، تتمسك الحياة بالإيمان وتتجسم صورتها في مفرداته وعناصره المتراكمة في أعماقها، والفاعلة فيها أثناء مروقها بواقعها الزماني والمكاني، وعندما تستحضر ينابيع الإيمان ومشاعل اليقين فأن الحياة تمتلك قدرات الإنتصار على الموت، وتواصل مسيرتها المظفرة بالعطاء النبيل.

وربما يساهم الإيمان في تقوية القدرات المناعية والدفاعية في الأبدان، ويولد طاقة فعّالة للقضاء على نشاطات الخلايا السرطانية والحد من جنونها، لكنه على ما يبدو في حالات متنوعة يكون له دور واضح في تأمين آليات الشفاء والإنتصار على أخبث الآفات التي تصيب البشر.

والأمراض الخبيثة تضع الشخص في مواجهة حقيقية مع الموت، لأن الخيارات محدودة والإمكانيات ليست مؤكدة، لكن التفاعل مع الإيمان وما يولده في البدن من قِوى يساهم بتقوية إرادة الشفاء والمعافاة.

ولهذا تلجأ العديد من المراكز العلاجية لتقوية الإرادة الإيمانية، وبث المشاعر الإيجابية، وتأهيل النفس للمجابهة والتحدي والتواصل مع الحياة.

فالإيمان إدراك عميق لقدرات ذاتية مطمورة في دنيا البشر، يمكن التنقيب عنها وإستخراجها وإستخدامها للتعبير عن مشاريع مستقبلية متصلة بتيار العطاء والبقاء.

والعلاج بتحفيز طاقة الإيمان الكامنة له نتائجه الإيجابية وقوته الشفائية، التي تؤكدها الممارسات الإيمانية المتصلة بالتفاعل مع الأزمات الصحية.

فهل أن الإيمان طاقة خفية ذات تأثيرات هرمونية ونفسية تفعِّل قدرات المناعة والمقاومة وإنتاج الأجسام المضادة لأعداء الحياة؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

مصطفى النبيهللمخرج المبدع "حسام أبو دان" وللسيناريست المتألق "زكريا أبو غالي"

غزة كعادتها تخرج من الرمضاء واثقة الخطى تنتصر للحياة، تدرك دور السينما في رسم واقع جديد يسهم في إعادة صياغة الرواية الفلسطينية بشكلها الطبيعي ونفضها من الحالة الضبابية إلى النور، فغزة، المدينة المغلقة، معجونة بالمآسي والبطولات والتضحيات، فلا أبالغ لو قلت إن كل بيت وشارع وزقاق في هذه المساحة الضيقة يحتوي على عمل درامي، يفتح شهية صناع السينما لينهلوا من خيراته. والحديث عن الشهداء والأسرى وتجربتهم النضالية وتضحياتهم وعطائهم اللامحدود يؤهلنا أن نصنع مئات الأفلام والمسلسلات، فهم نماذج مشرّفة في الحكاية الفلسطينية، وعلى الأجيال أن تستسقي من تجاربهم.. وُجدت السينما لتصنع لنا فضاءات من الجمال والمعرفة والتشويق وتثقفنا وطنيا وإنسانيا. ومن خصائص سينما المقاومة، أولا: أن تتحرر من الأنا والحزبية. ثانيا: أن تكون حاضنة للشعب الفلسطيني. ثالثا: أن تكون مقنعة للعالم في معالجتها الفنية والبصرية.  وعندما تتوفر هذه الشروط ستكون وسيلة من وسائل النضال التي ستخدم القضية في كافة المحافل وستسهم بتغذية الأجيال بالأفكار البناءة والمعرفة التي تحتكم للعقل وتخاطب الأفئدة.

السمة الأساسية التي تميز صناعة السينما، العمل الجماعي، الأنا والنرجسية لا يصنعان سينما، فلن ينضج أي عمل فني ما دمنا نعتمد على الخطابة والتنظير ونبصر من ثقب إبرة ولا نرى من الكون إلا لونا واحدا، فلا يُعقل على صنّاع الإبداع أن يحصروا فعل النضال الفلسطيني بحزب بعينه. أنا لا أعارض أن يفتخر كل فصيل بأبنائه ويصنع عنهم مئات الأفلام، هذا من واجبه، ولكنَّ الأجمل عندما نسلط الضوء على فئة معينة أو مرحلة زمنيه وتاريخية، ألا نهمش الآخرين. علينا أن نبتعد عن الفئوية والحزبية وألا نحصر المقاومة بالجهة المنتجة ونتناسى باقي المجتمع، وفي النهاية نخرج بتجزئة باقي المجزء ونغذي الفئوية. والنتائج للآسف ستكون سلبية ولن تمنح العمل قوة، وسيكون الجمهور المستهدف هو الشخصيات التي تنتمي  لنفس الحزب المنتج  وبهذا تضيق الدائرة ، فالمَعيب دوما  لو تخيلنا  بأننا نتميز عندما تستعبدنا الأنا وننفرد بالتغريد المنفرد  ونتجاهل الكل الفلسطيني، سر الجمال الحياة لا يكون بالانفراد والتهميش بل بالمنافسة الشريفة، فالحديث بالشكل الجمعي يمنحنا قوة، وقلوبا متفتحة تستوعب الكل الفلسطيني .  فأتمنى على كتّاب السيناريو في المرحلة القادمة عندما يتحدثون عن التجربة النضالية ومراحل تاريخية مازالت حاضرة في الذاكرة ألّا يهمشوا الآخرين، فعلى الأقل أن يتم استعراض الأجواء العامة وطبيعة الحياة والمرحلة الزمنية والتاريخية.

  "ميلاد الفجر" مسلسل يتناول قصة حقيقية لهروب ستة فلسطينيين من حركة الجهاد الإسلامي في شهر رمضان في السابع عشر من آيار عام 1987.

  حيث تبدأ الرواية من خلال ابن شهيد يعمل في داخل الأراضي المحتلة، يعود إلى بيته أثناء منع التجوال، فيكتشف أن ابنه الوحيد يعاني من ارتفاع بدرجة حرارته، فيقرر أن يكسر منع التجوال ويأخذه للمستشفى. وفي الطريق يلتقي بجنود الاحتلال فيمنعونه من مواصلة سيره ويطلبون منه أن يلقي ابنه على الأرض، ويتم اعتقاله وتعذيبه بشكل وحشي همجي. وبعد فترة يطلق سراحه فيبحث عن سلاح والده الشهيد المدفون تحت الشجرة فيشاهده أحد العملاء ويشي به فيتم اعتقاله ويعود للتعذيب للمرة الثانية بنفس الطريقة الوحشية. وأثناء سجنه يلتقي مع فصيل من فصائل المقاومة ويتم تكليفه بعمل جهادي وهو أن يساعدهم حتى يتمكنوا من الهروب من سجن غزة المركزي. وتتواصل الأحداث وتبدأ عملية المقاومة في المحافظات الجنوبية والشمالية من إعداد مقاتلين وتدريبهم وتنفيذ عمليات حتى يأتي يوم ويستشهد الأسرى الذين فروا من السجن، ويواصل "جهاد " المقاومة.

يستعرض المسلسل أيضا حادثة استشهاد العمال من قبل إسرائيلي متطرف قام بدهسهم واندلاع انتفاضة الحجر عام 1987 وتستمر العمليات البطولية خلال الحلقات ...

 قبل قراءة المسلسل والحديث عن التفاصيل وخاصة مقومات البناء، أقولها وبصراحة، نحن أمام كاتب سيناريو مبدع، الأستاذ زكريا أبو غالي والذي يبشر بالخير. قدّم خطا دراميا واضح المعالم وتجربة فنية رائعة رغم بعض الهفوات التي ظهرت في سياق العمل وخاصة في المعالجة الفنية، وأحيانا في البناء والحوار الخَطابي وجغرافيا المكان بين المحافظات الشمالية والجنوبية، وتنقّل قائد الاحتلال بين غزة والضفة، وكأن الاحتلال مجرد أشخاص.

 فمثلا في الحلقة الأولى يأتي "جهاد "الذي يعمل داخل الأراضي المحتلة في منع التجوال ليكتشف أن ابنه مريض فيأخذه للمستشفى للعلاج، وفي طريقه يلتقي بجنود الاحتلال، وبشكل همجي وسريع يفرض عليه أن يلقي ابنه على الأرض ويتم اعتقاله ويترك خلفه ابنه ملقىً على الأرض. الهدف من ذلك إظهار وحشية المحتل، وهذا جيد ولكن، بخصوص المعالجة للمشهد كانت ضعيفة لم تقنع المشاهد، فنحن نتحدث عن عامل يخرج أثناء منع التجوال وهذا إن دل فهو يدل على أنه يملك تصريح خروج للعمل، وهذا يفقد مصداقية المشهد والسؤال المحير لماذا كل هذا التعذيب بعد اعتقاله؟!

 كان بالإمكان أن يبدأ المشهد داخل البيت...  الابن مريض والأب والأم في حيرة من أمرهما وهم يصغون إلى حركة العربات الإسرائيلية التي تقتحم المخيم وصوت الجندي وهو يعلن منع التجوال، يتصاعد التوتر النفسي للأسرة مع ارتفاع درجة حرارة الابن، فيقرران كسر المنع لمعالجة ابنهما. وفي الطريق تحاصرهما قوة إسرائيلية ويمنعونهما من الحركة. يسخرون من الأب والأم ويقومون بحركات استفزازية تغضبهم، يتلذذون بمعاناة الطفل، تتعالى ضحكاتهم كلما زادت حالة الطفل سوءا. وفي النهاية يثور الأب، يدفع الجندي ويواصل سيره لينقذ ابنه فيتم اعتقاله. ونشاهد التعذيب الوحشي داخل السجن وبهذا يكون الأمر مبررا ومبنيا على نتيجة.

ثانيا: مشهد السائق الذي يرقص ويطلب الجندي من أمه أن تصفعه، مشهد مؤثر جدا. من عاش هذه الفترة الزمنية يذكّره الوجع بتفاصيله.

المعالجة لهذا المشهد كانت ضعيفة ،على صعيد الشكل والمضمون، كنا بحاجة أن نرى عبقرية الممثل وقدرته على تفجير المخزون العاطفي ليؤثر في المتلقي وكذلك فلسفة المخرج بالتقطيع وبناء اللقطات، فنحن نتحدث عن امتهان آدمية الإنسان، فلو تم معالجة هذا المشهد بحرفية سيبقى في الذاكرة حتى بعد نهاية المسلسل.

ثالثا: بخصوص مشهد الطفل المريض الذي استشهد على الحاجز، يحتاج لإعادة معالجته حتى   يوثّق جريمة تستهدف الطفولة ويبرر قتل جنود الاحتلال وهم نائمون داخل الخيمة بالبلطات والسلاح الأبيض.

رابعا: حادثة استشهاد العمال بعد دهسهم، الحدث الذي أسهم في انتفاضة الحجر، تم معالجته بشكل سريع، لم نعش لحظة مع معاناة العمال، لم نر كيف كان يتربص بهم المتطرف الإسرائيلي ويراقبهم وهم ما بين اليقظة والنوم، وآلية تنفيذ الجريمة فما شاهدناه كان حدث عابر وسريع، حتى الحديث عن انتفاضة 87 مرت بشكل هامش وكأنها حدث عادي. للأسف كان التركيز أكثر على مزايا الحزب في المقاومة وتناسينا الجميع 

خامسا: استشهاد الأسرى المحررين في الحلقة الثامنة عشرة بعد اشتباكهم مع الاحتلال.

رغم أنه من المشاهد القوية المؤثرة إلا أن المعالجة كانت هزيلة. فهل يعقل أن نرى عربتين للمقاومة ولشخصيات مستهدفة من قبل الاحتلال تقف في الشارع العام وتنتظر فترة من الزمن وكأنهم ينتظرون قدوم الاحتلال لينهوا المشهد. فحتى لحظة مفاجأتهم من قدوم دورية الاحتلال   كانت مفبركة. الحلقة 18 من الحلقات المميزة بصريا وإيقاعياً، تخيلت للحظة أن هذه الحلقة ستكون نهاية العمل بعد استشهاد الأسرى المحررين وهروب "جهاد " والذي يرمز لاستمرار المقاومة. ما السر خلف استشهاد كافة الأسرى المحررين في الحلقة 18 واستمرار العمل؟! كان بالإمكان أن يكون استشهادهم في نهاية الحلقة الثلاثين ويبقى العمل محوره هروب الأسرى والمقاومة إلا إذا كان الهدف توثيقا تاريخيا لعمليات الحزب.

السؤال الذي يراودني بعد قراءة أي عمل فني، من الفئة المستهدفة من العمل؟ هل رسالتنا محصورة محليا، أم نريد أن نتحرر ونروي للعالم واقعنا اليومي، لينتصر لقضيتنا العادلة؟

مسلسل "ميلاد الفجر" التجربة الثانية للمخرج المبدع حسام أبو دان، والذي بدأ يتطور بشكل ملحوظ على الصعيد البصري، حيث تجاوز الهفوات التي سقطت منه في العمل السابق. وهذا يبشر بميلاد فجر لمخرج جميل يمتلك أدواته ويلتف حوله مجموعة من المبدعين انتصرت للشكل وأغمضت أعينها لحظات عن المضمون، فالتكوين البصري للقطات جميل والمَشاهد تسير بانسيابية يحلق بها مجموعة من الممثلين المحترفين، بداية من بطل المسلسل الفنان "غسان سالم " الذي قام بدور "جهاد " الشخص الغامض الذي يعتمد على الإيماءات في التعبير، ورغم طاقة الفنان الإبداعية إلا أن انفعالاته من بداية العمل حتى نهايته سارت بوتيرة واحدة، وهذا خلل واضح يتحمله المخرج، وأيضا هناك خلل في بناء العمل..  فمثلا بعد اعتقاله للمرة الثانية أصبح في دائرة الشبهات، وهذا بناء على حديث الشيخ الذي قام بدوره الفنان " بلال الزيني " حيث خاطب الفنان الجميل "لؤي نجم الذي قام بدور " أسامة " وصرح له بهذه المعلومة،  وبعد ذلك  أصبح "جهاد " محور المقاومة ومضت الأحداث بشكل طبيعي وهذا يعد شرخ في البناء فالمفردة لا بد أن تكون مفتاح للحدث والشخصية ، رغم الاختلاف بالمواقف لم تتغير ملامح  "جهاد " وانفعالاته ولم تتطور شخصيته،  وهذا الانطباع تكرر أيضا بشخصية الفنان القدير "جواد حرودة"  الذي قام  بدور "فكتور" ، فهو شخصية مسطحة تعتمد على الصراخ  والانفعال الواحد، وهذا ضعف يتحمله المخرج .  جميل أن نهتم بجماليات التكوين واختيار المواقع والزوايا وبناء اللقطات المعبرة ولكن من المهم أيضا أن نهتم بالممثل ونرسم إيقاعا خارجيا وداخليا للشكل والمضمون من خلال تقطيع الحوار بشكل هندسي وكأننا نكتب قصيدة على بحر من البحور، وأي خلل في الوزن يكسر الإيقاع.  تكرر مشهد العنف بنفس الطريقة والشكل يضعف المضمون لدى المتلقي، فالعين تحب التنوع. مسلسل ميلاد الفجر يحمل نماذج من المبدعين   وعلى رأسهم الفنان القدير على أبو ياسين الذي أبدع بتلقائيته في تمثيل دور الأب. ولا أعلم لماذا اختفى بعد الحلقة السابعة عشرة... وجود وغياب الممثل لا يكون بشكل عبثي فالعمل الفني بنيان مرصوص يشد بعضه بعضا وأي خلل في الشكل الداخلي والخارجي يساهم بالانهيار. في هذا العمل أبدع الفنان المخضرم زهير البلبيسي بدور الخال، والفنان المتألق محمد أبو كويك بدور " الدكتور "، والفنان المبدع "على مهنا " الذي تألق بدور سراج، حتى تخيلنا للحظة أنه شخصية المقاوم الحقيقية، والفنان الموهوب "سيف أبو سيف " والذي جسّد بفن وإتقان شخصية بطل السلاح الأبيض الفنان، كما ابدع الفنان "برنج المدهون " و الفنان "حسن الأشرم "، والعديد من الفنانين المشاركين في العمل.

 ما يميز هذا المسلسل، المشاركة النسائية المميزة التي تركت انطباعا جميلا لدى المشاهدين، بداية من الفنانة القديرة "كاميليا أبو سمك "التي قامت بدور أم جهاد، والفنانة المتميزة "لينا الأسطل" التي قامت بدور الدكتورة، والفنانة " ديانا الأيوبي " التي قامت بدور زوجة جهاد، والعديد من الشخصيات النسائية المبدعة.  جمال هذا المسلسل يكمن بما يقدمه لنا من طاقات شابة متميزة.

 أي عمل في الكون لا يصل لمرحلة الكمال... نحن نجتهد بالقراءة عندما نجد عملا جميلا، والهدف من ذلك أن نبحث عن الأجمل في تجاربنا القادمة. لذا سنتحدث عن بعض الملاحظات في بناء الشخصية، فهناك شخصيات نامية وشخصيات مسطحة، وعلى المخرج أن يغوص في عمق الشخصية ويدرس نفسيتها ولا يكتفى بالشكل الخارجي، وخاصة عندما نتناول شخصية العدو المتمثلة بشخصية " فكتور" الانفعالي المتوتر الذي يعتمد في أدائه على الصراخ، فجميل أن تظهر ذكاء المقاومة ولكن من غير المستحب أن تظهر غباء العدو المطلق، فإن كان بهذا الغباء فما سر وجوده؟ فلا يعقل أنه لا يتقن إلا فن الضرب، فغالبية الشعب تعرض للاعتقال، والجميع يعلم أن هناك وسائلَ قذرة كان يتّبعها المحقق وخاصة التأثير النفسي للحصول على أية معلومة، فالتعذيب لا يقتصر على التعذيب الجسدي بل هناك أساليب نفسية فتكرر نفس مشهد التعذيب أفقده قيمته الإنسانية. علينا أن نركز جيدا ونحن نبني المشهد، فمثلا عندما قام الاحتلال بتشغيل المروحة على الخال الفنان المبدع "زهير البلبيسي" والذي أوحى لنا أنه يرتعش من البرد، بعد ذلك نشاهد المقاومة أمام المغارة في المحافظات الشمالية وهي تلبس ملابس صيفيه...! هذا الهفوة يجعل العمل بدون مصداقيه.

هناك سؤال محير...!

لماذا اختار الكاتب والمخرج شخصية العميل الذي قام بأدائها الفنان الكوميدي ثائر أبو زبيدة، عبارة عن شخصية مرحة متسامحة، إنسان يعيش بأسرة نموذجية ويمتلك إمكانية مادية وعلاقات اجتماعية ثم يتطوع ليخدم الاحتلال وكأنه يريد أن يظهر أنَّ الفلسطيني يسقط بناء على رغبته...!  وهل يعقل أن إنسانا خائنا يتجسس على أسرته ويبيع وطنه يحاول حماية أخيه أمام المحتل المتمثل بشخصية "فكتور"؟

لقد عانينا من تشويه الشخصية الفلسطينية واتهامها بالخيانة رغم أن من يتابع ملف من سقطوا بالعمالة يعلم أنهم كانوا ضحايا قام المحتل باستغلالهم واستدراجهم بأسلوب أو بآخر.

وأخيرا.. نحن أمام عمل جميل راقٍ يروي الحكاية الفلسطينية وانتماء الفلسطيني لأرضه وشعبه، من أبطال هذا العمل الفنان الموسيقار المبدع "جبر الحاج " الذي أمتعنا بموسيقى تجسد الواقع. فكل الاحترام والتقدير لكل من أسهم في هذا التجربة الجميلة وإلى الأمام دوماً.

 

بقلم / مصطفى النبيه

 

 

صادق السامرائيإهتم أبناء العربية بجمع مفرداتها في كتب تسمى المعاجم، ورائدهم الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب أول معجم للغة العربية إسمه "العين"، وبعده توالت معاجم متعددة ألفها جهابذة العربية في عز توهج الأنوار المعرفية الحضارية لأمتنا.

وكنز المفردات العربية ثري وقابل للزيادة والنماء والتوالد والإشتقاق المتوافق مع عصره، فهي لغة خالدة ومن ضرورات الخلود التواكب والتجدد والإبداع الأصيل.

والعجيب في أبجديات اللغة أنها لا تنضب عندما تتفاعل مع بعضها، فتأتينا بما هو جميل ودال على معنى أو إسم.

وقد تولعت بالكلمة ومعناها منذ الصغر، وتحولت لعبة الكلمات إلى هواية أمارسها وأتمتع بما أتعلمه منها، وكيف أنها تحفز قدرات التفكير والربط والإشتقاق والتنوير.

فلكل كلمة تأريخ ومعنى وقدرة على التفاعل مع محيطها الذي ولدت أو تواجدت فيه، وخلفها سيل دافق من المعارف والقصص والحكايات، والأحداث الممتعة المذكية لمشاعل الإبداع.

فالغوص في بحر الكلمات يساهم بصيد الجمان الإبداعي النفيس، الذي يغذي الروح والعقل والقلب والنفس، ولا يمكن لثقافة أن تترعرع وتتنامى إذا لم تنهل من فيض الكلمات، وتتنعم بالثراء اللغوي، ويكون لصاحبها معجمية تؤهله ليفكر بقدرات إستثنائية وطاقات فريدة.

وتجدنا في واقعنا التعليمي والتربوي نغفل هذه المهارة المعرفية، ونهمل التركيز على الكلمة ومعناها، وأساسها وإشتقاقها وما يتصل بها من أطياف معرفية، وتفرعات ثقافية ذات طاقة تنويرية ساطعة.

بينما الأمم الحية المتقدمة على غيرها، تهتم بتزويد مواطنيها بذخيرة لغوية تؤهلهم للتعبير والتفكير الجاد الواضح المبين والدقيق عمّا يريدونه ويتطلعون إليه.

بل وتمضي بضخهم بالمفردات حتى نهاية التعليم الجامعي، ولهذا تجد من أهم إمتحانات القبول بالجامعات هو التعرف على الذخيرة المعجمية لدى المتقدمين، وهناك حدود يجب أن يتخطاها المتقدم لكي يحصل على القبول، ذلك أن المفردة اللغوية من أدوات التفكير المهمة، والتي عليها أن تتوفر بغزارة ليتمكن العقل من الإنتاج السليم.

فهل لدينا القدرة على تنمية معجمياتنا الذاتية لنكون؟!

 

د. صادق السامرائي

 

 

عبد الخالق الفلاح  يجب أن تخضع الكتابة للضوابط الفنية والعقلية والواقعية والشروط المحددة في أصول الكتابة بحيث لا يُترك المجال الى تجاوز الخطوط الحمراء التي تحفظ قيم الإنسان وفي عدم التجاوز على الحقوق والحريات الأساسية للأفراد وينبغي أن تكون الاخلاق سيدة المواقف، أيا كان الاختلاف السياسي وبدون ذلك لن تكون هناك ميزة تنافسية في الساحة السياسية والحرية مرتبطة بالمسؤولية، والمسؤولية لاتقف فقط عند التحري عند المعطيات والأخبار ولكن لها تُعد أخلاقي خاصة لدى الفاعلين السياسيين خاصة أولئك الذين ينطلقون من المرجعيات السياسية ويتكلمون عن تخليق العمل السياسي وهناك عوامل تحدد أسلوب الكتابة وطريقة إبراز الحجة عن الأطراف، أهمها طبيعة الموضوع، وأهدافه، ونوعية المناقش ذاته وهل ذلك الذي يتبناه الكاتب نهجاً علمياً معيناً وأسلوباً ثقافياً ذا صبغة عقلانية أم عاطفية؟ والاهم درجة قَبول المخاطَب لهذا الاسلوب، ويجب رفع شعار تخليق الحياة السياسية والارتقاء بالخطاب السياسي" نحو الأفق ولا يمكن لأي كاتب أو صاحب اي رسالة إنسانية، أن يكون مشهوداً من دون مروره بالأصول السياسية ومعرفة مواقفها الخلافية وعادة تكون لفهم الواقع لا لفرض الإرادات؟ وهذا يتبع مدى فهم المشارك في النقاش لطرح وجهات النظر في المناقشة ولو تأملنا شهرة وتأثير لدخول “ س “ مثلاً في كنفرانس معين أو الاشتغال بمركزاً سياسياً معيناً فعلينا ان ننظر الى كفائته قبل كل شيئ، لان في الحقيقة ان الحوار جزء من المسؤولية على فهم الأحداث وتبسيط الرؤى، سواء عبر التحليل أو الشرح أو تناول المواضيع من زوايا مختلفة،والهدف هو توسيع زاوية النظر ومدى استيعاب المشارك في الحوار بالوسائل الضرورية ولكي يتمكن (س) من ايصال التحليل وفهم ما يجري وبالتالي الوصول الى اقل ما يراه مناسباً له في المواقف .

أن الخلط اليوم أصبح كبيرا لدرجة أن الإنسان لم يعد يستطيع أن يميز بسهولة بين الفواصل الإيجابية والسلبية ممادفع البعض في التماهي بيلعبوا دور السياسي الخاطئ وان المفهوم السياسي يتميز بشحنة إضافية من التتبع للشأن السياسي والنقد للمواقف السياسية، على أهميته القصوى والحاسمة ومُسار فهمهم في أغلب الاحيان عند الكثير من العامة وظل العمل السياسة أمرا غير مستحب، ومخيفا رغم كل التطور العلمي والثقافي، وأمست الكثير من المجتمعات تعاني من تدن خطير في مدى الوعي السياسي لمواطنيها. ولا يتجلى هذا التدني في الجهل السياسي وحسب، بل يتعداه لإساءة فهم المصطلحات والمفاهيم السياسية السائدة عالميا وما لاحظنا خلال متابعتنا لحياة العديد من كبار السياسيين نجد ان الكثير منهم قد انحرف عن الخط الذي عمل عليه بأقل اهتزاز سياسي وسقط في مستنقع الرذيلة، وهنا تكمن مأساة كبرى،لا يحس بوجودها إلا قلة من المثقفين. وللبعض تفسيرات أقل ما يقال عنها إنها كانت غير واعية، أني أرى اليوم بوضوح كيف يمكن للأيديولوجية الغير واقعية أن تفسد ذائقة الإنسان وتجعله متبلدا وعديم الذكاء، كل همه هو البحث في المقالات والكتابات عما يؤيد وجهة نظره في شعر بالنشوة والارتخاء، أو يعارضها فاستل سيفه للهجوم والانقضاض، معتقدا أنه بهذه الطريقة قد أدى واجبه وأدى خدمته للقضية التي يعمل لها ليكتشف بعد سنوات بأن الأمر ربما لم يكن على النحو الذي تصوره .الكتابة السياسية هي من الظواهر الاجتماعية التي ينبثق عنها إمّا توافق أو تعارض معها في النقل لا محال، فأحياناً تكون هذه الظواهر عن تحرر أو تنمية، فتقوم الكتابة السياسية برسم تصور لهذه الأفعال السياسية إمّا برؤية مرجعية أو برؤية مستقبلية فيجب على الكاتب أن يكون مثقّف سياسياً؛ لأنه في حال لم يكن مثقف سياسي سيكون خلافه مع هذه الظواهر عن طريق العنف وتعبيره عنها بأهواء شخصية ليست محايدة، أن الثقافة السياسية توحّد فكر الشخص بحيثتحدّد قناعات الشخص ومبادئ التي تواجهه وتوعيه نحو حقوقه وواجباته إذا ما درسها بحكمته ويقظته حتى لا يقع بجب الارتداد.الكتابة في السياسة في كثير من الأحيان تدفع إلى تطبيق فنون المراوغة والتستر في تجنب العدالة الرقابية وعدم تسمية الأشياء بأسمائها، ما يحدّ من نفع الكتابة في تمليك ألادوات لاستيعاب شروط والتحكم فيها وكذلك أفسدتها أيضا عبر إنتاج معرفية مموهة، عمومية، لا تقول شيئا مما تحتاج إلأ بفهم حقيقي للترجمة إلى لغة أكثرعينية مبسطة، لقد فسدت النظم السياسية من قبول النقد وسهلت فرصة المتواطئة مع الكتابة والتعامل معها بدلاً من نقد اخطائها، وتتعدد أنواع وأساليب النقد السياسي فهناك النقد العام والنقد الخاص والنقد الذاتي والنقد الموضوعي والأساليب تختلف من كاتب إلى أخر حسب وجهة النظر للناقد فإنه يعبر عن شخصيته واستيعابه وفهمه للأمور قبل إن يعبر عن رأيه في الشخص أو الجهة المنتقدة كل ذلك يوجب على الكاتب السياسي أن يكون صادقا وحاذقا... يقدم المصلحة العامة على كل ما عداها. فلا بد أن تكون المصلحة العامة غايته الأولى والأخيرة، وأن يتجنب الانحرافات وراء الأخطاء... كي لايلحق أذى بالآخرين ممن يكتب لهم، وعلى الكاتب أن يتذكر دائما أن هذا الميزان قد أصبح المعيار الأساسي والأول، الذي يقاس به بناءاً على أداؤه، من قبل المتلقي. أن البعض ممن يتحدثون عن غيرهم هم في الحقيقة يسترون عن عيوبهم بإظهار نواقص الآخرين وهو مهرب نفسي أكثر منه جهد فكري بناء، فليس أيسر من رؤية النقص عند الناقصين، وحتما سيكتب يوماً نقد عميق عن مرحلة فكرية قادها مرضى مصابون بالهلوسة قضوا حياتهم يعيقون غيرهم عن التقدم.

 

عبد الخالق الفلاح

 

نبيل عودةحضرت قبل سنوات ندوة ثقافية عن النقد المحلي، قال ناقد معروف انه يكتب عن كل اديب يصدر كتابا فقط. قال آخر ان نقدنا لا يواكب إبداعنا المحلي ويتجاهل أقلاماً ادبية واعدة، ولم يتطرق لأي نموذج، ولم يكتب نقدا هو أيضا الا حسب المميزات المذكورة أعلاه، وتحدث شاعر وناقد هو المرحوم عيسى لوباني (توفي عام 1999) وكانت له زاوية رائعة في مجلة الجديد بعنوان "الشعر في الميزان" كانت نقدا جادا وابداعا قل نظيره النقدي في ثقافتنا، ربما لم تصدر مقالاته تلك بكتاب، وامل ان يفعل ذلك ابنائه!!

قلت ان بعض الكتاب لديهم قصص متراكمة لعدة مجموعات قصصية، وانا منهم، لدينا مشكلة في النشر ولا نجد من يهتم بنا لأن الاهتمام ينحصر بأسماء قليلة مقرَّرة سلفا، لها مكانة سياسية وبرلمانية وإعلامية بصحافة حزبها، وليس حسب برنامج ثقافي وطني لرعاية تطوير ثقافتنا وايضا وليس بناء على مستوى إبداعها رغم اني لا اقلل من ابداعها الثقافي.

 أضفت: لست مستعدا لصرف ميزانية ضخمة على حساب أهل بيتي لأصدر كتابا يحتاج الى جهد كبير وشخصي في توزيعه ولا ارى نفسي تاجرا يدلّل على كتبه... وقلت: منذ انطلقت الانتفاضة قبل ستة أشهر كتبت ما يزيد عن 30 قصة ولا أعرف كاتبا نشر نصف ما نشرته في نفس الفترة، وبنفس المستوى القصصي، التي لفتت انتباها عربيا واسعا في العالم العربي ونشرت بعض قصصي بمجلة شيوعية لبنانية، وتناولها ناقد سوري هو محمد توفيق الصواف بكتابه "الانتفاضة في أدب الوطن المحتل" اعطى لقصصي مساحة اساسية في كتابه النقدي وتقييمه لقصصي اسلوبا ولغة سردية واعتبرها من افضل ما كتب عن الانتفاضة فلسطينيا.. بل وكانت المساحة التي خصصت لقصصي في كتابه أكثر من نصف الكتاب.

وأضفت: هنالك من يحظون "برعاية نقدية" خاصة لكل "خربشة قلم" والاحظ انهم أقرباء شخصيين او أصدقاء شخصيين او لهم مكانة حزبية مؤثرة (في وقته) حتى انه أي عمل تافه يحظى بالتناول والتطبيل والتزمير... وأطلقت على تلك الحالة تسمية "النقد المبني على منفعة الناقد الشخصية".

الأديب المرحوم عفيف سالم (توفي عام 2011) عرض موقفا مشابها لموقفي... وقال: أحيانا قصة واحدة أفضل من عدة مجموعات قصصية يتناولها النقد الأدبي. هل هذا تبرير لتجاهل النشاط الإبداعي لمن لم يصدر كتابا؟ وانتقد النشر الانتقائي لأسماء محددة.

طبعا "ادباء المنصة" تجاهلوا موقفنا ولم يردوا على ما اثرناه في الندوة!!

على أثر تلك الندوة قررت اقتحام عالم النقد الأدبي دون أي سلاح الا ما تتلمذت عليه لدي أستاذ الأجيال مارون عبود، وقراءات نقدية مختلفة، وفي جذور نصوصي التزمت المصداقية في قول رأيي الشخصي حتى لو كان سلبيا. وما زلت اعتبر نفسي معالجا ثقافيا وليس ناقدا.

 

نبيل عودة

 

صادق السامرائيالحارث بن كَلَدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة.. بن ثقيف الثقفي. ولد قبل الإسلام وتوفي سنة (13) هجرية،  من أطباء العرب، ويلقب (طبيب العرب). وهو الطبيب العربي الحكيم.

تعلم الطب على الأرجح في مدرسة (جنديسابور)، وله معالجات كثيرة ومعارف بما إعتادت عليه العرب وما تحتاجه من المداواة.

وقد إشتهر في مناظرته مع (كسرى أنوشروان) في بعض القضايا الإجتماعية والطبية، حيث أحسن صلته وأمر بتدوين ما نطق به.

وفي وصفه للطب يقول " الطب الأزم، يعني الجوع، من سره البقاء ولا بقاء، فليباكر الغداء ويعجل العشاء، وليخفف الرداء، ويقلل الجماع، ودافع بالدواء فلا تشربه إلا من ضرورة، فأنه لا يصلح شيئا إلا أفسد مثله"

مؤلفاته: كتاب المحاورة في الطب بينه وبين كسرى أنو شروان

عاش في العصر الجاهلي وأدرك الإسلام، وكان طبيبا سابقا لأوانه، ماهرا عارفا بالداء والدواء، تولى مداواة سعد بن أبي وقاص عندما مرض أبان حجة الوداع.

من أقواله:

"البطنة بيت الداء والحمية بيت الدواء،، عوّدوا كل بدن بما إعتاد،،أربعة اشياء تهدم البدن، الغشيان على البطنة، ودخول الحمام على الإمتلاء، وأكل القديد، ومجامعة العجوز، إذا تغذى أحدكم فلينم على أثر غذائه، وإذا تعشى فليخطو أربعين خطوة"

كما تعلم الطب في اليمن وبلاد فارس، وكان كثير الترحال ويقيم أحيانا في الإسكندرية ويزور المدينة والطائف بين آونة وأخرى، وقد جمع مالا كثيرا من مهنته.

وهكذا فأن للعرب مكانتهم ودورهم العلمي في الحضارة الإنسانية قبل الإسلام، وهذا رمز من رموزهم الذين لم ينصفهم المؤرخون، وطواهم النسيان، لتعزيز أن العرب كانوا دون غيرهم قبل الإسلام، وهذا غير صحيح، لأن حياتهم في مكة كانت وكأنها نظام دولة ذات مجلس حكم ورئيس ووزراء وسفراء وممثلين في شتى النشاطات.

وهذا يعني أنهم ربما كانوا بارعين بالعديد من الصنع والحرف والمهن السائدة في ذلك الزمان، والذي يمكن قوله أنهم لم يهتموا بالعمران، فما تركوا لنا معالم ذات قيمة حضارية تبرهن على نشاطاتهم العمرانية، وهذا يحتاج لتفسير.

 

د. صادق السامرائي

 

 

صادق السامرائيأكتب عنه لأن الأوبئة تدخلت فأخذته، وقذفت بأخيه معاوية إلى مقدمة الأحداث، التي تفاعلت في واقع الأمة وأصابتها بالمعضلات الجسام، وقد أغفله التأريخ، وهو لم يَعقب.

يزيد بن أبي سفيان  (605 - 639) ميلادية، عاش (34) سنة،  أسلم بعد فتح مكة، وإستعمله النبي على صدقات بني فراس من قبيلة كنانة وكانوا أخواله، وهو أحد القادة الذين أرسلهم أبو بكر لفتح الشام، ويلقب بيزيد الخير، وكان من العقلاء الألباء والشجعان المذكورين، وشهد حنين وأعطاه النبي من غنائمها الكثير، وهو شقيق أم حبيبة إحدى زوجات النبي.

وعندما إصطفاه أبو بكر للقيادة كان حريصا على وصيته خوفا عليه لشبابه من الزلل ونزوات الرئاسة والقيادة، وكانت وصية ذات عِبَر وكأنها صراط قيادة منير.

وأصبح أميرا على الشام بعد معركة أجنادين التي كان أحد قوادها الأربعة، ومات في طاعون عمواس سنة (18) هجرية، مع عدد من الصحابة الأفذاذ، ونجا معاوية منه الذي كان برفقته، فأخلفه مكانه، وأقره عمر إحتراما ليزيد.

قالوا فيه:

"أسلم يوم فتح مكة  وحسن إسلامه وكان جليل القدرة سيدا فاضلا"

"..وهو أحد الأمراء الأربعة الذين ندبهم أبو بكر لغزو الروم، ومشى معه تحت ركابه يسايره، ويودعه، ويوصيه، وما ذلك إلا لشرفه وكمال دينه"

"كان أول الأمراء الذين خرجوا إلى الشام"

 ولما فتحت دمشق (13)  هجرية، أمّره عمر بن الخطاب على بلاد الشام.

وكثيرا ما يخلط الناس بينه ويزيد بن معا وية، فمعاوية سمّى إبنه بإسم أخيه.

والحقيقة التي ربما يغفلها المؤرخون أن الإسلام لم يقوِّض الهيكلية الإجتماعية القريشية، بل أبقاها وإستثمر فيها، فقادة قريش قبل الإسلام هم القادة المبرزون بعد فتح مكة (8) هجرية،  التي أسلم معظمهم في حينها، ومنهم أبو سفيان وولديه.

ويزيد ين أبي سفيان، أصبح قائدا وأميرا بعد (5) سنوات من إسلامه، ومضى أميرا لخمسة أخرى، حتى قضى عليه الطاعون، ولربما مضت الأمور في الشام على غير ما سارت عليه لو بقي أميرا عليها، لكن وفاته غيّرت مسار التأريخ وألقت بأحداثه المتوالدة على أكتاف الأجيال من بعده.

 

د. صادق السامرائي

 

جمال العتابيفي شدة الصراع مع المرض ينهال عليّ عمر السراي شعراً، كالشلال طافحاً بالتمنيات والإبتهالات والأدعية الساحرةً...

أغثني يا سرّاي..! رفقاً بي ! فأنا لست أقدر أن أتفوه شعراً، وحنجرتي خشب، وتلك يداي وعيناي قاصرتان، بين لهاث الشهيق، وجمر الزفير.

في صحوتي يهمس لي القلب، وهو دليلي حين تخونني الذاكرة، وحين أكابد من ألم، وأهرب من قاتل يتوعدني، ليس عدلاً أن تنام، وانت تنثال عليك مزن مثقلة بالحب والمشاعر التي عهدتها، هم أخوتي، وأصدقائي، وأهلي، يفتحون لي نوافذ الأمل الوريف، أحبكم جميعاً، فما أوسع الحب، وما أضيق البغض والكراهية!الأخ الصديق حنون مجيد(أبو فؤاد)، لابد أن يترك في أي منا  أثراً لاينسى، لا ينفصل عن تاريخه وانسانيته، ومواقفه، قابل الفايروس بشجاعة وتصميم، كان يودع فينا ودائع الحب صبح مساء، احييه من اعماق قلبي.

تعالوا إلي سأفتح بابي لكم، أفتح قلبي، أدخلوا أية نافذة شئتم، أو أي باب، أراهن أنكم جبيني الذي من نصاعته يولد الوطن.

شكراً للصديق أحمد خلف وهو يتابعني بإهتمام  ، دون علمه كنت أتلاوى مع (بهلوان) روايته، إلى أن أكملتها وأنا على سرير الكوفيد،لم ينقطع عنا بالسؤال والدعوات، شكرا للأعزاء خالد خضير الصالحي، وعبد الزهرة علي، اذ شاركا المنشور، وحمّلاه تمنياتهم المخلصة.

ما أجمل الكلام على شفاه المنشدين ،حين يجمع الألم المقفّى بالجمال، وان كان الجواب محالاً، الشاعران يحيى السماوي من استراليا، عمار المسعودي من كربلاء،يأتيك كلامهما فراتاً عذباً يشربه العشاق، وأنت مدعو لأن تطلع  لما يكتبه المئات من الأصدقاء،  بسؤال متواصل وعليك أن تملأ عينيك ، بما تضوع به كلماتهم، بعد ساعات من إعلان الإصابة ولا أستثني أحداً.

—2—

لم يتأكد لي (بخل) أهل الموصل المزعوم ولو لمرّة واحدة في حياتي، لكنني خبرت فيض كرم مشاعرهم، وسخاء محبتهم، عبر تواصل الاخ حسب الله يحيى، الذي يكاد يكون بين يوم وآخر، وبشوق وإبتهال يذكرني انه نشر لي مقالة في طريق الشعب، انتظر نشرها في مدونتي حين يلين المرض. ومن طرف بعيد في بلاد الثلج(السويد) هناك نداء موصلي آخر متواصل، يكاد ان يكون يومياً للصديق خليل عبد العزيز بمشاعر غير خاضعة للإختبار. وكنت أخشى على صديقي العزيز التشكيلي موسى الخميسي من نفسي، كيف بالإمكان أن أزيح القلق الذي تقمصه، حين تخذلني الكلمات.

-3

تمنيت، في المدة نفسها، أن أقطف الزهر لأطوق فيه عنق الشاعر صباح محسن،، كأنه يأتي إلي حاملاً أريج كلماته عن (داخل المكان)، نشرها في جريدة النهار، فأضاء من نوره المكان، ألف تحية وشكر له.

-4-

في المنزل، أسترخي خلف الشباك، للتأمل الكسول، وفي فمي طراوة الألم، وفي جبيني يركد الذبول، أرقب هسهسات ورد القداح التي ماتزال مثل رسائل حب مطوية، وهي تتهيأ أن تنشر أريجها في الفضاء، في الزاوية البعيدة نخلة تمسّد خصلات سعفاتها لتستقبل حرارة الشمس. التي بدأت تتصاعد.

تصبحُ علي أم فرات بالسؤال، ثم ندخل بحوار قصير عن بعد: كيف ترى نفسك هذا اليوم؟

- الحمد لله أحسن.

ردّت عليّ بالقول: مؤكد أحسن، لأنني قرأت سورة الرعد، عند السحر، فيها شفاء لك.

- ولماذا (الرعد) بالذات؟ كان الأفضل أن تقرأي سورة (الشرح).

- ولم الشرح؟ كذلك أسألك. يا عزيزي

- في (الرعد) آية تقول: لهم عذاب في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة، أشقّ، وما لهم من الله من واقٍ. بينما في (الشرح) :فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا. فيها تأكيد على الإنفراج والأمل، أليس كذلك؟

وهكذا تلطفي بحالنا ،

يبدو أن عبارتي الأخيرة لم تجد لديها أذناً صاغية، ومرّت عابرة على مسامعها، فإنعطفت بالكلام بسرعة نحو محور آخر.

- المهم، سأوجز لك اتصالات البارحة، !

-  ألف شكر لك لتحمّلك هذا العناء.

-  أود ان أذكرك بموعد تحليل مختبري، عليك أن تجريه اليوم، هو igg, igm، يوصي به الأطباء للتعرف على نسبة المناعة والفيروس في الجسم.

- مصطلحات وأسماء جديدة دخلت قواميس لغتنا، العراقيون اصبحوا خبراء في أسماء الادوية، والفحوصات الطبية، لقسوة الجَلد الذي يتعرضون اليه يومياً،  من قبل بعض الاطباء والصيادلة، وتردي خدمات المؤسسة الحكومية، لا مفرّ للإنسان هنا، الا أن يموت ميتةً معجّلة، كما اراد صانع الموت بلا قراءة وبسملة!!

-4-

أما المغروسات في القلب حفيداتي ليا، ولمار، أقول لهما:

-جدو! لا أريد أن تتصلا بي في التلفون، وتكتشفا وهناً في صوتي، أريد أن أصحو لأقبّل أهداب عينيكما، وأسقي روحي بقبلاتكما.

وستصحو الأعين التعبى على عشرات الرسائل والاتصالات التي لم تنقطع للصديق احمد الزبيدي، وللأخ عقيل الخزاعي(ابو ذر)، كان بحق لوحدة، يعبّر عن مخاوفه وقلقه، وظل على الدوام منبهاً ومحذرا، وكذلك الاصدقاء شكيب كاظم، علي حداد، والحكيم حيدر المحسن، وفالح مهدي، من فرنسا، والتشكيلي عباس الكاظم من الدنمارك، والاخ  أمجد نجم الزبيدي الذي لم ينقطع عن السؤال والإطمئنان . ولا انسى دعوات صباح محسن كاظم . فوزي السعداوي ينقل لي بهجته بنتائج فحوصاته المطمئنة الاخيرة،اشاركك السعادة والامل صديقي ابا سلام .

-5-

كان خبر رحيل الشاعر الجميل مروان عادل،  صاعقاً، مدوياً في داخلي، وسبب لي إرتباكاً شديدا منذ اللحظة الاولى من الاطلاع على منشور الوفاة، لم أستطع التمييز، بين عادل مردان،  ومروان عادل،.... في ذهني حاضر مردان الشاعر البصري الخارج تواً من المستشفى، بعد أن نشر الصديق التشكيلي هاشم تايه، مقطعاً من قصيدة له عنوانها (سلالة اللا مرئي)..تنطوي على دلالات محمّلة بالحزن، قلت الله يستر!.... وبين مروان عادل الشاعر بكامل حيويته وإقباله على الحياة، يصبح فجأة في واجهات إعلانات النعي الجاهزة... كيف؟؟ كيف يقفر الليل من نجومه؟ كيف غاب هذا الطائر الجميل ولم يعد؟يالقسوة الموت إذا أنشب في أرض العراق! يا هوله الردى، حين يجتاح البلاد!

تحت وطأة هذا الإرتباك، إستعدت أنفاسي، لأقول :  ستبقى يا مروان في ذاكرة الشعر والثقافة خالداً، والصحة والسلامة للاخ عادل مردان . لتظل قصائده تخطف الأبصار.

-6-

وتأتيك الاخبار أخيراً، هذه بغداد نحسٌ في الغروب، غيمة من ضوع نار وحديد هاهي في (رمضانها)، أو قل(مأتمها)، تأكل النيران أجساد مرضاها قرباناً لطاغوت فاسد، هاهي المدينة تضجّ من أضاحيها القبور، قتلوا فيها البلاد الطيبة، وأغرقوها بالضلالات والوعود الكاذبة.

، أين يكمن الأثر والمعنى إذاً؟ بعد أن صادقنا الحزن، وهل ثمة فوائد، كما أشار لها العنوان؟ ياصديقي؟؟ أقول ربما، نصنع شيئاً بالكلمات يساوي مقدار مشاعر الحب عبر مئات الرسائل التي ستبقى مثل صدى يرن كنبض الماء في عروقي.

أسمو بكم أيها الأصدقاء، أتشبث بإنسانيتكم، فأنا مرتبك بخجلي القروي، أخشى ان تتكدر خواطركم فأطلب العذر منكم، لأن كان بودي أن أذكر أسماءكم جميعاً، لكنني سأكتفي بنقشها على جدران القلب.

 

جمال العتّابي

 

 

جواد غلومكم هو مؤسف ان يُعرّف فنانٌ موهوب لعبَ أدوارا مهمة في السينما -- وهو في الرابعة من العمر.. منذ أول ظهورها وهو الطفل الصغير المعجزة ولكنه يشتهر بقضية قانونية تخصّ المحاكم؛ فلا علاقة لها بموهبته ولا بإبداعه حتى ان شارلي شابلن بجلالة قدره السينمائي طلب منه ان يشاركه التمثيل واستعان بأبيه وأمه استرضاءً لهما لأجل أن يضمّه الى أفلامه الأولى .

لقد عرف هذا الفنان الذي بدأ التمثيل منذ صغره وهو بسنّ الأربع سنوات بقانونٍ بعيدٍ تماما عن الفن السينمائي ؛ إنما يخصّ أموال الأطفال القاصرين والحفاظ عليها اذا كانوا دون سنّ الحلم ولم يبلغوا الرشد .

ففي الولايات المتحدة سنّ المشرعون قانونا سُميَ " Coogan Act " قانون كوجان وقد تم إقراره لحماية أموال الأطفال غير البالغين من مطامع أهليهم وأقاربهم .

فمن هو المدعو "جاكي كوجان" ولماذا تمت تسمية هذا القانون بهذا الاسم؟

ولد الصغير جاكي سنة /1914 في لوس أنجلوس من أبوين فنانين راقصين يعملان في مسرح المدينة وانضم ابنهما وهو في سنواته المبكرة وهو بعمر الطفولة ولفت أنظار المتلقين بشكل مبهر ، بعدها قامت هذه العائلة الفنية بجولات في بقية أنحاء كاليفورنيا وشاءت الصدفة ان يكون شارلي شابلن حاضرا في إحدى مسرحياتهم الراقصة وعزم على أخذه من والديه ليشاركه أعماله الفنية والسينمائية لاحقا نظرا لنباهته ورقيّ تمثيله .

بدأ هذا الطفل المعجزة بالتمثيل في الأفلام الصامتة الصعبة الأداء وخاصة عندما يكون موضوعها كوميديا ؛ فكيف لممثل أن يُضحك جمهوره وهو لا يتكلم ولا يحاور ولا يتاح له إلاّ الحركة وتعابير الوجه وقدرة البانتونيم الجسدية على خلق الابتسامة والبهجة في شخوص المتلقين .

أول عمل سينمائي ناضج له حينما أوكل اليه دورٌ صغير في فيلم " أيام سعيدة " (A Days pleasure) فأجاد التمثيل ببراعة يحسد عليها وبعدها لم يتردد شابلن في تكليفه بدور أكثر حضورا في فيلم "ذا كِد" وقد شاركه البطولة معاً .

 ويمكن القول ان هذا الفيلم اعتبر منطلق إبداعه التمثيلي حيث لفت الأنظار إليه إعجابا وجعلته نجما لامعا منذ نعومة أظفاره وحظي بنجاح منقطع النظير وتزاحم المشاهدون على شبابيك التذاكر لمشاهدته مما زادت إيراداته المالية بشكل يفوق التصور ؛ اذ يحكي الفيلم قصة متشرد من صعاليك الشوارع يلتقي بالطفل الرضيع كوجان الذي رمته أسرته في الطرقات حيث يقترنان معا في حياة البؤس والصعلكة طوال أحداث الفيلم تماما مثل حياة أبٍ مقترٍ خالي الجيب يرعى ابنه اللقيط يعانيان كثيرا من المخاطر طوال رحلتهما الشاقة في الحياة البائسة .

2417 شابلي

بعدها توالت الأدوار السينمائية عليه وصار كوجان مشهورا جدا يشار اليه بالبنان أينما حلّ وحيثما أزف وجمع ثروة كبيرة تضاهي الأربعة ملايين دولار وهذا الرقم يعتبر ثروة هائلة في سنوات الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي وهو لم يعد يبلغ سنّ الحلم ، لكن هذا الثراء الوفير ليس بيدهِ وانما كان تحت أمرة أمّه التي ترمّلت بعد وفاة والد كوجان لكنها سرعان ما تزوجت زوجا جديدا لعوبا ولعبت لعبتها في البذخ وبحبوحة العيش مع زوجها الجديد وأسرفت أيّما إسراف من أموال وليدها المخزونة لديها وأهملت ابنها ورعايته بحيث ظل هذا الفتى الفنان المبدع يعاني الإفلاس وشظف العيش رغم رصيده الهائل المحجوز تحت وصاية الأم القاسية القلب تجاه وليدها .

من هنا بدأت الصدمة الكبيرة التي أوجعته حقا حيث تجرّأ وزار أمه في بيت زوجها وتوسّل اليها بغية استرداد ولو جزء يسير من ثروته الهائلة التي أودعها لديها عسى ان يستقيم حاله الماديّ لكنها صدّته صدّاً وكأنها عدوّته اللدود وطردته شرّ طردة مما دفعه هذا الموقف المشين منها الى رفع دعوى قضائية في محاكم كاليفورنيا لاسترداد أمواله او حتى جزءٍ منها ، لكن مسعاه كان مخيبا حيث لم يكن هناك قانون يعطي الحق لهذا الفتى لاسترداد أمواله من أبويه .

هذه القضية لفتت أنظار القضاة وكان لابد من سنّ قانون يعيد الحق الى نصابه ليأخذ كل صاحب حقٍ حقه بما فيهم الأطفال الذين لحق بهم الحيف من قبل والديهم، وعلى اثر قضية الممثل الشاب كوجان تم سنّ " قانون كوجان " لكن بعد فوات الأوان حيث ان أمواله تبددت بسبب البذخ واللامبالاة والهدر المفرط في ثروة هذا الوليد الذي أصبح شابا يافعا محروما من ثروته وعاش فقيرا معدما الاّ من أجور أدواره التمثيلية التي واصل نشاطه فيها ، لكن الأجيال اللاحقة من الأطفال الآخرين أمّنت على أموالها وبقيت محفوظة مضمونة باعتبارها ضمن أموال القاصرين حتى يكبروا .

ورغم كل هذه الصدمة الموجعة التي لقيها من اقرب مقربيه أمّه العاقّة به لكنه لم يستسلم وبقي مخلصا لفنّه وأسند له دور صغير ولكنه مؤثر في المسلسل التلفزيوني الذائع الصيت وقتذاك (The Addams Family)

 وتبع هذا المسلسل فيلم (Daddy) في العام / 1923 حيث انتشله من الفقر الذي عاش فيه جراء ضياع ثروته السابقة من قبل والدته وزوجها الجديد وحصل على أجرٍ عالٍ نسبيا من المسلسل .

اما الصدمة الثانية التي تلقّاها فهي حادثة موت أبيه في عام / 1935 مما سبّب له نكوصا في حياته الاجتماعية والفنية معا ولم تعد الأضواء تسلّط عليه فانطوى على نفسه ممثلا نسيا منسيا طيلة سنتين معتكفا مع نفسه دون اي دور سينمائي وبعدها حاول ان يفتق تلك الوحشة عنه فقرر الزواج من ممثلة كانت رفيقة له في العام / 1937 وعاشا معا طيلة ثلاث سنوات انتهت بالطلاق بينهما بعد خلافات وخصومات صادمة .

وحينما اندلعت الحرب العالمية الثانية خدم كوجان في الجيش الاميركي ، وبعد انتهاء الحرب عاد الى هوليوود وهو خائب المسعى ولم يحصل على دور مهم سوى أدوارٍ واهنة طلبا للارتزاق ليس الاّ مما أثّرت على تشويه لمعانه الأول .

لكنه استعاد ألقه في فترتي الخمسينات والستينات من القرن الماضي وقدّم أعمالا ملفتة في المسلسلات التلفزيونية ، لكنه وبسبب خيبته التي لم ينسها مع والدته وفشل زواجه الأول بدأ نجمه يأفل شيئا فشيئا وهذا ما لاحظناه في أدواره الهزيلة الأخيرة بسبب عوزه وحاجته الى المال وهو المليونير الذي ضيّعت أمّه أموالَه مع زوجها الجديد ، وظلّ يعيش مرارة الحياة والإجحاف من أقرب الناس اليه (أمّه ومن ثم زوجته) حتى مات كمدا في العام / 1984 إثر أزمة قلبية .

 

جواد غلوم

 

 

محمد العباسيوصلني قبل أيام مقطع جميل لمتحدث يتكلم عن أهمية الأوراق في حياتنا منذ شهادة الميلاد حتى شهادة الوفاة.. مع أننا اليوم توغلنا في عالم التطبيقات الإلكترونية "اللاورقية" بشكل واسع وباتت أغلب معاملاتنا تتم عبر الهواتف الذكية والحواسيب وماكينات الصرف البنكية، وغيرها من أدوات.. ولكن رغماً عن كل ذلك تطلب منا بعض الجهات طبع نسخ ورقية من المعاملات والاحتفاظ بها في ملفاتنا الخاصة.

لن نلتفت كثيراً للمقارنة بين عادات الماضي والحاضر والمستقبل في هذا الشأن.. لكن لننظر معاً في دور الورق في مجمل مناحي حياتنا.. أو بدائل الورق التي هي في أشكالها واستخداماتها تمثل الورق بصورها الرقمية.. لكن متى بدأ الإنسان في صنع الورق؟

كلنا على دراية بما يؤديه الورق من خدمات في ميادين الكتابة والطباعة والصور ولف البضائع وحتى التجميل.. لكن قد لا يعرف إلا القليل منا حكاية تاريخ صناعة الورق وتطوراته.. إن فكرة استخدام مادة صالحة للرسم والكتابة قديمة العهد، وقد نقش الإنسان البدائي أشكالاً ورموزاً على الخشب أو في أحيان كثيرة على الحجر والنقش على جدران الكهوف والمغارات القديمة.. ثم بدأ الإنسان الكتابة على أوراق النخيل، وعلى اللحاء، ثم على الجلود والعظام وعلى صفحات من الخزف المطلي بالشمع الأصفر، ثم على صفائح من الرصاص أو تلك المصنوعة من معادن أخرى.. حتى فكر المصريون القدامى في استخدام لحاء نبات البردي (Papyrus) وهي كلمة اشتقت منها كلمة (Paper)  وانتشر استعمال البردي في مصر القديمة وأرض الرافدين والصين، ثم في اليونان وروما قبل آلاف السنين، وبقي ورق البردي طوال قرون عديدة الوسيلة الوحيدة للكتابة عند المصرين والرومان والإغريقيين.

وتشعبت استخدامات الورق عبر الحضارات حتى انتقلت صناعة الورق إلى العرب عندما وقع صناع صينيون في الأسر بسقوط "سمرقند" في يد العرب سنة 705م.. وقد أنشئت أول ورشة لصناعة الورق في "بغداد" خلال فترة وزارة "الفضل بن يحيى البرمكي" التركي الأصل، في عصر "هارون بن محمد" الذي حكم تحت لقب "الرشيد" على عادة الحكام العباسيين وحلفائهم، ولم تشع الكتابة على الورق إلا بعد زيادة عدد الذين يعرفون القراءة والكتابة، حيث كانت أعدادهم قليلة جداً، والأمّـية تكاد تكون عامّـة، إضافة إلى تعدّد لغات السكان المسلمين بسبب الحروب والهجرات الكثيرة، ودخلت صناعة الورق في الهند في القرن السابع تقريباً – وقد كان الهنود يحفظون النصوص ويتناقلونها شفهياً من جيل إلى جيل لذلك لم يتم انتشار أو تطور صناعة الورق هناك حتى القرن 12 (ويكيبيديا).

أما أوراق اليوم فيتم صناعتها من الخشب الخام، الذي يتكون من ألياف السليلوز أو الألياف النباتية، مثل: القطن، والقنب، والكتان وغيرها.. حيث يتم تحويل الخشب الخام إلى "لُب" وهو حساء مائي من ألياف السليلوز وخليط من الماء والمواد الكيميائية التي تستخدم خلال عملية فصل الألياف.. ويتم بشكل عام خلط اللب بشكل ميكانيكي باستخدام آلات الطحن، حيث يتمّ خلط رقائق الخشب مع اللب، بحيث يحتفظ اللب ببعض اللجنين وبالتالي يكون الورق رقيقاً وخفيفاً ومتماسكاً بحيث يتناسب مع ورق الجرائد مثلاً.. وهذه الطريقة هي الأكثر انتشاراً.. وقد يحتاج خليط اللب إلى تبييض لصنع ورقة أكثر بياضاً، حيث يتمّ ذلك من خلال إضافة مواد كيميائية خاصة بالتبييض.. عندما يُصبح اللب جاهزاً تبدأ الآلات الكبيرة والضخمة برش ورمي خليط اللب وتحريكه على شبكة متحركة كالغربال، وذلك لصنع طبقات من حصيرة أو سجادة اللب، ثمّ تمر حصيرة اللب بمجموعة من العمليات للتخلص من الماء وتجفيف اللب عبر تشغيل بكرات ساخنة وذلك حتّى يتمّ الضغط على الماء المتبقي وضغطها في لفة واحدة مستمرة ومتواصلة من الورق والتي قد يصل طولها إلى 10 أمتار.. وعند الحصول على الورق المطلوب، يمكن البدء بتلوينه أو وضع مواد كيميائية خاصة، وذلك لإعطاء الورق ملمس جميل وقوة إضافية أو لتصبح مقاومة للماء حسب الاستخدامات المطلوبة.. ومن ثم يتم تقطيع لفائف الورق إلى أحجام مختلفة، وتعبئتها وإرسالها إلى أمكان أخرى لمعالجات إضافية وتحويلها إلى جميع أنواع وأشكال الورق كما نراها ونستخدمها في حياتنا اليومية.

و للورق بشكل عام أهمية واستخدامات لم نعد نستغني عنها.. فلندخل هذه الدنيا تبدأ العملية بالزواج (زواج والدينا) عبر وثيقة الزواج الورقية.. وتلك ورقة تحفظ الحقوق والالتزامات والاتفاقات بين الزوجين حسب شريعة كل ملة.. ثم عند ولادتنا لهذين الأبوين يتم إصدار شهادة ميلاد ورقية تحفظ حقوق ونسب الأبناء لآبائهم وامهاتهم ونسبهم القانوني للعشيرة التي ينتمون إليها.  وشهادة الميلاد الورقية مهمة في كل مسارات حياة الأبناء لاحقاً بدأً من استخراج أوراق الثبوتية والجوازات والتسجيل في المدارس والحصول على الشهادات حتى التخرج من الجامعات.. كل هذه العمليات يتم تسجيلها وتوثيقها في سجلات ومطبوعات منسوخة على الأوراق.

ثم نجد أوراق النقود والطوابع والبطاقات الشخصية وكافة المطبوعات الورقية التي نتداولها بشكل يومي.. والجرائد والمجلات والكتب والقصص ودفاتر الدراسة وتلك القصاصات التي نكتب عليها أفكارنا وأشعارنا، بل وحتى الخرائط التي توضح لنا مسارات المدن والطرقات عند ترحالنا من مكان إلى مكان.. ومجمل تاريخنا وقوانيننا وأدياننا وشرائعنا كلها منسوخة على الأوراق.. وكافة الدراسات والبحوث وحتى مكونات علب الأدوية والأطعمة تكون على أوراق.. ونستخدم المحارم الورقية بكافة أحجامها وأشكالها للتنظيف.. ونلعب بورق اللعب.. بل ونستخدم الأوراق في الكثير من الصناعات التقليدية مثل المظلات الورقية والقبعات والمراوح اليدوية عند النساء والنوتات الموسيقية وللف السندويشات والشوارما وصناعة السجائر وغيرها الكثير من المشتقات الصناعية.. وأغلب المصنوعات يتم حفظها في علب مصنوعة من الورق المقوى كعلب كالعطور والأدوية والطعام، أو يتم تعبئتها في أكياس من الورق.. بل وحتى البيوت التقليدية في اليابان كان يتم تشييدها في القدم من الورق !!

كافة اللوحات الفنية تقريباً تكون مرسومة على لوحات ورقية، ومجمل المواد الدراسية وأدواتها ومنشوراتها وواجباتها الدراسية تستخدم وتعتمد على الورق.. وربما في حالات معينة يتم استخدام بدائل للورق ولكنها تأخذ ذات الأشكال والاستخدامات والفكرة.  ففي بعض الدول الآسيوية يحولون روث الفيلة إلى أوراق ويصنعون منها صفحات ولفائف ومنها ينتجون البطاقات ويصنعون المظلات الشمسية والمراوح اليدوية التقليدية التي يتهافت على اقتنائها السياح.

الحديث عن الورق واستخدامات الأوراق في كافة مناحي الحياة يطول ويتشعب.. حيثما نذهب نجد أمامنا من يطالبنا بالمستندات الورقية ويمدنا بنسخ ورقية.. فكل معاملاتنا الحكومية تتطلب منا تقديم أوراق وتختم بأختامها على أوراق وتحتفظ بسجلات من الأوراق.  وحتى متاحفنا تعج بنسخ من الكتب الدينية والرسومات واللوحات والصور والمطبوعات الورقية التي احتفظت بتاريخنا وإرثنا وشواهد على حضاراتنا الأولى.. ويا ويل من يضيّع بعض تلك الأوراق عبر الإهمال أو النسيان أو قد تصاب بالتلف بسبب عوامل الزمن أو الحريق.. فبعض الأوراق تكون أهميتها في حياتنا كأهمية الحياة نفسها مثل أوراق الثبوتية كافة والنقود الورقية والوثائق والسندات والشهادات الدراسية أو أمور تتعلق بالأحكام القضائية، بل وحتى شهادتي الميلاد والوفاة.

و يلخص الأستاذ "حسام الدين صالح" على موقع (القافلة) أهمية الورق في حياتنا بأنه لم يجد الإنسان طوال تاريخه المعروف، سنداً لإثبات إنسانيته مثل الورق، منذ أن كان مجازاً في جلد وحجر وصلصال، إلى أن أصبح حقيقة تستعصي على الزوال.. فقد ظل الورق يؤكد على جدارته بلقب الذاكرة الثانية للإنسان في مقابل مخاوف النسيان وأحلام الخلود.. فقد رافق الورق الإنسان والكتابة منذ عهد مبكر، وما زال يلوّن حياة مليارات البشر في العالم، يحفظ لهم تاريخهم، يشكل حاضرهم، ويؤثر على مستقبلهم.. فمثلما كان رفيقاً للكتابة كأرقى نشاط إنساني، فهو إلى الآن قرين للذهب والفضة كأغلى ممتلكات الناس.. لن يكذب من قال إن حياتنا ورق.. النقود من ورق، مستنداتنا وهوياتنا الثبوتية، أكوابنا، ألعابنا، وسائلنا التعليمية والتثقيفية، صناديقنا، مناديلنا، حوائطنا، زينتنا، ومئات الاختراعات البشرية التي لا تبدأ بورق الكرتون ولا تنتهي ببطاقات الأعمال أو كروت شحن الهواتف المحمولة.

 

د. محمد العباسي

أكاديمي بحريني

 

عمار عبدالكريم البغداديهكذا ننال محبة الناس

سألتني شهرزاد ذات يوم: يقولون إن رضا الناس الذي يشعرنا بالسعادة غاية لا تدرك وإنْ سعينا لذلك جاهدين فهل لذلك الرضا من سبيل؟

اجبتها قائلا: نحن نجتهد في إرضاء كل من حولنا لننال الإهتمام وعبثا نحاول، علينا أن نسعى لكسب محبة الناس وحسب، فهي في متناول أيدينا إنْ عرفنا إن منبعها في داخلنا نحن، علينا أن نفرق أولا بين صنوف الناس، فمنهم من يكون في محيط همومنا،وآخرون في دائرة إهتمامنا،وصنف ثالث في ساحة التاثير المتبادل أمّا الصنف الرابع فهم خواص الخواص، وعن هؤلاء لنا حديث طويل في مقام آخر.

وأمّا الصنوف الثلاثة الأولى ففيها قول ذو شجون،وحديث ترتسم فيه معالم الرشد والجنون، وله أثر في الذات الكبيرة،وشفاء لعلة النفس الصغيرة، ولاندعي إننا سنجد دواء لكل علّة، وإصلاحا لكل مِلّة ، غير أننا نستقي من تجارب الحياة عبرا ودروسا تنحاز إليها غالبية النفوس .

وحقا أقول: إن الرضا غاية لا تدرك عند عامة الناس او الخواص، إلا الوالدين فان رضاهما رسالة رضاً من الله تعالى،او حبيب نذر عمره فداءً  لمن يحب، غير أن محبة الناس عامة أقرب إلينا مما نتصور، نحن لا نحتاج الى الرضا،وهو مرتبة علوية من مراتب الحب،كل ما نحتاج إليه أن ننال طيبة قلوبهم لنحيى بينهم بسعادة وطمأنينة،وتلك الطيبة مُستنهَضَةٌ لامحالة إن لامست محبتنا شغاف قلوبهم .

ونحن نعلم علم اليقين أن الله قد أودع المحبة في أرواحنا التي تظلل قلوبنا، وإن النفس لتقترب من نورها او تنحدر في ظلام الأجساد تبعا لمجاهدتنا وتصوراتنا الذهنية التي ترسم سلوكياتنا وتصرفاتنا،لكننا نعلق اخطاءنا على مانصفه بقساوة قلوب الآخرين، كيف لنا أن ننال محبة الناس وطيبة معاشرتهم  إنْ كنّا لا نحمل هذه الصفة في نفوسنا ؟، غاية القول إن أحدنا ليجد الناس من حوله متآمرين عليه، كارهين للقائه، ساعين الى إيذائه بكل صغيرة وكبيرة، من غير أن يصارح نفسه بقول بليغ مفاده:حقيقة الامر إنني لا أحب نفسي ولا أحب الناس فلماذا يفعلون؟! .

وعلى هذا الاساس فان الإنسان يتحمل مسؤولية حب الناس له من عدمها، ذلك هو جوهر القول،وعلينا ابتداءً أن نحب أنفسنا، ومحبة المرء لنفسه لا تعني تفضيلها على الخلق بل إدراك قيمتها وعظيم شرفها بين المخلوقات واكتشاف أسرارها وصفاتها الفريدة، كل ما حولنا يشهد بأننا فريدون في صفاتنا وطاقاتنا وعقولنا وحسن تدبيرنا إلا نحن، الطيور تهلل لحفنة حنطة في أيدينا ،والأشجار التي نزرعها تظللنا وتحفنا بثمارها،والعصافير تزقزق فرحا بصباحنا المليء بإبداعاتنا، الشمس تنير لنا مسالك الحياة، والقمر ينعش الآمال في قلوبنا،والملائكة تستغفر لنا،ورب السموات والأرض يسَخِر لنا في كل يوم ما لا يحصى من نعمه ويغمرنا برحمته، والأعلام ترفرف فوق رؤسنا فخرا بأمجادنا في ميادين التنافس الشريف، غير أننا نتجاهل تلك الصفات الفريدة، ليست لبني البشرعن بقية المخلوقات فحسب،وإنما لكل فرد منا، فأحدنا يحمل من الذكاء والطاقة والقدرة على الإبداع وإعمار الأرض مالا تدركه إلا العقول العظيمة، وما عظمتها إلا بإدراكها لقدراتنا، فكل آدمي عظيم إنْ عرف صفاته الفريدة .

ختاما ياشهرزاد فان ْ تقدير الإنسان لتلك الصفات الخارقة لبقية المخلوقات على الأرض، والتعرف على أسرارها أساس لتوقيرها وصولا الى محبتها،فإن أحببنا أنفسنا بهذا المعنى وأيقنا بأن لكل الناس من حولنا صفات وطاقات فريدة في خصالها،وقدرات إبداعها، لامتلكنا مفاتيح قلوبهم ومحبتهم .

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

.......................

مقتبسات من مؤلفي:شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

زهرة الحواشيكان يكون كونا، فعل الكون. والأمر منه: كن!

واستكان يستكين استكانا. هو السداسي استفعل يستفعل استفعالا.

و لجذع واحد .

الفعل السداسي له ثلاث دلالات:

طلب الشيء

طلب الشيء والحصول عليهح

ووجود الشيء على صفة

مثل طلب الشيء: استنجد واستغاث واستعان

ومن الاستعانة من ارتد على الأهل والأوطان

واستعان عليهم بالطغيان والعدوان

فاستباح، واستكان، وخان

وبين كان واستكان

تاريخ.....و عبر

 

وأما مثل طلب الشيء والحصول عليه

فمثله استفاق

واستنار

واستبان

 

فمن يستفق من غيبوبته

ويطلب العلم ويكشف الفعل

ويرفع الجهل

ويقدم العقل عن النقل

فقد أنار

واستنار

 

وبين كان واستكان

علوم ... وكنوز

كالدرر

 

و أما في باب وجود الشيء على صفة

مثل كان يا ما كان

في قديم الزمان

وسالف العصر والأوان

 

فقد تشابه الإنسان بالحيوان

وانحنى للكذب والبهتان

والشعوذة والأديرة والرهبان

والخرافة

وسلطة الأديان

 

فاستعبدوه

واستضعفوه

واستنزفوه

واستلبوا منه الذكاء

والبرهان

 

فما كان بل استكان

و بين كان واستكان

صراع وصروف... وعبر

 

ثم تقدم الزمان

وتعاظم الإنسان

إسأل الإغريق.... واسأل الرومان

علوم وفلسفة وبيان

وتبيان

 

واسأل الأطلس

ولا يدخلن علينا

إلا العالم الفنان،،

 

وسقراط وانشتاين

والنسبية.. والمجرات

والأرض وڨاليليو

وعلوم الميكانيكا

والأرض والدوران.ّ.

 

وبين كان واستكان

كامل علوم الإنسان

قارات وأقطار....و مصر

 

وهنا الإنسان لم يستكن

بل صنع التاريخ والمجد ..

فكان !

 

وبين كان واستكان

يفرق التاريخ

بين الإنسان ...والحيوان

فكن أنت ألإنسان...

أيها الإنسان...!!

 

فبين كان واستكان

معان ...... وعبر .

***

زهرة الحواشي

........................

* من كتاب رأسي في قفص الاتهام .

 

صادق السامرائيمحمد بن سعيد بن عبدالله بن سعيد بن عبدالله بن سعيد بن علي بن أحمد السلماني الخطيب الشهير لسان الدين الخطيب (713 - 776) هجرية.

قضى معظم حياته في غرناطة ومات مقتولا.

ألقابه: ذو الوزارتين (السيف والقلم)، ذو العمرين، ذو الميتين.

شاعر وكاتب وفقيه وسياسي وفيلسوف وطبيب من الأندلس، درس الأدب والطب والفلسفة في جامعة القرويين بمدينة فاس.

مؤلفاته: "الإحاطة في أخبار غرناطة، اللمحة البدرية في الدولة النصرية، أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الإحتلام من ملوك الإسلام، أوصاف الناس في التواريخ والصلات، كناسة الدكان بعد إنتقال السكان، خطرة الطيف في رحلة الشتاء والصيف، معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار، نفاضة الجراب في علالة الإغتراب، مفاخرات مالقا وسلا، تحفة الكتاب ونجعة المنتاب، الأصول في حفظ الصحة في الفصول، اليوسفي في الطب، عمل من طب لمن حب، مقنعة السائل (عن الأوبئة والوقاية منها)" وغيرها من الكتب والمخطوطات.

مقتله:

بعد أحداث سياسية وتفاعلات متواكبة تدور حول المنصب والجاه والكرسي، وجهت إليه تهمة الإلحاد والزندقة والطعن بالشريعة، فأحرقت كتبه، وصودرت أملاكه، وتم خنقه في سجنه، ودفن ثم أخرجت جثته وأحرق، ويُقال أحرق رأسه،  وأعيد إلى مثواه.

ومن شعره:

"جادك الغيث إذا الغيث همى

يازمان الوصل بالأندلس

لم يكن وصلك إلا حلما

في الكرى أو خلسة المختلس"

وله ديوان شعر فيه قصائد ذات عذوبة فائقة.

وهكذا هي النتيجة تتكرر إذ يكون العلماء والنوابغ الأفذاذ ضحايا فتاوى الفقهاء المكايدين لهم، فينصبون لهم مكيدة الزندقة والإلحاد ويقتلونهم بها شر قتلة ويحرقون كتبهم.

وفي سيرة إبن الخطيب دروس مهمة عن علاقة الأعلام بالسياسة والسلاطين والحكام الذين لا أمان عندهم، وما أن يبرز العلماء حتى تترصدهم الأعداء وتوشي بهم وتقضي عليهم.

وهكذا إغتالوه خنقا وهو في سجنه، ومثلوا بجثته بحرقها أو حرق جزء منها، مما يشير إلى تفاقم الحقد ضده من قبل أعدائه، وخصوصا القاضي النباهي، وإبن الأحمر الذي كان يتوق للإنتقام منه ففعلها.

وكم من علماء الأمة الأفذاذ لاقوا مصيرا قاسيا، وتألبت عليهم الفقهاء والكراسي والقضاة، ليرمونهم بذات التهمة المتعارف عليها على مر العصور، إنها الزندقة والإلحاد، وأخواتها في أي عصر يتحكم فيه الفرد ويغيب القانون، وينتفي الدستور.

وتلك أمة تعادي عقولها وتأبى النور!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

مصطفى النبيهمساحة من الفضاء والجمال على الشاشة الساحرة الصغيرة، انتصاراً للمرأة وللمستضعفين في الأرض. مسلسل "الطاووس" للمخرج المصري المبدع " رؤوف عبد العزيز "، الزائر الجميل في هذا الشهر الفضيل ينهض ثائرا عبر الشاشات ليروي ما تتعرض له الطبقة المسحوقة من ألوان قاتمة لعملية الاغتصاب المعنوي والجسدي، ويعرّي الشريحة الانتهازية الفاسدة في الرأسمالية التي تتحكم بسلطة القانون وتسخّره لرغباتها الشخصية.

منذ زمن بعيد ونحن نعيش فوضى اللاجمال  واللامضمون ونُحشى بأفكار تصعد بنا إلى الهاوية، تأخذنا لعالم موحش تسيطر عليه الرأسمالية حتى أصبح الإنسان مجرد رقم. تساقطت المفاهيم الأخلاقية وتفرغ الفن من مضمونة التوعوي التثقيفي وأصبحت الشاشة الصغيرة زائرا ثقيل الظل يقتحم بيوتنا بأفكار تتنافى مع قيمنا وعاداتنا وتغذينا عنفا، وتشعل الرغبة الجنسية في الأجيال، وتشبعنا أنا، تدس السم في العسل، تبيح المحرّمات، معتمدة نهج التشويق والإثارة لتسرق الشباب ليغرقوا بما يغيبهم عن الواقع على حساب المضمون. فبعد السنوات العجاف التي مرت بها الدراما العربية يخرج من وسط الزحام مسلسل "الطاووس" بألوانه الزاهية المبهجة للمخرج  "رؤوف عبد العزيز " ليضع المشاهد العربي أمام مسؤوليته الأخلاقية الإنسانية ، ويعيد للدراما العربية رونقها  وللدراما المصرية دورها الريادي الطليعي في بناء الإنسان، فنحن أمام مسلسل ينتصر للطبقة المسحوقة المستضعَفة  ويعرض جريمة من أقسى الجرائم التي تتعرض لها  الإنسانية  وهي الاغتصاب..  حيث نشاهد فتاة خريجة جامعة  أتعبتها الحياة فاجتهدت على أمل أن تعيش حياة نظيفة آمنة لا يُمتهن بها جسدها، لكنَّ الذئاب البشرية تنهشها وتستكثر عليها وجع وضنك الحياة ومحاولتها البائسة للعيش بسلام. 

قصة المسلسل

يروي مسلسل  "الطاووس" حكاية " أمنية "، الفتاة  الجامعية  التي تعمل لتعيل أسرتها، وعندما تتخرج من الجامعة يُطلب منها ثلاثة آلاف جنيه باقي رسوم التعليم حتى تحصل على شهادتها. فتأخذها صديقتها للعمل خادمة في الحمامات في إحدى القرى السياحية ، وأثناء حفل زفاف لابن المستشار " حسام شرف الدين " تقرر أن تخرج هي وصديقتها لالتقاط صورة تذكارية وخلفهم الفرح،  فالفرح بالنسبة لهم حلم، أثناء ذلك يشاهدها أصدقاء العريس الأربعة الذين يمثلون فساد الطبقة الرأسمالية فيقررون اغتصابها، ينظرون إليها على أنها مسخ بلا قيمة،  عاملة  تنظيف بدورة مياه. فيقومون بتخديرها بمادة مخدرة ويجرّونها ليفعلوا فعلتهم النكراء. أثناء ذلك يقوم أحدهم بتصوير الجزء الأول في الشروع بعملية الاغتصاب، وبعد  نشر الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يلتفت للحدث المأساوي المحامي  " كمال الأسطول "، وهو محامٍ تاجر يهتم بالتعويضات وينظر للقضية بداية على أنها مشروع ربحي وعندما  يلتقي بالفتاة ويدور بينهما حوارٌ مؤثر يتغير نهجه ويقرر الدفاع عنها وتتوالى الأحداث .

يتلخص المسلسل بحوار الفنانة القديرة "سميحة أيوب"  والتي تقوم بدور "ماتيلدا " بالحلقة الثانية عشرة وهي تخاطب الشاب المحامي الرومانسي " توفيق العزب " القادم من الأرياف المتخيل أن الحياة وردية والقانون سيفرض سلطته ويحتوي الجميع  تحت جناحيه. نص الحوار ماتيلدا : مالك أنت اتخانقت مع كمال تاني : توفيق يهز برأسه نافيا ثم يسألها ست ماتيلدا هو أنت بتعرفي الأستاذ كمال من زمان .. ما تيلدا:  آه بتسأل ليه .. توفيق : أنا بسأل عادي .. أنا حاسس نفسي بتعلمش حاجة وإن بتعلم حاسس أني بتعلم حاجة غلط . ماتيلدا : كلكم مستعجلين  هو أنت  لسه قعدت مع كمال عشان تتعلم منه  مالكم مستعجلين ليه ومتلهوجين ليه والتانية الأخرى  أهي طفشت روح وراها لسه الدنيا ما داست إلكم على طرف وبتعملوا كده ،أمال لما تشوفوا اللي احنا شفناه حتعملوا إيه حتموتوا نفسكم " هذه رسالة واضحة أن الحياة تحتاج للعمل ولا تحتمل الضعفاء و الحقوق لا تمنح بل تنتزع انتزاعا. وفي نفس الحلقة  تتحدث الفنانة "مها نصار " التي تقوم بدور الصحفية "فريدة " مع الضحية " أمنية " عن دلالات طائر الطاووس والظلم والقمع التي تتعرض له المرأة وتطلب أن يكون دور فعال للمرأة بالدفاع عن حقوقها  .. فالنص يعبّر عن النزعة الذكورية في المجتمعات العربية واضطهادها للمرأة وهذا يخالف الشرائع السماوية  " فريدة: أنا مش فاهمة ازاي يطردك من بيت أبوك .أمنية : أنا مش عايزة أختي تطلق بسببي، سمية غلبانة وملهاش حد ..فريدة : أختك لو تطلقت مش بسببك في ناس لما تسكتي عن حقك بيفتكروا دا ضعف منك مش كرم أخلاق.أمنية : أنا ما بقتش أعرف اللي بعمله صح وإلا غلط ،أنا تايهة أنا حاسه إني بقيت غريبة قوي . فريدة : إنت مش غريبة المجتمع إللي عايشين فيه غريب مجتمع بينصف الراجل على حساب الست، مع إن كل الأديان السماوية قالت تعاملوهم بالمودة والرحمة فين بقى المودة والرحمة لما الراجل بيضرب الست و لما يهينها ويتحرش بيها في المجتمع إلا إحنا عايشين فيه الراجل بيمشي  فارد ريشه زي الطاووس وببص للست على أنها أقل منه ونسي أنها بني آدم ،أنا مش عايزاك تخافي أنا وعدتك أجيب حقك " بهذه العبارات تتلخص فكرة العمل ورسالته التوعوية .

سر جمال هذا المسلسل الرائع عبقرية المؤلف كريم الدليل وإشراف محمد ناير وطرحهما فكرة تؤرق العالم بأسلوب جديد ومشوّق وهي قضية الاغتصاب التي عالجتها الشاشات العربية   والعالمية سابقا بالعديد من الأفلام والمسلسلات على مدار الزمن وحتى يومنا هذا. ونموذجا لذلك فيلم "المغتصبون" بطولة "ليلى علوي " الذي قدم في الثمانينيات مرورا بالمسلسل التركي "فاطمة"، والعديد من الأعمال التي عالجت بشاعة الجريمة. حتى شخصية محامي التعويضات في مسلسل "الطاووس" تكررت بأكثر من عمل ومن أهمها فيلم " ضد الحكومة " للفنان الراحل أحمد زكي وخطبته التاريخية المؤثرة " كلنا فاسدون لا أستثني أحد ".. فمن يتابع مسلسل الطاووس يدرك أن الأحداث قديمة جديدة وستتكرر اليوم وغدا، ما دمنا نعيش الخنوع، وأكبر دليل جريمة اغتصاب فتاة  الفيرمونت التي أشعلت وسائل التواصل. وهنا تكمن حرفية وإبداع طاقم العمل وقدرتهم على الإقناع بأسلوب مختلف، بداية من المؤلف الذي  سخّر أدواته ونسج من الحكايات المستهلكة، عالما جديدا يشع جمالا، يشدنا ويجعلنا نتابع العمل بشغف من خلال مخرج  عبقري يعمل على الشكل والمضمون. قدم لنا معالجة فنية بصرية بعيدا عن العُري وإشباع الرغبات والحشو والابتذال وجنون التقنية ، حافظ على إيقاع بصري، فلم نشعر بالملل لحظة، بنى مشاهده بانسيابية وجعلنا مشاركين لا متلقين للعمل حيث اعتمد في رؤيته الإخراجية  على الأسلوب المتوازي في المونتاج.  فنحن أمام صراع بين شريحتين:  الشريحة الأولى الطبقة الرأسمالية التي تفرض هيمنتها وسلطتها على القانون، والشريحة الثانية عامة الشعب المعذبون في الأرض والذين يُنظر إليهم كعبيد يعيشون في أدنى مستويات الحياة، وقد خلقوا ليكونوا أحذية للرأسمالية. وهذا ما يعبر عنه "المحامي ضياء، " الفنان  أحمد فؤاد سليم  والذي يمثل الانتهازية الرأسمالية فهو يستهين بالضحية "أمنية " ويتحدث عنها باستهتار لكونها عاملة نظافة في دورات المياه .

اختار الكاتب نماذج من المجتمع العربي.. المحامي الفاسد الذي يتمرد على فساده وينتصر لفتاة من عامة الشعب تم اغتصابها والتشهير بها. يجسد الدور الفنان السوري العبقري جمال سليمان بشخصية  كمال الأسطول " والذي اعتمد على الانفعالات الداخلية في التعبير عن مشاعره. فهذه الشخصية الغامضة المتناقضة والتي تحمل سكون البحر وهيجانه تخفي سرا. فهو الرجل الصامت الذي يعبر بالإيماءات أكثر من الحديث ، تكوين شخصيته النامية تتضح معالمها مع تطور الأحداث وقد تحدث عن بطولته المحامي" توفيق العزب " الفلاح البسيط الرومنسي الحالم  القادم من الأرياف  والذي يعتبره  قدوته، فهو من سيمنحه معرفة ويعلمه النضال من أجل  الطبقة المسحوقة،  فبالنسبة له " كمال الأسطول " ملاك يسير على الأرض، بطل وطني وقف ضد الفساد في قريته  وحارب أصحاب مصنع الصلصة بعد أن  تسمم " المحامي توفيق  وهو صغير ".  تتوالى الأحداث ويدور حديث ما بين المحامي توفيق عزب مع أستاذه  كمال الأسطول، محور الحديث يدور عن سيارته القديمة ولماذا يتمسك بها ولا يفكر بتغييرها فيحكي له عن أمجادها وكيف شاخت مع الزمن لكنها تحتفظ بأصالتها، وهذا مفتاح أيضا لتحليل شخصية الأسطول. جسّد دور المحامي المتدرب ابن القرية الفنان المبدع  المتألق" يوسف الأسدي" وقد تألق بتجسيد الشخصية بحرفية عالية وإتقان.

أما الشخصية الرئيسية للعمل  " أمنية "، بحر المشاعر المتدفقة، ابنة الحي الشعبي التي تناضل لتعيش بكرامة ويتم اغتصابها والاستهتار بمشاعرها فيموت والدها من الصدمة، فقد جسدت الدور بتألق وحرفية عالية المبدعة  " سهر الصايغ "  والتي  أذهلت المشاهدين في الوطن العربي  بشفافية انفعالاتها وصدقها حيث جعلت المُشاهد لأول مرة يشعر أنه جزءٌ رئيسي فعال ومشارك بالعمل يبكي ويضحك، ينفعل ويثور،  ويتابع أنفاسها وينتصر لقضيتها التي تجسدها. فنحن أمام فنانة عبقرية  لم تشعرنا للحظة أنها تمثل، وبكل تأكيد يقف خلفها مخرج مبدع يعتمد بإخراجه على الانفعالات الصادقة النابعة من الشخصية،  فهو يعمل على سيكولوجية الشخصية وبنائها من الداخل والذي سيؤثر على  التعبير الجسدي لاحقا .  فمثلا "أمنية" من وحشية الاغتصاب مازالت تهوِي على قدمها. كما اعتمد  مخرج العمل على الواقعية التلقائية في بناء مشاهده وعلى اللقطات الثابتة  في التكوين وخاصة مع الضحية ومن يلتفون حولها  ليقول إن الحدث أعظم من مجرد مشهد.

اختار الكاتب شخصية الأم المسيحية المتسامحة ليقول إن الدين لله والوطن للجميع، وبأن الحياة تكتمل إن تسامينا فوق الفئوية والحزبية وانتصرنا للإنسان والإنسانية، وهذه رسالة سامية يحتاجها العالم. 

مسلسل "الطاووس" عبارة عن وجبة فنية شهية، إيقاعها منتظم، تحمل في طياتها عناصر الإبداع. الأسماء تدل على الشخصيات والعنوان معبّر. فنحن أمام مسلسل لا ينظر للكون بعين واحدة ولم يفرض النظرة السوداوية ولم يعمم الجريمة على شريحة الأغنياء، فمنهم نماذج تنتصر للقانون والحق ،مثل المستشار" حسام شرف الدين " وعائلته، وقد جسد الدور الفنان المبدع جمال عبد الناصر.

وأخيرا المجتمعات بشكل عام يغزوها الخير والشر، فالإنسان من طبيعته أن يخطئ وقد جسّد الشر مجموعة من الفنانين المبدعين وعلى رأسهم الفنان القدير أحمد فؤاد سليم بدور ضياء شاهين، كما أبدع الفنان "عابد عناني " بدور زين ضياء الدين رمز الشر والجريمة.

"الطاووس" مسلسل عربي ينتصر للأخلاق، ضيف عزيز للعائلة العربية لا يخدش الحياء. فأهلا وسهلا بالأعمال التي ترتقي بالإنسان، فكل الحب والتقدير لكل من أسهم في إخراج هذا  العمل للنور، عمل يستحق منا كل الثناء والتقدير.

 

قراءة: مصطفى النبيه

 

 

 

بكر السباتينقبل الولوج إلى تفاصيل مسلسل ملحمة "موسى" الخلافي، والعوم في غياهبه لا بد من طرح بعض الأسئلة لاستجلاء ما يضخ المسلسل من أضاليل حتى يميز المشاهدُ فيه الغثَّ من السمين، وكيلا يتذوق اللسانُ في الدسمِ سماً زعافاً، ومنذ البداية، وخلال كلمات أغنية المسلسل التي كتبها محمد أبو نعمة ولحنها مصطفى شكري، ستأخذك الطريق إلى الرؤية المشبوهة للمسلسل التي غفل عنها منتقدوه، لانشغالهم بانتقاد الفنان محمد رمضان إلى درجة الهوس بجلده، فلا بأس وإن كانوا على حق؛ ولكن السمَّ ظلَّ منتشراً في تفاصيل المسلسل الذي ما يزال يحقق النسب الأعلى من المشاهدة في موقع "شاهد نت " السعودي. وهذا مقتطف من كلمات الأغنية، التي تقول:

"حواليه دياب كيف الذياب انيابها مقصوصة

ولكل وقت وله جواب وعبرةكيف فرعون

وعشان يعود الحق لازم يتوجد موسي

موسي النوبةدي ماهوش نبي ولا بحر ليه يتشد

بس اللي وكل ربنا بيشوف بعين الحق

وولدنا عالظالم عفي بتحل برزانه

ولسانه حلو مع الاصيل وعالواطي خرزانه"

وتدور أحداث المُسلسل في الخمسينات مُرورًا بالستينات، أثناء الاحتلال البريطاني لمصر، حول رحلة صعود شخص يتوفى والده منذ صغره، ويتحمل مسؤولية أشقائه، وهو من محافظات صعيد مصر، ويضطر لترك بلده والانتقال إلى القاهرة بعد أن قتل شقيق شيخ القرية بدون قصد، أثناء المبارزة بالعصا، وفي القاهرة حيث وجد فيها ملاذه، أخذ يعمل في تصدير واستيراد بعض الأشياء من غزة لمصر والعكس ومن بينها المخدرات، ويعجب بفتاة فرنسية، وتتوالى الأحداث في إطار درامي مكثف، إذْ وُفِّقَ كادر العمل في تحقيق منجزهم الدرامي وفق رؤية إخراجية ناجحة فنياً ولكنها ضبابية على الصعيد الفكري، وهو محور ما سنتتطرق إليه في هذا المقال.

والمسلسل من تأليف ناصر عبد الرحمن وإخراج محمد سلامة وبطولة محمد رمضان وسمية الخشاب ورياض الخولي وسيد رجب، وآخرون.

ففي مسلسل ملحمة"موسى" تشير الدلالات الدينية إلى رؤية تطبيعية مع الموروث اليهودي الديني توطئة لتعويد العقل العربي على رموزه واستحضارها كمنقذ للإنسان العربي من الأزمات التي تحيق به بدلالة ما جاء في محتوى المسلسل وتحديداً أغنية المقدمة، وقد تجلت المقاربات الرمزية في السياق الدرامي لموسى الصعيدي مع مصدر استلهامها المتمثل بالنبي موسى، والتلاقي على رؤية تطبيعية بين الموروث اليهودي والواقع العربي المحتقن بالأزمات، ويتجلى ذلك الاستلهام من خلال تقارب شخصية موسى الصعيدي في أحداث المسلسل، وبعض ما تضمنت سيرة النبي موسى حينما قتل فرعونياً نصرةً لليهودي، ثم كيف انه هرب من بطش فرعون، وفي المسلسل يهرب موسى الصعيدي من بطش شيخ القرية على خلفية قتله لشقيقه، ويلتقي موسى بأخيه زكريا أثناء الطوفان الذي دمر القرية وشرد أهلها، ثم يعمل متخفياً في القاهرة، وهناك أيضاً سيطرة موسى الصعيدي (محمد رمضان) على الثعابين كما حدث مع النبي موسى حينما حوّل عصاه إلى أفعًى التهمت أفاعي السحرة الفراعنة، الأمر الذي حقق معجزة موسى النبي الذي سخره الله لنجدة المؤمنين!! موسى النبي الذي أعاد بني إسرائيل إلى مصر ثم خرج بهم بعد أن شق البحر بعصاه..  وقياساً إلى ذلك يأتي"موسى" الصعيدي الذي مثل دوره الفنان "المطبع" محمد رمضان ليمثلَ التمازج الوجداني التطبيعي مع الاحتلال الإسرائيلي في رسالة خفية ضمنية لإنقاذ مصر من براثن المتآمرين كون طرفي الرؤية ( ورثة النبي موسى وموسى الصعيدي) قاوما الإنجليز، وقد شق الأخير بعصاه بحراً زاخراً من الصعاب تيمناً بالنبي موسى الذي شق بعصاه البحر؛ ولكن!! بالنسبة للحقيقة فإن مقاومة الإنجليز على صعيد التاريخ المصري فقد قادها سعد زغلول زعيم مصر  الوطني إبّان ثورة 1919م حيث خرجت الصهيونية من عباءة الاستعمار البريطاني وكانت من أخطر أدواته.. أما ما تسمى ب"إسرائيل" التي يمثل رؤيتها التضليلية النبي"موسى"، فقد أقيمت على أنقاض الشعب الفلسطيني الذي شرده المحتلون الصهاينة إلى المنافي ونكلوا به كما نكلوا بأهل سيناء المصرية.. وفي الوقت الذي وظف فيه المسلسل شخصية موسى كمنقذ لمصر من براثن الاستعمار وعبودية الباشوات وأذيالهم، قام بتصوير غزة كمصدر للخطر الداهم الذي يتهدد الخاصرة المصرية ويساهم في شطب وعي الشباب المصري من خلال المخدرات.. غزة التي أخذ يشيطنها المسلسل هي نفسها التي اغتصبها ورثة موسى، جيش الاحتلال الإسرائيلي من أصحابها الفلسطينيين الشرعيين، عندما كانت تابعة إدارياً لمصر، ليشيطنها الكاتب من خلال إسقاطاته المشبوهة!!ولم يشر ولو ضمنياً إلى ما يثبت حسن نيته، حتى في توظيف البعد الإنساني لقضايا العالم ابتعد الكاتب عن المذابح التي تعرض لها الشعبان الفلسطيني منذ نكبة 1948، والمصري في سيناء، مروراً بمذبحة مدرسة بحر البقر بالشرقية عام 1970 من قبل الإسرائيليين، مستعيضاً عن ذلك بقضية الأرمن والمذابح التي تعرضوا لها من قبل الأتراك في الحرب العالمية الثانية؛ وذلك نكاية بتركيا كإسقاطة سياسية مكشوفة، ثم مطاردة الإنجليز لأتباع موسوليني (حليف هتلر) من الإيطاليين وتصويرهم كضحايا في سياق هزيمة دول المحور أمام الحلفاء وعلى رأسهم بريطانيا العظمى بقيادة تشيرشل.

هذا هو ألدسم الذي استطابه  المشاهدون في مسلسل موسى المليء بالسم الزعاف، الذي من شأنه لو ترسخت رموزه في العقل العربي الجمعي أن يُعَوِّدُنا على قبول الصهيونية من باب التعامل افتراضياً مع الشخصيات اليهودية كشريكة في المنجز العربي والنضال ضد الاستعمار البريطاني الذي قدم للصهيونية وعد بلفور المشئوم! فموسى في المسلسل ينقذ مصر أما غزة فتدمر شبابها.. ومن هنا تشتعل الأسئلة لتدين هذا المسلسل الذي يمثل حصان طروادة لعقول الشباب الذي يتهاتفون على متابعة أخبار ومسلسلات محمد رمضان الذي يمثل البلطجة بكل أبعادها رغم أنه فنان موهوب ومن الطراز الرفيع.

من جهة أخرى، اتهم الفنان المصري الخلافي محمد رمضان باستهداف رموز مصر والحط من قدرها، فعلى سبيل المثال اتهم بالسخرية والانتقاص من الفنان الكوميدي المصري المعروف إسماعيل ياسين. وسجل ضده كذلك بلاغ "بالقتل المعنوي للطيار أشرف أبو اليسر" ويواجه أيضا أربعة بلاغات ضده من الإعلامي عمرو أديب.

ونشرت حفيدة الراحل إسماعيل ياسين، السيدة سارا تدوينة على فيسبوك تعبر فيها عن "اعتراضها على إقحام اسم جدها في هذا العمل".

وقالت سارة ياسين، إنها ليست المرة الأولى التي يسيء فيها محمد رمضان لإسماعيل ياسين، لكنها لا تلومه على ذلك لأنها ترى أن "تصرفاته تثبت مشاكل نفسية أهمها عدم الثقة بالنفس" حسب قولها.

تلا ذلك منشور من الشاعر أيمن بهجت قمر يقول فيه إن "محامياً قد كلف لاتخاذ الإجراءات القانونية حيال ما حدث، ومواجهة المسؤول عنه".. ورغم ذلك لم يضع أحدٌ من منتقدي المسلسل اليدَ على الجراح! لأن الخطر الحقيقي يكمن في رؤية المسلسل التي غفل عنها الجميع.

وللتذكير فإن خطورة محمد رمضان تكمن في جماهيريته بين الشباب الذين يعجبون بأفلام الإثارة التي يقدم رمضان من خلالها مشاهد البلطجة والعنف.. وهي المنطقة الهشة التي من خلالها يتسلل المطبعون لإعادة برمجة جيل الشباب المصري، وتفعيل الرموز اليهودية في قضاياهم الحياتية وتصوير تلك الرموز اليهودية كمنقذة للإنسان العربي من مخرجات الأزمات التي تجتاح عالمنا العربي، مع أن الاحتلال الإسرائيلي من عوامل نشوئها منذ احتلال فلسطين وأجزاء من الوطن العربي بما فيها سيناء المصرية.. وبالتالي الاعتياد على هذه الشخصيات في ظل تغييب تفاصيل نكبة فلسطين التي تسبب بها الاحتلال.. وهو مشروع إعلامي تضليلي إسرائيلي تساهم فيه بعض الدول العربية المطبعة لتبرير تحالفها مع الاحتلال الإسرائيلي.. وهذا يحيلنا إلا ما غرد به عبر تويتر، الإعلامي الإماراتي حمد المزروعي الذي يمثل وجهة النظر الإماراتية التي تحالفت مؤخراً مع الاحتلال الإسرائيلي، بعد نشر صورة تجمع بطل مسلسل موسى، محمد رمضان، بالمغني الإسرائيلي عومير آدم في دبي، وعلق المزروعي حينها قائلاً " أشهر فنان مصري مع أشهر فنان إسرائيلي.. دبي تجمعنا"، وذلك قبل أن يحذف التغريدة بعد دقائق من نشرها.

حينذاك نشرت "إسرائيل تتكلم بالعربية" الصورة، وأرفقتها بتعليق "الفن دوما يجمعنا.. النجم المصري محمد رمضان مع المطرب الإسرائيلي عومير آدم في دبي".

وتدور عجلة التطبيع من خلال بذر معطياتها في حرث الدراما العربية والتي يمثل مسلسل "موسى" ذروتها؛ ولكن الحقيقة تبقى ساطعة حيث يبهت التضليل القائم على ضخ الأكاذيب والخيال.

 

بقلم بكر السباتين

28 أكتوبر 2021

 

 

صادق السامرائييسحرني النثر المكتوب بشاعرية تتفوق على الشعر، وبأساليب عذبة ندية ذات مفردات طرية، تتسرب  إلى عيون الروح وينابيع النفس، وتلامس شغاف القلب، وتنث عطر التفاعل الإنساني النبيل.

نثر أجمل من الشعر وأبهى، وأبلغ تأثيرا في وعي القارئ وأحاسيسه ومداركه، وما يبثه من عبق التألق والتأنق والجمال.

كتّابٌ أقدمون ومعاصرون يسطرون روائع بيانية فتانة، فوّاحة الأفكار خلابة الكلمات، تنساب بعذوبة وإنسجام باذخ مع نبضات الأعماق وهمسات الصدور.

فتقرأ لوحاتهم الفنية الجمالية الساحرة، الثرية بالإيقاعات والنبضات الشاعرية المتهادية كالأمواج المتناسقة فوق السطور، فتجعلك تغرق في فحواها، وتسبح في تيارها الهادئ العذيب.

بديع يراعهم يسطع متوهجا في دنيانا، ويتغلغل في مشاعرنا، ليروي عطش المعرفة والمحبة والروعة والإبداع الأثيل.

نثر ينهل الشعر منه ويخشاه، ويقترب منه ولا ينساه، كلماته تتقافز إلى بحر الشعر، وعباراته تتراصف في أبيات القضائد، وتتفاعل مع القوافي والنغمات الصافية المنسابة بفنية وإحكام.

فأين ما يكتبون من نثر خالدٍ مبين، يموج بالتناغم الأثيري، كالجمان المتراقص على وجه بحيرة تتلألأ فيها أضواء النجوم.

النثر المعتق في قوارير الوجد والهيام بسحر الكلمات، وفيض العبارات وإيقاع الأفكار المتواشجة فوق بدن الكينونة الجمالية للإبداع الأصيل.

إنها حلّة مرصعة بدرر الخيال وجواهر الإتصال مابين الروح العلوية والقدرات الذاتية للألباب المتسامية فوق وجدان البشرية.

ذلك النثر الحي المتسامق بعروشه النضرة وأزهاره العطرة، وأثماره الناضجة الطيبة الشهية، الداعية إلى الإستمتاع بتذوقها والإنتشاء بطعمها اللذيذ.

وإنّ من البيان لسحرا!!

 

د. صادق السامرائي