صادق السامرائيكتبتُ عن هذا الوضوع العديد من المقالات، التي جوبهت بالرفض والنقد القاسي من قبل الذين يكتبون لأنفسهم ولعدد قليل ممن يسمونهم بالنخبة، وعلى حد قول أحدهم "مَن بقرأ ما نكتب إنهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليد..."

وهو إعتراف بأن الكاتب يكتب لنفسه ولبعض الذين يكتبون لأنفسهم مثله.

وتطالعني هذا الصباح كلمات لأحد الأساتذة المرموقين:

"الكتّاب والصحفيون الرواد كانوا يكتبون للناس...اليوم هناك الكثير من الكتاب ورجالات الصحافة يكتبون لأنفسهم وليس للناس يرجى الإنتباه".

وأعود إلى المقالات التي نشرتها سابقا بهذا الخصوص، وأجد أن ما يُكتب لا يُقرأ، لأنه لم يُكتب للناس، وإنما كتبه الكاتب لنفسه وحسب.

تعلمت من تفاعلي مع المجلات الرصينة العالمية، أنهم لكي ينشروا لي مقالة يحاسبونني على كل كلمة وعبارة، ويطلبون إعادة كتابة العبارة أو تغيير الكلمة، لكي تكون واضحة ومفهومة للقارئ.

وأذكر إحدى المقالات كان الأخذ والرد بيني وبين المحرر أكثر من عشر مرات، حتى إقتنع بأن ما جاء بالمقالة أصبح سهلا وواضحا ومفهوما.

تعلمت من هذه التجارب أن أكتب ما يفهمه القارئ ويتعلم منه، وفي أفضل حالات الوضوح والتبسيط والمباشرة، لكي أشد القارئ وأمنحه شيئا من متعة القراءة.

وكثيرا ما أتحوّل إلى ناقدٍ قاسٍ لما أكتبه، وأحاول أن أعيد ترتيب العبارات ونسق الأفكار، لكي تكون منسابة وقادرة على تشجيع القارئ على مواصلة القراءة، ولا أدري إن أفلحت ولا زلت أحاول!!

فالكتابة عناء ومهارة لا تُكتسب بسهولة، وإن كانت موهبة فتحتاج لصقل وتهذيب وترتيب وتدريب.

وبسبب فقدان أصول الكتابة وتقنياتها تجدنا نكتب لأنفسنا، وما نكتبه لا يتفاعل مع الناس، ولا تجد له صدى في الواقع، فما أكثر الأفكار القويمة المطروحة بأساليب غثيثة ومربكة!!

ترى إلى متى سنبقى نكتب لأنفسنا، ونتجاهل الكتابة للناس؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 

صادق السامرائينصوص مكتوبة وموصوفة بالشعر، فالشعر أصبح حالة سائدة فاقدة للضوابط والمعايير، وإنما هي تسميات وحسب، فما نكتبه يكتسب شرعية الشعر وفقا لهوانا!!

نصوص ذات قيمة إبداعية وجمالية لكنها ليست بالشعر، مهما توهمنا وإدّعينا ودافعنا وحاججنا، وغضبنا وإنفعلنا وأمعنا بالإصرار على أنها شعر.

إنها نصوص نثرية لا غير!!

لو تصفحنا تراث الأمة الأدبي، لوجدنا العديد من النصوص الرائعة، التي فيها إيقاعات عروضية واضحة ومؤثرة، لكنها لم تسمى شعرا، بل خطبا ورسائل ومقامات وغيرها من التصنيفات الإبداعية، التي عهدها العرب منذ زمن بعيد.

أنظروا خطب المسؤولين عبر التأريخ، فستجدونها ذات بلاغة وقوة تعبيرية فائقة، وتلتزم بآليات عروضية وفقا للتفعيلات المتعارف عليها، وما قيل عنها بأنها شعر.

وفي العقود الماضية بدأت لعبة الحداثة التي هدّمت وما بنت، ودمّرت وخرّبت، وخلطت بين الثوابت والمتغيرات، وإدّعت أن ما جاءت به هو الشعر، بل إنها الثورة الشعرية المعاصرة، وتحقق تسويق وإبراز العديد من رموزها، وإيهام الذائقة الجمعية بأن ما يأتون به ذروة التعبير الشعري، وما عداه تقليدي ولا قيمة له ولا دور في الحياة.

وبعد عقود من الوهم ومطاردة خيوط دخان في فضاءات الهذيان، وجدتنا أمام كم هائل من النصوص المسماة شعرا، ولا يقترب منها القارئ، مركونة في مواضع الإهمال والنكران، وربما يتداولها فيما بينهم بعض الذين يرون أنها شعر، من باب المجاملات.

وتتسيد الصحف والمواقع النصوص المتنوعة، التي يمكن تحويلها إلى مقطوعات نثرية، لكنها تحسب شعرا وأصحابها شعراء، وإيّاك أن ترى غير ذلك!!

ويتناسى أنصارها ودعاتها، أن كل موجود في الكون له شكل وصورة وهيئة تعبّر عنه وتميزه وتمنحه ملامحه الفارقة، فلا موجود بلا ملامح، ولتجريد الشعر من علاماته وخصاله وصورته وكينونته المعبرة عن ذاته وموضوعه، نكون قد إتحذنا طريق التلاشي والإندثار، لأننا نمحق كائنا متوافقا مع بديهيات ومسلمات الوجود.

تحية لمبدعي النصوص النثرية الذين يحشرونها في مدينة الشعر، والشعر منها براء.

فهل لنا أن نعترف بأننا نكتب نثرا لا شعرا؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

علي سيف الرعينيإن العلاقات التي تتعقد بسبب عدم فهم طرف للطرف الآخر هي علاقات لم تُبنَ على أساس صحيح، أطرافها لم تدرك أن العنصرين اللذين من ينبغي وجودهما في أي علاقة يُراد دوامها لمصلحة ما -عاطفية أو مادية أو أيًّا كان نوعها- هما "إدراك حتمية الاختلاف وتقبله"، أما الاختلاف فصحيّ تمامًا؛ وجوده محرّك للحياة، وانعدامه رتابة.. والرتابة أخت الموت.

إن سادت ثقافة تقبّل الاختلاف ستسود على إثرها ثقافات أخرى تابعة: احترام الاختلاف، البحث عن مواطن قوة الاختلاف، الانتفاع من الاختلاف، تقدير الاختلاف.. ولستُ أقصد الاختلاف فكريًّا فقط. إن احترام وتقبل اختلاف اللون والأديان والاعتقادات الفلسفية والتخصصات العلمية والوظائف يؤثر على احترام تنوع الأذواق، ولأن تدريب النفس على تقبل ما سلف ذكره صعبٌ فإن أسهل الحلول أحيانًا أن نبدأ بالخطوة الأخيرة، أي أن نبدأ باحترام الأذواق، والذي بدوره يقودنا إلى تقبل أي اختلاف آخر بين الواحد منا والآخرين.

قد يبدو هذا الأمر مثاليًّا إلى حد ما ولكن الحقيقة هي أنه لا يمكن أن يتغير العالم كله، لا يمكن أن تتقبل المجتمعات كلها المجتمعات الأخرى ولا حتى أفراد المجتمع الواحد نفسه، فالثقافة الفكرية هذه -وأي تطور فكري آخر- تتكئ على أكتاف كثيرة، فنوع سياسة الدولة، ونوع تشريعات الدين المُعتَنَق، ودرجة التعلم، والطبقة الاقتصادية وغيرها من العوامل تدخل جميعها في تكوين مدى قدرة كل مجتمع -وكل فرد- على تقبل الآخر -أو تطويره لفكرة ما- ورغم وجود من قد ينكر ما سأذكره إلا أني أثق بواقعه، وهو أن هذه العوامل يتعدى تأثيرها ذلك إلى أن تؤثر في مدى تمسك المجتمعات وأفرادها حتى بطبيعتهم الإنسانية.

ولأن الأمر معقد وبديهي في الوقت ذاته إلى هذه الدرجة، يواجه الفنان -أيًّا كان فنه- صعوبات عدة في الوصول إلى ذائقة الآخرين بمجرد أن يضع في اعتباره ضرورة إعجاب الآخرين بما ينتج من أعمال، فيتأخر الأديب، ويفشل المخرج، ويُنسى المغنّي، ويُحبط الرسّام، فقط لأنهم لم يخرجوا الفكرة والشعور بالطريقة التي يرونها هم مناسبة، بل بالطريقة التي برأيهم: قد تعجب وتناسب الآخرين.

أحيانًا ما تكون أبسط الأمور التي يتخذها الفنان درعًا له -وإن انتهج ما رآه مناسبًا غير مكترث لآراء الآخرين وتقبلهم من عدمه- هي الحياد، فيكون محايدًا غير مصنفًا نفسه تحت أي ميولٍ، وغير مبدٍ رأيه حول أي قضية كبيرة، وهذا ما شاع في الآونة الأخيرة مع التقدم التقني ومع تطور الوسائل الإعلامية، في حين أن الفنان القديم، الرسام والأديب والمغني والممثل كان أجرأ، كان أقرب إلى نفسه من الآخرين، كان يترك الأمر لريشته وآلته وقلمه، ويطلق العنان لنفسه، ويوضح مواقفه من أي شيء بكل شفافية لمن يسأله عنها، لأنه لم يكن يشعر أنه يعيش على مسرح وأن كل العالم لجنة تحكيم تنتظر منه الوقوع في خطأ المعية والضدية، وكان يصل إلى حيث تستحق أصالته حتى بعد مماته، أما اليوم وفي ظل هذه الامكانية الكبيرة للوصول إلى العالم بأسره تقيّد هذه اللجنة أطرافه الأربعة فيكون رهن إشارة الجميع فقط ليكون مقبولًا.

قد أبدو وكأني أعمم الأمر، أو أصفه مجازيًّا بالحتمية، إلا أني لا أجزم إلا بوجوده عند الغالبية ممن يرغبون بالوصول إلى الآخرين، وإن اختلفت نسبته عند كل منهم إلا أن هذا الخوف – المقصود وغير المقصود- ما يزال مُمارَسًا ومتفشيًا بدرجة كبيرة تعيق تقدم الفنان وصاحب الرأي الواحد، وبالتالي تؤخر تقدم المجتمع الواحد.. فما الحل؟ الحل أن تبدأ بتقبل الآخرين بالسماح لهم باتخاذ مواقف مختلفة عنك، واحترام تعبيرهم عن موافقتهم ومعارضتهم، لتستحق في المقابل تقبلهم وسماحهم باتخاذك مواقف مختلفة عنهم واحترامهم لتعبيرك عن موافقتك ومعارضتك، ولتستطيع الاستمتاع بذوقهم ونتاجهم، فيستمتعون بذائقتك وما تنتج.

سأتقدم الطابور، ولا تتبعني، بل تقدم طابورك الخاص، دعني أراك بجانبي أو في الجهة التي تقابلني، دعني أراك بوضوح، وأسمعك بوضوح وسأحدثك بوضوح، تحدث كيفما شئت وبما تشاء واسمع مني ما أشاءُ وكيفما كان، أطلعني على ما تريد من جعبتك وهاك ما أختارُ مشاركتك إياه، سأكون أنا دون أن تقارنني بغيري أو بنفسك وكُن أنتَ وسأُقدّرُكَ لنفسك، لنستمتع بوجودنا، ونتلذذ باختلافنا، ونتطور بتقبلنا، ونُديم سَرِيّتي وسَرِيّتك بالتفاهم.

 

بقلم/علي سيف الرعيني

 

 

صادق السامرائييسألني الأخوة والأصدقاء، لماذا لا تؤلف الكتب الورقية، ولدي أرشيف كبير يصلح لإصدار العشرات منها؟!

وأتساءل وذات نفسي عن قيمة الكتاب الورقي؟!

زميلي يطبع في كل سنة كتاب وباللغة الإنكليزية، وعندما أسأله عن مصير ما يطبع، يقول إنه مكدس في سرداب البيت!!

ولي قريب لديه عشرات الآلاف من الكتب، لا يدري ماذا يفعل بها، فلا أحد يشتريها أو يعيرها إهتماما، ويحسب أنه سيهديها لمكتبة جامعة ما، وما وجد مَن يتقبّل منه ذخيرته الورقية!!

وفي مجتمعاتنا هناك حركة سريعة وإنتاج كتب بكثرة غير معهودة، لسهولة الطباعة، ولأن دور النشر تترعرع على طباعة الكتب، ولا يعنيها تسويقها وريعها.

والواقع أن طباعة الكتب تجارة كأي تجارة، الرابح فيها الجهة التي تطبع الكتاب، أما المؤلف فهو الخاسر الأول، لأن سوق الكتاب فيها كساد وفساد.

ويبدو أنّ المشكلة الأساسية أننا نعيش في عصر الصورة، التي تنطق بما لا يستطيعه كتاب!!

كما أن رغبة القراءة في الكتب الورقية ما عادت غالبة في المجتمعات التي يقضي أبناؤها معظم وقتهم محدّقين بشاشة صغيرة هيمنت على أيامهم وإستعبدتهم، هذه الشاشة التي إبتكرها شخص نصف جيناته عربية.

قلت للسائلين عندي عدد لا بأس به من الكتب الإليكترونية، لكنها ليست ذات تسويق طيب، وتعلمت أن المشكلة ليست في القارئ، وإنما في الكتابة كفن عليها أن تتطور وتواكب عصرها.

الكتابة بالغربية بحاجة لثورة أسلوبية معاصرة، وآليات عملية لشكلها وصورتها المحببة للنظر، وأن تكون مُكثفة وأقل مما " قل ودل"!!

فأساليبنا الكتابية خالية من التقنيات الحديثة، ويطغى عليها الترهل والإسهاب، وعدم القدرة على وضع الأفكار في كلمات، وما هي إلا تيهان فوق السطور، ونتوقع من القارئ أن يمتطيها وهو يطارد خيط دخان!!

الكتابة فن ويجب أن نعرف مكانها وزمانها، ومفرداتها!!

فهل من ثورة أسلوبية، وقدرة تعبيرية تتوافق وطبائع القرن الحادي والعشرين؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

ضياء نافع..لأنه لا توجد شوارع وساحات في بغداد تحمل اسم بدر شاكر السياب او نازك الملائكة او غائب طعمه فرمان او..او..او..، قررت ان اكتب هذه السطور، كي اهديها، اولا، الى ...من يهمّه الامر.. (كما تعوّدنا ان نكتب في عرائضنا غير المجدية !!!) انطلاقا من مبدأ – ... فذكّر ان نفعت الذكرى... رغم اني أعرف مسبقا، ان  عملية التذكير هذه (لم تنفع في حينها ولن تنفع لاحقا !!!).. واكتب هذه السطور، ثانيا، كي اخفف الوطأ (كما اوصانا المعرّي العظيم) عن روحي وقلبي وعقلي، بعد ان اطلعت على احصائية (غريبة وطريفة جدا!) تتحدث عن عدد الشوارع في روسيا (وبعض دول الاتحاد السوفيتي سابقا)، التي تحمل اسم الكاتب الروسي انطون تشيخوف، بل ان عالمية تشيخوف واطلاق اسمه على الشوارع تخطّت حدود روسيا ودول المجموعة السوفيتية السابقة، ووصلت الى دول اوربية اخرى، وليس فقط  دول المعسكر الاشتراكي السابق، والتي كانت تسير ضمن المدار الفكري السوفيتي كما هو معلوم، بل وصلت عالمية تشيخوف الى دول اوربية غربية بعيدة جدا جدا عن التأثير الروسي و السوفيتي سياسيا وفكريا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فهناك الان شوارع وساحات تحمل اسم تشيخوف في المانيا وايطاليا وفرنسا ...، وكل هذا يعدّ طبعا ظاهرة حضارية متقدّمة و مدهشة و تستحق التأمّل العميق بلا شك ...

تقول ارقام تلك الاحصائية الطريفة، ان تشيخوف يشغل المكان رقم واحد بين الادباء الروس، الذين تمّ اطلاق اسمائهم على الشوارع في روسيا، وكذلك المدن السوفيتية سابقا، عندما كان الاتحاد السوفيتي قائما آنذاك، و على الرغم من تغيير معظم التسميات في تلك الدول بعد الغاء دولة الاتحاد السوفيتي عام 1991 كما هو معروف، الا ان اسم تشيخوف لم يتغيّر، وقد علّق احد اصدقائي العراقيين على ذلك قائلا وهو يضحك – ... لأن تشيخوف (فوق الميول والاتجاهات !)، وكان هذا (المصطلح السياسي العراقي البحت !) موضوعا لحديثنا وتعليقاتنا المتنوعة المرحة والعميقة الحزن في آن، نحن العراقيين، الذين التقينا آنذاك - وبمحض الصدفة - في موسكو . قال الاول، ان تشيخوف لم يكن بالنسبة للعراقيين (فوق الميول والاتجاهات)، والدليل على ذلك، ان مجلس السلم العالمي طلب من انصاره في العالم الاحتفال عام 1954 بذكرى مرور خمسين عاما على وفاة تشيخوف، وقد (لبّى!) هذا النداء الحزب الشيوعي العراقي، وأصدر اول كتاب عن تشيخوف في العراق، وهو كتاب شاكر خصباك الشهير . اعترض الثاني قائلا، ان كتاب خصباك كان فعلا متناسقا مع نداء مجلس السلم العالمي، وهو منظمة تابعة للحركة الشيوعية العالمية بقيادة الاتحاد السوفيتي آنذاك، وبالتالي، فانه جاء ضمن نشاط الحزب الشيوعي العراقي، الا ان كتاب خصباك عن تشيخوف تخطى ذلك (الحاجز!) ان صح التعبير، واصبح – وبمرور الزمن – كتابا عراقيا جميلا ومفيدا ورائدا وقائما بذاته عن تشيخوف، يرتبط باسم خصباك فقط، ولم يعد عملا فكريا، جاء نتيجة نداء مجلس السلم العالمي ليس الا، والدليل على ذلك، ان خصباك نفسه أعاد طبع هذا الكتاب في اليمن نهاية القرن العشرين، وذلك باعتبار هذا الكتاب واحدا من المصادر المهمة لتعريف القارئ العربي بالكاتب الروسي تشيخوف، وبغض النظر عن موقف الحزب الشيوعي العراقي تجاهه عند صدوره في الخمسينيات ببغداد عندئذ . قال الثالث، ان كل الادباء الروس في العراق الملكي وبداية العراق الجمهوري كانوا يُعتبرون (بضم الياء) ضمن (الميول والاتجاهات اليسارية) وليس فوقها، لانهم فقط روس ليس الا، بغض النظر عن مواقفهم الفكرية و نوعية كتاباتهم ومضامينها واهدافها (بما فيهم حتى بوشكين وغوغول ودستويفسكي وتورغينيف وتولستوي وتشيخوف)، وان هذه النظرة الساذجة جدا (التي كانت سائدة في شعاب المجتمع العراقي كافة آنذاك) دليل اكيد على سذاجة الساحة الفكرية العراقية عموما في تلك الفترة، وهي اثبات مادي ملموس ليس فقط لسذاجة السلطة الحاكمة وحدها، وانما لسذاجة كل القوى الاخرى في ذلك المجتمع، بما فيها القوى السياسية المعارضة للسلطة والمضادة لها .

 اتفقنا في نهاية دردشتنا الطريفة تلك، ان ظاهرة (شوارع تشيخوف !) العالمية ترتبط بابداع تشيخوف الانساني الهادئ والعذب بعمق وابتسامته الجميلة والحزينة، وان (عطسة موظفه الروسي، التي ادّت الى موته رعبا !) مفهومة جدا لكل انسان، بغض النظر عن قومية هذا الانسان وجنسيته ودينه وبقية خصائصة المتنوعة الاخرى، واتفقنا ايضا، ان بغداد ستشهد يوما ما ميلاد شارع يحمل اسم بدر شاكر السياب او غائب طعمه فرمان او نازك الملائكة او. ..او.. الخ، ولكن لن يكون فيها شارع يحمل اسم تشيخوف الروسي، او حتى شكسبير الانكليزي، والحليم تكفيه الاشارة....     

 

 ا.د. ضياء نافع

 

 

صادق السامرائيأبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي الأندلسي (506 - 581) هجرية، (1100 - 1185) ميلادية.

ولد في غرناطة وتوفي في مراكش.

فيلسوف وعالم وطبيب وفيزيائي وقاضي، ترك آثارا في الفلسفة والأدب والرياضيات والفلك والطب، وفي الغرب يسمى (أبو باسر)، وكان من وزراء دولة الموحدين.

كان الطبيب الخاص للسلطان أبي يعقوب يوسف أمير الموحدين (580 - 595) هجرية، وأوصى له بإبن رشد كخلف له في المستقبل في عام 1169، وكان هذا أعظم إنجازاته الحضارية الإنسانية.

أستاذه: إبن باجة

تلاميذه: أبو إسحاق البطروجي، إبن رشد. 

مؤلفاته: حي بن يقظان (أسرار الحكمة الإشراقية)، أرجوزة في الطب (7700) بيتا، رسالة في النفس، مراجعات ومباحثات بين إبن طفيل وإبن رشد.

الذين أثروا فيه: إفلاطون، أرسطو، الفارابي، إبن سينا، الغزالي، إبن باجة.

الذين أثر فيهم: إبن النفيس، إسحاق نيوتن ، فولتير، جون لوك، إيمانوئيل كانت ، وغيرهم.

وكتابه (حي بن يقظان)، "قصة خيالية عبر فيها عن آرائه الفلسفية في أن الإنسان بطبيعته وغريزته ومن غير تعليم يستطيع أن يكشف ذاته ويعرف الله. ويبدو أنه كان يؤمن بنظرية التطور والإرتقاء، واعتبر تنقية الدم عاملا أساسيا لبقاء الحياة، وذكر فيها مميزات الحيوان والنبات، وفي صنفي حياتهما وفي التغذية وتأثيرها في كل منهما".

هذا العقل العربي الألمعي أوجدته أمة ذات طاقات واعدة وقدرات على الإتيان بأمثاله في جميع العصور، فهل لنا أن نرعى عقولنا الفياضة الإبداع؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

نايف عبوشيحتفل العالم في ٢٢(نيسان) من كل عام بـ(يوم الأرض العالمي). ويتطلب أن يكون هذا اليوم يوم عمل للتصدي لوباء كورونا، وتغيُّر المناخ، والاحتباس الحراري ، وتغيير السلوك البشري الملوث لبيئة كوكبنا الأرضي، وإحداث تغييرات إيجابية للحفاظ على البيئة، ومواجهة ظاهرة التلوث، والانبعاثات الكربوني، والعوادم الصناعية السامة، وغيرها من التهديدات العالمية المستقبلية الخطرة.

ويأتي شعار يوم الأرض لسنة 2021 هو (استعادة أرضنا)، الذي يركّز على الإجراءات، والأساليب الطبيعية، والتقنيات الخضراء، والأفكار المبتكرة التي يمكنها المساعدة على تعزيز نظم الحفاظ على البيئة على هذا الكوكب، تجسيداً لحجم التحديات التي باتت تواجه كوكبنا الأرضي . ولقد جسد البوستر الرسمي ليوم الأرض لعام ٢٠٢١ للرسام البرازيلي (سبيتو)، التعبير عن الأمل بمستقبل أخضر، يصنعه الجيل الجديد، إذ الغزال يرمز إلى السلام، والشمس ترمز إلى الحرية والطاقة، في ومضة تطلع متفائلة للانسان المعاصر، إلى بيئة خضراء نظيفة .

ولابد من الإشارة إلى أن استعادة الكوكب، والحفاظ على بيئته الطبيعية، مسؤولية الجميع، حكومات وأفراد ، لأننا جميعا نعيش فيه، ونحتاج إلى أرض صحية لتأمين سبل العيش، والصحة والسعادة، وفرص البقاء.. فالكوكب السليم ضرورة وجود، وليس مجرد خيار . ويتطلب الأمر لتحقيق ذلك، مجموعة من حملات التشجير، وإنتاج الغذاء بأساليب طبيعية مستدامة، وتنظيف الأماكن العامة، والعمل إدارة التلوث، والنفايات السامة بكفاءة، ورفع الوعي المناخي، والتربية البيئية المجتمعية.

ولعل تأكيد برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أنه بحلول نهاية عام 2020، كان يجب أن تنخفض انبعاثات ثانى أكسيد الكربون العالمية بنسبة 7.6%، وتواصل الانخفاض بنسبة 7.6% كل عام، حتى نحافظ على الاحترار العالمي دون 1.5 درجة مئوية، وفقًا لتقرير فجوة الانبعاثات، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2019، يعكس حقيقة خطورة تداعيات التلوث على البيئة، ومايلحق من أضرار بكوبنا الأرضي .

 

نايف عبوش

بولص ادم"أي شخص يقرأ، لديه مفتاح الأعمال العظيمة والفرص التي لا يمكن تصورها"..  ألدوس هكسلي

في البدء، أقدم أجمل التهاني لمن ألف كتاباَ او شارك في تأليفه وساعده ان يرى النور.

نحب الكتب ويتفق معنا اليونسكو. اقترحت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة يوم الكتاب العالمي يوم 23 أبريل كيوم للاحتفال بفرحة القراءة.

مائة دولة تحتفل باليوم العالمي للكتاب ولماذا لا؟ الأطفال الذين يقرؤون بانتظام من أجل الاستمتاع يحصلون على درجات اختبار أعلى، ويطورون مفردات أوسع، ويزيدون من المعرفة العامة ويفهمون الثقافات الأخرى بشكل أفضل من نظرائهم الذين لا يقرؤون. سواء كنت تقرأ كتبًا تقليدية ذات غلاف ورقي أو تلجأ إلى جهاز Kindle / iPad / أيًا كان، فإن القراءة جواز سفر الى العديد من العوالم الأخرى. لذا احتفل معنا في 23 أبريل! إنه يوم للاحتفال بامتياز القدرة على القراءة، توجه إلى المكتبة أو استلق على الأريكة وكن مجرد دودة كتب! القراءة هي شكل ممتاز من أشكال الترفيه ايضاً وتتطلب أن تستخدم خيالك بدلاً من مجرد مشاهدة العناصر المرئية على الشاشة. هناك أيضًا شيء علاجي للغاية حول الإحساس الفعلي للكتاب، برائحته من الصفحات المطبوعة والأغلفة اللامعة. تعتبر الكتب جانبًا قيمًا في المجتمع ولكن لم يكن هذا هو الحال دائمًا. عندما تم تطوير المفردات والكتابة منذ آلاف السنين، تم استخدام الألواح الطينية. تطور هذا إلى رق بردي. حقق الصينيون الشكل الأول للكتاب في القرن الثالث، على الرغم من أن كتبهم كانت تتكون من صفحات سميكة مصنوعة من الخيزران تم حياكتها معًا. بحلول منتصف القرن الخامس عشر، أحدثت المطبعة ثورة في الكتب لتصبح ما هي عليه اليوم وجعلتها في متناول الجميع. بفضل هذا الاختراع العبقري، أصبحنا قادرين على الاستمتاع بالنثر والشعر لعدد لا يحصى من المؤلفين والشعراء مثل من شكسبير وتولستوي. تم إنشاء يوم الكتاب العالمي من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في 23 أبريل 1995. تم اختيار هذا التاريخ لأنه ذكرى وفاة ويليام شكسبير والمؤرخ الإسباني البارز إنكا جارسيلاسو دي لا فيجا. قبل ذلك، كانت هناك عدة أفكار حول موعد الاحتفال باليوم العالمي للكتاب. في الأصل، اقترح الكاتب فيسنتي كلافيل أندريس، أن يكون هذا اليوم يوم يكرم المؤلف ميغيل دي سيرفانتس. هذا يعني أنه يمكن أن يكون إما في عيد ميلاده، في 7 أكتوبر، أو يوم وفاته، في 23 أبريل. لأن يوم وفاته تزامن مع التاريخ الذي توفي فيه ويليام شكسبير وإنكا جارسيلاسو دي لا فيغا أيضًا، هذا التاريخ تم اختياره. من المثير للدهشة أن هناك العديد من المؤلفين المشهورين الآخرين الذين ماتوا أيضًا في 23 أبريل، مثل ويليام وردزورث وديفيد هالبرستام.

يعد الاحتفال باليوم العالمي للكتاب فرصة مثالية لمقابلة مؤلفك المفضل أو تقديم كتاب هدية أو شراء تلك الرواية التي طالما رغبت في الحصول عليها بخصم مغر. علاوة على ذلك، يقوم أمناء المكتبات والمتاحف والمؤسسات الثقافية الأخرى عادة بتنظيم أنشطة خاصة للاحتفال بهذه المناسبة (موائد مستديرة، توقيع كتب، محاضرات، زيارات إرشادية، ورش عمل للأطفال، رواة القصص، حفلات موسيقية، قراءات عامة، إلخ..). دعوة لتجربة عالم الآداب بطريقة مختلفة.

في عام 2015 حققت النمسا مثلا رقماً قياسيا في عدد الفعاليات الكبرى احتفاءا بالكتاب وتشجيع القراءة وفي اسبانيا وعلى سبيل المثال لا الحصر، يصادف يوم سانت جوردي في كاتالونيا الاحتفال الشعبي وفقًا للتقاليد، من المعتاد في هذا اليوم إعطاء هدية كتاب للرجال ووردة للنساء. وهكذا تحولت مدن مثل برشلونة إلى مكتبة ضخمة لبيع الكتب في الهواء الطلق، مليئة بالأكشاك مع المؤلفين الذين يوقعون نسخًا من أعمالهم. سيرفانتس و "دون كيشوت" في 23 أبريل، مسقط رأس الكاتب ميغيل دي سيرفانتس، ألكالا دي إيناريس، يرتدي حلة رائعة: في قاعة الجامعة، يقدم ملك وملكة إسبانيا جائزة سرفانتس، وهي أهم تمييز أدبي يُمنح في عالم اللغة الإسبانية. بأسم بطل الرواية في يوم الكتاب العالمي. وفي كل عام، في Column Room في أكاديمية Círculo de Bellas Artes في مدريد، هناك قراءة متواصلة للرواية: يتضمن ذلك 48 ساعة من القراءة المستمرة من قبل شخصيات من عالم الثقافة والسياسة بالإضافة إلى المواطنين. تُقرأ رواية دون كيخوتة أيضًا في العديد من مراكز معهد سيرفانتس وفروعه في الخارج، من أجل الاحتفال بهذا التاريخ. يُقام ليلة الكتب في مدريد. تظل أكثر من 100 مكتبة مفتوحة حتى منتصف الليل مع برنامج ثقافي خاص يتضمن كل شيء من الموسيقى الحية واللقاءات مع الكتاب إلى أنشطة الأطفال. علاوة على ذلك، سيحصل أي شخص يشتري كتابًا في ذلك اليوم على خصم 10٪ على السعر. يُعد هذا طريقة رائعة لمحبي الكتب لإثارة شهيتهم لمعارض الكتب العديدة التي تقام في جميع أنحاء إسبانيا بعد ذلك بقليل خلال السنة.

في جميع أنحاء العالم، هناك العديد من التواريخ الأخرى التي يتم فيها الاحتفال باليوم العالمي للكتاب. تحتفل المملكة المتحدة والسويد وأيرلندا باليوم العالمي للكتاب في تواريخ مختلفة. ومن اللآفت أن المانيا وكرد فعل لما في الذاكرة وفي يوم مشؤوم من عام 1933تم حرق الكتب وكانت واحدة من جرائم الفاشيست الأولى التي مهدت للحرب الكونية الثانية، فحارقي الكتب أشعلوا حرباً مازال العالم يعيش تداعياتها المُرة، لذلك المانيا تعيد الأعتبار الى الكتاب ويُحتفى به ايما احتفاء متوجة ذلك بمعرض فرانكفورت للكتاب وربما هو اهم معرض عالمي لهذا الكائن العجيب الكتاب.

تبقى مشكلة قائمة وهي ظروف الطبع وعلاقة المؤلف بدار النشر والتوزيع ومشكلة حقوق المؤلف.. هي تتفاوت من بلد لآخر ومن قارة لأخرى، لكننا نعاني كثيراً من هذه المشكلة. وأخيراً القراءة تجعلنا نضحك وأحيانًا نحزن، فهي تستحضر صورًا أمام أعيننا الداخلية، بل إن بعض الكتب تأسرنا كثيرًا. نتفق: القراءة أجمل شيء في العالم! وصدق فولتير: القراءة تقوي الروح..

 

بولص آدم

 

صادق السامرائيأبو داود سليمان بن حسان (إبن جلجل الأندلسي). عاش (45) سنة، (332 - 377) هجرية.

درس الطب في سن الرابعة عشر وأتم دراسته في سن (24) وأتقنه بالممارسة.

وكان طبيبا خاصا للخليفة هشام المؤيد بالله (366 - 399) هجرية.

أساتذته في الطب: محمد بن سعيد، عبد الرحمن بن إسحاق بن هيثم، أبي عبدالله الصقلي، محمد الشجار، وهم من معاصريه المشهورين.

أساتذته في علوم الحديث واللغة: أبي بكر أحمد بن الفضل الدينوري، وهب بن مسرة، أحمد بن سعيد الصدقي، محمد بن يحيى الرباحي، وصحِبَ أبا بكر بن القوطية، وسليمان بن محمد الفقيه.

وله إهتمام بدراسة النباتات ويرى: " الله قد خلق الشفاء وبثه فيما أنبتته الأرض، وما إستقر عليها من الحيوان المشاء، والسابح في الماء المنساب، وما يكون تحت الأرض في جوفها من المعدن، كل ذلك فيه شفاء ورحمة ورفق".

وحرص على تصحيح كتاب (ديوسقريدس)

مؤلفاته: طبقات الأطباء والحكماء، تفسير أسماء الأدوية المفردة في كتاب ديو سقريدس، مقالة في ذكر الأدوية التي لم يذكرها ديو سقريدس، رسالة التبيين قيما غلط فيه بعض المتطببين.

إهتم بدراسة النباتات والأعشاب والأدوية المفردة والمركبة، وكأنه كان منشغلا بعلم الصيدلة وصناعة الدواء.

ويمكن القول بأنه كان من نوابغ عصره، ففي عمر مبكر نال شهرة وتأثيرا وأهمية في الطب، حتى تم إختياره طبيبا خاصا للخليفة، مما يعني أنه كان بارعا ومشهودا له بقدراته العلاجية والدوائية المشافية للعلل.

وهو طبيب موسوعي حاذق ومتبصر بالمعارف الإنسانية، ولديه أسلوبه في الإقتراب من المريض كحالة كلية، تتفاعل فيها عدة عوامل فتتسبب بالمرض أو العلة التي يشكو منها.

وقد ترافقت شهرته مع موهبته الأصيلة في المعاينة والتشخيص والعلاج، والوصول إلى أصل المعاناة التي تفعل في دنيا المريض.

وهو يقدم لنا مثلا على أن الطب يمكن أن يكون موهبة وقابلية يختص بها بعض البشر دون سواهم.

 

د. صادق السامرائي

 

صادق السامرائيأبو المنصور بن أبي الفضل بن علي الصوري، من الأطباء العرب المشهورين في معرفة صنوف الأدوية المفردة والنباتات الطبية.

ولد ونشأ في (صور)، وهوى دراسة الأعشاب التي تنفع تداوي الأمراض.

أساتذته: أبي العباس الجياني.، موفق الدين عبد العزيز، عبد اللطيف بن يوسف البغدادي

عاش في القدس سنتين وإتصل بالحاكم العادل الأيوبي وضخبه إلى مصر، وصار رئيسا لأطباء مصر لفترة، ثم إستقر بدمشق، وكان من أصحابه (إبن أبي أصيبعة)، وعاصر إبن البيطار.

مؤلفاته: كتاب الأدوية المفردة، الرد على كتاب تاج البلغاري للأدوية المفردة، تعاليق طبية كتبه لإبن أصيبعة، الكافي في طب العيون.

كان عشابا حاذقا واكتشف أدوية لم يسبقه إليها أحد، وكان يصطحب معه مصورا أو رساما لرسم النباتات وبألوانها ومراحل نموها وتطورها، وأدخل الصور في كتابه (الأدوية المفردة).

ويمكن القول بأنه من علماء النباتات الطبية التي إستخدمها في معالجة الأمراض، وتمكن من إتخاذ المنهج العملي التجريبي الوصقي في تدوينها وتقديمها للأجيال بما توفر لديه من قدرات توضيحية وتعبيرية، وقد بذل جهودا كبيرة لجمع المعلومات وتوثيقها بالصور والشروحات، وأظنه من أصحاب الأطالس النباتية النادرة في تأريح البشرية، وربما لم يسبقه أحد إلى هذا التفاعل العلمي التجريبي مع النباتات .

وقد نجح في دراسة الأعشاب ومعرفة صناعة الأدوية منها، وقام بتجارب وأبحاث ودراسات أسهمت بتطور صناعة الأدوية، وقد كان مشهورا في القرن السادس الهجري ومتفوقا على معاصريه، فكان موسوعة نباتية علمية ومذخرا دوائيا إفتراضيا.

وقال إبن أبي أصيبعة: "أن رشيد الدين الصوري كان في كل مشاويره وزيارته يصطحب معه مصورا مزودا بالأصباغ على الرغم من إختلاف أنواعها، كما أنه كان يطوف مواطن النبات جميعها، ويطلب من ذلك المصور أن يصور له النبتة في بيئتها وبألوانها الطبيعية..."

وبهذا يقدم مثلا على أصالة الإبداع العلمي والإبتكارات المعرفية الغير مسبوقة، والتي أنارت بها الأمة دياجير عصور الظلام في أمم أخرى، ما كانت تعرف معنى التفاعل العلمي والتواصل العقلي مع التحديات.

وإن الأمة بألف خير ما دام معينها المعرفي لا ينضب، ولديها منابع غداقة التدفق والعطاء!!

 

د. صادق السامرائي

 

قليلة هي القصائد التي اسرتني معانيها واعدت قراءتها مرات عديدة واكتشف مع كل قراءة عمق المعاني وقوة العاطفة التي تحركها او تنطلق من صاحب قلم اعياه البعد عن ملاعب صباه وعشقه للأرض التي رأى النور فيها وقضى سنوات عمره الفتية يجول باطرافها ويحفظ كل دعسة قدم خطاها في ربوعها، وها هو بجيل تجاوز نبيل عودةالشباب، يطل من شبابيك المهجر متجولا بذكريات لا تمحي، مستعيدا جمال ملاعب الطفولة التي اختلطت مع نبضات قلبه فانطلقت بقصيدة هي برأيي من اجل قصائد الحنين للوطن، ومن اجمل قصائد الذكريات لملاعب الطفولة ، لبحر الوطن وشاطئه وجباله ونسائمه وعصافيره وسمراواته.

في القصيدة نشعر بعمق الحزن وعمق الشوق وعمق الحب الذي يفتقده الشاعر في غربته ، كانه يقول انا لم أختار الغربة بل هي التي اختارنتي. وها هو في بلاد ليس له فيها عنوان. ولا يستجيب لندائه انسان. يتألم بصمت، ويحن بصمت بقوله: ان رجعت الى لبنان؟ تأملوا الجملة ، لا يقول عائد الى لبنان، فهو في عالم غير وطنه:" أقيمُ في خيمةٍ لا الشمسُ تدخلُها…/ ولا يجيبُ إذا ناديتُ، إنسانُ" ويواصل بحزن تنبض به كلمات قصيدته او الاصح اعترافاته: نِصْفي هناك، ولي نصْفٌ أعيشُ به / فكيف أمْشي، وكلُّ الدرب أحزانُ؟"

بنفس الوقت لا ينسى ايام الشباب:" وكان لي جارةٌ سمراءُ تغمزُ لي / ولم يكنْ بينَنا بحرٌ وشطآنُ…"

ويختتم قصيدته بلوعة الحزن والشوق: " هناك لي وطنٌ... لولا أغادرُه /

أصيرُ أعمى، وحولي الناسُ عميانُ".

اجل انه في الغربة ولكن قلبه ومشاعره وعقله ونبض قلبه وعينينه ترفضان ان تغادر الوطن!!

اجل ايها الشاعر: سترجع الى لبنان، وسيرجع لبنان الى روحك وعينيك ونبضات قلبك، وذكرياتك، وحبك لكل ذرة رمل وتراب ونبتة قمح ووردة في ربوعه وبسمة من سمراء تغمز لك ويشرب فنجانا من قهوتها!!

نبيل عودة

.................

إن رجعتُ إلى لبنان / د. جميل الدويهي

أمشي على البحر علّي ألتقي وطناً

                 فيه السماءُ عصافيرٌ وألوانُ

يردّني بعدما أمعنتُ في سفَري

           وصار بيني وبين العطر جُدرانُ

أقيمُ في خيمةٍ لا الشمسُ تدخلُها…

                 ولا يجيبُ إذا ناديتُ، إنسانُ

عندي رداءٌ من الأوجاع ألبَسُه…

               مرّتْ عليه أعاصيرٌ، وأزمانُ

ويسأل الناسُ عن إسمي، وعن بلَدي

            وليس لي في بلاد اللهِ عنوانُ…

نِصْفي هناك، ولي نصْفٌ أعيشُ به

         فكيف أمْشي، وكلُّ الدرب أحزانُ؟

وكيف يعْرفُني بيتي وأعْرفُه؟

           وكيف يرقصُ بين الورد نَيسان؟

ومَن أنا؟ شاعرٌ طال الرحيل به

           وفي مواعيدِه جوعٌ... وحِرمانُ

يشتاقُ للخبز أقماراً مدوّرةً

   هل من رغيفٍ؟ وهل في الحيّ جيران؟

وهل أعود إلى الوادي؟ فلي شجرٌ

              هناكَ يضحكُ… تفّاح ورمّانُ

والنَّهر طفلٌ على كفّي أهدهدُه

       والقمحُ فوق التلالِ الخضرِ سلطانُ

كان الصباح شبابيكاً مشرّعةً

                وتملأُ الدارَ من فيروزَ ألحانُ

كان الربيع جميلاً في حديقتنا

        والآن ما فيه أزهار... وأغصانُ…

وكان لي جارةٌ سمراءُ تغمزُ لي

             ولم يكنْ بينَنا بحرٌ وشطآنُ…

وكنتُ أشربُ من فِنجان قهوتِها

             فكلّما استقبلتْني، قلتُ: عطشانُ

تلك التصاويرُ ما زالت بذاكرتي

              والكلُّ من بعْدِها طينٌ، وأوثانُ

طيّارتي وَرقٌ، في الريح أتبعُها

          إلى هضابٍ عليها الحورُ والبانُ

فإنْ رَجَعتُ إلى لبنانَ، لي سببٌ

          فالحبّ عندي لبعض الناس إدمانُ

هناك طفل صغيرٌ لا يزال معي

            ولو يغيبُ...فإنّ العمرَ نِسيانُ…

هناك لي وطنٌ... لولا أغادرُه

       أصيرُ أعمى، وحولي الناسُ عميانُ

***

د. جميل الدويهي اديب لبناني مغترب صاحب موقع أفكار اغترابيّة" للأدب الراقي - سيدني 2021

 

 

صادق السامرائياللغة أداة التفكير، فلكي نفكر نحتاج إلى مفردات تساعدنا على التفكير والتعامل مع الأفكار بقدرات إدراكية عالية.

فالأفكار بحاجة لمفردات، وقوتها تتناسب طرديا مع كمية المفردات المتوفرة للعقل.

فإذا ضعفت اللغة ضعف التفكير، وهذا ينعكس على صورة الحياة القائمة ويتمثل بها.

ولهذا تجد المجتمعات القوية تبدأ بتعليم الأجيالها منذ ما قبل المرحلة الإبتدائية معاني الكلمات، وتضخ فيهم مخزونا لغويا يؤهلهم لإعمال عقولهم والإعتماد على تفكيرهم، ويستمر الضخ المكثف للمفردات ومعانيها ودلالاتها ومراميها حتى نهاية المرحلة الجامعية، التي يكون الشخص فيها قد إمتلك أدوات التفكير اللازمة للتعبير عما يريده ويراه.

إن وعي مفردات أي لغة تحتم على العقل التفكير، لأن المفردات ذات طاقة حيوية وقدرة على التواشج والتوالد، والإنطلاق في كينونات ذات قيمة تعبيرية عن فكرة ما.

وواقعنا العام يشير إلى نضوب المفردات في أجيالنا، وعدم إبتكارنا المناهج التعليمية المعاصرة للغة الضاد، فلا نتبع خطوات المجتمعات المتقدمة في تعليمها للغاتها، ونأخذ منهم ما يضر بلغتنا ويساهم في نضوب مفرداتها وتغريبها عن وعي الأجيال.

فمنذ منتصف القرن العشرين والنخب تجتهد في النيل من اللغة وتقويض أسسها وأعمدتها، التي توارثتها الأجيال بذريعة الحداثة والتجديد، وما حدّثت ولا جدّدت بقدر ما إستنسخت من الآخرين ما يناهض اللغة ويعاديها في ميادينها الإبداعية المتنوعة.

فتجدنا نغرق في كتابات عبثية هروبية خالية من الإضافات المعرفية، والزاد اللغوي الشهي الذي يعين على إثراء المعجميات الذاتية، بل ترانا نقرأ نصوصا خاوية على عروشها، لا تعيننا على إكتساب معنى لمفردة أو إقتباس عبارة ذات قيمة.

وهذا يعني أن نخب الأمة يساهمون في تجديبها من المفردات الضرورية لإنتاج الأفكار والإبداع الأصيل.

وعليه يتوجب الإهتمام بالكلمة ومعناها ومنذ سن مبكرة، وأن تكون النصوص المكتوبة بأنواعها رافدا مهما لإغناء القارئ بالمفردات المعاصرة اللازمة للتفكير التنويري وتفعيل العقل.

وبهذا يمكننا أن نقول بأن اللغة العربية أداة تفكيرنا، ووسيلتنا للإتيان بما يتوافق والإستجابات اللازمة لمواجهة التحديات القائمة.

أما القول بتفعيل العقول وهي خالية من أدوات التفكير فهذا هو الهراء بعينه!!

 

د. صادق السامرائي

 

شاكر فريد حسنمن دواعي الغبطة والسرور أن يقوم الصديق الشاعر الأستاذ رجا الخطيب، القامة الوطنية، ورئيس مجلس دير حنا سابقًا، وصاحب المواقف السياسية والوطنية الجذرية الصلبة، بإهدائي باكورة أعماله الشعرية، ديوانه الموسوم "أكاليل آذار"، الصادر عن دار الحديث  في عسفيا بإدارة الشاعر الناشر فهيم أبو ركن.

يقع الديوان في 131 صفحة من الحجم المتوسط، وجاء بطباعة فاخرة وأنيقة، وأبدعت الفنانة ملكة زاهر بالتصميم الداخلي للديوان، وتصميم لوحة الغلاف الجميلة والمعبرة عن محتوياته ومضمونه. ويهدي رجا ديوانه إلى" الذين يعشقون الحروف، ويصوغون من بقاياها قلائد الكلام، ومحبي الخير والعاملين على إفشاء السلام".

ويتضمن الديوان أشعارًا وخواطر ذات دلالات عميقة، تحمل بعدًا وجدانيًا ووطنيًا وسياسيًا واجتماعيًا عامًا، تحاكي آذار وما يمثله من رمز بالارتباط والالتصاق بالأرض حتى الجذور، يوم انتفضت وهبت جماهيرنا العربية الفلسطينية دفاعًا عن أراضي المل في البطوف والأرض الفلسطينية كلها في العام 1976، وتعكس هذه الأشعار والخواطر الهم العام والوجع الإنساني والجرح الفلسطيني النازف.

لقد قرأت ديوان رجاء الخطيب بكثير من المتعة الذوقية، ووجدت في نصوصه مشاعر الحب والإنسانية وعشق الوطن وأبجديات الحروف، والالتزام الوطني والكفاح بكل تجلياته. إنه يمتلك نفسًا شعريًا وموهبة فذة، ويصب ويسكب أحاسيسه ومشاعره وينسج حروفه وكلماته بكل الصدق والعفوية والتلقائية والرقة والعذوبة والصياغة الجمالية الفنية. وما يميز كتابته الشعرية هو مقدرته الواضحة على المزج بين بساطة التعبير وواقعية الكلمات والمعاني من ناحية ورمزية اللغة الشعرية.

وعنوان الديوان يحمل دلالات فنية رمزية خالصة تلخص الإطار العام للرؤية الشعرية في الديوان كله، فالثورة والغضب على الواقع والحلم بفجر وضاء، وأمل مشرق بغد خالٍ من القهر والالم والظلم الإنساني، يمكن أن يتحقق في يوم من الأيام، ذلك أن الأسى والحزن والشجن لن يظل يطغى على ملامح تجربة شاعرنا رجا الخطيب.

في الديوان قصائد عديدة ومتنوعة الأغراض في معظم المواضيع، الوطنية والسياسية والاجتماعية والإنسانية والوجدانية والتأملية والرومانسية والرثائية، وغير ذلك من هموم وثيمات وعناوين. ففي الغزل نقرأ "رقّ قلبي" وهي قصيدة ناعمة حد الرقة، وفي غاية الروعة والجمال والشفافية ورهافة المشاعر، فيقول:

رقّ قلْبي للحَبيبِ وَراقا

كالندّى عَشِقَ الوُرودَ رِفاقا

يا حَبيبي لا تَزُرْني غِبّا

قد رَمى سَهْمُ المُحِبِّ مُحِبّا

فأصابَ كَبْدَ الهَوى وأراقا

أمْهتْ على ذِكْرِ الحَبيبِ عُيوني

وَوَقَتْ رُؤاهُ سَتائرُها جُفوني

أنْشدْتُ لهُ لَحْنًا فَسَرَّهُ شّدْوي

ما كانَ ظنّي أنّ الهَوى يَكْوي

ومن القصائد التي تحاكي الوطن والتراب والأرض والشهداء الابرار، قصيدته الرائعة "أكاليل آذار" المشحونة بالغضب اللاهب والاعتزاز بشعبه الذي ثار بوجه مصادرة واغتصاب الأرض، والتي اختارها عنوانًا لديوانه، نقتطف منها:

آذار جُرْحُنا يُنْكَأ كلَّ يوْمٍ

حتى بدا نَزيفُ النّجيعِ مَسيلا

شُهَداؤنا لهم في القُلوبِ نُقوشٌ

لِجَميلِ ما اسْتَردّوا نرُدُّ جميلا

ردّوا بِروحِهِم في الحوادِثِ حقًّا

وكرامَةً ومجْدًا فباتَ أصيلا

حقُّ الشّهيدِ موْصولٌ بنا حتّى

لوْ كانَ درْبُنا في النّضالِ طويلا

كلُّ الشّهورِ آذارُ هل هو قَدَرٌ

يأبى تحَمّلًا شعْبُنا وقَبولا

وفي قصائد أخرى يتحدث رجا الخطيب عن عشقه للحروف ولغة الضاد، وعن جمال الربيع ونيسان وأزهار اللوز والطبيعة الخضراء وهمس الليل والفجر ورمضان وعيد الميلاد ورمضان وجائحة كورونا والعنف المستشري في مجتمعنا، ويكتب عن القدس الجريحة والشام وحلب الشهباء والحالة السورية، وعن السلام، ويدعو إلى نشر رايات السلام والمحبة والوئام في المجتمع وبين الشعوب واحقاق الحق الفلسطيني المشروع.

ونلمس في الديوان الحس الطبقي الواضح المنحاز والمنتصر للجماهير المسحوقة الكادحة، المتعطشة للحياة والحرية والعدالة، بالإضافة للروح الريفية الشعبية التي تتجلى في قصيدته " صورة وعرية" التي تنتمي للشعر الايديلي "الريفي"، حيث يقول:

والفلّاح بِمْحاذاةِ الوعَر كرْمُه

عشْقان من ريحْتُه طَعْمُه

تين ودوالي ما شاالله

التين زنّر على الدّايِر

والدّالية تْعرْبشت مَدّاتها عَ صْخور

باحْضانها قْطوفِ العنب تدّلّى

حَبّاتها زْمُرّدُ وْبلّور

وقطوفِ اسْتَوَت مثل الذّهب المِجَلّى

منها حَوّشِ الفلّاح مشَقول

تين وعنب للقَفّور مَلّا

وبحْدا الدالية بُطْمِة عالْيِة

بين اغصانَها نَطْنطِ الشّحْرور

وفي الديوان كذلك قصائد في الرثاء، فنراه يرثي بكل الحزن واللوعة والأسى المناضل شوقي خطيب، وجاره المربي صالح محمد خلايلة، والمرحوم البروفيسور الشاعر فاروق مواسي، سيد الحرف، الذي يقول فيه:

أبْكيْتَ حَرْفًا كانَ فيكَ يُمَتّعُ

وَقَصِيدَةً تَرْثي الرّحيلَ وتَدْمَعُ

يا سَيّدَ الحَرْفِ الّذي قوّمتَهُ

بعْدَما لَهَجتْ فيهِ ألْسُنُ تَبْدَعُ

أوْجَعْتَ فينا شِعْرّنا ورُواءَهُ

لوْ كُنْتَ تدْري كم رَحيلُكَ يصْفَعُ

فاروقُ حينَ تَشاكَلَتْ وتَحيّرَتْ

فينا الرُّؤى، كُنْتَ المُحَكَّم تَشْرعُ

زِنَةَ الرَّواسي بالحُضورِ رَصانَةً

مُتكامِلًا كالبَدْرِ نورُكَ يسْطَعُ

وتمتاز قصائد ديوان "أكاليل آذار" بالرصانة والجزالة اللفظية وقوة التعبير واللغة، ومتانة السبك والحبك، والعذوبة اللغوية الموسيقية، والروح الشاعرية المرهفة الشفيفة، والشعور الوطني العارم الطاغي على مضامينها، فضلًا عن الصور الشعرية الخلابة المبتكرة، والاستعارات البلاغية والايحاءات العميقة.

ومن نافلة القول، أن رجا الخطيب استطاع بفضل موهبته الفنية الإبداعية وثقافته السياسية والفكرية ومقدرته اللغوية، وبأسلوبه السهل الممتنع العذب والمتميز أن يصقل ويطور أدواته ويسمو بها نحو الابداع والتجديد ليلائم مقتضيات التطور والحداثة في المسيرة الشعرية الحديثة. وما هذا الديوان سوى بطاقة تعريفية لشاعر نجح عبر متخيله الشعري أن يحول أغنياته وأناشيده وخواطره إلى ترنيمات وألحان شجية ينبض فيها الأمل والبقاء والحياة.

فللصديق الأستاذ العزيز الشاعر رجا الخطيب أجمل التهاني بصدور ديوانه الأول "أكاليل آذار"، مع أصدق التحيات وأطيب الامنيات بدوام التوفيق والنجاح والمزيد من الإبداع والعطاء والإصدارات الشعرية.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

نايف عبوشلا جدال في ان الحفاظ على الموروث المعماري للبيئة الموصلية، انما يعني الحفاظ على سمات هوية الشخصية الموصلية، في سيرورتها المتعاقبة عبر الزمن، حيث ان تراثها المعماري يحمل ملامح الهوية الحضارية لتلك الشخصية المتميزة، لاسيما وأن الموصل، قد صنعت لها تاريخاً حضارياً ضارباً في عمق الوطن، فكانت راس العراق على مر التاريخ.. وظلت بذلك، حاضرة ثرية بالموروث المعماري، الذي يتنوع بخصوصيته، بتنوع المكان، والمناخ، والناس.. وبذلك يظل الموروث المعماري لها نمط حياة،وهوية مدينة، وليس مجرد مجسمات هنسية محضة.

وهكذا ظلت الموصل بمعمارها التراثي المتميز، واسلوب حياتها الخاص، أصيلة الهوية، وعصية على عوامل المسخ والتشويه، رغم كل ما لحق بها من نكبات، وأضرار، عبر تاريخها الطويل.

ان المطلوب اذن، عند الشروع باعمار مدينة الموصل.. هو الشروع بتوثيق معالم المعمار التراثي الموصلي البارزة، من الحصون والقلاع، والقصور، والمساجد، والتكيات،والازقة، والحارات..  وعلى رأسها بالطبع، منارة الحدباء العتيدة، للحفاظ عليها من ضياع معالمها نتيجة الدمار الذي لحق بها، مع انه يصعب إعادة تشكيل تلك المعالم برمتها، كما كانت قبل الدمار الذي لحق بها، لاسباب مالية، وفنية،ناهيك عن ضرورة أخذ متطلبات التوسع، وتداعيات العصر بنظر الاعتبار .

ومع كل تلك المعوقات، فإنه لابد من محاولة الإبقاء على الشكل المعماري المنحني لمنارة الحدباء، بالاستفادة من معطيات الهندسة المعمارية المعاصرة، والتسهيلات الفنية المتاحة، لاسيما وان الموصل اخذت إسمها مدينة (الحدباء) من المنارة بهيئتها المحدبة، وما يعنيه أمر الحفاظ على معمارها المحدودب، من رمزية كبيرة، للمنارة كإرث تاريخي، في استلهام  المسميات والمعاني، حتى تغنى بها الشعراء الموصليون، ومنهم الشاعر الكبير، احمد علي السالم أبو كوثر ، حيث يقول في قصيدته العصماء ( سينية ألحدباء ) :

وفي عيوني ترى الحدباء شاخصة ... أم الرماح وعهدي ناسها ناسي

حورية الجيد في سيمائها حدب ................ كأنها ملك يرنو لجلاس

إذا وقفت على البوسيف تنظرها ........ ترى سناء لها يسمو بنبراس

نطرتها نظرة نجلاء فابتدرت..... شؤون عيني وهز الوجد إحساسي

وهمت واحتشد الماضي بذاكرتي..... وزاحمتني خيالاتي وأحداسي

وتبقى مسؤولية النهوض بمشروع إعادة إعمار الموصل، مسؤولية جمعية، اكبر بكثير من ان يتم حصرها بجهة معينة لوحدها، مما يتطلب ان ينهض بهذه المهمة الجليلة، كل من يعنيه امر التراث الموصلي وخصوصياته، من الكتاب، والمؤرخين والفنانين والباحثين، والمعماريين، والرواة،ورجال الأعمال، وغيرهم.. من أبناء الموصل.. 

ولا ريب ان في الموصل من الطاقات العلمية، والفنية، والمادية، الحريصة على الحفاظ على تاريخ الموصل وهويتها وتراثها، ما يمكنها من ان تنهض بهذه المهمة بجدارة عالية، وتترجمها الى واقع عملي ملموس، فتحفظ للموصل هويتها المعمارية التراثية، المتصلة حركيا بالتاريخ، من دون تحريف، كلما كان ذلك ممكنا.

 

نايف عبوش

 

 

هاشم عبود الموسوييقول "فاليري": يُلاحظ أنه في حوالي منتصف القرن التاسع عشر، قد ظهرت رغبة واضحة في مجال آدابنا وهي ترمي الى عزل الشعر عزلا كُليا عن كل عنصر آخر عداه وتظهر هذه الرغبة عند بواكير "بودلير" كما سبق  أن قلنا، وتتأكد عند "ماللارميه" بقوة أشد . لكن من الخطأ أن نقول هذا عن الأدب الفرنسي وحده، فبودلير يدين بالكثير من هذا الى "لا دجارو" وأضف أن نفس الإتجاه كان موجودا في نفس العصر لدى كتاب الرومانتيكية ونقادها فيما وراء المانش (بريطانيا) من أمثال "وردزورث" و"كيتس" ... ولكن هذه الدعوات انحسرت شيئا  فشيئا ولم يعد الشعر معزولا عن باقي الفنون الأدبية .. وقد ظهر من يمثل الأدب الشامل في عصرنا هذا .

 

د. هاشم عبود لموسوي

هشام بن الشاويهذه ليست ورقة، مجرد انطباعات مشاهد  - مجرد مشاهد- عن مسلسل درامي، يعرض حاليا على  بعض الفضائيات العربية، وهروبا من الإعلانات، آثرت أن أكون  آخر من يشاهد الحلقات على الإنترنت، علما أنني اعتزلت متابعة الدراما منذ رحيل الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة، وتفاقم الوضع بعد غياب وحيد حامد، علما أنني - كما كتبت في  مقال القدس العربي-  لم أكن متحمسا لمتابعة  مسلسله المثير للجدل " الجماعة"، لأن هذا المسلسل حرمنا  من نتاجه الدرامي المتميز...  لكن وجود هذه الثلة الرائعة من الفنانين في مسلسل "القاهرة كابول"، ولأنني أثق في قدرات الكاتب والروائي كمال عبد الرحيم، قررت متابعة حلقات هذا العمل الدرامي الشيق.

هذه بعض الانطباعات العابرة التي كتبتها على حسابي في تويتر، حول بعض المشاهد التي راقتني في المسلسل.

على ضفاف الشعر، المشاعر، الفن.. وبحضور الفنانة الرقيقة حنان مطاوع، قضينا وقتا ممتعا، لطيفا.. استعرنا بعض الشجن  الشفيف لواقعنا المعاش، الموغل في نثريته الفجة.

كانت مفاجأة مذهلة أن تكون منال، هي ملهمة  الشاعر الخجول، وابنة خاله، التي يعتبرها أجنبية... والتي لا يحق له التحديق فيها إلا بعد أن تصير  حليلته، علما أنه لا يفرق بين "لما"، و"لو"... هذه الأخيرة التي بتعريف فناننا الجميل نبيل الحلفاوي  (القبطان ) تفتح عمل الشيطان!

المشهد الأخير  في الحلقة الثانية كان إنسانيا... لكن هل تم اغتيال المخرج (أحمد رزق) بسبب موقفه من التطرف  الديني أم أن المقصود كان هو العميد،  الذي استعار قبعته، فجاء موته فداء لتلك الصداقة القديمة، البريئة في زمن غير بريء..؟

بالنسبة إلى الموسيقى التصويرية المصاحبة لمشهد اغتيال المخرج خذلنتني كثيرا..  المشهد كان  في حاجة ماسة  إلى لمسة سحر، إلى بعض روح ياسر عبد الرحمن أو محمود سرور... بكاء الكمان يليق بمثل هذه المشاهد، بدل إيقاع تنذيري... بدت  معه الموسيقى  شبه باردة، مثل جثة غريبة ملقاة على قارعة الطريق !

خصصت الحلقة   الثالثة  للحديث عن "سلالم الشر"، التي يحاولون ارتقاءها من أجل الظفر  بغنيمة ما،  نعم غنيمة؛  الحياة صارت مثل الحرب.. عالم من الخدع الدنيئة، وحده الموت يعري حقيقتنا.. هناك من لا يهمه سوى كسب المزيد ، المزيد  من الغنائم، ولو تاجر  بموت صديقه، من أجل مجد إعلامي إضافي !  أو يقتل صهره، لأنه يقف حجر عثرة في سبيل طموحه.. هذا هو دور الدراما، إنها  ليست تجميع  نشرات الأخبار، التي تتحدث عن موت مخرج بكل برود ، ولا يهمها ما بعد هذا الموت، الذي يدمر حياة أسرة ، يشرد  أيتاما...!

2383 القاهرة 2

ولا يفوتني التنويه بقفزات الكاميرا  بين مأتمين في سلاسة، مشهد الأب الذي يتابع الأخبار  بلا صوت، ومشهد البداية الخلاب.. الأشجار  عارية الأغصان، و أشعة الشمس الخريفية، وهي تداعب الإسفلت في حنو، سرعان ما سينفجر في  مشهد المكالمة الهاتفية...

وكانت فنانتنا الرقيقة حنان مطاوع  درة عقد  هذه الحلقة في مشهدين، مشهد الفصل وهي تعرف اللغة العربية، وطبعا،  لست في إعادة الإشارة إلى أن عبد الرحيم كمال، يجعلنا نصافح  أرواح كتاب كبار نحبهم.. في الكثير من المشاهد، التي تحرضنا على التفكير، والكفر  بكل المسلمات، إنه يكتب دراما تسمو بالوعي والذائقة.

مشهد الإجابات المقتضبة، المتقطعة، المتمهلة جعلتنا نتذوق قطرات الحزن، الذي يعشش في روح عاشقة،  اختارت أن تبقى رهينة عواطف قد تخذلها، مثلما تخذلنا الأشياء الجميلة دائما. حنان مطاوع علمتنا أن نتفادى  الأحكام  المسبقة، أن نمحو من قواميسنا اليومية كلمة: عانس!

الحلقة  الرابعة.. حلقة صراع بين القلب والعقل!

سأحاول  التغاضي عن كل هذه النقاشات الفكرية، رغم أنها قدمت بشكل سلس، ناعم وراق، أولا لأن الحيز لا يتسع، و أيضا من الصعب الحكم مسبقا على أية أطروحة أو إشكالية...

في  هذه الحلقة  شاهدنا مباريات ثنائية  على  ملعب المشاعر، بين العميد عادل وأخيه،  وعم حسن وابنته منال التي جسدت دورها الرقيقة حنان مطاوع، ولا أعرف  لماذا  تخطر في بالي   الآن الفنانة  الشجية  الجميلة نيلي.. أعتقد أن ثمة خيط رفيع بينهما، فما أحوجنا إلى فنانة رقيقة شجية تنتشلنا من هذا الكم الهائل من المتطفلات على الفن!

افتقدت خالد الصاوي - الذي نعرفه-  في الحلقات الثلاث السابقة، لكن في هذه الحلقة استعدنا ذلك الفنان المحبوب؛ غول تمثيل في المشاهد الوجدانية،  يلغي وجود الممثل المقابل له!

الجميل نبيل الحلفاوي، الذي كلما شاهدته.. تذكرت سائر أدواره في دراما عكاشة، وكلها أدوار محفورة في الوجدان العربي.. من يستطيع أن ينسى دور الصعيدي رفاعي  في "زيزينيا"، أو دور الصديق الغامض في "كناريا وشركاه"، أو الطبيب المثالي رأفت في "الحب وأشياء أخرى".. وفي "تحت الملاحظة"؟!

ارحمونا من كل هذا الحنين القاسي...

من الأقوال  البديعة التي ستبقى عالقة في ذاكرة المشاهد مثل حكم، تعريفات عم حسن لبعض مفردات الحياة اليومية: "الهداية درجات.."، "الأكل عبادة.."!

شكرا عبد الرحيم كمال، لأنك تتيح لي فسحة صغيرة للكتابة، في شهر  الكسل بامتياز  عند الكتاب والمبدعين، حتى القراءة فيه تغدو عملا شاقا.

تحية لكل صناع هذا الجمال الباذخ، الشجي، المحرض، الجارح....

"القاهرة كابول" بطولة: فتحي عبد الوهاب، طارق لطفي، خالد الصاوي، حنان مطاوع، نبيل الحلفاوي، تأليف عبدالرحيم كمال، إخراج حسام علي.

 

هشام بن الشاوي - المغرب

 

صادق السامرائيشاعر وخطيب وحكيم من العرب قبل الإسلام، توفي سنة (600) ميلادية، (23) قبل الهجرة.

وإشتهر بخطبته في سوق عُكاظ، ومنها: "أيها الناس إجتمعوا وإسمعوا وعوا، مَن عاش مات، ومَن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، إن في السماء لخبرا، وفي الأرض لعبرا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لا تغور، ....."

وهو أول من خطب متكئا على عصا، وكتب من فلان إلى فلان، وإما بعد، وأول من قال : البينة على من إدعى واليمين على من أنكر.

ومن شعره: لما رأيت مواردا... للموت ليس لها مصادر، ورأيت قومي نحوها ...يمضي الأصاغر والأكابر، لا يرجع الماضي ولا...يبقى من الباقين غابر، أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر".

ويُقال أن الرسول الكريم قد حضر خطبه قبل البعثة، وذكر بعضا من مواعظه.

فهو شاعر وخطيب، وما إجتمعت الموهبتان عند غيره، ومع تكاثر الشعراء تقدم الخطباء فكان قس بن ساعدة قدوتهم وأبلغهم وأحكمهم.

وتنسب له أقوال عديدة كغيره من حكماء العرب، لكنه  فاقهم شهرة وترسخت خطبه في وعي الأجيال، ولا تزال مقروءة ومسموعة بعد أكثر من أربعة عشر قرنا، مما يشير إلى بلاغتها وحسن أسلوبها، وقوة تأثيرها في نفس المستمعين، ولما تكنزه من حِكم وعِبر ومواعظ نابعة من تجربة متبصرة وواعية بمعاني الوجود والحياة.

ويمثل صورة مشرقة من أحوال العرب قبل الإسلام، وهو كالجزء الظاهر من جبل الثلج العربي الغاطس في مياه تهمة الجاهلية.

فالذين يكون بين ظهرانيتهم قس بن ساعدة وأمثاله لا يمكن وصفهم بالجهلة أو الجاهليين، فهو يقدم شهادة ودليل على بطلان هذا الإدعاء السائد بين الأجيال.

هؤلاء يمثلون زبدة المجتمع العربي آنذاك، وفيهم فطاحل وأفذاذ، لا تزال بصماتهم واضحة في أشعارهم، وما خلفوه من إبداعات تشير إلى تفاعلاتهم الحضارية المتقدمة مع عصرهم.

 

د. صادق السامرائي

 

صادق السامرائيعبد الرحمن بن كمال الدين أبي بكر بن محمد يابق الدين خضر الخضير المشهور بإسم (جلال الدين السيوطي)، (849 - 911) هجرية، ولد في أسيوط \القاهرة، وعاش (60) سنة، وقام برحلات عديدة للحجاز والشام والهند والمغرب، درس الحديث في المدرسة الشيخونة، وتفرغ للعبادة والتأليف في سن الأربعين.

هذا علم عربي نابغة زمانه والعصور، وغزير التاليف، وكان أول كتبه "شرح الإستعاذة والبسملة"، ألّفه في سن السابعة عشرة، ولم يترك ميدانا إلا وصنّف فيه، حتى في الطب لديه كتب:

 " النهج السوي والمنهل الروي في الطب النبوي، شقائق الأترج في رقائق الفتج . الدستور الجلالي في المعالجات، طب النفوس".

شيوخه:

محي الدين الكافيجي، يحيى بن محمد المناوي، أمين الدين الأقصراني، العز الحنبلي، المرزباني، جلال الدين المحلي، تقي الدين الشمني، وغيرهم، ويقال أنه أخذ العلم عن (150) شيخا.

تلاميذه:

شمس الدين الداودي، شمس الدين بن طولون، إبن إياس، وزين الدين الشماع وغيرهم، وهم من البارزين بمؤلفات ذات قيمة كبيرة.

من مؤلفاته:

.تأريخ الخلفاء، الإتقان في علوم القرآن، الجامع الكبير، الحاوي للفتاوى، إعراب القرآن . طبثات الحفاظ، طبقات المفسرين، لب اللباب في تحرير الأنساب، لباب الحديث.

هذه مختارات من مؤلفاته الغزيرة التي لا يمكن أن يقدر عليها إلا ذوي الهمم العالية والمواهب الغالية والقدرات السامية.

ولديه أرجوزة." تحفة المهتدين بأخبار المجددين" بين فيها أسماء المجددين من القرن الأول وحتى التاسع الهجري.

هذا النابغة الألمعي الموسوعي لم يترك شيئا لم يؤلف فيه، حتى عن العلاقة الحميمية بين الرجل والمرأة!!

وبرغم مرور قرون على وفاته، فأن كتبه لا تزال متداولة وذات قيمة معرفية وتوثيقية، تعين الباحثين في شتى المجالات، فهو ينبوع ثقافي لا ينضب، وكأنه أخذ العلم من منابعه العلوية الصاقية.

السيوطي ظاهرة تشير إلى أن الأمة تلد من أبنائها مَن تستجمع طاقاتها الحضارية فيه وتسخره لتأدية رسالتها، التي بموجبها تبقى وتتجدد وتكون كجوهرها الناصع المشرق المبين.

يُذكر أنه تفرغ للتأليف والعبادة في سن الأربعين، وأنتج 600 كتابا قي عشرين سنة، فهل كان يؤلف كتابا في أقل من شهر، مع الأخذ بنظر الإعتبار ظروف زمانه، وآلية الكتابة بالريشة والدواة وقلة الورق ونوعيته.

وكتبه التي ألفها تستدعي جهدا ووقتا قلا يعقل أنه ألف كتاب "تاريخ الخلفاء" في أقل من شهر، أو غيره من الكتب الضخمة.

ترى هل يمكن تصديق ذلك، وإن تحقق صدق ما أنجزه من الكتب، فهو من أكثر الأعلام في تاريخ البشرية تأليفا، وقد إمتلك طاقات خارقة في المعارف والعلوم وقدرات لا مثيل لها في تأليف الكتب، أم أن العديد من المؤلفات قد نسبت له، أو ألصقت به كما هو الحال في مسيرة التأريخ الذي تنسب فيه أقوال ومؤلفات لغير أصحابها؟!!

إذ ربما يكون للنساخين دورهم في إلصاق الكتب بأسماء مشهورة لكي يتم بيعها، فنزاهة النساخين مشكوك فيها، وأنهم يتاجرون بالكتاب الذي هو بضاعتهم، وعليهم أن يروّجوها بما يستطيعونه من الأساليب، ومنها إلصاق أسماء معروفة مرغوبة بالكتاب الذي يستنسخونه، فما كانت هناك حقوق ملكية أو أدلة قاطعة على أن مؤلف الكتاب هو فلان الفلاني إلا فيما ندر.

والبعض يرى أنه بدأ التأليف في سن مبكرة، مما قد يبرر تأليف هذا الكم من الكتب التي تتناول حقول معرفية متنوعة.

 

د. صادق السامرائي

 

صادق السامرائيأبو حنيفة واصل بن عطاء المخزومي (80 - 131) هجرية. الملقب بالغزال الألثغ لعاهة في نطق حرف الراء.

ولد في المدينة، وكان تلميذا لمحمد بن الحنفية، ولزم الحسن البصري في حلقاته، لكنه إنفصل عنه وأسس حلقته في جامع البصرة، فقال الحسن: "إعتزلنا واصل"، وسميت فرقته بالمعتزلة، وهي فرقة كلامية إشتهرت بالجدل والمناظرة.

وهو من زعماء العقلانيين، ومنظري التكفير، ومؤسس نظرية "المنزلة بين المنزلتين" وتعني أن مرتكب الكبيرة ليس بمسلم ولا كافر ولكنه بمنزلة بينهما.

مؤلفاته: " أصناف المرجنة، التوبة، معاني القرآن، المنزلة بين المنزلتين، الدعوة، الفتيا، السبيل إلى معرفة الحق".

ومن خطبته المرتجلة التي تجنب فيها حرف الراء: "....أوصيكم عباد الله مع نفسي بتقوى الله والعمل بطاعته، والمجانبة لمعصيته، فأحصطم على ما يدنيكم منه، ويزلفك إليه، فإن تقوى الله أفضل زاد وأحسن عاقبة في معاد.

ولا تلهينكم الحياة الدنيا بزينتها ةخدعها ’ وفوات لذاتها، وشهوات آمالها، فأنها متاع قليل، ومجة إلى حين، وكل شيئ منها يزول، فكم عاينتم أعاجيبها، وكم نصبت لكم من حبائلها، وأهلكت ممن جنج إليها واعتمد عليها، أذاقتهم حلوا، ومزجت لهم سما.....".

وهو من أهل العقل لا النقل، ومؤسس فرقة المعتزلة، ذات الأصول الخمسة: "التوحيد لله ونفي المثل عنه، العدل وهو قياس أحكام الله على ما يقتضيه العقل والحكمة، المنزلة بين المنزلتين، الوعد والوعيد  في الآخرة على أصحاب الكبائر وأن الله لا يقبل فيهم شفاعة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإمكان والقدرة باللسان واليد والسيف كيف قدروا على ذلك".

وتتضارب الدراسات والمقالات بشأنه، لكنه ظاهرة سلوكية، تشير إلى أن الأمة تواجه تحديات زمانية ومكتنية عليها أن تتواكب معها بآليات إيجابية ذات قيمة تفاعلية طيبة، بدلا من الميل المتطرف المندفع نحو التكفير والدوغماتية، التي رافقت المدارس والفرق التي حاولت أن تجدد وتنتصر بالعقل على النقل ، لكنها إنحرفت وسفكت الدماء وما جددت، بل عضّلت التفاعل ما بين النص والزمن الذي هو فيه، ولا تزال الأمة في هذه المحنة التي تكلفها المزيد من الخسران.

ولن تستقيم أحوالها إن لم تدرك الفرق والمذاهب، أن تقوم بدور إستشاري وأخلاقي وحسب، وتبتعد عن السلطة لأنها ذات موجبات تتعارض مع أي دين.

 

د. صادق السامرائي

 

 

صادق السامرائيما أنتجه المفكرون العرب على مدى عقود وعقود، يمكن تلخيصه بعبارة "إعمال العقل في النص الديني" أي التأويل، ومعظمهم لم يتحرروا من هذا القيد الثقيل، وكأن الأمة لوحدها عندها دين، ومسيرتها ليست حافلة بما لا يُحصى من التأويلات والتفاسير وغيرها مما يتصل بالنص القرآني.

فهي أمة فيها أكثر من كافة أمم الأرض كتابات دينية.

ولا نزال نسمع خطابات بهذا الشأن وعلى مستويات متنوعة، وآخرها صيحة " تجديد الخطاب الديني"!!

يا أمتي ألا يوجد شيئ آخر علينا أن نُعمل عقلنا فيه سوى النص الديني؟!!

يا أمتي لماذا لا نُعمل عقولنا بموضوعات أخرى تنفعنا وتطور حياتنا؟!!

الكتابات الطاغية في الساحة الثقافية دينية، وكذلك في الساحة السياسية، وأصبحت الأمة في صراع مصيري بين وجودها ودينها، ودينها يقتل ذاتها وموضوعها، وما فطنت إلى إعمال عقول أبنائها في العلم والعمل.

المفكرون العرب بتنوعاتهم وكثرتهم لا يمتلكون الجرأة للخروج من الدائرة المفرغة الفاعلة فيهم والمقيدة لرؤاهم وتصوراتهم، والمحددة لمنطلقاتهم وقدراتهم على التبصر والتدبر والتفكر.

وتجدهم يتحدثون عن الأصولية والدوغماتية وكأن الحياة في الدين، وليس العكس، وبهذا يساهمون في تعزيز التوجهات المعطلة للعقول، والمتمسكة بالمطلق الجامد الذي يقتل نزعة التفكير والنظر المعاصر في أي شأن.

كما تراهم ينغمسون في موضوعات تراثية كل من زوايا نظره، وما تأثر به من المستشرقين ومدارس الفلسفة الأجنبية، فيقرأون الواقع بعيون الآخرين، ويستنتجون ما لا يتوافق معه، ويبتعد تماما عن وعي البشر المتفاعل في المكان والزمان.

فلا توجد نظريات حاسمة بخصوص التراث والتفاعل مع النص الديني، وإنما تفاعلات مكررة ومملة، لا تختلف عما تناوله المفكرون العرب قبل عدة قرون، وهذا يشير إلى حالة الجمود والركود الفاعلة في مسيرة أمة تريد أن تكون.

فلماذا لا يتحرر المفكرون من التراكمات السلبية وينطلقون بالأمة إلى ذرى جوهرها الساطع المبين؟!!

 

د. صادق السامرائي